← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال ﵀: "وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، كما قال النبي ﷺ لعمران: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً .... ، فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت قاعداً أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائماً، وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة". • ومن صلى بعد الوقت متعمداً فقد اختلف العلماء: القول الأول: أنه يقضيها. لقوله ﷺ (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها). قال النووي: "فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ". القول الثاني: أنه لا يقضيها، وهذا مذهب أهل الظاهر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: أنه لو صلى قبل الوقت فصلاته باطلة بالاتفاق، فكذلك لو صلاها بعد الوقت متعمداً فصلاته باطلة، ففي كلا الحالين قد تعدى حدود الله. قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم وهذا القول هو الراجح. • وقوله (أوتأخير بعضها) أي يحرم تأخير بعض الصلاة بحيث يؤخرها حتى إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة صلى، لأن الواجب إيقاع الصلاة جميعها في الوقت.

стр. 142

م/ إلا إذا أخرها ليجمعَها مع غيرِها فإنه يجوز لعذر من: سفر أو مطر أو مرض أو نحوها. أي يجوز تأخيرها في حالة جواز الجمع لعذر من سفر أو مرض أو نحوها، فيباح له التأخير، لأن وقت الثانية يصير وقتاً لهما • وهذا الاستثناء يشبه أن يكون صورياً، لأنه إذا جاز الجمع صار وقت الصلاتين وقتاً واحداً، ولا يقال أخرها عن وقتها • بعض العلماء استثنى حالة: وهي إذا كان منشغل بشرطها الذي يحصله قريباً. مثال: إنسان انشق ثوبه فصار يخيطه، فحان خروج الوقت، فإن صلى قبل أن يخيطه صلى عرياناً، وإن انتظر حتى يخيطه صلى مستتراً، فقالوا: فهذا تحصيله قريب، فهنا يجوز أن يؤخرها عن وقتها. لكن الصواب أنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة مطلقاً، وأنه إذا خاف خروج الوقت صلى على حسب حاله وما عجز عنه من واجبات الصلاة يسقط عنه، ولأنه لو جاز انتظار الشرط ما صح أن يشرع التيمم.

стр. 143

م/ والأفضلُ تقديمُ الصلاة في أولِ وقتِها. لقوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم … ). ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة. ولحديث أبي برزة: (كان رسول الله ﷺ يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية). ولحديث أبي برزة فقد جاء في رواية: (كان النبي ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس) متفق عليه … تدحض: تزول. ونقل الإجماع على ذلك النووي. عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي المغرب إذا وجبت). متفق عليه ولحديث رافع بن خديج: (كنا نصلي مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله). متفق عليه قال النووي: "معناه أنه يبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف ويرمي أحدنا بالنبل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء".

стр. 144

م/ إلا العشاء إذا لم يشق. أي: إلا العشاء بشرط عدم المشقة. لحديث ابن عباس ﵁ قال (أعتم النبي ﷺ بالعشاء فخرج عمر فقال: رقد النساء والصبيان. فقال رسول الله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة»). متفق عليه وعن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل) رواه أبو داود. قوله (أعتم) أي دخل في العتمة، وهي ظلمة الليل. • السبب في أن الأفضل تأخير العشاء: أن فيه انتظار للصلاة وفي الحديث (ولا يزال الإنسان في صلاة ما انتظر الصلاة). أن تأخيرها يوافق هدأة الناس وسكونهم وهو أدعى للخشوع. • سبب مراعاة النبي ﷺ لحال الناس فيما يتعلق بصلاة العشاء: أ - لتجتنب المشقة على الناس، خاصة النساء والصبيان. ب - لأنه ﷺ خشي أن تفرض عليهم في هذا الوقت فيشق على الأمة الالتزام بذلك.

стр. 145

م/ وإلا الظهرَ في شدةِ الحر لحديث (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم). أي: ومن الحالات التي يسن تأخير الصلاة عن أول وقتها، صلاة الظهر في شدة الحر والدليل ما ذكره المؤلف من قوله ﷺ (إذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم). متفق عليه وهذا مذهب جمهور العلماء: أنه يستحب الإبراد. [فابردوا بالصلاة] أي أخروها عن ذلك الوقت وأدخلوا بها في وقت الإبراد، وهذا الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر [فيح جهنم] شدة حرها وشدة غليانها. • يكون الإبراد إلى قرب وقت العصر فهذا الذي يحصل به الإبراد، قال الشيخ ابن عثيمين: "فإذا قدرنا أن الشمس في أيام الصيف تزول الساعة [١٢] وأن العصر يؤذن الساعة الرابعة والنصف، يكون الإبراد إلى الساعة [٤] تقريباً". • اختلف العلماء في معنى كون شدة الحرّ من فيح جهنم. فقيل: أن في الكلام تشبيهاً، والمعنى أن شدة الحر تشبه نار جهنم، وهذا غير صحيح لأنه خلاف ظاهر الحديث، وقيل: إن شدة الحر فعلاً ليست من الشمس بل من النار، وهذا غير صحيح، لأنه مكابرة للحس والواقع، وقيل: إن لشدة الحر سببين: سبب شرعي، وسبب طبيعي، فالسبب الطبيعي من الشمس، والسبب الشرعي فهو من حر جهنم ووهجها ولا مانع من أن يتزامن السببان، وقيل: هو على ظاهره، قال النووي: "هو الصواب، لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته". • ظاهر الحديث عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد، وقال أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد التعجيل. قال الشوكاني: "والحق عدم الفرق، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره". • قال ابن رجب في شرح البخاري: "اختلف في السبب الذي من أجله أمر بالإبراد: فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بَعُدَ من المسجد بمشيه في الحرّ، ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم، فلا فرق بين من يصلي وحده أو جماعة".

стр. 146

م/ وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا مُرَتِّبًا. أي: أنه من فاتته صلوات فإنه يجب عليه قضاؤها. • فاتته: الفائتة كل عبادة خرجت عن وقتها سواء كانت نفلاً كالوتر، أو فرضاً كالصلوات الخمس. وسمي قضاءً لأنه فعل العبادة بعد خروج وقتها، والدليل على أنه يجب قضاء الصلاة الفائتة: حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) واللام للأمر والأمر للوجوب، فدل على وجوب المبادرة بقضاء الصلاة الفائتة. وربما يستدل لذلك بقوله تعالى (وأقم الصلاة لذكري) أي لتذكري. ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شغلت ذمته بها فوجب عليه قضاؤها، لأنها كانت ديناً عليه. والنبي ﷺ قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السفر. قال الشوكاني: "الحديثان يدلان على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان، وهو إجماع". • أن الصلاة الفائتة تقضى على صفتها، لأن القضاء يحكي الأداء. • وقوله: (فوراً) أي يجب أن يقضيها مباشرة من حين أن يتذكرها. للحديث السابق: ( … فليصلها إذا ذكرها)، فهذا يدل على أنها تقضى فور الذكر.

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث الذي فيه: أن النبي ﷺ نام وأصحابه عن صلاة الفجر ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فلم يصلها ﷺ مباشرة بل قال: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) وفي رواية: (أمر بالارتحال وقال: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان). والجواب: أن هذا ليس فيه دلالة على التأخير المستمر، لأن حديث أنس: (من نام عن صلاة … ) نص صريح في الوجوب على الفور، وأما هذا الحديث فمحمول على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضاً عن القضاء، وخاصة أنه جاء في الحديث بيان السبب، هو: (أن هذا مكان حضرنا فيه الشيطان). • وقوله (مرتبة) أي يجب قضاء الصلوات الفائتة مرتبة. فإذا كان عليه خمس صلوات؛ بدأ بالظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر. والدليل على وجوب ذلك: حديث أنس السابق: ( … فليصلها إذا ذكرها) فهذا يشمل عين الصلاة وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن يكون في موضعها الترتيبي، فمثلاً الظهر يصلها ما بين الفجر والعصر ولحديث جابر: (أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش؛ وقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : والله ما صليتها، قال: فقمنا فتوضأ للصلاة فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب). متفق عليه وكان النبي ﷺ في الجمع يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأولى. ويمكن أن يستدل بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي). • وظاهر كلام المصنف: (ومن فاتته صلاة وجب عليه قضاؤها) أنه لا فرق بين المعذور كالنائم والناسي، وغير المعذور، وهو المتعمد، وهذا مذهب جماهير العلماء؛ أن المتعمد بتأخير الصلاة فإنه يقضيها لكنه آثم (وسبقت المسألة وأن الراجح أنه لا يقضيها).

стр. 148

م/ فَإِنْ نَسِيَ اَلتَّرْتِيبَ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ خَافَ فَوْتَ اَلصَّلَاةِ، سَقَطَ اَلتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اَلْحَاضِرَةِ. ذكر المصنف الحالات التي يسقط فيها وجوب الترتيب. فذكر منها: النسيان. مثال: كما لو كان على الإنسان خمس صلوات، يبتدئ من الظهر، فنسي فبدأ من الفجر مع أنها هي الأخيرة، فهذا لا بأس لأنه ناس، وكذا لو بدأ بالعصر قبل الظهر ناسياً فإنه يصح لنسيانه. لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). الحالة الثانية: الجهل. مثال: لو أن إنساناً جاهلاً فبدأ بالعصر قبل الظهر ثم المغرب، فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل. وقد قال تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه الحالة الثالثة: أو خاف فوت الصلاة. لعل المصنف يقصد خوف خروج وقت الحاضرة. مثاله: كرجل ذكر فائتة وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الفائتة والفجر، فهنا يقدم الحاضرة وهي الفجر. لأن الله أمر أن تصلى الحاضرة في وقتها، فإذا صليت غيرها أخرجتها عن وقتها. ولأنك إذا قدمت الفائتة لم تستفد شيئاً، بل تضررت، لأنك إذا قدمت الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاء، وأما إذا بدأت بالحاضرة؛ صارت الحاضرة أداء، والثانية قضاء، وهذا أولى.

стр. 149

م/ وَمِنْ شُرُوطِهَا سَتْرُ العورة. هذا الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة، وهو ستر العورة. (أي تغطية العورة). قال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو قادر على الاستتار". قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). والزينة المأمور بأخذها عند الصلاة قسمان: زينة واجبة: هي ستر العورة كما سيأتي، وزينة مستحبة: وهي ستر ما زاد على العورة. وقال ﷺ : (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به). متفق عليه ثم ذكر المصنف شروط الثوب الساتر فقال:

стр. 150

م/ بِثَوْبٍ مُبَاحٍ. بشرط أن يكون الثوب الساتر مباحاً، فلا يجوز أن يكون محرماً. والمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: محرم لعينه: كما لو صلى بثوب حرير [ومن المعلوم أن الحرير حرام للرجال] فلا تصح صلاته. محرم لكسبه: كمن صلى بثوب مغصوب أو مسروق، فلا تصح صلاته. محرم لوصفه: كمن صلى في ثوب مسبل. وقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه) رواه أحمد وهو ضعيف وذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة بالثوب المحرم مع الإثم، وهذا القول هو الصحيح. لأن جهة الأمر والنهي مختلفة.

стр. 151

م/ لَا يَصِفُ اَلْبَشْرَةَ. هذا الشرط الثاني للثوب الساتر، أن لا يصف البشرة، يعني لا يكون رقيقاً يصف البشرة، فإن كان رقيقاً يصف البشرة من احمرار أو اسوداد ونحو ذلك؛ فإنه لا يصح الستر به، لأنه لا يسمى ساتراً. ولأن الحديث عن النبي ﷺ (صنفان من أهل النار لم أرهما … نساء كاسيات عاريات) قال العلماء: يدخل في الكاسية العارية التي تلبس ثوباً تكتسي به لكنه عاري في نفس الوقت لخفته لكونه خفيفاً. ومن الشروط التي لم يذكرها المؤلف: أن يكون طاهراً، فإن كان نجساً فإنه لا تصح الصلاة به، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة. وهذا أدلته أدلة اجتناب النجاسة، ومنها حديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ كان يصلي ذات يوم بأصحابه، فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً). رواه أبو داود

стр. 152

م/ وَالْعَوْرَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُغَلَّظَةٌ، وَهِيَ: عَوْرَةُ اَلْمَرْأَةِ اَلْحُرَّةِ اَلْبَالِغَةِ، فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ فِي اَلصَّلَاةِ إِلَّا وَجْهَهَا. ذكر المؤلف عورة المرأة في الصلاة، وعورتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: يجب على المرأة أن تستر شعر رأسها في الصلاة إجماعاً، نقله ابن قدامة في المغني، وأنه لو ظهر جميع شعر رأسها في الصلاة أنها تعيد هذه الصلاة، وكذلك رقبتها. لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار). رواه أبو داود وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى قبول صلاة المرأة إذا صلت مكشوفة الرأس إلا بخمار، وهذا يدل على وجوب ستر رأس المرأة في الصلاة، بل على اشتراطه، وإذا تقرر هذا الحكم في الرأس ففي البطن وغيره من سائر البدن أولى. ثانياً: وأما وجه المرأة الحرة في الصلاة؛ فقد أجمع العلماء على جواز كشفه، وممن حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال ابن قدامة: " لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم ". وأما الكفان والقدمان فقد اختلف العلماء في حكم سترهما في الصلاة على أقوال: فقيل: يجب سترهما، وهذا المذهب. لحديث: (المرأة عورة). وجه الدلالة: أن هذا الحديث عام يقتضي ستر جميع بدن المرأة، وترك الوجه للحاجة، ففيما عداه يبقى على الدليل. وقيل: لا يجب سترهما. وهذا مذهب الحنفية واختاره ابن تيمية. لعدم وجود دليل يوجب ذلك، ولأنهما من الأشياء التي يشق سترهما، ومن المعلوم أن في وقت النبي ﷺ لم يكن هناك توفر في الخفاف ولا القفازات. • وقوله (الحرة) خرج بذلك الأمة، فإن عورتها من السرة إلى الركبة، وهذا مذهب جماهير العلماء، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، فقد قال ابن قدامة: "وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائز لا نعلم أحداً خالف في هذا إلا الحسن البصري". • وقوله (البالغة) تخرج غير البالغة، فهذه كلها عورة إلا الرأس والكفين والقدمين، فلها أن تصلي في ثوبها دون أن تستر رأسها ما دام أنها لم تبلغ لمفهوم حديث عائشة: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).

стр. 153

م/ وَمُخَفَّفَة وَهِيَ: عَوْرَةُ اِبْنِ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى عَشْرٍ، وَهِيَ اَلْفَرْجَانِ. أي: عورة ذكر من سبع إلى عشر سنوات، هي الفرجان، أي: إذا ستر قُبُله ودُبُرَه فقد أجزأ السترُ، ولو كانت فخذيه بادية.

стр. 154

م/ وَمُتَوَسِّطَةٌ: وَهِيَ عَوْرَةُ مِنْ عَدَاهُمْ، مِنْ اَلسُّرَّةِ إِلَى اَلرُّكْبَةِ. المراد بهذه العورة من عدا ما مضى وهو الرجل من عشر فما فوق، فإن عورته من السرة إلى الركبة. وهذا مذهب جمهور العلماء: أن العورة الفرجان والفخذ. واستدلوا بأحاديث فيها مقال لكن يقوي بعضها بعضاً، وقد صححها ابن حبان والحاكم والذهبي وابن حجر والألباني. كحديث محمد بن جحش قال: (مرّ رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر غط فخذك فإن الفخذ عورة). رواه أحمد وعلقه البخاري وعن جرهد قال: (مرّ عليّ رسول الله ﷺ وعليّ بردة وقد انكشف فخذي فقال: غط فخذك فإن الفخذ عورة). رواه أحمد وأبو داود وذهب بعض العلماء إلى أن الفخذ ليس بعورة. لحديث عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان جالساً كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه … ). رواه مسلم والجواب عن هذا الدليل: أولاً: أن هذه حكاية فعل لا تنتهض على معارضة الأحاديث القولية الدالة على أن الفخذ عورة، لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي، وإظهار شرعٍ عام، فكان العمل بها أولى. قال الألباني: "وأدلة القائلين بأنه عورة؛ قولية من جهة، وحاضرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيداً عن الهوى، قاعدتان: أن الحاضر مقدم على المبيح - والقول مقدم على الفعل لاحتمال الخصوصية وغيرها". • وقول المصنف (من السرة إلى الركبة) ظاهره أن السرة والركبة ليسا من العورة، بل العورة ما بينهما، ويدل على أنهما ليسا من العورة: حديث (الفخذ عورة). وحديث علي في قصة حمزة لما شرب الخمر وثمل شارفي جمل علي وطعنهما … في الحديث أن حمزة صعد النظر إلى سرة النبي ﷺ ، فدل على أن السرة ليست من العورة. وأيضاً جاء في صحيح مسلم في قصة أبي بكر: (قد جاء وفد رفع ثوبه وأبدى ركبتيه فقال ﷺ : أما صاحبكم فقد غافر). وجاء في حديث: (ما بين السرة إلى الركبة عورة).

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • وقول المصنف: (من السرة إلى الركبة) ظاهره يدل على أنه لا يجب ستر أحد العاتقين، وهذا هو الصحيح خلافاً لبعض العلماء الذين قالوا: يجب على الرجل أن يستر أحد العاتقين في الفرض. مثال: لو صلى سنة الظهر وقد ستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته صحيحة، وفي فرض الظهر لو أنه صلى وستر ما بين السرة والركبة ولم يستر أحد عاتقيه فصلاته غير صحيحة. وهذا هو مذهب الحنابلة. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). متفق عليه قالوا: فيجب على المصلي في صلاة الفرض أن يستر أحد عاتقيه، وخصوه بالفرض دون النفل لأن صلاة النفل مبناها على التخفيف. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب ستر العاتق في الصلاة. واستدلوا بحديث جابر أن النبي ﷺ قال: (إن كان ضيقاً فاتزر به). متفق عليه ومعنى ذلك أن جابر سوف يصلي وعاتقاه مكشوفتان. وأما حديث أبي هريرة: (لا يصلي أحدكم وليس على عاتقه … ) فمحمول على الاستحباب، ولأنه أبلغ في الزينة. • والمراد بالثوب في قوله: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد … ) الإزار الذي يكسوا أسفل جسم الإنسان، أو الرداء الذي يكسو أعلاه، ليس المراد به القميص. • لا خلاف بين العلماء في جواز كشف الرجل عاتقيه خارج الصلاة. • لا خلاف بينهم في مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، وأن ذلك هو الأكمل والأفضل في حق المصلي [وإنما الخلاف في الوجوب كما سبق]

стр. 156

م/ وَمِنْهَا: اِسْتِقْبَالُ اَلْقِبْلَةِ. أي ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، فلا تصح بدونه، والمراد بالقبلة الكعبة، وسميت قبلة؛ لأن الناس يستقبلونها بوجوههم ويؤمونها ويقصدونها، والدليل على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة: قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر). متفق عليه وأجمع المسلمون على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة، وممن نقل الإجماع ابن عبد البر، والقرطبي. • الحكمة من ذلك: أن يتجه الإنسان ببدنه إلى بيت الله، كما يتجه بقلبه إلى ربه في السماء. • وكانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس، ثم نسخت إلى الكعبة، وكان تحويل القبلة في شعبان في السنة الثانية. ثم ذكر المصنف الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة:

стр. 157

م/ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اِسْتِقْبَالِهَا، لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ، كَمَا تَسْقُطُ جَمِيعُ اَلْوَاجِبَاتِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا. أي: من الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة إذا كان عاجزاً، مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يتجه حيث كان وجهه، ومثله المأسور والمصلوب إلى غير القبلة. لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا). ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، ولأن هذا شرط عجز عنه فسقط. ثم ذكر المصنف الحالة الثانية، لكنه ذكر الدليل الذي يدل عليها فقال:

стр. 158

م/ وَكَانَ النَّبِيُّ يُصّلِّي فِي السَّفَر النافلةَ على راحلته حيث توجهت به. متفق عليه، وفي لفظٍ: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. أي: ومن الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة: المسافر المتنفل على راحلته. المسافر: فلا يجوز للمقيم أن يصلي إلى غير القبلة، المتنفل: فلا يجوز في الفرض أن يصلي إلى غير القبلة. على راحلته: فلا يجوز للمسافر النازل أن يتنفل إلى غير القبلة، فلا بد أن يكون مسافراً، ويصلي نافلة على راحلته. والدليل على هذا فعل النبي ﷺ كما جاء في حديث الباب الذي ذكره المصنف. ولحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه). متفق عليه وعن جابر: (أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة). رواه البخاري. وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به). متفق عليه زاد البخاري: (يومئ برأسه - ولم يكن يصنعه في المكتوبة). • قال النووي: "جواز التنفل على الراحلة حيث توجهت به جائز بإجماع المسلمين". • قوله (كان يسبح) قال الحافظ: "أي يصلي النافلة، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل". • وطريقة الصلاة على الراحلة: يومئ برأسه كما في الحديث السابق، وعند الترمذي: (يجعل السجود أخفض من الركوع). قال الشوكاني: "الحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج، ولا يبذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض سجوده بمقدار يفترق فيه السجود عن الركوع". قال المباركفوري: "كان السر فيما ذكر من جواز التطوع على الدابة في السفر؛ تحصيل النوافل على العبادة وتكثيرها تعظيماً لأجورهم رحمة من الله بهم". إذاً الحكمة هي: حتى لا ينقطع المسافر عن العبادة، ولا المتعبد عن السفر. • وهذه الأحاديث التي تدل على جواز ذلك؛ ظاهرها أنه لا يلزم افتتاح الصلاة إلى جهة القبلة، وهذا هو الصحيح. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام. لحديث أنس: (أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه). رواه أبو داود والراجح القول الأول، وهذا الحديث - إن صح - فهو محمول على الاستحباب، لأنه فعل والفعل يدل على الاستحباب. قال ابن القيم بعد أن ذكر حديث أنس: "وفي الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر وجابر، وحديثهم أصح من حديث أنس هذا". • الحديث دليل على استحباب التنفل، والصحيح من أقوال العلماء أن المسافر يصلي جميع النوافل ما عدا راتبة الظهر والمغرب والعشاء، فقد ثبت أنه ﷺ كان يوتر على بعيره في السفر، وثبت أنه ﷺ صلى عام الفتح سنة الضحى. وثبت أنه ﷺ كان لا يدع سنة الفجر لا حضراً ولا سفراً.

стр. 159

م/ وَمِنْ شُرُوطِهَا: اَلنِّيَّةُ. أي: ومن شروط الصلاة النية. وهي لغة: القصد، وشرعاً: العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله. لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، والإنسان إذا أراد أن يصلي ينبغي أن ينوي: فعل الصلاة تقربا إلى الله - أن ينوي فعل هذه الصلاة تاسياً بالنبي ﷺ ونية تعيين هذه الصلاة هل هذه فريضة أم نافلة. • والنية تتميز بها العبادات عن العادات، كما تتميز العبادات بعضها عن بعض، فإن الأعمال تتفق في كثير من الأحيان في مظهرها فلا تتميز إلا بالنية، فتتميز صلاة الظهر عن العصر، وراتبة الظهر عن صلاة الفجر إذا صلاهما منفرداً، ويتميز القضاء عن الأداء، وحج الفريضة عن النافلة. • فيجب أن ينوي المصلي عين صلاة معينة كالظهر أو العصر، أو الوتر أو راتبة الفجر. • إذا قطع النية في أثناء الصلاة بطلت، مثال: كرجل قام يتنفل، ثم ذكر أن له شغلاً، فقطع النية، فإن الصلاة تبطل، لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نوى القطع فانقطعت. • إن تردد في القطع: كأن يسمع قارعاً يقرع الباب فتردد بين قطع الصلاة والاستمرار فيها: قيل: تبطل، لأن استمرار العزم شرط وقيل: لا تبطل بالتردد، وذلك لأن الأصل بقاء النية. • لو انتقل بالنية من فرض إلى فرض: مثال: إنسان شرع يصلي العصر، ثم ذكر أنه صلى الظهر على غير وضوء، فنوى أنها الظهر؛ فلا تصح صلاة الظهر ولا العصر، فالعصر بطلت لأنه قطع النية، والظهر لم تنعقد لأنه لم يبدأ بها من أولها.

стр. 160

م/ وَتَصِحُّ اَلصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. أي: الأصل أن الصلاة تصح في كل موضع من الأرض، ويدل لذلك حديث جابر في قوله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي … وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وهذا من خصائص هذه الأمة، لأن الأمم السابقة لا تصح صلاتهم إلا في مواضع معينة. لكن هناك مواضع مستثناة لا تصح بها، ذكرها المصنف منها، قال:

стр. 161

م/ إِلَّا: فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ. أي: فلا تصح الصلاة في محل ومكان نجس، وقد سبق أن من شروط الصلاة طهارة ثوب المصلي وبدنه وبقعته. والدليل على أن الصلاة لا تصح إذا كانت البقعة نجسة: لقوله تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود). ولحديث أنس قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه). متفق عليه [بذنوب] الذنوب الدلو المليء بالماء. • لكن لو حبسَ في مكان نجس؛ فإن صلاته صحيحة، لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة.

стр. 162

م/ أَوْ مَغْصُوبٍ. هذا هو الموضع الثاني الذي لا تصح الصلاة فيه على كلام المؤلف، وهو المغصوب. (كل ما أخذ من مالكه قهراً بغير حق). والراجح - وقد سبقت المسألة - أن الصلاة في مكان مغصوب أو ثوب مغصوب صحيحة، لأن تحريمها لأمر خارج عن الصلاة.

стр. 163

م/ أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ. هذا هو الموضع الثالث الذي لا تصح فيه، وهو المقبرة، والمقبرة: موضع دفن الموتى. والأدلة على عدم صحة الصلاة في المقبرة: لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). متفق عليه ولحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها). رواه مسلم فإذا نهي عن الصلاة إلى القبور؛ فالنهي عن الصلاة عندها من باب أولى. (لا تجعلوا بيوتكم قبورا) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). رواه الترمذي • الحكمة من النهي عن الصلاة في المقبرة: هي الشرك، فإن الصلاة في المقبرة ذريعة إلى الشرك، لأن أول شرك حدث في العالم سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم، وكونه يصلي في المقابر فإن ذلك يؤدي إلى الغلو في هؤلاء الصالحين فيكون ذريعة إلى الشرك، وما ذهب إليه بعض العلماء إلى أن العلة هي النجاسة ربما تنبش القبور ويخرج منها صديد الأموات فينجس التراب، فهذه علة ضعيفة، لأمور: أولاً: أن الأصل عدم النبش، ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، وهذا يدل على أن العلة تتعلق بخشية تعظيم المقبورين. ثالثاً: أن صلاة الجنازة تجوز في المقبرة، كما صلى ﵇ على المرأة التي كانت تقم في المسجد، وهذا يدل على أن العلة ليست بنجاسة الأرض. • لا فرق في ذلك بين صلاة الفرض والنفل. • ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا دفن فيه قبر أو قبران أن هذا جائز ولا بأس، والصحيح أنه لا يجوز ولو دفن فيه قبر واحد، لأن العلة هي خشية الوقوع في الشرك.

стр. 164

م/ أَوْ حَمَّامٍ. هذا هو الموضع الرابع الذي لا تصح الصلاة فيه، وهو الحمام، والحمام: هو موضع الاغتسال بالماء الحار، ثم قيل لموضع الاغتسال بأي ماء كان. والدليل حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). رواه الترمذي • والعلة: قيل: لأنه مظنة النجاسة، وقيل: لأنه مأوى الشياطين، وفيه تكشف العورات. • ويقاس على الحمام الكنيف، بل هو أولى، وكذا دورات المياه، لأنها مأوى للشياطين.

стр. 165

م/ أَوْ أَعْطَانِ إِبِلٍ. هذا هو الموضع الخامس من المواضع التي لا تصح الصلاة فيه، وهو أعطان الإبل جمع عَطَن: هي مباركها وما تقيم فيه وتأوي إليه. والدليل على ذلك: حديث جابر بن سمرة: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا). رواه مسلم ولحديث البراء قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين). رواه أبو داود وهذا هو المذهب، وذهب الجمهور إلى الكراهة، والراجح القول الأول. • الحكمة من النهي عن ذلك: قيل: لنجاستها، لكن هذا ليس بصحيح، لأن الراجح أن أبوال وألبان الإبل طاهرة. وقيل: لانها ربما تنفر وتشغله، وقيل: لأنها خلقت من الشياطين، وهذا الصحيح، لأنه هو الذي ورد به النص.

стр. 166

بَابُ صِفَةِ اَلصَّلَاةِ ينبغي للمسلم أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي، فقد جاء في البخاري عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فالحديث دليل على الإقتداء به ﷺ ، وأنه ينبغي أن نصلي مثل ما كان يصلي في الأفعال والأقوال. وقد بيّن النبي ﷺ صفة الصلاة للأمة بالقول، وبالفعل، قال المصنف: م/ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهَا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ. أي يسن أن يذهب إلى الصلاة بسكينة ووقار [السكينة] التأني في الحركات واجتناب العبث [والوقار] في الهيئة؛ كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا). متفق عليه والحكمة في عدم الإسراع: جاء في رواية مسلم: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى صلاة فهو في صلاة) أي أنه في حكم المصلين. • في الحديث النهي عن الإسراع، وهو عام في جميع الأحوال، ولا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات ركعة أو فوات الجماعة بالكلية أو يخاف شيئاً من ذلك، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، لأن النصوص عامة ولم تستثن حالة واحدة.

стр. 167

م/ فَإِذَا دَخَلَ اَلْمَسْجِدَ قَالَ: بِاسْمِ اَللَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ، اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. أي: يسن عند دخول المسجد أن يقول الدعاء الوارد في ذلك، وقد ذكر المصنف ﵀ دعاء لكنه ضعيف. والصحيح الوارد: هو ما رواه مسلم عن أبي حميد قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك). وعند أبي داود: (فليسلم على النبي). وعن عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم). رواه أبو داود، وأما الحديث الذي ذكره المؤلف فهو ضعيف رواه أبو داود وغيره. • هذا الدعاء سنة.

стр. 168

م/ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُمْنَى لِدِخُوْلِ المَسْجِدِ. وقد سبقت القاعدة: (أن ما كان من باب التكريم يكون باليمين، وما كان ضد ذلك يبدأ به بالشمال. لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله). متفق عليه وعن أنس ﵁ قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمين، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى). رواه الحاكم

стр. 169

وَاليُسْرَى لِلخُرُوْجِ مِنْهُ. للقاعدة السابقة.

стр. 170

م/ وَيَقُوْلُ هَذَا الذِّكْر إِلَّا أَنَّهُ يَقُوْلُ " وَافْتَحْ لِي أَبُوَابَ فَضْلِكَ ". أي: أنه عند خروجه من المسجد يقول (اللهم إني أسألك من فضلك). • قال الشوكاني: "السر في تخصيص الرحمة بالدخول؛ والفضل بالخروج: أن الداخل مشتغل بتحصيل الثواب والقرب إلى جنته، وأما الخارج فساع في تحصيل الرزق الحلال".

стр. 171

م/ فَإِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ قَالَ: "اَللَّهُ أَكْبَرُ". أي: أن المصلي يبدأ صلاته بتكبيرة الإحرام: الله أكبر. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة). متفق عليه. [هنيهة] أي قليلاً. وهي ركن من أركان الصلاة. لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). متفق عليه ولحديث علي ﵁ قال: قال ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير). رواه الترمذي • قوله: الله أكبر، فيه أنه لابد من قول الله أكبر فلا يجزئ غيرها. لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يُتوقف فيها على ما ورد به النص ولا يجوز إبدالها بغيرها. وقد جاء في حديث رفاعة أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة فيقول: (الله أكبر)، وكان ﷺ يفتتح صلاته بـ (الله أكبر) ولم ينقل عنه عدول عن ذلك حتى فارق الدنيا، وهذا يدل على أنه لا يجوز العدل عنه. • الحكمة من افتتاح الصلاة بهذا هو تعظيم الله، قال القاضي عياض: "استحضار المصلي عظمته من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه، ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب ".

стр. 172

م/ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أَوْ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ تَكْبِيرَةِ اَلْإِحْرَامِ، وَعِنْدَ اَلرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وَعِنْدَ القِيَامِ مِنَ التَّشَهُدِ الأَولِ، كَمَا صَحت بِذَلِكَ الأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِي ﷺ . أي: يسن للمصلي إذا أراد الصلاة أن يرفع يديه، ويكون رفعها إما إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه. حذو الشيء: مقابله، فمعنى حذو منكبيه: مقابلهما، والمنكب: هو مجتمع عظم العضد والكتف. ويرفعها في أربعة مواضع، وهي ما ذكرها المؤلف: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول. والدليل حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع). متفق عليه وجاء عند مسلم من حديث مالك بن حويرث نحو حديث ابن عمر، لكن قال: ( … إلى فروع إذنيه … ). وأما الموضع الرابع [وهو عند القيام من التشهد] فدليله: حديث ابن عمر: (أنه كان ﷺ إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه … وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ابن عمر ذلك إلى النبي ﷺ . رواه البخاري • وترفع الأيدي إما إلى حذو المنكبين لحديث ابن عمر السابق، أو إلى فروع أذنيه كما في حديث مالك بن الحويرث السابق. فالأفضل للمصلي أن يفعل هذه مرة وهذه مرة، لأن السنة إذا وردت على وجوه متنوعة فالأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة، لفوائد: اتباعاً للسنة، وحضوراً للقلب، وإحياء السنة، وتأسياً بالنبي ﷺ . • وهذا الحكم عام للرجال والنساء، لعدم الدليل على تخصيصه بالرجل. • إذا لم يتمكن من رفع كلتا يديه؛ فإنه يرفع إحدى اليدين ولو كانت إحدى يديه مريضة أو نحو ذلك فإنه يرفع اليد السليمة، وكذلك إذا لم يتمكن إلا من بعض الرفع؛ فإنه يأتي به إذا كان لا يستطيع أن يرفع إلى حذو منكبيه. • الحكمة من رفع اليدين: قيل: إعظاماً لله، واتباعاً للرسول ﷺ ، وقيل: استكانة وانقياد، وقيل: هو إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية على صلاته ومناجاته ربه.

стр. 173

م/ وَيَضَعُ يَدَهُ اَلْيُمْنَى عَلَى اَلْيُسْرَى. أي: أن السنة أن يضع المصلي يده اليمنى على اليسرى في الصلاة ولا يرسلهما، وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث وائل بن حجر (أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر، ثم التحف ثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى). رواه مسلم. ولحديث هلب الطائي قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة). رواه البخاري • وقد ذهب بعض العلماء إلى أن السنة هو الإرسال، لكنه قول ضعيف. • لم يذكر المؤلف صفة وضع اليدين: ولها صفتان: الأولى: أن يضع اليد اليمنى على الكف اليسرى ورسغها وساعدها. لحديث وائل بن حجر: (أنه رأى رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة وكبر … ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد). رواه أبو داود الرسغ: مفصل الكف عن الساعد. الصفة الثانية: أن يقبض اليمنى على كوع اليسرى. لحديث وائل قال: (رأيت النبي ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله). رواه أبو داود الكوع: مفصل الكف عن الذراع [الذي يلي الإبهام]، فهنا صفتان: قبض، ووضع.

стр. 174

م/ فَوْقَ سُرَّتِهِ، أَوْ تَحْتَهَا، أَوْ عَلَى صَدْرِهِ. المصنف ﵀ جعل الأمر بالاختيار، فإن شاء المصلي جعل يديه على سرته، وإن شاء تحتها، وإن شاء على صدره، فهو مخير، وهذا القول الذي ذكر المصنف - وهو أن المصلي مخير - هو قول الأوزاعي وابن المنذر. قال ابن المنذر: "لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، فهو مخير". وذهب بعض العلماء إلى أنه يضعها تحت سرته، وهذا المذهب. لقول علي: (من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة). رواه أبو داود وهو ضعيف وذهب بعض العلماء إلى أنه يضعها على صدره، وهو قول إسحاق وجماعة. لحديث وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره). رواه ابن خزيمة، وهذا الحديث فيه ضعف؛ لكن له شواهد يتقوى بها، قال الشوكاني: "ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور". وهذا القول أرجح. الحكمة من هذه الصفة: قال ابن حجر: "قال العلماء: الحكمة من هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع للعبث، وأقرب للخشوع".

стр. 175

م/ وَيَقُولُ: (سُبْحَانَكَ اَللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اِسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ اَلِاسْتِفْتَاحَاتِ اَلْوَارِدَةِ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ . أي: ثم بعد ذلك يستفتح الصلاة بأحد أدعية الاستفتاح التي وردت عن النبي ﷺ . فمنها: ما ذكره المصنف ﵀ (سبحانك الله وبحمدك وتبارك .... ). ومنها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيّهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "أَقُولُ: اَللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اَللَّهُمَّ نقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى اَلثَّوْبُ اَلْأَبْيَضُ مِنْ اَلدَّنَسِ، اَللَّهُمَّ اِغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ومنها: (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً)، استفتح به رجل من الصحابة، فقال النبي ﷺ : (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء) رواه مسلم. ومنها: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، استفتح به رجل آخر فقال ﷺ : (لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) رواه مسلم. ومنها: حديث عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) رواه مسلم. • اختلف العلماء في أفضلها: فاختار بعض العلماء دعاء: (سبحانك اللهم … ). قال أحمد: "أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر [سبحانك اللهم وبحمدك … ]، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح لكان حسناً"، قال ابن القيم: "وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه: منها: جهر عمر به يعلمه الصحابة، ومنها: اشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن، وأفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ومنها: أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء. وقيل: دعاء: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، قال الشوكاني: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة ثم حديث علي. واختار شيخ الإسلام أن العبادة إذا وردت على وجوه متنوعة فالأفضل تفعل هذه مرة وهذه مرة، وفي ذلك فوائد: اتباعاً للسنة، وحضوراً للقلب، وإحياء السنة، وتأسياً بالنبي ﷺ . • أن دعاء الاستفتاح يكون بين التكبير والقراءة. أن دعاء الاستفتاح سنة لهذه الأحاديث (من السنن الفعلية). • أن دعاء الاستفتاح يكون في الفرض والنفل، ويكون في الركعة الأولى فقط.

стр. 176

م/ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ. أي: يسن أن يقول بعد دعاء الاستفتاح (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). وجمهور العلماء على أنها سنة، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). [أعوذ بالله] أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي [الشيطان] الشيطان في لغة العرب مشتق من شَطُنَ إذا بَعُدَ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير. • يقولها المصلي سراً، قال في المغني: "يسر الاستعاذة ولا يجهر بها لا أعلم فيه خلافاً". واختلف العلماء هل يستعيذ كل ركعة أم يكفي في الركعة الأولى: فقيل: يستعيذ في كل ركعة، لعموم قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقيل: يكفي أن يستعيذ في الركعة الأولى. للاستعاذة صيغ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه أكثر ما ورد، أَعُوذُ بِاَللَّهِ اَلسَّمِيعِ اَلْعَلِيمِ مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، همزه: هو الصرع والجنون الذي يصيب الإنسان، ونفخه: هو الكبر، لأن الشيطان ينفخ الإنسان حتى يتكبر. ونفثه: هو الشعر، وقيل هو السحر.

стр. 177

م/ وَيُبَسْمِلُ. أي: وبعد أن يستعيذ يسن أن يبسمل يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم]، وهذا قول جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة: (أنه صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى بلغ: ولا الضالين، حتى إذا أتم الصلاة قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله). رواه النسائي • والأفضل أن يسر بها. قال الترمذي: "وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد". لحديث أنس: (أنه صلى خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين). متفق عليه وفي رواية: (يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم). ولحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة الحمد لله رب العالمين). رواه مسلم ولحديث ابن عبد الله بن مغفل قال (سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: يا بني إياك والحدث في الدين، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم). رواه الترمذي ولأن البسملة تقاس على التعوذ، ولم يثبت أنه كان ﷺ يتعوذ جهراً، ولم يقل أحد من أهل العلم بمشروعية التعوذ جهراً. وذهب بعض العلماء وهو مذهب الشافعية أنه يجهر بها. لحديث أبي هريرة الذي سبق، وفيه: (أنه صلى فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم … حتى بلغ: ولا الضالين، قال: آمين، ثم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . رواه النسائي ولحديث ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) رواه الدار قطني وهو ضعيف والراجح الأول، لكن لو جهر أحياناً فلا بأس، ولذلك قال ابن القيم: "وكان ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم خمس مرات أبداً حضراً وسفراً ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال".

стр. 178

م/ وَيَقْرَأُ اَلْفَاتِحَةَ. أي: وبعد ذلك يقرأ سورة الفاتحة، وهي ركن من أركان الصلاة، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). متفق عليه • وسميت الفاتحة بهذا الاسم لأنه افتتح بها القرآن العظيم، ولأنه يفتتح بها الصلاة. • وسيأتينا أن الراجح أنها ركن في حق الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة الجهرية والسرية. • يسن أن يُؤَمِّنَ جهراً في الجهرية، فيقول: آمين بعد الفاتحة. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه فالإمام يقولها بعد قوله: ولا الضالين، وكذا المنفرد، وكذلك المأموم يقولها بعد قول الإمام: ولا الضالين، وهذا هو الصحيح لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين فإنه من وافق تأمينه … ). ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، وهو قول ابن حزم للأمر به (إذا أمن فأمنوا)، وذهب الجمهور إلى أنه سنة وهذا هو الصحيح، لقوله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا) فالإمام لم يرد عليه أمر، وإذا كان ذلك لم يجب على الإمام فإنه لا يجب على المأموم، ولأن التأمين خارج عن الفاتحة، فليس هو من الفاتحة.

стр. 179

م/ وَيَقْرَأُ مَعَهَا، فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ اَلْأُولَيَيْنِ مِنْ اَلرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ سُورَةً. أي: يسن أن يقرأ مع الفاتحة سورة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. لحديث أبي قتادة قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة وسورة يطول الأولى ويقصر الثانية). متفق عليه قال في المغني: "لا نعلم خلافاً أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة". • قوله (سورة) فيه أن يستحب أن تكون السورة كاملة، وقد كره بعض العلماء قراءة مقدار من سورة طويلة. والصحيح أنه لا بأس بذلك، لعموم قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن). ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في راتبة الفجر في الركعة الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ … البقرة) وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … آل عمران) وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. • قوله (في الركعتين الأوليين) ظاهره أنه لا يقرأ في الركعة الثالثة والرابعة بعد الفاتحة شيئاً، وأنه يقتصر على الفاتحة. وهذا يدل عليه حديث أبي قتادة الذي سبق وفيه: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب). متفق عليه لكن جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم قال: (كنا نَحْزُرُ قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر (ألم السجدة) وفي الأخريين قدر النصف من ذلك). كنا نحزر: بفتح النون وسكون الحاء وضم الزاي، ومعناه نخرص ونقدر ونقيس. فهذا يدل على أنه يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في الركعتين الأخريين من الظهر، لأنه إذا كانت الركعة الثالثة قدر ﴿١٥﴾ آية فمعنى ذلك أن النبي ﷺ قرأ سورة الفاتحة قدر ثمان آيات ويقرأ فيها أيضاً سورة مع الفاتحة قدر سبع آيات. واختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة السابق: فمن العلماء من رجح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد لأنه متفق عليه وحديث أبي سعيد في مسلم فقط. ولأن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال (حزرنا قيامه) وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره. ومن العلماء من جمع بين الحديثين؛ وهو أن الرسول ﷺ يفعل هذا أحياناً ويفعل هذا أحياناً، وهذا الصحيح لأمرين: أولاً: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين. ثانياً: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب. • أن السورة التي بعد الفاتحة يفتتحها بالبسملة، ولا تغني بسملة الفاتحة.

стр. 180

م/ فِي اَلْفَجْرِ: مِنْ طُوَالِ اَلْمُفَصَّلِ. أي: يسن أن تكون السورة التي بعد الفاتحة في صلاة الفجر من طوال المفصل. ﴿طوال﴾ بكسر الطاء، طوال المفصل من (ق) إلى عم، والمفصل من (ق) إلى الناس. • سمي بذلك لكثرة الفواصل بين سوره بالبسملة. لحديث سلمان بن يسار قال: (كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحدٍ أشبه صلاة برسول الله من هذا). أخرجه النسائي ﴿كان فلان﴾ يريد به أميراً كان على المدينة. (وثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ في الفجر ق). رواه مسلم وفي حديث أبي برزة الطويل وفيه: (وكان يقرأ بالستين إلى المائة). متفق عليه
следующие страницы →