Полный текст (1 270 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
م/ فحد الزنا إن كان محصناً - وهو الذي تزوج ووطئها وهما حران مكلفان - يرجم حتى يموت.
أي: أن حد الزاني إذا كان محصناً الرجم حتى الموت [وسيأتي بعد قليل من هو المحصن].
قال ابن قدامة: وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه خلافاً إلا الخوارج.
• والرجم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
في الكتاب: الآية المنسوخة: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة … ).
وعن عمر بن الخطاب قال: (إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف). متفق عليه
ورجم النبي ﷺ ماعزاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ: دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) متفق عليه.
o ورجم اليهوديين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: (إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ
لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه.
стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
o ورجم المرأة الأسلمية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، أَنَّهُمَا قَالا: (إنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُلْ، فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ) متفق عليه.
• فالمحصن إذا زنى فإنه يرجم.
كما قال عمر: (إن الرجم حق على من زنا وقد أحصن).
وقال ﷺ (لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: … والزاني الثيب).
• فمن هو المحصن؟
ذكر المصنف ﵀ من هو المحصن بقوله: [وهو الذي تزوج ووطئها وهما حران مكلفان].
• شروط الإحصان:
الشرط الأول: تزوج ووطئها.
فلابد من الوطء في القبل.
لأن النبي ﷺ قال: (الثيب بالثيب) والثيابة تحصل بالوطء في القبل.
ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت به خلوة أو وطء دون الفرج، أو الدبر أو لم يحصل شيء من ذلك، لأن هذا لا تصير به المرأة ثيباً ولا تخرج عن حد الإبكار.
وأيضاً قول المصنف ﵀ (تزوج ووطئها) يتضمن الشرط الثاني وهو:
الشرط الثاني: أن يكون في النكاح.
لأن النكاح يسمى إحصاناً، بدليل قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) يعني المتزوجات.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا، ووطء الشبهة لا يصير الواطئ به محصناً.
وأيضاً يستفاد من قول المصنف (تزوج ووطئها) الشرط الثالث:
стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
احترازاً من النكاح الباطل.
الشرط الرابع: الحرية.
وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور.
خامساً: البلوغ، العقل.
فلو وطئ وهو صغير أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً.
• والراجح من أقوال أهل العلم أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان.
فالذمي يحصن الذمية، وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ورجحه ابن القيم.
ويدل عليه حديث رجم النبي ﷺ لليهوديين كما سبق.
• فلو عقد على امرأة وباشرها لكنه لم يجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، وهي لو زنت فإنها لا ترجم، إلا إذا كانت قد تزوجت من زوج قبله وحصل الجماع، فإنها ترجم.
• لو تزوجها وهي صغيرة لم تبلغ وجامعها، ثم زنى فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن، لأنها لم تبلغ.
• لو تزوج مجنونة وجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن.
• لا يشترط للإحصان استمرار.
فلو أن رجلاً تزوج ثم بعد ذلك طلق، فإن زنى فإنه يعتبر محصناً.
وكذلك لو أن امرأة مطلقة، فإنها تعتبر محصنة، فلو زنت فإنها ترجم.
• اختلف العلماء فيمن وجب عليه الرجم، هل يجلد أولاً أم لا؟
стр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الأول: أن الزاني المحصن يرجم فقط ولا يجلد.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث أبي هريرة في المرأة الأسلمية (فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد.
والنبي ﷺ رجم ماعزاً ولم يجلده.
ورجم الغامدية ولم يجلدها.
ورجم اليهوديين ولم يجلدهما.
ولأن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر، فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم.
القول الثاني: الجمع بين الجلد والرجم، فيجلد مائة ثم يرجم.
وهذا القول مروي عن علي وابن عباس.
لحديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). رواه مسلم
والراجح القول الأول.
وأما الجواب عن حديث عبادة: أنه منسوخ.
فإن الأدلة التي بها الرجم فقط كلها متأخرة عن حديث عبادة، ويدل لذلك قوله ﷺ : (قد جعل الله لهن سبيلاً) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في الزنا.
стр. 1195
م/ وإن كان غير محصن: جلد مائة جلدة، وغرّب عن وطنه عاماً.
ذكر المصنف ﵀ حد الزاني الغير المحصن وهو الجلد ١٠٠ جلدة والتغريب.
أما الجلد فلا خلاف فيه. لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
وعليه تغريب عام بالنسبة للذكر، وهذا قول أكثر العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة.
ولحديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة). رواه مسلم
(خذوا عني) أي: تلقوْا عني حكم حد الزنا (خذوا عني) التكرار للتوكيد. (قد جعل الله لهن سبيلاً) الضمير يعود على النساء الزواني (سبيلاً) السبيل: هو الخلاص من إمساكهن بالبيوت، وقد كانت الزانية تحبس في بيتها حتى تموت أو يجعل لها سبيلاً كما قال تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) فبيّن النبي ﷺ بهذا الحديث أن السبيل المراد بالآية: هو الحد الذي جاء بيانه بالنسبة للبكر وللثيب. (البكر بالبكر) أي: البكر يزني بالبكر. [البكر الشاب الذي لم ينكح والشابة التي لم تُنكح]. (جلد مائة) أي: عليهما جلد مائة.
ولقوله ﷺ (وعلى ابنِك جلد مائة وتغريب عام).
وذهب الحنفية إلى أن الزاني البكر لا يغرّب إلا إذا رأى الإمام.
واستدلوا بالآية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فقالوا: إن الحد هو الجلد ولم تذكر الآية التغريب.
والراجح مذهب الجمهور.
стр. 1196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• واختلف العلماء هل تغرب المرأة إذا زنت وهي غير محصنة على أقوال:
القول الأول: تغرب مع محرمها.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
لعموم حديث عبادة السابق.
القول الثاني: لا تغرب.
وهذا قول المالكية.
للأحاديث الناهية عن سفر المرأة بدون محرم، فتغريب المرأة بدوم محرَم يخالف ما يقتضيه الحديث.
وتغريبها مع محرمها فيه عقوبة له بدون ذنب، واختار هذا القول ابن قدامة في المغني.
القول الثالث: أن التغريب ليس من تمام الحد، وإنما هو عقوبة تعزيرية راجعة إلى رأي الإمام حسب المصلحة.
والراجح إن وجد محرم متبرعاً بالسفر معها فإنها تغرب عملاً بأحاديث التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب عملاً بأحاديث النهي عن السفر بدون محْرَم.
• فوائد التغريب:
أولاً: أنه يبتعد عن محل الفاحشة لئلا تحدثه نفسه بالعودة إليها.
ثانياً: أن التغريب يكون منشغل البال غير مطمئن.
стр. 1197
م/ ولكن بشرط أن يقرّ به أربع مرات.
ذكر المصنف ﵀ بما يثبت الزنا، فذكر أنه يثبت بالإقرار.
وقد رجم النبي ﷺ بالإقرار كما سبق في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ). متفق عليه
لكن ذكر المصنف ﵀ أنه يشترط أن يقر أربع مرات.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يشترط أن يقر أربع مرات أم يكفي مرة واحدة؟ على قولين:
القول الأول: لا بد أن يقر أربع مرات.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ: دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : اذْهَبوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) متفق عليه، وهذا الرجل هو ماعز.
وجه الدلالة: النبي ﷺ لم يقم عليه الحد حتى شهد أربع مرات.
القول الثاني: يثبت الزنا بإقراره مرة واحدة، ولا يشترط التكرار أربعاً.
وهذا مذهب مالك والشافعي ورجحه الشوكاني.
стр. 1198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واستدلوا بأدلة:
بحديث: (واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر تكراراً.
وأن النبي ﷺ رجم اليهوديين، ولم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار.
والنبي ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة. رواه مسلم
قالوا: فلو كان تربيع الإقرار شرطاً لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم.
وأجاب هؤلاء عن قصة جابر [في مجيء ماعز]:
قال الشوكاني: وظاهر السياقات مشعر بأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك في قصة جابر لقصد التثبت، كما يشعر بذلك قوله: (أبك جنون) ثم بسؤاله بعد ذلك لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبساً في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ذلك، وإقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفاً بصحة العقل وسلامة إقراره عن المبطلات.
• ويشترط أن يصرخ بذكْر حقيقة الوطء.
فإن النبي ﷺ قال لماعز (أنكْتَها؟ قال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الميل في المكحلة أو الرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً).
وفي حديث ابن عباس: (فقال: أنكتها؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرني، فأمر به فرجم).
وهناك تعليل: لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح.
стр. 1199
م/ أو يشهد عليه أربعة عدول يصرحون بشهادتهم.
ذكر المصنف ﵀ الأمر الثاني الذي يثبت به الزنا: وهو شهادة أربعة رجال.
فالشهود لا بد أن يكونوا أربع رجال يشهدون بأنهم رأوا الزنا نفسه، ولا تقبل شهادة النساء.
قال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
واشترط المصنف ﵀ لهؤلاء الشهود شروطاً:
o أن يكونوا عدولاً: قال ابن قدامة: فلا خلاف في اشتراطها.
o وأن يكونوا أحراراً: فلا تقبل شهادة العبد، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافاً.
o وهل يشترط أن يكون مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد؟
المذهب: يشترط أن يكون في مجلس واحد دون الحضور، وقيل: لا يشترط، لأن النصوص عامة.
o ويشترط: أن يصرحوا بشهادتهم، فيصرحون بالزنا فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردين فلا يقبل.
فوائد عامة:
• اختلف العلماء هل يحفر للمرجوم أم لا؟ على أقوال:
القول الأول: أنه يحفر له.
فقد جاء في رواية لمسلم من حديث بريدة: (فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم).
فذهب بعض العلماء إلى أنه يحفر للمرجوم لهذه الرواية.
стр. 1200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أنه لا يحفر له.
لحديث اليهوديين حيث لم يحفر لهما.
ولحديث: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر حفراً، وهذا يدل على عدم الحفر.
القول الثالث: يحفر للمرأة دون الرجل.
والراجح القول الثاني، وهو أنه لا يحفر للمرجوم.
وأما رواية: (فحفر له) في قصة ماعز، فأكثر الروايات في قصة ماعز على عدم الحفر، ومن ثَمّ حكم بعض العلماء على هذه الرواية بالشذوذ.
• اختلف العلماء: هل المقر بالزنا إذا رجع عن إقراره يقبل أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن المقر بالزنا إذا رجع، فإنه يقبل رجوعه ولا يقام عليه الحد.
وهذا قول أكثر العلماء.
لأن النبي ﷺ قال كما عند أبي داود: (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).
فقالوا: هذا دليل على جواز رجوع المقر، وأنه إذا رجع في إقراره حرم إقامة الحد عليه.
القول الثاني: لا يقبل الرجوع عن الإقرار.
وهذا مذهب الظاهرية.
قالوا: لأن الرسول ﷺ قال لأنيس: (واغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يقل ما لم ترجع.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وأما قولكم إن ماعزاً رجع عن إقراره، فإن ماعزاً لم يرجع عن إقراره أبداً، وهربه لا يدل على رجوعه إطلاقاً، نعم ماعز هروبه قد يكون عن طلب إقامة الحد عليه، فهو في الأول يريد أن يقام عليه الحد، وفي الثاني أراد أن لا يقام عليه الحد وتكون التوبة بينه وبين الله، ولهذا قال: (ألا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) فدل هذا على أن حكم الإقرار باقي، فنحن نقول إن قصة ماعز ما فيها دليل إطلاقاً على رجوع الإقرار، ولكن فيها دليل على أنه رجع عن إقامة طلب الحد عليه، ولهذا إذا جاءنا رجل يقر بأنه زنى ويطلب إقامة الحد، ولما هيأنا الآلة لنقيم عليه الحد وآتينا بالحصى لأجل أن نرجمه، فلما نظر إلى الحصى قال: دعوني أتوب إلى الله، ما ذا نقول له؟ يجب أن ندعه يتوب إلى الله، لأن الرسول ﷺ قال: (هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) حينئذٍ ندعه يتوب فيتوب الله عليه.
وأما لو قال: إنه ما زنى، فلا يقبل، لأن هذا الرجل يريد أن يدفع عن نفسه وصفاً ثبت عليه بإقراره.
• من زنى بذات محرم فإنه يقتل بكل حال.
لحديث البراء. قال (لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله) رواه أحمد.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه ابن ماجه.
(وقال بعض العلماء حده حد الزاني).
• إذا زنى الحر المحصن والحرة المحصنة رجما حتى يموتان ويغسلان ويكفنان ويصلى عليهما ويدفنان.
• من أتى بهيمة فإنه يعزر ويؤدب ولا يقتل.
وقيل: يقتل لحديث (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه). ﴿ضعفه بعض العلماء﴾.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (إن الحديث لا يقوى على استباحة دم الفاعل لما فيه من الشبه).
стр. 1201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: قتل البهيمة المفعول بها فيه ثلاث فوائد:
الزجر، أن لا تحمل بحمل يكون فيه شبه من بني آدم ومن البهائم، أن لا يُعير بها.
• لا حدّ على مكرهة في قول عامة أهل العلم، لقول الرسول ﷺ (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
• اختلف العلماء إذا أكْرِه الرجل على الزنا؟
القول الأول: أن عليه الحد.
وهذا المذهب.
قالوا: لأن الوطء لا يكون إلا بانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد.
القول الثاني: لا حد عليه.
وهذا قول الشافعي واختاره ابن المنذر.
للحديث السابق، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة فيمنع الحد.
وهذا القول هو الراجح.
• اختلف العلماء في إقامة الحد بالقرينة الظاهرة (الحمل) على قولين:
القول الأول: إقامة حد الزنا بالحبل بشرط أن لا تدع شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة.
وهذا قول عمر وهو مذهب مالك.
لقول عمر (الرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف).
فجعل عمر مجرد وجود الحمل موجباً لإقامة حد الزنا كإيجابه بالبينة أو الاعتراف.
قال ابن القيم: وقد حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد.
ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر.
القول الثاني: أنها لا تحد بمجرد الحبل.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية ورجحه الشوكاني.
لحديث (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً) رواه ابن ماجه.
قالوا: والشبهة هنا متحققة من وجوه متعددة:
فيحتمل أنه من وطء إكراه، والمستكرهة لا حد عليها.
ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نوم وهي ثقيلة النوم.
стр. 1202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويحتمل أنه من وطء شبهة.
ويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها.
والراجح القول الأول.
• حكم اللواط:
قال في المغني: أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه الله في كتابه وعاب على من فعله، وذمه رسول الله ﷺ فقال الله تعالى (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
وقد نقل الذهبي الاتفاق عل أنه من كبائر الذنوب.
• وجريمة اللواط لم يعملها أحد من العالمين قبل قوم لوط، وقد ذكر الله تعالى السور التي فيها عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن الكريم.
• قال ابن القيم: لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه ﷺ ، ولكن ثبت عنه أنه ﷺ قال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به).
• وقد اختلف العلماء في عقوبة اللواط على أقوال:
القول الأول: أنه عقوبته كالزاني (الرجم إن كان محصناً والجلد لغير المحصن).
قال ابن القيم: وذهب الحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي، وقتادة، والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه إلى أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء.
قالوا: لأن الله سماه فاحشة (أتأتون الفاحشة) كما سمى الزنا فاحشة في قوله (وَلا تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) واشتراكهما في الاسم يدل على اشتراكهما في الحكم.
ولأن كلاً منهما إيلاج محرم في فرج محرم، فيعطى حكمه.
القول الثاني: أن عقوبته القتل مطلقاً (محصناً أم غير محصن).
стр. 1203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو رواية عن الإمام أحمد، قال ابن القيم: إنها أصح الروايتين، وهو مذهب مالك.
قال ابن القيم: فذهب أبو بكر الصديق وعلي وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة الرأي ومالك وإسحاق بن راهوية … إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل بكل حال، محصناً كان أو غير محصن.
لحديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (مَنْ وَجَدتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ فَاقتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ به) رواه أبو داود والترمذي.
قال ابن القيم: إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث.
وقد نقل ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم إجماع الصحابة على قتله، يقول ابن القيم: اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، ولم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع.
القول الثالث: أن فيه التعزير.
وهذا مذهب أبي حنيفة، قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يُقدِّر الله ولا رسوله فيه حداً مقدراً فكان فيه التعزير.
والراجح أن عقوبته القتل مطلقاً.
• واختلف الصحابة في كيفية قتله:
فقيل: يحرق. وهذا قول أبي بكر وعلي وابن الزبير.
قال ابن القيم: حرق باللوطية أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي، وعبد الرحمن بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.
وقيل: يرجم بالحجارة حتى الموت. وهو قول عمر وعلي وابن عباس.
стр. 1204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يرمى من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة. وهو مروي عن أبي بكر وابن عباس.
والأظهر أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، حسب مصلحة الردع والزجر.
• من زنى بذات محرم (كعمته أو خالته) فجمهور العلماء أن حكمه حكم الزنا (يرجم إن كان محصناً، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن).
استدلالاً بالأدلة العامة في حكم الزاني، وأنها تشمل بعمومها من زنا بأجنبية أو بذات محرم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقتل بكل حال واختاره ابن القيم.
لحديث البراء قال (لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله) رواه النسائي وأحمد.
وفي سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه).
قال ابن القيم: إنه مقتضى حكم رسول الله ﷺ .
стр. 1205
حد القذف
تعريفه: لغة: الرمي.
واصطلاحاً: الرمي بالزنا وباللواط ونحوه مثل قول: يا زاني، يا لوطي.
وحكمه: حرام ومن كبائر الذنوب.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وقال ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقات: .. وذكر منها: وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) متفق عليه.
وقال ابن قدامة: وهو محرم بإجماع الأمة.
م/ ومن قذف بالزنا محصناً أو شهد عليه به ولم تكمل الشهادة: جلد ثمانين جلدة.
أي: إذا قذف المكلف المختار محصناً جلد ثمانين جلدة.
فيشترط في القاذف: التكليف وهو البالغ العاقل المختار. (سواء كان ذكراً أو أنثى)، فلو أن امرأة قذفت رجلاً فإنه يقام عليها الحد.
أ- ودليل ذلك قواعد الشريعة المأخوذة من النصوص العامة، كحديث (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَة).
ب- وحديث (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ).
ج- ولأن القذف جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية.
د- فإذا كان القاذف صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه، لأن العقل مدار التكليف ومناطه، والمجنون لا يعتد بكلامه، فلا يؤثر قذفه، فإن كان الصبي مراهقاً بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزر تعزيراً مناسباً، لكن لا يُحدّ ما دام أنه لم يبلغ.
هـ- فإذا قذف المكلف محصناً - وسيأتي تعريف المحصن - جلد ثمانين جلدة للحر.
لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
стр. 1206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام في القاذف:
الأول: جلده ثمانين جلدة.
الثاني: رد شهادته أبداً.
الثالث: فسقه.
• في قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ … ) هذا الاستثناء يرفع الحكم الأخير، ولاشك في ذلك، وهو الفسق، فإذا تابوا زال عنهم وصف الفسق إلى العدالة، وهل يرجع الاستثناء إلى ما قبل الأخير وهو أنه إذا تاب قبلت شهادته؟ فيه تفصيل:
o إذا أقيم عليه الحد ولم يتب فإنه لا تقبل شهادته.
o وأما بعد توبته، فقد اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: لا تقبل شهادة المحدود في قذف ولو تاب.
وهذا قول أبي حنيفة.
أ- واستدلوا بقوله تعالى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً .. ) وجه الدلالة: بأن الله أبّد المنع من قبول شهادتهم، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده.
ب- ولأن رد شهادة القاذف ولو تاب عقوبة من تمام الحد، فلا تسقط هذه العقوبة بالتوبة.
القول الثاني: قبول شهادة القاذف إذا تاب.
وهذا قول الشافعي وأحمد ومالك.
أ- واستدلوا بالاستثناء في آية القذف وهو قوله تعالى ( … إلا الذين تابوا .. ) عائد إلى الجملتين المتعاطفتين قبله في قوله تعالى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ب- ولأن الصحابة قبلوا شهادة القاذف كما ذكر ذلك ابن القيم.
ج- وقال ابن القيم: وأعظم موانع الشهادة: الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت اتفاقاً، والتائب من القذف أولى بالقبول.
د- ولعموم قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1207
م/ أو شهد عليه به ولم تكمل الشهادة: جلد ثمانين جلدة.
أي شهد عليه بالزنا، ولم تكمل الشهادة، بحيث لم يكن الشهود أربعة أو كانوا كلهم أو بعضهم غير عدول ونحو ذلك، فإنه يجلد ثمانين جلدة، وهو حد القذف، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
стр. 1208
م/ وقذف غير المحصن فيه التعزير.
أي: إذا قذف المكلف شخصاً غير محصن فإنه يعزر، والتعزير هو التأديب، وليس له قدر معين - وستأتي مباحثه إن شاء الله.
стр. 1209
م/ والمحصن: هو الحر البالغ المسلم العاقل العفيف.
ذكر المصنف ﵀ تعريف المحصن، الذي يجب بقذفه الجلد ٨٠ جلدة.
فهو:
الحر: فلو قذف عبداً فلا حد عليه، لأن الإحصان يطلق على الحرية كما في قوله تعالى (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: الحرائر، فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى على قول الجمهور، وقالت الظاهرية: يقام الحد على قاذف العبد لعموم قوله ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام) ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد.
البالغ: بأن يكون المقذوف بالغاً، فإن كان صبياً لم يجب الحد على القاذف وإنما يعزّر، لأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد فلا يجب الحد بالقذف كزنا المجنون، وقيل: لا يشترط البلوغ، وهذا قول مالك، لأنه حر عاقل عفيف يتعيّر بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير، والأول أظهر، وهو أن من قذف غير بالغ لا يُحد، ولكنه يعزر.
المسلم: فالكافر ليس بمحصن، فمن أشرك بالله فلا حد على قاذفه على قول الجمهور.
أ- لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
ب- ولأنه لا يتورع عن الزنا، إذ ليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة.
ج- ولأن عِرْض الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل الكافر أولى، لزيادة الكفر على المعلن بالفسق، فلو قذف كافراً فلا حد عليه.
العاقل: بأن يكون المقذوف عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يجب الحد على القاذف ولكنه يعزز.
العفيف: أي: أن يكون عفيفاً عن الزنا لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: العفيفات عن الزنا، وقال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: عفت.
فمن قذف المعروف بفجوره أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، لكن كما سبق في قذف غير المحصن التعزير.
أمثلة: مكلف قذف صغيراً فلا حد عليه، امرأة بالغة قذفت رجلاً بالغاً فإنه يقام عليها الحد، حر قذف عبداً فلا يقام عليه الحد، مكلف عاقل قذف مجنوناً فلا يقام عليه الحد.
стр. 1210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اختلف العلماء هل حد القذف من حقوق الله أم من حقوق الآدميين على قولين:
القول الأول: أنه من حقوق الله.
وهذا قول الحنفية ورجحه ابن حزم.
القول الثاني: أنه من حقوق المقذوف.
وهذا قول المالكية والشافعية واختاره ابن تيمية، وهذا الراجح.
• فائدة الخلاف:
إذا قلنا إنه حق للمقذوف ترتب عليه عدة أمور:
أولاً: أنه يسقط بعفوه.
ثانياً: أنه لا يقام عليه الحد حتى يطالب به.
ثالثاً: ولا يقام للولد على والده، وهذا المذهب قال ابن قدامة: مبيناً العلة: ولنا أنه عقوبة تجب حقاً لآدمي، فلا يجب للولد على الوالد كالقصاص.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقام عليه الحد واختاره ابن المنذر لعموم الآية.
وإذا قلنا إنه حق لله ترتب عليه:
أولاً: لا يسقط بالعفو إذا بلغ الإمام.
ثانياً: يقام عليه الحد بدون طلب.
• صريح القذف وكنايته:
الصريح ما لا يحتمل غيره، مثل: يا زاني، يا لوطي.
والكناية: تحتمل القذف وغيرها، مثل: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة.
فإن فسر الكناية بغير القذف قُبِل مع يمينه، فلو قال: أردت بالقحبة العجوز، وأردت بقولي يا خبيثة خبيثة العمل، ففي هذه الحال يقبل ولا يقام عليه الحد ولكن يعزر لإساءته للمخاطب.
стр. 1211
باب التعزير.
م/ والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
التعزير: لغة: التأديب.
واصطلاحاً: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
(لا حد فيها) فالزنا لا تعزيز فيه، لأن فيه حداً، وكذلك السرقة.
(ولا كفارة) مثل الوطء في نهار رمضان، لا تعزير فيه لأن فيه كفارة.
• لا حد لأقل التعزير.
قال ابن قدامة (لأنه لو تقدر لكان حداً).
واختلف في أكثره: والصحيح أنه لا حد لأكثره، بل هو مفوض إلى رأي الحاكم حسب المصلحة وهذا اختيار ابن تيمية ويدل لذلك:
أقضية النبي ﷺ في التعزيز، ثم أقضية الصحابة في التعازير حسب المصلحة.
فعزم ﷺ على التعزير بتحريق البيوت على المتخلفين على حضور الجماعة.
وأخبر عن تعزيره مانع الزكاة بأخذ شطر ماله.
وعزر بالهجر ومنع قربان النساء.
وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده:
فكان عمر يحلق الرأس وينفي، ويضرب حوانيت الخمارين.
فإن قيل: ما الجواب عن حديث: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله).
الجواب: أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كتأديب الأب لولده ونحوه.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (الصحيح أن المراد بالحد هنا حكم الله ، وقد سمى الله أحكامه حدوداً فقال: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه).
стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• بعض الأمثلة لما يجب التعزير بها:
الاستمناء باليد، إتيان البهيمة، مساحقة النساء.
حد السرقة
تعريفها: لغة: مأخوذة من الاستخفاء والتستر.
وشرعاً: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار.
وحكمها حرام.
قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).
وقال ﷺ (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
وقال ﷺ (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده). متفق عليه
وقد اختلف العلماء في معنى الحديث (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده):
قال جماعة: المراد بها بيضة الحديد، وحبل السفينة، وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكره المحققون وضعفوه.
وقيل: المراد التنبيه على عظم ما خسر، وهي يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار، فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة.
وقيل: أراد جنس البيض وجنس الحبل.
وقيل: إنه إذا سرق البيضة فلم تقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع، فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه.
• ولا تقطع يد السارق إلا بشروط ذكرها المصنف ﵀ فقال:
стр. 1213
م/ (ومن سرق … ).
ذكر المصنف ﵀ الشرط الأول من شروط القطع وهو: أن يكون هناك عملية سرقة.
وهي أخذ مال الغير من مالكه ونائبه على وجه الاختفاء، ويدخل في ذلك الطرار وهو النشال وهو الذي يدخل يده في جيب شخص آخر ليأخذ ما فيه خفية أو يشقه.
• فلا قطع على المنتهب: وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنمة معتمداً على قوته.
ولا على المختلس: وهو الذي يأخذ المال خطفاً.
ولا على الغاصب: وهو الذي يأخذ المال قهراً بغير حق.
لقوله ﷺ (ليس على خائن ولا متتهب ولا مختلس قطع) رواه أبوداود.
• واختلف في جاحد العارية هل تقطع يده أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن جاحد العارية تقطع يده.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم وابن القيم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا).
وَفِي لَفْظٍ لمسلم (كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا) وهذه الرواية صريحة في أن جاحد العارية يجب عليه القطع.
стр. 1214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أن جاحد العارية لا قطع عليه.
وهذا مذهب جمهور العلماء: المالكية، والحنفية، والشافعية، واختاره ابن قدامة.
أ- لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع). رواه أبو داود
وجاحد العارية خائن للأمانة فلا قطع عليه.
ب- أن شرط السرقة الأخذ من الحرز وهتكه، وليس في جحد العارية هتك لحرز فلا قطع عليه.
ج- أن جاحد العارية غير السارق في المعنى، لأن السارق يأخذ المال خفية بخلاف الجاحد، فإنه مؤتمن خائن لأمانته، والقطع واجب على السارق لا على الجاحد.
وأجابوا على رواية: (كانت تستعير المتاع فتجحده) بأجوبة:
أن هذه المرأة لم تقطع لجحدها العارية، وإنما قطعت لكونها قد سرقت، ويدل على ذلك أمران:
أولاً: الروايات الأخرى: (أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت … ).
ثانياً: أن الروايات في قصة المخزومية قد عللت سبب قطعها بالسرقة، فقد قال ﷺ : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم … وقال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فهذا دليل على أن قطعها كان لسرقتها.
o أن الرواية التي فيها استعارتها للمتاع، وجحدها له، هذا لأنها كانت معروفة بهذه الصفة فسميت بها في هذه الرواية.
قال القرطبي: يترجح أن يدها قطعت على السرقة لا لأجل جحد العارية من أوجه: أحدها: قوله في آخر الحديث التي ذكرت فيه العارية: (لولا أن فاطمة سرقت) فإن فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة، إذ لو كان قطعها لأجل الجحد لكان ذكر السرقة لاغياً، ولقال: لو أن فاطمة جحدت العارية.
o أن رواية (القطع في العارية) ضعيفة. [لكن هذا فيه نظر].
والراجح القول الثاني.
стр. 1215
م/ ربع دينار من الذهب أو ما يساويه من المال.
ذكر المصنف ﵀ الشرط الثاني من شروط القطع في السرقة: وهو أن يكون المسروق نصاباً.
والنصاب الذي تقطع به اليد ربع دينار فصاعداً عند الجمهور.
لحديث عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) متفق عليه.
وهذا الحديث مقيد للآية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ).
• فإذا سرق ربع دينار أو قدره من العروض قطع.
وأما حديث (أن النبي ﷺ قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم) رواه مسلم، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت.
стр. 1216
م/ من حرزه.
ذكر المصنف ﵀ الشرط الثالث من شروط القطع في السرقة: أن يكون من حرز.
• فإن سرق من غير حرز فلا قطع.
• وحرز المال ما العادة حفظه فيه [حرز كل شيء ما حفظ فيه عادة]، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره، فحرز النقود غير حرز الماشية، وكذا حرز الأطعمة والأمتعة وغيرها.
• والدليل على اشتراط الحرز:
أ- لدخوله في مفهوم السرقة لغة.
ب- ولقوله ﷺ في سارق التمر (ومن خرج بشيء منه بعد أن يُؤوِيَه الجرِين فبلغ ثمن المِجَنِّ فعليه القطع) رواه أبو داود، لأنه قبل أن يؤويه الجرين ليس في حرز، [والجرين: هو الذي يُجمع فيه التمر لييبس].
• ومن الشروط التي لم يذكرها المصنف ﵀:
أن يكون المسروق مالاً محترماً:
المال المحترم: مثل الثياب والطعام والدراهم والكتب وغيرها.
فلا قطع في سرقة آلة لهو كالمزمار والعود والربابة لتحريمها.
وانتفاء الشبهة. [والشبهة: هي كل ما يمكن أن يكون عذراً للسارق في الأخذ].
فلو سرق الابن من مال أبيه فلا قطع، لوجود شبهة إنفاق، لأن نفقة كل واحد منهما تجب في مال الآخر.
ولو سرق الأب من مال ابنه فلا قطع، لوجود شبهة، وهي شبهة التملك والتبسط به.
فالأصول والفروع لا يقطع بعضهم بالسرقة من مال بعض.
وذهب بعض العلماء: إلى أن كل قريب سرق من قريبه يقطع، إلا الأب إذا سرق من مال ولده فلا يقطع.
لعموم الأدلة الدالة على وجوب القطع، واستثني الأب لحديث (أنت ومالك لأبيك).
وهذا مذهب الشافعي.
وذهب بعض العلماء: أن من وجبت نفقته لم يقطع بالسرقة منه وإلا قطع.
وهذا القول فيه قوة وكذلك الذي قبله.
стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقتهِ من مال الآخر.
لأن كل منهما يرث صاحبه بغير حجب، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
وقيل: يقطع لعموم الآية.
وقيل: يقطع الزوج ولا تقطع الزوجة، لأن لها النفقة في مال زوجها.
• اختلف العلماء هل يشترط في السرقة مطالبة المسروق منه بماله على قولين:
القول الأول: اشتراط ذلك.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
لحديث صفوان بن أمية (أنه نام على ردائه في المسجد، فأخذ من تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي ﷺ فأمر بقطعه، فقال صفوان: لم أرد هذا؟ ردائي عليه صدقة، فقال ﷺ : هلاّ كان قبل أن تأتيني به). رواه أبوداود
القول الثاني: لا تشترط المطالبة.
وهذا مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
لقوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فليس فيها اشتراط مطالبة المسروق منه بماله المسروق.
وهذا القول هو الصحيح، لما في ذلك من حفظ الأموال واستتاب الأمن.
стр. 1218
م/ قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحُسمت.
• قطعت يده اليمنى.
لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ففي قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما).
• من مفصل الكف.
لأن الله أطلق: (أيديهما) ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف.
• ثم حسمت:
أي حسم الدم أي قطعه، وذلك بأن يغلى زيت أو دهن أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا انغمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق.
وإنما وجب حسمها: لأنها لو تركت لنزف الدم ومات.
стр. 1219
م/ فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت، فإن عاد حُبس ولا يقطع غير يد ورجل.
أي: فإن سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى، وإذا سرق ثالثاً، فالمصنف ﵀ يقول: حبِس، أي يحبس ولا يقطع، لأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس.
وذهب جمهور العلماء أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق في الرابعة قطعت رجله اليمنى ثم إذا سرق بعد الرابعة يعزر ويحبس.
• وتثبت السرقة بشهادة عدلين، أو الإقرار ويكفي مرة واحدة.
فتثبت السرقة بشهادة عدلين اثنين، وهذا متفق عليه عند أهل العلم كما حكاه ابن رشد وابن قدامة.
فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
وتثبت بالإقرار، وهل يشترط أن يكون مرتين أم يكفي مرة واحدة، الصحيح أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، وهذا مذهب جماهير العلماء.
قياساً على القصاص وحد القذف، فإنه يكفي فيه الإقرار مرة واحدة.
وذهب الحنابلة إلى أنه لابد من الإقرار مرتين.
стр. 1220
حد الحرابة
م/ قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) وهم الذين يخرجون على الناس، ويقطعون الطريق عليهم بنهب أو قتل:
فمن قتل منهم وأخذ مالاً: قُتِل وصُلب.
ومن قَتَل: تحتم قتله.
ومن أخذ مالاً: قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى.
ومن أخاف الناس: نُفيَ من الأرض.
ذكر المصنف ﵀ حكم قطاع الطريق، لأن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق.
تعريفهم: هم قوم خرجوا على الإمام بلا تأويل مطلقاً، سواء كان لهم منعة أم لم يكن لهم منعة، يسلبون أموال الناس ويسفكون دماءهم ويهتكون أعراضهم في العراء أو في البنيان.
• وسميت هذه الجريمة حرابة ومحاربة لما فيها من سلب الأموال أو الأرواح، ولما فيها من مخالفةٍ وعصيان لأمر الله تعالى.
الأصل في حكمهم: الآية التي ذكرها المصنف ﵀:
قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
هذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.
واختلف في هذه الآية هل هي على التخيير أم الترتيب:
فقيل: على التخيير (فالإمام يخير بين القتل أو الصلب أو النفي) لأن أو تقتضي التخيير.
وقيل: ليست على التخيير ويكون حكمهم كالتالي:
إذا قتلوا وأخذوا المال، فإنهم يقتلون ويصلبون.
وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، فإنهم يقتلون ولا يصلبون.
وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم (اليد اليمنى والرجل اليسرى).
وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نفوا.
هذا الترتيب في حكمهم هو قول جمهور العلماء.
• إذا أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ويقطعان معاً، لأن الله قال (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) والواو للجمع والاشتراك.
• فإذا لم يقتل ولم يسرق فإنه ينفى، فلا يُترك يأوي إلى بلد، وهذا قول الحنابلة لظاهر الآية (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ).
وذهب بعض العلماء - وهو قول الحنفية والشافعية - أن النفي هو السجن.
وذهب بعض العلماء - وهو قول لمالك واختاره ابن جرير والشنقيطي - أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته.
• إذا قتل فإنه يتحتم قتله، فيقام عليه القصاص، وليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، ولكنه حد، فلا يجوز العفو عنه، وآية المحاربة بينت أن عقوبة القتل عقوبة تثبت جزاء المحاربة لله تعالى، وما كان كذلك فهو حق لله تعالى لا يجوز إسقاطه، ولأن ضرر هذه الجريمة ضرر عام للمجتمع بأسره غير مختص بالمجني عليه.
• إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، لقوله تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا).
والصلب: أن يربط على خشبة لها يدان معترضتان وعود قائم.
قيل: يقتل ثم يصلب، وقيل: بل يصلب قبل القتل، والله أعلم.
والراجح في مدة الصلب، أنه يصلب حتى يشتهر أمره، لأن المقصود يحصل به.
وهذا الترتيب على مذهب الجمهور كما سبق، وذهب مالك إلى أن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، لأن لفظة (أو) للتخيير، والله أعلم.
стр. 1221
باب البغاة
م/ من خرج على الإمام يريد إزالته عن منصبه فهو باغ.
ذكر المصنف ﵀ تعريف البغاة، لكنه مختصر.
والبغاة جمع باغ، وهو لغة: الظلم ومجاوزة الحد، سموا بذلك لظلمهم وعدولهم عن الحق.
واصطلاحاً: هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة.
سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
• فإن اختل شرط من ذلك بأن لم يخرجوا على إمام أو خرجوا على إمام بلا تأويل أو بتأويل غير سائغ أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم فقطاع طريق.
• يشترط في الخارجين على الإمام لكي يكونوا بغاة شروط:
أولاً: أن يكونوا مسلمين.
قال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ).
فإذا خرج على الإمام ذميون أو مستأمنون فلا يعتبرون بغاة ولهم أحكامهم الخاصة.
ثانياً: أن يكون لهم منعة وشوكة.
وهو أن يكون للبغاة منعة وقوة وشوكة يحتاج معها الإمام إلى إعداد جيش لقتالهم.
ثالثاً: أن يكون لهم تأويل سائغ.
والدليل على ذلك: هو ما حصل من الخارجين على علي ﵁ من أهل الجمل وصفين، وذلك بأن قالوا إن علياً يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم، وهذا تأويل اعتقدوا به على جواز الخروج على الإمام وهو علي بن أبي طالب.
ولا بد أن يكون التأويل سائغاً يصلح أن يعتمد عليه.
وقد ذكر ابن تيمية في تفريقه بين البغاة والخوارج بأن قتال أهل الجمل وصفين علياً كان بسبب اعتمادهم على تأويل سائغ.
أما المارقون من الخوارج فقاتلهم علي بسب تأويلهم الفاسد.
• ويعتبرون بغاة ولو كان الإمام ظالماً جائراً ما لم يحدث كفراً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح برٌ أو يُستراح من فاجر، ويدل لذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).
فهذه الآية دلت على وجوب طاعة ولي الأمر ولم تشترط عدالته.
стр. 1222
م/ وعلى الإمام مراسلة البغاة، وإزالة ما ينقمون عليه مما لا يجوز وكشف شبههم.
ذكر المصنف ﵀ موقف الإمام من البغاة:
وهو أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه، لأن علياً أرسل ابن عباس إلى الخوارج الذين خرجوا عليه ليناظرهم، فناظرهم فرجع كثير منهم إلى الحق.
• فإن ذكروا مظلمة أزالها.
لقوله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، لأن إزالة المظلمة وسيلة إلى الصلح المأمور به.
• ويكشف ما يدعونه من شبهة، لأن في كشف شبهتهم رجوعاً إلى الحق.
لأن الله أمر بالإصلاح أولاً، والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم وكشف شبهتهم وإزالة ما يدعونه من مظلمة.
стр. 1223
م/ فإن انتهوا كف عنهم وإلا قاتلهم.
أي: انتهوا ورجعوا إلى صوابهم فهذا المطلوب، وإلا قاتلهم وجوباً لدفع شرهم.
لقوله تعالى (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ).
ولدفع شرهم وأذاهم على المسلمين.
وللحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية وعزتها.
стр. 1224
م/ وعلى رعيته: معونته على قتالهم.
أي: ويجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة.
لأن الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة مع أبي بكر، وقاتلوا الخوارج مع علي.
ولأنهم لو تركوا معونة الإمام لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض.
стр. 1225
م/ وإن قُتِل الدافع كان شهيداً.
الدافع: هو الذي يقاتل مع الإمام، لأن الإمام يلزمه قتال هؤلاء البغاة حتى يكف شرهم.
стр. 1226
• فإذا قُتلَ هذا الدافع كان شهيداً لأنه قتل مظلوماً، فهو يقاتل مع أهل الحق ضد أهل البغي.
م/ ولا يتّبع لهم مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبى لهم ذرية، ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفوس وأموال.
[لا يتبع لهم مدبر] أي: لا يقاتَل مدبرهم، والمدبر: من ولى دبره وهرب. [ولا يجهز على جريح] أي: لا يقتل لهم جريح. [ولا يسبى لهم ذرية] الذرية النساء والصبيان، والسبي الأخْذ.
ذكر المصنف ﵀ كيفية قتال أهل البغي، وأن قتالهم يختلف عن قتال الكفار، فإن قتالهم يختلف عن قتال غيرهم، من حيث القصد والهدف:
لأن القصد من قتالهم ردهم إلى الطاعة وردعهم عن التمرد ودرء الفتنة، لأنهم مسلمون.
• الفرق بين قتالهم وقتال المشركين:
أولاً: أن القصد من قتالهم ردعهم بخلاف المشركين.
ثانياً: عدم جواز الإجهاز على جريح البغاة بعكس جريح المشركين فإنه يجوز الإجهاز عليه.
ثالثاً: أنه لا يقتل أسير البغاة بخلاف أسير المشركين فإنه يجوز قتله.
رابعاً: لا يتبع مدبرهم.
خامساً: أن أموال البغاة لا يجوز قسمتها ولا تسبى ذريتهم، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، بخلاف أموال المشركين فإنها غنيمة للمسلمين.
سادساً: أنه لا ينصب عليهم المنجنيق ومثله في عصرنا الحاضر المدافع والقنابل والطيارات.
سابعاً: لا تحرق مساكن البغاة ولا مصانعهم ولا يقطع نخيلهم وأشجارهم ولا يقطع الماء عنهم، بخلاف المشركين فإنه يستعمل معهم الوسائل المؤدية إلى استسلامهم والنصر عليهم.
стр. 1227
باب حكم المرتد.
م/ والمرتد هو: من خرج عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل أو قولٍ أو اعتقاد أو شك.
ذكر المصنف ﵀ تعريف المرتد.
فالمرتد لغة: هو الراجع. واصطلاحاً: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر.
• وحكم المرتد كافر يقتل كفراً لا حداً.
أ- قال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ب- وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
ج- وعن ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.
د- وقال ﷺ (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء.
стр. 1228
م/ وقد ذكر العلماء ﵏ تفاصيل ما يخرج به العبد من الإسلام، وترجع كلها إلى جحد ما جاء به الرسول ﷺ أو جحد بعضه غير متأول في جحد البعض.
الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام سواء كان جاداً أو هازلاً أو مستهزئاً.
لقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
ونواقض الإسلام كثيرة:
الشرك بالله: كمن دعا غير الله من الموتى والأولياء والصالحين، أو ذبح لقبورهم، أو نذر لها.
من جحد بعض الرسل أو بعض الكتب الإلهية.
وكذلك من جحد الملائكة أو من جحد البعث بعد الموت فقد كفر لأنه مكذب لله ولرسوله.
وكذلك من سب الله تعالى أو سب نبياً من أنبيائه فقد كفر.
وكذلك من ادعى النبوة فقد كفر لأنه مكذب لقوله تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين).
والأمثلة كثيرة جداً. فعلى المسلم أن يعرفها حتى يتجنبها.
стр. 1229
م/ فمن ارتد: استتيب ثلاثة أيام، فإن رجع وإلا قتل بالسيف.
بعد أن اتفق أهل العلم على وجوب قتل المرتد، اختلفوا في وجوب استتابته على قولين:
القول الأول: أنه يستتاب وإلا قتل.
وهذا مذهب أكثر أهل العلم.
قال ابن قدامة: أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، هذا قول أكثر أهل العلم.
لأن الردة تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال.
القول الثاني: أنه لا يجب استتابته.
وهذا قول الحسن وطاووس وأهل الظاهر.
لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر الاستتابة.
والراجح أن الأمر راجع إلى رأي الإمام ينظر حسب المصلحة.
стр. 1230
كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
سيذكر المصنف ﵀ في هذا الباب: أحكام القضاء والدعاوى والبينات.
القضاء، لغة: إحكام الشيء والفراغ منه.
واصطلاحاً: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات.
(تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي.
(والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي، لأنه لا يلزم بالحكم الشرعي.
(وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين.
• والدعاوى: جمع دعوى، وهي: أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقاً على غيره.
• والإقرار: أن يضيف الإنسان حقاً لغيره على نفسه.
• والبينات: جمع بينة، وهي: ما يظهر به الحق ويبين به، كالشهود وغيرهم.
следующие страницы →