Полный текст (1 270 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
• فإذا قُتلَ هذا الدافع كان شهيداً لأنه قتل مظلوماً، فهو يقاتل مع أهل الحق ضد أهل البغي.
م/ ولا يتّبع لهم مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبى لهم ذرية، ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفوس وأموال.
[لا يتبع لهم مدبر] أي: لا يقاتَل مدبرهم، والمدبر: من ولى دبره وهرب. [ولا يجهز على جريح] أي: لا يقتل لهم جريح. [ولا يسبى لهم ذرية] الذرية النساء والصبيان، والسبي الأخْذ.
ذكر المصنف ﵀ كيفية قتال أهل البغي، وأن قتالهم يختلف عن قتال الكفار، فإن قتالهم يختلف عن قتال غيرهم، من حيث القصد والهدف:
لأن القصد من قتالهم ردهم إلى الطاعة وردعهم عن التمرد ودرء الفتنة، لأنهم مسلمون.
• الفرق بين قتالهم وقتال المشركين:
أولاً: أن القصد من قتالهم ردعهم بخلاف المشركين.
ثانياً: عدم جواز الإجهاز على جريح البغاة بعكس جريح المشركين فإنه يجوز الإجهاز عليه.
ثالثاً: أنه لا يقتل أسير البغاة بخلاف أسير المشركين فإنه يجوز قتله.
رابعاً: لا يتبع مدبرهم.
خامساً: أن أموال البغاة لا يجوز قسمتها ولا تسبى ذريتهم، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، بخلاف أموال المشركين فإنها غنيمة للمسلمين.
سادساً: أنه لا ينصب عليهم المنجنيق ومثله في عصرنا الحاضر المدافع والقنابل والطيارات.
سابعاً: لا تحرق مساكن البغاة ولا مصانعهم ولا يقطع نخيلهم وأشجارهم ولا يقطع الماء عنهم، بخلاف المشركين فإنه يستعمل معهم الوسائل المؤدية إلى استسلامهم والنصر عليهم.
стр. 1227
باب حكم المرتد.
م/ والمرتد هو: من خرج عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل أو قولٍ أو اعتقاد أو شك.
ذكر المصنف ﵀ تعريف المرتد.
فالمرتد لغة: هو الراجع. واصطلاحاً: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر.
• وحكم المرتد كافر يقتل كفراً لا حداً.
أ- قال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ب- وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
ج- وعن ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.
د- وقال ﷺ (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء.
стр. 1228
م/ وقد ذكر العلماء ﵏ تفاصيل ما يخرج به العبد من الإسلام، وترجع كلها إلى جحد ما جاء به الرسول ﷺ أو جحد بعضه غير متأول في جحد البعض.
الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام سواء كان جاداً أو هازلاً أو مستهزئاً.
لقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
ونواقض الإسلام كثيرة:
الشرك بالله: كمن دعا غير الله من الموتى والأولياء والصالحين، أو ذبح لقبورهم، أو نذر لها.
من جحد بعض الرسل أو بعض الكتب الإلهية.
وكذلك من جحد الملائكة أو من جحد البعث بعد الموت فقد كفر لأنه مكذب لله ولرسوله.
وكذلك من سب الله تعالى أو سب نبياً من أنبيائه فقد كفر.
وكذلك من ادعى النبوة فقد كفر لأنه مكذب لقوله تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين).
والأمثلة كثيرة جداً. فعلى المسلم أن يعرفها حتى يتجنبها.
стр. 1229
م/ فمن ارتد: استتيب ثلاثة أيام، فإن رجع وإلا قتل بالسيف.
بعد أن اتفق أهل العلم على وجوب قتل المرتد، اختلفوا في وجوب استتابته على قولين:
القول الأول: أنه يستتاب وإلا قتل.
وهذا مذهب أكثر أهل العلم.
قال ابن قدامة: أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، هذا قول أكثر أهل العلم.
لأن الردة تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال.
القول الثاني: أنه لا يجب استتابته.
وهذا قول الحسن وطاووس وأهل الظاهر.
لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر الاستتابة.
والراجح أن الأمر راجع إلى رأي الإمام ينظر حسب المصلحة.
стр. 1230
كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
سيذكر المصنف ﵀ في هذا الباب: أحكام القضاء والدعاوى والبينات.
القضاء، لغة: إحكام الشيء والفراغ منه.
واصطلاحاً: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات.
(تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي.
(والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي، لأنه لا يلزم بالحكم الشرعي.
(وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين.
• والدعاوى: جمع دعوى، وهي: أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقاً على غيره.
• والإقرار: أن يضيف الإنسان حقاً لغيره على نفسه.
• والبينات: جمع بينة، وهي: ما يظهر به الحق ويبين به، كالشهود وغيرهم.
стр. 1231
كتاب القضاء
والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
أ- قال تعالى (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
ب- وقال سبحانه (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
ج- وعن عمرو بن العاص. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس.
د- وعقلاً: لأن القضاء من ضرورات الاجتماع، به ينتشر العدل، ويعم الأمن، ويُدفع القوي عن الضعيف، ويُنصف المظلوم من الظالم، لولا الفضاء لعمت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام.
• والقضاء ورد فيه ترغيب وترهيب:
الترغيب:
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله .. ).
الترهيب:
عن بريدة. قال: قال رسول الله ﷺ (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) رواه أبوداود.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ولي القضاء فقد ذبح بغير السكين) رواه أبوداود.
стр. 1232
م/ والقضاء لابد للناس منه، فهو فرض كفاية.
ذكر المصنف ﵀ حكم القضاء، وأنه فرض كفاية.
أ- لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
ب- وكان ﷺ يتولاه بنفسه، وبعث علياً إلى اليمن قاضياً، وبعث معاذاً قاضياً.
ج- ولعموم قوله ﷺ (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم).
قال الإمام أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟
стр. 1233
م/ يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية ممن له معرفة بالقضاء بمعرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس.
أي: يجب على الإمام أن ينصب في كل قطْرٍ قاضياً أو أكثر يفصل بين المتنازعين.
أ- لأن النبي ﷺ بعث علياً قاضياً، وبعث معاذاً قاضياً أيضاً.
ب- ولأنه المسؤول الأول عن أمور المسلمين، فيلزمه أن يقوم بذلك بنفسه أو بتعيين من ينوب عنه في القيام بهذا العمل.
ويجب عليه أن ينصب أفضل من يجد علماً، والمراد بالعلم: معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع بين الناس.
стр. 1234
م/ وعليه أن يولي الأمثل فالأمثل في الصفات المعتبرة في القاضي.
(وعليه) أي: يجب عليه، أي على الإمام، أن يولي الأمثل فالأمثل حسب الصفات المعتبرة التي تنبغي أن توجد في القاضي:
كالورع: وهو ترك ما يضر في الآخره.
وتقوى الله:
أ- لأنها هي وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ).
ب- ولأن في تقوى القاضي لله تيسيراً لأموره وتسهيلاً لمهمته.
ج- ولأن في تقوى القاضي سبباً لمعرفة الحق ومعرفة المحق لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
• هناك شروط للقاضي ينبغي توفرها:
أن يكون مسلماً.
فلا يُولّى الكافر.
أ- لقوله تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).
ب- ولأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يجب احترامه، وبينهما منافاة.
ج- ولأن الإسلام شرط في الشهادة، فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.
أن يكون بالغاً عاقلاً.
لأنه بفواتهما تفوت القوة التي هي أحد ركني الكفاءة، ولأنهما هما بأنفسهما يحتاجان إلى ولي، فلا يمكن أن يكونا وليين على غيرهما.
أن يكون ذكراً.
أ- لحديث أبي بكرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري.
ب- ولأن المرأة ناقصة العقل، وقليلة الرأي، وليست أهلاً لحضور محافل الرجال ورؤية الخصوم.
أن يكون حراً.
وهذا مذهب جمهور العلماء، يشترط أن يكون حراً.
أ- قالوا: لأن القضاء منصب شريف، فلا يجوز أن يتولاه عبد، كالإمامة العظمى.
ب- ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوع للفصل بين الخصوم، فحال الرقيق ينافي حال الولاية.
ج- ولأنه مشغول بخدمة سيده.
وذهب بعض العلماء إلى جواز أن يكون الرقيق قاضياً، وهذا قول ابن حزم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين، لعموم الأدلة، بشرط أن يأذن له سيده.
أن يكون عدلاً.
стр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يجوز تولية فاسق.
أ- لأن الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) والحاكم يجيء بقول، فلا يجوز قبوله مع فسقه.
ب- ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.
ج- ولأنه لا يؤمن أن يحيف لفسقه.
• والعدل هنا: من كان قائماً بالواجبات، مبتعداً عن المحرمات، بعيداً عن الريب، ظاهر الأمانة، مأموناً في الغضب والرضا.
أن يكون بصيراً.
ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر والمقر له، والشاهد من المشهود عليه.
وقيل: لا يشترط، بل يصح قضاء الأعمى، ونسبه ابن قدامة لبعض الشافعية.
لعدم المانع من قضائه، فإن الأعمى يدرك بحسه السمعي أكثر مما يدرك البصير.
أن يكون متكلماً.
لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
وقيل: يصح قضاء الأخرص، لأنه يمكن إيصال الحكم إلى الخصمين عن طريق الكتابة أو الإشارة المفهومة.
• وهذه الشروط معتبرة حسب الإمكان، فإذا تعذر وجود من تتوافر فيه جميع هذه الشروط ولي الأفضل من الموجودين.
• تفيد ولاية القاضي:
الفصل بين الخصوم - أخذ الحق لبعضهم من بعض - النظر في أموال غير المرشدين - وإقامة الحدود - الحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس - تزويج من لا ولي لها، وغيرها مما استحدث الآن.
• للقاضي آداب ينبغي أن يتحلى بها:
ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون حليماً متأنياً ذا فطنة وتيقظ لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة.
قال علي: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، مستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم.
• يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه.
لحظه: أي النظر، فلا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وللآخر نظرة رضا.
لفظه: أي كلامه، فلا يلين لأحدهما ويغلظ للآخر.
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
وقال تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا).
• ويحرم عليه أن يقضي لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الآخر.
لحديث علي. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي) رواه أبوداود.
• ويحرم عليه أن يقضي وهو غضبان.
لحديث أبي بكرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان) متفق عليه.
• ومثله الحاقن أو في شدة جوع أو عطش أو همٍ أو ملل).
• الحكمة من النهي: لأن الغضب يمنع من تصور المسألة أولاً ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها.
• لو خالف وحكم وهو غضبان فقد اختلف العلماء هل ينفذ حكمه، فقيل: لا ينفذ مطلقاً، وقيل: ينفذ إن أصاب الحق وإن لم يصب الحق لا ينفذ، وهذا الصحيح.
• ويحرم عليه أخذ رشوة.
وهي المال المدفوع من أحد الخصمين سواء كان محقاً أو مبطلاً.
لحديث عبد الله بن عمرو. قال (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) رواه الترمذي.
ولأضرارها الكبيرة، منها:
أولاً: أن فيها فساد الخلق.
ثانياً: أنها سبب لتغيير حكم الله.
ثالثاً: أن فيها ظلماً وجوراً.
رابعاً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل.
خامساً: أن في الرشوة ضياع الأمانات.
• أخذ الرشوة له صورتان:
الصورة الأولى: أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بباطل.
الصورة الثانية: أن يمتنع من الحكم بالحق لمستحقه حتى يعطيه.
стр. 1237
م/ ويتعين على من كان أهلاً، ولم يوجد غيره، ولم يشغله عما هو أهم منه.
ذكر المصنف ﵀ متى يكون القضاء فرض عين، وذلك بأمور:
أولاً: إذا طلب منه، فإذا لم يطلب منه فلا يكون فرض عين عليه، لأن المسؤول عن تولية القضاة هو الإمام.
ثانياً: ولم يوجد أهلٌ يوثق به، فإن وجِد لم يتعين.
ثالثاً: ولم يشغله عما هو أهم، فإن كان يشغله عن تعليم الناس والتصنيف وغيرها من نفع الناس فالأولى أن لا يكون قاضياً.
стр. 1238
باب البينات
م/ قال النبي ﷺ (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).
ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عباس (البينة على .... ) وقد رواه البيهقي وهو حديث صحيح، لأنه من الأحاديث المهمة في باب البينات، ولهذا قال السعدي ﵀: هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقاً من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتاً عليه، فبين ﷺ أصلاً بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عيناً من الأعيان، أو ديناً، أو حقاً من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر، فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق، ثبت له، وحُكمَ له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين.
أن البينة على المدعي، أي يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة، ومن البينة الشهود، الذين يشهدون على صدقه.
• الحكمة في كون البينة على المدعي، لأنه يدعي أمراً خفياً بحاجة إلى إظهار، والبينة دليل قوي لإظهار ذلك.
• أنه إذا لم يجد المدعي بينة ولا شهوداً، فإن القاضي يطلب من المدعَى عليه أن يحلف أن ما ادعاه عليه المدعي غير صحيح ويكون الحكم له بيمينه.
ويجب الحذر من الأيمان الكاذبة، فقد جاء الوعيد في ذلك:
قال ﷺ (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، قيل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك) متفق عليه.
• بين ﷺ في هذا الحديث الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولادعى رجال دماء قوم وأموالهم.
• البدء بالمدعي في الحكم.
• أن الشريعة جاءت لحماية أموال الناس ودماءهم.
стр. 1239
م/ وقال ﷺ (إنما أقضي بنحو ما أسمع).
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: (إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من حق أخيهِ شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه، ليستدل به على أن القاضي يحكم بما ظهر له على حسب ما سمع.
[إنكم تختصمون إليّ] أي: تتحاكمون إلي. [ولعل] لعل هنا بمعنى عسى. [ألحن بحجته من بعض] أفطن وأبلغ في حجته من الآخر. [فمن قطعت له من حق أخيهِ شيئاً] معنى قطعت له: أي: أعطيته بهذا الحكم. [فإنما أقطع له قطعة من النار] إذا كان الذي قضيت له بحسب الظاهر، لا يستحقه باطناً فهو عليه حرام. [قطعة من النار] أي: يؤول به إلى النار.
• وهذا الحديث فيه فوائد:
o الحديث دليل على أن القاضي يقضي ويحكم على حسب ما يسمع من الخصمين، لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، والإثم والتبعة على من كسب القضية بأمر باطل.
o الحديث دليل على أن حكم القاضي لا يغير حكماً شرعياً في الباطن فلا يحل حراماً.
مثال: لو شهدا شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم القاضي بهذا المال لهذا الشخص فإنه لا يحل له بناء على هذه الشهادة، وهذا مذهب جماهير العلماء، وعلى هذا فيكون قضاء القاضي نافذاً ظاهراً لا باطناً.
وجه الدلالة: لأنه توعد من حكم له بأنه يقتطع له قطعة من نار.
стр. 1240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
o أن القاضي لا يجوز له أن يقضي بعلمه، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: لا يجوز أن يقضي بعلمه بل لابد من البينة.
وهذا قول مالك وأحمد ونصره ابن القيم.
لقوله ﷺ في حديث الباب: (فأقضي له نحو ما أسمع) فدل على أنه يقضي فيما يسمع لا فيما يعلم.
القول الثاني: يجوز ذلك.
وهو قول أبي يوسف وأبي ثور واختاره المزني وهو قول الظاهرية.
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) متفق عليه.
فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها.
وقالوا: إن علم القاضي أقوى من الشهادة، لأن علمه يقين، والشهادة قد تكون كذباً.
والراجح الأول.
قال ابن قدامة: فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم، بدليل أن النبي ﷺ أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان حكماً عليه لم يحكم عليه في غيبته.
o أن حكم القاضي لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً.
o عقوبة من أخذ مالاً بدون حق أنه يقتطع قطعة من النار.
o أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب.
قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
o أن الرسول يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره، لأنه ﷺ يحكم على الناس بأمور الظاهر.
o مشروعية وعظ الخصوم وتحذيرهم من عاقبة الكذب.
стр. 1241
م/ فمن ادعى مالاً ونحوه فعليه البينة إما شاهدان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدَّعَى لقوله تعالى تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) وقد قضى النبي ﷺ بالشاهد مع اليمين) وهو حديث صحيح.
أي: أن من ادعى مالاً ونحوه على شخص فعليه البينة (أي: يطالب أن يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة) وهي البينة، وهي كما قال المصنف ﵀ إما شاهدان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وسبق الحكمة في كون البينة على المدعي: لأنه يدعي أمراً خفياً بحاجة إلى إظهار، والبينة دليل قوي لإظهار ذلك.
ففي الأموال وما يقصد به المال كالبيع والأجل: رجلان أو رجل وامرأتان.
للآية (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
• ويجوز بشاهد مع يمين المدعي للحديث الذي ذكره المصنف (قضى النبي ﷺ بالشاهد مع اليمين).
وهذا مذهب جمهور العلماء: أن القاضي يقضي بالشاهد واليمين (مالك والشافعي وأحمد) وقضى به عدد من الصحابة ومنهم الخلفاء الأربعة.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يقبل القضاء بالشاهد واليمين وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي.
واستدلوا بقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فهذه الآية نص صريح في اشتراط عدد الشهود.
واستدلوا بحديث (البينة على المدعي … ) فهذا الحديث يبين أن اليمين على المدعى عليه، وأنتم تجعلون اليمين على المدعي، وهذا مخالفة لهذا الحديث.
واستدلوا بحديث الأشعث (أن النبي ﷺ قال له: شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذاك). فالنبي ﷺ نفى أن يستحق المدعي شيئاً بغير الشاهدين، فدل على أنه لا يحكم للمدعي بيمينه مع شاهده.
والراجح القول الأول.
стр. 1242
م/ فإن لم يكن له بينة، حلف المدَّعَى عليه وبرئ.
أي: فإن لم يكن للمدعِي بينة - لا رجلان، ولا رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين - فإن القاضي يطلب من المدعى عليه أن يحلف على البراءة فيقول: والله ما له عندي شيء، ويبرأ.
стр. 1243
م/ فإن نكل عن الحلف قضيَ عليه بالنكول، أو ردت على المدَّعي، فإذا حلف مع نكول المدعّى عليه أخذ ما ادعى به.
أي: فإذا نكل (والنكول: هو الامتناع عن اليمين) وامتنع المدعى عليه من الحلف، فهنا اختلف العلماء:
فقيل: يقضى عليه بالنكول بمجرد رفضه الحلف ولا ترد على المدعي.
مثال: ادعى زيد على عمرو (١٠٠) ريال، فقيل لزيد: هات البينة، فقال: ليس عندي بيّنة، وطلب أن يحلف المُنكر - الذي هو عمرو - فقال عمرو: لا أحلف، فعلى هذا القول: يحكم عليه بالنكول ولا نقول لزيد - المدعي - احلف أنك تطلبه كذا وكذا.
لقوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فلم يجعل في جانب المدعي إلا البينة.
وقيل: أن اليمين ترد على المدعي (وهو طالب الحق)، وهو إن كان صادقاً في دعواه فالحلف لا يضره، وإن كان كاذباً فقد يهاب الحلف ولا يحلف. … [الشرح الممتع: ١٥/ ٣٢١].
وفي هذه الحالة: إذا حلف أخذ ما ادعى به واستحق المتنازع عليه.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق) رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف. [معنى رد الحق: تنقل من المدعَى عليه إلى المدعِي].
ولأنه إذا رفض المدعي عليه أن يحلف ظهر صدق المدعي، فقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كما كانت تشرع في حق المدعى عليه قبل نكولهِ. [اليمين في حق من جانبه أقوى دائماً].
стр. 1244
م/ ومن البينة: القرينة الدالة على صدق أحد المتداعيين، مثل: أن تكون العين المدعى بها بيد أحدهما، فهي له بيمينه، ومثل: أن يتداعى اثنان مالاً لا يصلح إلا لأحدهما، كتنازع نجار ونحوه بآلة نجارة، وحداد ونحوه بآلة حدادة ونحو ذلك.
البينة في اللغة: الدليل والحجة
واصطلاحاً: قيل هي الشهادة والشهود. قال تعالى (واستَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ)
وفي الصحيحين (شاهداك أو يمينه).
وقيل: هي اسم جامع لكل ما يبيّن الحقّ ويظهره، فكل وسيلة في إثبات الحقّ وإظهاره أمام القاضي فهي بينة ورجحه ابن القيم، كالشهود، أو قرينة حالية، أو براءة أصلية.
• فمن البينة الشهود، وسيأتي في الباب القادم ما يتعلق بالشهادة، مثال: ادعى عمرو على زيد بمال، فيطالب عمرو بالبينة وهي الشهود.
ومنها: القرينة - كما ذكره المصنف - والقرينة: كل أمرٍ يحتف بالقضية بحيث يرجح أحد الجانبين أو الآخر.
ومن أمثلة القرائن: ما جاء في قصة سليمان ﵇ حينما اختصمت إليه امرأتان صغرى وكبرى:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى لَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ مَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَة) متفق عليه.
فحكم سليمان بالابن للصغرى لقرينة أنها قالت: هو ابنها، حيث أدركتها شفقت الأمومة.
وفي قصة يوسف ﵇ (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فالقرينة: أنه إذا قدّ من دبر، فإنه حاول أن يهرب ولكن تحاول الإمساك به، وإن كان قد من قبل فإنها تحاول أن تدافع عن نفسها.
ومن القرائن ما ذكره المصنف ﵀: أن تكون العين المدعى بها بيد أحدهما، فهي له بيمينه.
كما لو جاء رجل إلى زيد وقال له: هذه الساعة التي بيدكَ لي، فهنا القرينة تدل على أنها لزيد، لأن الساعة بيده، فيحلف زيد وتكون له.
ومثل: أن يتداعى اثنان مالاً لا يصلح إلا لأحدهما، كتنازع نجار ونحوه بآلة نجارته.
كما لو ادعى رجل ليس بنجار، على رجل آخر نجار، وقال: إن هذا المنشار [آلة لقطع الخشب] لي، وهو ليس بنجار، فهنا القرينة تدل على أن المنشار ليس له، لأنه ليس بنجار، فهنا يحكم القاضي بالآلة للنجار مع يمينه.
• وهذا إن لم يوجد لمن كانت العين بغير يده بيّنة، فإن وجدت له بينة فهي له، لأن البينة أقوى من القرينة، وإن لم توجد لكليهما بينة فالعين المتنازع عليها لمن هي بيده بيمينه.
стр. 1245
باب الشهادة
لغة: الحضور والعلم والإعلام.
واصطلاحاً: إخبار بحق يعلمه للغير على الغير.
قولنا (يعلمه) فلا بد من علمه بالشيء، فلا يمكن أن يشهد بالظن.
• والشهادة تنقسم إلى قسمين:
تحمل، وأداء.
التحمل: ويكون ذلك بشهود الواقعة (التزام الإنسان بالشهادة).
وأداء: ويكون ذلك عند الحاكم وهو الإخبار عن الواقعة المشهود بها.
مثال: لو أردت أن أبيع بيتي على شخص، وقلت لشخصين تعالا فاشهدا، فهذا يسمى تحملاً، ولو وصل الأمر إلى القاضي بسبب عيب أو غير ذلك، وطلب منهما الشهادة عنده، فشهادتهما تسمى أداءً.
• بيّن المصنف حكمهما فقال:
стр. 1246
م/ وتحمل الشهادة في حقوق الآدميين: فرض كفاية.
أي: أن تحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية (إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي).
لقوله تعالى (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) أي: إذا دعوا.
وعلى هذا فإذا طلب منك شخص أن تشهد على إقرار دين بحق له، فالشهادة فرض كفاية، إن قام بها من يكفي سقطت عن الباقي وإلا وجبت عليك.
• فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه (فرض عين).
مثال: دعاك شخص لتشهد على إقرار زيد بحق له، وليس في المكان غيرك، فيجب أن تجيب، لأنه لايوجد من يقوم بالكفاية. [الشرح الممتع].
стр. 1247
م/ وأداؤها فرض عين.
أي: وأداء الشهادة - على من تحملها - عند القاضي فرض عين.
لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، [وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها].
ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات.
ولأن امتناعه من أداء الأمانة التي تحملها قد يكون سبباً في ضياع الحقوق.
لكن بشرط أن يدعى إليها، فإن لم تطلب منه الشهادة فلا تجب، إلا في حالة واحدة وهي: إذا كان صاحب الحق لا يعلم عن هذه الشهادة، أو نسي البينة، ففي هذه الحال تتعين الشهادة.
مثاله: تبايع رجلان، وكان هناك رجل ثالث أو رابع يسمعان هذا العقد، ثم إنه حصل منازعة عند القاضي بين هذين المتبايعين، فهنا صاحب الحق لا يعلم بشهادة الشهود، فيجب عليهما أن يأتيا ويشهدا.
وكذلك لو أن صاحب الحق نسي الشاهد، فهنا يجب أن يأتي ويشهد.
إذاً: لا يجب أداء الشهادة إلا إذا دعي إليها كما سبق، لكن هل يستجب أن يأتي ويشهد بدون أن يدعى أم لا؟ اختلف العلماء:
القول الأول: أنه مذموم.
لحديث عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِى أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤتمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ).
ولأن الذي يبادر للشهادة قبل أن يُسألها قد يتهم بأنه متحيزاً للمشهود له.
القول الثاني: أن ذلك محمود.
لحديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأْتِى بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) رواه مسلم.
والصحيح التفصيل: إن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة، فإن الشاهد يؤديها وإن لم يسألها، وإن كان المشهود له عالماً ذاكراً فإنه لا يشهد حتى تطلب منه الشهادة.
• ويحرم كتمان الشهادة.
لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها.
стр. 1248
م/ ويشترط أن يكون الشاهد عدلاً ظاهراً وباطناً، والعدل: هو من رضيه الناس لقوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
ذكر المصنف ﵀ شرطاً من شروط الشاهد: وهو أن يكون عدلاً.
لأن غير العدل لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور.
والعدل عرفه المصنف بقوله (من رضيه الناس) للآية (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فكل مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، واختاره الشيخ السعدي كما هنا، وقال في كتاب (بهجة قلوب الأبرار): وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره.
وقيل: العدالة: هي الصلاح في الدين: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. واستعمال المروءة بفعل ما يزينه وترك ما يشينه.
• ومن شروط من تقبل شهادته:
البلوغ:
لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) والصبي لا يسمى رجلاً.
ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى.
والمراد هنا أنه لا يقبل أداؤه للشهادة، أما لو تحملها وهو صغير وعَقَل ما تحمله، وشهد به بعد بلوغه صحت
شهادته.
واختلف في شهادتهم في الأمور التي لا يطلع عليها إلا الصبيان غالباً، كالذي يقع بينهم من القتل أو
الجراحات.
القول الأول: أن شهادتهم لا تقبل مطلقاً.
وهذا هو المذهب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
القول الثاني: أن شهادتهم تقبل فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان كالجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها.
وهذا قول في مذهب مالك واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
حفظاً للدماء التي تقع بينهم، فإنهم في غالب أحوالهم يخلُونَ بأنفسهم، وقد يسطوا بعضهم على بعض، فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم.
قال الشيخ ابن عثيمين: وقال بعض العلماء: بل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان غالباً مقبولة، إذا لم يتفرقوا، وما قاله هؤلاء أصح.
стр. 1249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العقل:
قال في المغني: ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً قاله ابن المنذر.
لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: … وعن المجنون حتى يعقل … ) لأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها.
الكلام:
فلا تصح شهادة الأخرس.
قالوا: لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام.
وذهب بعض العلماء إلى أن شهادة الأخرس تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمتْ، وهذا الصحيح.
الإسلام.
فلا تقبل شهادة الكافر.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).
ب- وإذا كان الفاسق يجب علينا اليقين في خبره، فما بالك بالكافر (فالكافر محل الخيانة).
ج- وقال تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ).
د- وقال تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس منا، ولا ممن نرضاه.
• … (لكن شهادة الكفار بعضهم على بعض تقبل).
الحفظ.
فلا تقبل شهادة المغفل المعروف بكثرة النسيان والغلط. لأنه لا يوثق بقوله.
• لو كان كثير النسيان والغفلة، فقيد الشهادة فقال: أنا لا أذكر ولكن قيدت كل ما شهدت به في كتاب عندي، فإن الراجح له أن يشهد بذلك ما دام أنه كتب شهادته بخطه، سواء تذكرها أم لم يتذكرها، ما دام يعلم أن هذا خطه.
стр. 1250
م/ ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه.
أي: فلا يجوز أن يشهد بالقرينة أو بغلبة الظن بل لا بد بما يعلمه يقيناً.
أ- لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
ب- ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع.
ج- وقد جاء في الحديث عن ابن عباس (أن النبي ﷺ قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع) رواه ابن عدي وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، فهو يدل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقيناً، كما تُعلم الشمس بالمشاهدة.
د- ويؤيد ذلك قوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به.
ثم ذكر المصنف ﵀ طرق العلم فقال:
стр. 1251
م/ برؤية.
أي: رؤية المشهود به.
كما سبق لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
• قال الشيخ ابن عثيمين: لا يشترط علم المشهود عليه بوجود الشاهد، فلو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكان وجعل واحداً يشهد مختبئاً، فإن ذلك يجوز، لأن هذا الذي عليه الحق إذا كان منفرداً صاحب الحق أقر له وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيّل صاحب الحق وفعل ذلك، وهذه حيلة لكنها حيلة جائزة للتوصل للحق.
стр. 1252
م/ أو سماع من المشهود عليه.
هذه الطريقة الثانية: وهي السماع من المشهود عليه مثل: أن يسمعه وهو يطلق امرأته أو يسمعه وهو يبيع أو ينكح، أو يسمعه يقر أن لفلان عليه ديناً، أو استأجر منه داره أو اشترى منه سيارة وما أشبه ذلك.
стр. 1253
م/ أو استفاضة يحصل بها العلم في الأشياء الني يُحتاج فيها إليها، كالأنساب ونحوها.
هذه الطريقة الثالثة من طرق العلم: وهي الاستفاضة، وهي انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضاً، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه
• والاستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والموت والرضاع.
لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدة أسبابها.
стр. 1254
باب موانع الشهادة.
قد يكون الشاهد صالحاً لتحمل الشهادة وأدائها أمام القضاء ولكن هناك مانع يمنع القاضي من قبول شهادته من هذه الموانع:
م/ مظنة التهمة: كشهادة الوالدين لأولادهم وبالعكس.
ذكر المصنف ﵀ أن من موانع الشهادة شهادة الأصول لفروعهم والعكس، فلا تقبل شهادة والد لولده، ولا ولد لوالده.
والسبب: التهمة، لأن الإنسان متهم إذا شهد لأصله، أو شهد لفرعه، فإنه قد يحابي أصوله أو فروعه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
وذهب بعض العلماء إلى قبول شهادة الوالد لولده والعكس، وهذا قول الظاهرية.
لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار.
وقد ذكر ابن القيم أن الشهادة لا ترد بسبب القرابة لعدم الدليل، وإنما ترد بوجود التهمة، فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريباً أو أجنبياً، وقال: هذا هو الصواب.
والراجح قول الجمهور.
стр. 1255
م/ وأحد الزوجين للآخر.
أي: فلا يقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه.
للتهمة، لأن شهادة الزوج لزوجته متهم بها، وكذلك العكس.
стр. 1256
م/ والعدو على عدوه للحديث (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت) رواه أحمد وأبو داود.
أي: ومن موانع الشهادة: العداوة، فلا تقبل شهادة العدو على عدوه.
• والعدو هو: الذي يفرح لحزنه ويحزن لفرحه. [هذا ضابط العدو].
للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت) رواه أحمد وأبو داود.
[خائن] الخائن هو من يخون فيما اؤتمن عليه [ذي غِمْر] أي: ذي حقد وشحناء، وهي بكسر الغين وسكون الميم، ويجوز فتحمها. قال الخطابي: هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة.
وإنما ردت شهادة العدو على عدوه، لئلا يتخذ ذريعة إلى بلوغ غَرضه من عدوه بالشهادة الباطلة.
والحديث دليل على أن الخائن لا تقبل شهادته، لانتفاء العدالة.
ومن موانع الشهادة: أن التابع لأهل البيت - وهم الخدم - لا تجوز شهادتهم لهم.
عدد الشهود
بيان عدد الشهود في الشهادة وهو يختلف باختلاف المشهود به:
أولاً: يكون في الزنا أربعة رجال ولا يقبل فيها النساء، وكذلك اللواط.
قال في المغني: (أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالاً أحراراً فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد.
стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقوله تعالى (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
ثانياً: ما يثبت إلا بثلاثة رجال.
إذا ادعى - من عرف بالغنى - بالفقر فلا تقبل هذه الدعوى إلا إذا شهد ثلاثة.
لحديث قبيصة. أن النبي ﷺ قال (يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَاناً فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتاً يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً). رواه مسلم
ثالثاً: وفي النكاح والطلاق والرجعة وبقية الحدود - غير الزنا واللواط - كالقذف والسرقة والقصاص والخمر: اثنان ولا تقبل شهادة النساء.
رابعاً: وفي الأموال وما يقصد به المال كالبيع والأجل والرهن: رجلان أو رجل وامرأتان.
لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
خامساً: ما يقبل فيها شهادة امرأة واحدة: كالرضاع والولادة والبكارة، ومثل هذه الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء غالباً.
لحديث عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّى، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ فَنَهَاهُ عَنْهَا). رواه البخاري
стр. 1258
م/ وفي الحديث (من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فاجر فيها: لقي الله وهو عليه غضبان) متفق عليه.
الحديث فيه الوعيد الشديد على من يحلف بالله كاذباً ليقتطع مال أخيه، وأن هذا الحلف الكاذب يعتبر من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية (فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة).
• أن الإنسان قد يستحق بدعواه شيئاً بيمينه، وله صورتان:
الصورة الأولى: دعوى ما ليس له.
فيأتي ويحلف ويأتي بالشاهد ويحلف معه وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقاً، لأنه استباح ماله بيمين كاذبة.
الصورة الثانية: إنكار ما يجب عليه.
بأن يكون على شخص حق ثم ينكره، وليس للمدعي بيّنة، فهنا سوف يُحلّف المدعى عليه ويُخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق.
стр. 1259
باب القسمة
القِسمة: بكسر القاف اسم يطلق على التفريق، والمراد هنا: تمييز الحقوق وإفراز الأنصباء.
وهذا الباب له تعلق بموضوعات كثيرة كالأضحية والفرائض والشركة والوصايا، لكن ذكروه في أبواب القضاء، لأن القاضي لا يستغني عن القاسم للحاجة إلى قسمة المشتركات.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى.
قال تعالى (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ).
وأجمع المسلمون على جواز القسمة في الجملة.
والمعنى: لأن الحاجة داعية إليها، لتمييز حقوق الشركاء بعضهم عن بعض، ليتصرف كل منهم في حقه ببيع أو عمارة أو نحو ذلك.
стр. 1260
وهي نوعان، حيث قال المصنف ﵀:
م/ وهي نوعان: قسمة إجبار، فيما لا ضرر فيه ولا رد عوض، كالمثليات والدور الكبار والأملاك الواسعة.
وقسمة تراض، وهي ما فيه ضرر على أحد الشركاء في القسمة، أو فيه رد عوض، فلا بد فيها من رضا الشركاء كلهم.
ذكر المصنف ﵀ أن القسمة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: قسمة إجبار، وهي ما لا ضرر في قسمته على أحد الشركاء ولا رد عوض في قسمته من أحد الشركاء على الآخر.
كالأرض الواسعة، والدار الكبيرة، والدكاكين الواسعة، والسيارات الجديدة من جنس واحدة.
سميت قسمة إجبار، لأن الممتنع من القسمة يجبر إذا طلب الشريك القسمة، لأنه يتضمن إزالة الضرر الحاصل بالشركة، وحصول النفع للشريكين، لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويمكنه من إحداث الغرس أو البناء، وذلك لا يمكن مع الاشتراك.
قال الشيخ ابن عثيمين: سميت قسمة إجبار، لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، وضابطها: كل قسمة ليس فيها ضرر ولا رد عوض.
مثال: البستان: أي: البستان الكبير، الذي إذا قسم لا يتضرر أحد بقسمته، بحيث لو قسمناه ما تنقص قيمته أو يفوت الانتفاع.
القسم الثاني: قسمة تراض. وهي ما فيه ضرر على أحد الشركاء بالقسمة، أو فيه رد عوض من أحد.
فهذه لا ينفذ القسم إلا برضا الشركاء.
اختلف العلماء في المراد بالضرر المانع من القسمة:
فقيل: ألا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قسم.
لأن ذلك ضرر شديد يفضي إلى إضاعة المال، فيكون منهياً عنه.
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال: أرض مشتركة بين شخصين مساحتها أربعة وعشرون متراً، وقيمتها ستة آلاف، لأحدهما سدس، وللآخر خمسة أسداس، إذا قسمناها أسداساً فإن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه، لأن السدس عبارة عن أربعة أمتار، فعلى هذا القول: تكون القسمة قسمة تراض. وعلى القول الثاني الآتي: هي قسمة إجبار.
وقيل: الضرر هو نقص القيمة.
ففي المثال السابق تكون القسمة قسمة إجبار، لأن السدس (وهو أربعة أمتار) لم تنقص قيمته.
فهذا السدس الذي قسم لو بيع يساوي ألفاً، ولو بيعت الأرض جميعاً تساوي ستة آلاف.
قوله (أو رد عوض) مثاله: أرض بين شريكين لا يمكن أن تتعدل بأجزاء ولا قيمة، إلا برد عوض، يعني مثلاً فيها جبال، فيها أودية، فيها أشجار، لا يمكن أن نعدلها أبداً بالسهام، إن قسمناها نصفين صارت هذه الأرض أحسن من هذه، فلا تتعدل إلا إذا جعلنا للناقص عوضاً عن الكامل، فهذه - أيضاً - قسمتها قسمة تراض، إذا رضي الطرفان وإلا تبقى وتباع جميعاً. [الشرح الممتع: ٣٧١ - ١٥].
(وإن طلب أحدهم فيها البيع: وجبت إجابته) أي: إذا قالوا: إذا قسمناها تضررنا، أو كان نصيب أحدهم لا يساوي شيئاً وطلب البيع فإنهم يجبرون والحالة هذه على بيعها.
(وإن أجروها: كانت الأجرة فيها على قدر ملكهم فيها) أي: إذا أجروا هذه الأرض مزرعة، أو أجروا هذا الدكان الصغير مثلاً، تكون الأجرة على قدر ملكهم، فهذا له الربع، وهذا له ثلاثة الأرباع.
стр. 1262
باب الإقرار
ختم المصنف ﵀ الكتاب بباب الإقرار، تفاؤلاً بالإقرار بالشهادة عند الوفاة لقوله ﷺ (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود.
م/ وهو اعتراف الإنسان بحق عليه.
الإقرار: هو اعتراف الإنسان بما عليه لغيره من حقوق، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).
وقال ﷺ (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها … ).
وحديث ماعز، فإن النبي ﷺ حدّه بإقراره.
وكذلك الغامدية حدها الله لما اعترفت بالزنا.
وأجمع المسلمون على صحة الإقرار.
وهو أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة.
стр. 1263
م/ بكل لفظ دالٍ على الإقرار.
أي: أن الإقرار يصح بكل لفظ دال عليه.
стр. 1264
م/ بشرط كون المقر مكلفاً.
أي: يشترط لصحة الإقرار شروطاً: ذكر منها المصنف ﵀ أن يكون المقر مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً.
لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، … ).
ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله.
فلا يصح من صبي، ولا من مجنون.
فلا يصح الإقرار من السكران لأنه لا عقل له، ولذلك لم يؤاخذ النبي ﷺ عمه حمزة حينما قال له: هل أنتم إلا عبيد أبي.
ومن الشروط: أن يكون المقر مختاراً.
فلا يصح الإقرار من مكره.
لأن الله رفع حكم الكفر عن المكره لقوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).
ولعموم قوله ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
وقال تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). فكل العقود لا بد فيها من التراضي.
• فإن ادعى الإكراه فإنه لا يقبل إلا ببينة، كأن يظهر عليه أثر ضربٍ أو حبس.
ومن الشروط: ألا يكون محجور عليه.
فالمحجور عليه لحظ الغير لا يصح إقراره في أعيان ماله، ويصح في ذمته ويطالب بذلك بعد فك الحجر.
стр. 1265
م/ وهو من أبلغ البينات.
أي: أن الإقرار أبلغ وأقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة، وهو أقوى من الشهادة.
لأنه اعتراف ممن عليه الحق، فلا يحتمل الشبهة.
следующие страницы →