← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

م/ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ. أي: يسن أن يقول بعد دعاء الاستفتاح (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). وجمهور العلماء على أنها سنة، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). [أعوذ بالله] أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي [الشيطان] الشيطان في لغة العرب مشتق من شَطُنَ إذا بَعُدَ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير. • يقولها المصلي سراً، قال في المغني: "يسر الاستعاذة ولا يجهر بها لا أعلم فيه خلافاً". واختلف العلماء هل يستعيذ كل ركعة أم يكفي في الركعة الأولى: فقيل: يستعيذ في كل ركعة، لعموم قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقيل: يكفي أن يستعيذ في الركعة الأولى. للاستعاذة صيغ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه أكثر ما ورد، أَعُوذُ بِاَللَّهِ اَلسَّمِيعِ اَلْعَلِيمِ مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، همزه: هو الصرع والجنون الذي يصيب الإنسان، ونفخه: هو الكبر، لأن الشيطان ينفخ الإنسان حتى يتكبر. ونفثه: هو الشعر، وقيل هو السحر.

стр. 177

م/ وَيُبَسْمِلُ. أي: وبعد أن يستعيذ يسن أن يبسمل يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم]، وهذا قول جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة: (أنه صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى بلغ: ولا الضالين، حتى إذا أتم الصلاة قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله). رواه النسائي • والأفضل أن يسر بها. قال الترمذي: "وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد". لحديث أنس: (أنه صلى خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين). متفق عليه وفي رواية: (يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم). ولحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة الحمد لله رب العالمين). رواه مسلم ولحديث ابن عبد الله بن مغفل قال (سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: يا بني إياك والحدث في الدين، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم). رواه الترمذي ولأن البسملة تقاس على التعوذ، ولم يثبت أنه كان ﷺ يتعوذ جهراً، ولم يقل أحد من أهل العلم بمشروعية التعوذ جهراً. وذهب بعض العلماء وهو مذهب الشافعية أنه يجهر بها. لحديث أبي هريرة الذي سبق، وفيه: (أنه صلى فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم … حتى بلغ: ولا الضالين، قال: آمين، ثم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . رواه النسائي ولحديث ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) رواه الدار قطني وهو ضعيف والراجح الأول، لكن لو جهر أحياناً فلا بأس، ولذلك قال ابن القيم: "وكان ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم خمس مرات أبداً حضراً وسفراً ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال".

стр. 178

م/ وَيَقْرَأُ اَلْفَاتِحَةَ. أي: وبعد ذلك يقرأ سورة الفاتحة، وهي ركن من أركان الصلاة، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). متفق عليه • وسميت الفاتحة بهذا الاسم لأنه افتتح بها القرآن العظيم، ولأنه يفتتح بها الصلاة. • وسيأتينا أن الراجح أنها ركن في حق الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة الجهرية والسرية. • يسن أن يُؤَمِّنَ جهراً في الجهرية، فيقول: آمين بعد الفاتحة. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه فالإمام يقولها بعد قوله: ولا الضالين، وكذا المنفرد، وكذلك المأموم يقولها بعد قول الإمام: ولا الضالين، وهذا هو الصحيح لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين فإنه من وافق تأمينه … ). ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، وهو قول ابن حزم للأمر به (إذا أمن فأمنوا)، وذهب الجمهور إلى أنه سنة وهذا هو الصحيح، لقوله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا) فالإمام لم يرد عليه أمر، وإذا كان ذلك لم يجب على الإمام فإنه لا يجب على المأموم، ولأن التأمين خارج عن الفاتحة، فليس هو من الفاتحة.

стр. 179

م/ وَيَقْرَأُ مَعَهَا، فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ اَلْأُولَيَيْنِ مِنْ اَلرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ سُورَةً. أي: يسن أن يقرأ مع الفاتحة سورة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. لحديث أبي قتادة قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة وسورة يطول الأولى ويقصر الثانية). متفق عليه قال في المغني: "لا نعلم خلافاً أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة". • قوله (سورة) فيه أن يستحب أن تكون السورة كاملة، وقد كره بعض العلماء قراءة مقدار من سورة طويلة. والصحيح أنه لا بأس بذلك، لعموم قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن). ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في راتبة الفجر في الركعة الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ … البقرة) وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … آل عمران) وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. • قوله (في الركعتين الأوليين) ظاهره أنه لا يقرأ في الركعة الثالثة والرابعة بعد الفاتحة شيئاً، وأنه يقتصر على الفاتحة. وهذا يدل عليه حديث أبي قتادة الذي سبق وفيه: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب). متفق عليه لكن جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم قال: (كنا نَحْزُرُ قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر (ألم السجدة) وفي الأخريين قدر النصف من ذلك). كنا نحزر: بفتح النون وسكون الحاء وضم الزاي، ومعناه نخرص ونقدر ونقيس. فهذا يدل على أنه يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في الركعتين الأخريين من الظهر، لأنه إذا كانت الركعة الثالثة قدر ﴿١٥﴾ آية فمعنى ذلك أن النبي ﷺ قرأ سورة الفاتحة قدر ثمان آيات ويقرأ فيها أيضاً سورة مع الفاتحة قدر سبع آيات. واختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة السابق: فمن العلماء من رجح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد لأنه متفق عليه وحديث أبي سعيد في مسلم فقط. ولأن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال (حزرنا قيامه) وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره. ومن العلماء من جمع بين الحديثين؛ وهو أن الرسول ﷺ يفعل هذا أحياناً ويفعل هذا أحياناً، وهذا الصحيح لأمرين: أولاً: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين. ثانياً: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب. • أن السورة التي بعد الفاتحة يفتتحها بالبسملة، ولا تغني بسملة الفاتحة.

стр. 180

م/ فِي اَلْفَجْرِ: مِنْ طُوَالِ اَلْمُفَصَّلِ. أي: يسن أن تكون السورة التي بعد الفاتحة في صلاة الفجر من طوال المفصل. ﴿طوال﴾ بكسر الطاء، طوال المفصل من (ق) إلى عم، والمفصل من (ق) إلى الناس. • سمي بذلك لكثرة الفواصل بين سوره بالبسملة. لحديث سلمان بن يسار قال: (كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحدٍ أشبه صلاة برسول الله من هذا). أخرجه النسائي ﴿كان فلان﴾ يريد به أميراً كان على المدينة. (وثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ في الفجر ق). رواه مسلم وفي حديث أبي برزة الطويل وفيه: (وكان يقرأ بالستين إلى المائة). متفق عليه

стр. 181

م/ وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِ المُفَصَّلِ. أي يسن أن تكون القراءة في صلاة المغرب بقصار المفصل. وقصار المفصل من (الضحى) إلى (الناس)، لحديث سلمان بن يسار السابق وفيه: (وفي المغرب بقصاره). ويسن أن يقرأ أحياناً ليست قليلة من أواسط المفصل، وربما قرأ ببعض الطوال. عن جبير بن مطعم قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور). متفق عليه وهي من طوال المفصل. وعن ابن عباس: (أن أم الفضل بنت الحارث سمعته يقرأ: (والمرسلات عرفاً) فقالت: يا بني، لقد ذكرتني بقرائتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب). متفق عليه قال ابن القيم: "أما المداومة على قصار المفصل دائماً فهو من فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت، وقال: مالك تقرأ بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين الأعراف) ". رواه النسائي

стр. 182

م/ وَفِي البَاقِي مِنْ أَوَسَاطِهِ. أي: يسن أن تكون القراءة في صلاة الظهر والعصر والعشاء من أواسط المفصل، وأواسط المفصل من (عم) إلى (الضحى) أما العشاء ففي حديث معاذ أن النبي ﷺ قال له - حين أطال في صلاة العشاء - قال له: (إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى). متفق عليه وأما الظهر فيقرأ فيها بأواسط المفصل. فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ فيها (والسماء والطارق) (والسماء ذات البروج) (والليل إذا يغشى). رواه أبو داود وأما العصر فعامة أهل العلم على أنه يقرأ فيها بأواسط المفصل.

стр. 183

م/ وَيَجْهَرُ فِي القِرَاءَةِ لَيلاً وَيُسِرُّ بِهَا نَهَارًا، إِلَّا: اَلْجُمْعَةَ وَالْعِيدَ وَالْكُسُوفَ، وَالِاسْتِسْقَاءَ، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا. أي: يسن الجهر في الصلوات الليلية كالمغرب والعشاء والفجر، ويسر في الصلوات النهارية كالظهر والعصر. قال ابن قدامة: "الجهر في مواضع الجهر، والإسرار في مواضع الإسرار، مجمع على استحبابه، ولم يختلف المسلمون في موضعه".

стр. 184

م/ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ. أي: بعد فراغه من القراءة يركع مكبراً، ﴿رافعاً يديه﴾ وهذا هو الموضع الثاني الذي ترفع به الأيدي، وهو عند الركوع لحديث ابن عمر الذي سبق: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع … ). (ويكبر) هذه تكبيرات الانتقال، وهي واجبة، وفي الحديث عن أبي هريرة قال: (كان النبي ﷺ يكبر في كل خفض ورفع). متفق عليه ولحديث أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: (كان النبي ﷺ يكبر إلى الصلاة ويكبر إذا ركع … ). متفق عليه وقوله (ثم يكبر للركوع) يعني أن التكبير يكون في أثناء الهوى، فلا يكبر وهو قائم، ولا يكبر وهو راكع، لأن التكبير ذكر الانتقال، وذكر الانتقال يكون بين الركنين، يعني بين الركن الذي انتقل عنه والركن الذي انتقل إليه. وقوله (ثم) عبر المصنف بـ (ثم) لأنها تفيد الترتيب والتراخي، فيدل على أنه يسكت سكتة بقدر ما يتراد إليه نفسه، لأنه ﷺ كان إذا فرغ من القراءة سكت سكتة. ثم ذكر المصنف الركوع الموافق للسنة ما جمع صفات، فقال:

стр. 185

م/ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. أي: ويضع المصلي يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما. والمراد بيديه: الكفان، لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف إلا بدليل. • الدليل على هذه الصفة: حديث أبي حميْد - في صفة الصلاة - (وكان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه … ). رواه البخاري ولأمره ﷺ للمسيء في صلاته فقال: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء … ثم يكبر ويضع يديه على ركبتيه). رواه أبو داود ولحديث سعد بن أبي وقاص قال: (أمرنا أن نضع أيدينا على الركب). متفق عليه • ولم يذكر المؤلف أنه يسن أن تكون مفرجتي الأصابع، أي مفرقاً بينها فلا يضمها. لحديث وائل بن حجر: (أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرّج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه). رواه ابن خزيمة

стр. 186

م/ وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ. أي: أنه يسن للراكع أن يمد ظهره ويجعل رأسه حيال ظهره فلا يرفعه ولا يخفضه. لحديث عائشة قالت: (كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه ولكن بين ذلك). رواه مسلم لم يشخص: لم يرفعه. ولم يصوِّبه: لم ينزله ويخفضه، ولكن بين ذلك. وفي حديث ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ركع بسط ظهره وسواه حتى لو صُبَّ الماء عليه استقر). رواه ابن ماجه وقال ﷺ للمسيء في صلاته: (فإذا ركعت فاجعل راحتيْك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكِّن الركوع). رواه أبو داود هذا هو الركوع الكامل. وأما الركوع المجزئ فاختلف العلماء فيه على قولين: فقيل: أن ينحني بحيث تصل يداه إلى ركبتيه إذا كان وسط الخلقة. وقيل: أن يكون إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، وهذا أصح.

стр. 187

م/ وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ اَلْعَظِيمِ) وَيُكَرِّرُهُ. هذا هو الذكر المشروع في الركوع، وهو أن يقول: سبحان ربي العظيم. لحديث حذيفة قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة … ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم … ). رواه مسلم ولحديث عقبة بن عامر قال: (لما نزلت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال: اجعلوها في سجودكم). رواه أبو داود ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (وأما الركوع فعظموا فيه الرب). رواه مسلم • وهذا الذكر من واجبات الصلاة، وهذا مذهب الحنابلة خلافاً للجمهور. ﴿وستأتي واجبات الصلاة﴾ • وهناك أدعية تقال أثناء الركوع: منها: حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح). رواه مسلم ومنها: حديث عائشة أيضاً قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي). متفق عليه ومنها: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة). رواه أبو داود ومنها: حديث علي أن النبي ﷺ إذا ركع قال: (اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي). رواه مسلم

стр. 188

م/ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأَسَهُ. أي: يرفع رأسه وظهره من الركوع لقوله ﷺ للمسئ في صلاته (ثم ارفع حتى تطمئن قائماً) متفق عليه.

стр. 189

م/ قَائِلاً. أي: يكون القول في حال الرفع، فلا يقال قبله ولا يؤخر لما بعده.

стр. 190

م/ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، إِنْ كَانَ إِمَامَاً أَوْ مُنْفَرِدَاً. أي: يقول الإمام والمنفرد سمع الله لمن حمده، [سمع الله] أي استجاب لمن حمده. • وقوله (إن كان إماماً ومنفرداً) هذا دليل على أن الإمام وكذلك المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، أما المأموم فلا يجمع بين التسميع والتحميد وإنما يقتصر على التحميد، وما ذهب إليه المؤلف هو مذهب الحنابلة، لحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد) متفق عليه. وذهب الشافعي إلى أن المأموم كذلك يجمع بين التسميع والتحميد لفعل النبي ﷺ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ........ ) متفق عليه. وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، والراجح ما ذكره المصنف ﵀ ويكون فعل النبي ﷺ عام مخصوص منه المأموم.

стр. 191

م/ وَيَقُولُ اَلْكُلُّ رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ. أي: يقول هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وهذا الذكر يقوله الكل: الإمام والمأموم والمنفرد. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا … ) متفق عليه. وقد ورد عدة صيغ: منها ما ذكره المصنف: ربنا ولك الحمد لحديث أبي هريرة السابق، ولحديث أنس قال: قال النبي ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، ..... وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) متفق عليه. ومنها: ربنا لك الحمد [من غير واو]. لحديث أبي سعيد قال (كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد) رواه مسلم. ومنها: اللهم ربنا لك الحمد. لحديث أبي هريرة. قال: (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد) متفق عليه. ومنها: اللهم ربنا ولك الحمد. لحديث أبي هريرة. قال (كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد) رواه البخاري. والأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة، ليكون متبعاً للسنة.

стр. 192

م/ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِلْءَ اَلسَّمَاءِ، وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. أي: يسن للمصلي أن يزيد في الرفع من ركوعه هذا الدعاء لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ قَالَ: " اَللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ اَلْحَمْدُ مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ مِنْكَ اَلْجَدُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ﴿مِلْءَ اَلسَّمَوَاتِ وَمِلْءَ اَلْأَرْضِ﴾ قال الخطابي: "هو تمثيل وتقريب، فالكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، والمراد تكثير القول لو قدر ذلك أجساماً ملأ ذلك كله". وقال النووي: "قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً لملأ السموات والأرض". وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الصحيح أن المعنى: أن الله محمود على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله ". ﴿وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ﴾ فيه إشارة إلى أن حمد الله تعالى لا منتهى له ولا يحصيه عاد، ولا يجمعه كتاب. ﴿أَهْلَ اَلثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ﴾ أي أنت أهل الثناء والمجد، والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة، والمجد هو العظمة ونهاية الشرف. ﴿أَحَقُّ مَا قَالَ اَلْعَبْدُ﴾ أي ذلك أحق ما قال العبد، والمراد ما سبق من الثناء والمجد، أحق ما قال العبد: أي أصدقه وأثبته ﴿وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ﴾ فيه التنبيه على أنه تعالى مالك لجميع العباد. ﴿اَللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ﴾ إذا أردتَ إعطاءَه. ﴿وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ﴾ إذا أردت منعه، فما قدر سبحانه عطاءه وجِدَ، وما قدر منعه لا يوجد. ﴿وَلَا يَنْفَعُ ذَا اَلْجَدِّ مِنْكَ اَلْجَدُّ﴾ الجَد بفتح الجيم، هو الحظ والغنى و (من) بمعنى عند، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه ولا حظه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك. • هذا الذكر للإمام والمنفرد والمأموم في الفرض والنفل. • من الأذكار التي تقال بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، قالها رجل، فقال النبي ﷺ : لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً. رواه البخاري. • المشروع إطالة هذا الركن، وأنه بقدر الركوع، بخلاف كثير من الناس. قال ابن القيم: "قال شيخنا: إن تقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة، وأحدثوا فيه كما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه ﷺ ، وربي في ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة". فقد ثبت عند النسائي عن أنس قال: (إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من الركوع انتصب قائماً يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجود مكث حتى يقول القائل قد نسي). • أين يضع يديه بعد الركوع؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀: أنه مخير إما أن يرسلهما من على جنبيه أو أنه يضع اليمنى على اليسرى، والرأي الثاني: أنه يرسلهما ولا يضعهما، والرأي الثالث: أنه يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان الناس يأمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، وهذا يشمل جميع الصلاة، فالصواب في هذه المسألة: أنه يضع يده اليمنى على اليسرى، هذا الصواب.

стр. 193

م/ ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى أَعْضَائِهِ اَلسَّبْعَةِ: كَمَا قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظَمٍ: عَلَى اَلْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ اَلْقَدَمَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أي: ثم يسجد المصلي على أعضائه السبعة. • والسجود ركن من أركان الصلاة لقوله ﷺ في حديث المسيء في صلاته (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً). • يسجد من غير رفع لليدين لحديث ابن عمر ( .... ولا يفعل ذلك في السجود). • يجب أن يكون سجوده على الأعضاء السبعة، والسجود على هذه الأعضاء واجب لقوله (أمرت) هذا أمر من الله لرسوله ﷺ ، وهو أمر لأمته، وقد جاء في رواية: أمرنا. • فلا بد من السجود عليها جميعاً فلا يجزئ السجود على بعضها. وهذا مذهب الحنابلة، للحديث الذي ذكره المصنف، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز السجود على الجبهة دون الأنف. وهذا مذهب الشافعي وجماعة واستدلوا: أن هذا هو السجود اللغوي [السجود في اللغة: هو وضع الجبهة على الأرض]. وجاء في حديث: (أن النبي ﷺ كان يسجد على أعلى الجبهة) وهو ضعيف. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ السجود على الأنف فقط. قال ابن المنذر رداً عليه: "وهو قول يخالف الحديث الصحيح"، والأول هو الراجح. • ويجوز أن يسجد ولو على حائل منفصل، لأن السجود على حائل ينقسم إلى قسمين: الأول: السجود على حائل منفصل عن المصلي، فهذا جائز. كأن يسجد على فرشة أو سجادة، لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يسجد على الخمرة). الخمرة: هي السجادة، وسميت خمرة لأنها تخمر الوجه أي تغطيه. لكن يستثنى من ذلك أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه دون بقية بدنه، فهذا ينهى عنه لأمرين: أولاً: أن في ذلك موافقة للرافضة وتشبهاً بهم، لأنهم يسجدون على قطعة من المدَر كالفخار، ثانياً: رفع التهمة، والذي ينبغي للمسلم اتقاء مواضع التهم. الثاني: أن يسجد على حائل متصل به، فهذا يكره إلا لحاجة، كأن يسجد على شماغه أو بعضه. لحديث أنس قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه). متفق عليه فقوله: (فإذا لم يستطع أحدنا) دليل على أنهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة. • لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء لو كان مستوراً، بل يسجد على العضو ولو مع الساتر، كشراب اليدين والرجلين، لأمرين: الأول: أن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها. الثاني: ما ذكره البخاري في صحيحه عن الحسن قال: (كان القوم يسجدون على العمامة - القلنسوة - ويداه في كمه)،

стр. 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • إذا عجز عن السجود ببعض الأعضاء فإنه يسجد على بقية الأعضاء لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). • لم يذكر المصنف ﵀ ماذا يقدم عند السجود، هل يقدم الركبتين أم اليدين، وقد اختلف العلماء في الأفضل على قولين: القول الأول: أن السنة للمصلي أن يبدأ بركبتيه أولاً، ثم يديه. وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور عند أحمد، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. واستدلوا: بحديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) رواه أبو داود. وهذا الحديث اختلف فيه العلماء، فضعفه جماعة: كالبيهقي، والمباركفوري، والألباني، وصححه جماعة: كالنووي، وابن القيم، والخطابي، وسبب ضعفه لوجود شريك بن عبد الله القاضي. وشريك مختلف فيه بين أهل العلم، فهناك من وثقه، وهناك من ضعفه، وهناك من فصل، والأقرب أن هذا الحديث فيه ضعف، لكنه أقل من ضعف حديث أبي هريرة، لكن ما جاء في حديث وائل هو الثابت عن الصحابة كعمر وابن مسعود. فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عمر: (أنه يخر في صلاته بعد الركوع على ركبتيه كما يخر البعير ويضع ركبتيه قبل يديه). ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) رواه أبو داود. قالوا: والإبل في بروكها تبدأ باليد، فينبغي أن يبدأ المصلي بالرجِل. ويشهد لهذا فعل بعض الصحابة وكبار التابعين، فهو المنقول عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، والحسن، وابن سيرين. قال الشيخ محمد بن عثيمين: "والبعير إذا برك يقدم يديه كما يعرفه من شاهده، فنهى رسول الله ﷺ أن يضع يديه قبل ركبتيه، لأنه إذا فعل ذلك صار كالبعير". القول الثاني: أن السنة البدء باليدين ثم الركبتين. وهو المشهور عن مالك. واستدلوا: بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ اَلْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) رواه أبو داود. وبشهد له حديث ابن عمر، والراجح - والله أعلم - القول الأول. • يستحب أن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلة القبلة حذو منكبيه. لحديث (أن رسول الله ﷺ كان يعتمد على كفيه ويبسطهما) رواه أبو داود. ولحديث وائل بن حجر ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه) رواه الحاكم. وعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك) رواه مسلم. ولحديث أبي حميْد الساعدي وفيه (ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه). رواه أبو داود والحكمة في بسطهما مع ضمهما: ليحصل بذلك كمال استقبال القبلة بها، وهو أعون على تحملها في أثناء السجود. • يكره أن يفترش المصلي ذراعيه حال السجود: لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب). متفق عليه، لما في ذلك من التشبه بالحيوان، ولأنها هيئة الإنسان الكسلان.

стр. 195

م/ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ اَلْأَعْلَى. أي: يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى. لحديث حذيفة - وقد سبق - قال (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في الركعة فمضى ...... الحديث وفيه: ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، .... ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى) رواه مسلم. • ووصف الرب بالعلو في هذه الحالة غاية في المناسبة، لأن الإنسان أذل ما يكون لربه وأخضع له حيث يضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعاً لربه واستكانة له، وخضوعاً لعظمته، وهو في ذلك أقرب ما يكون من ربه. ويستحب أن يزيد: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) رواه مسلم. (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) متفق عليه. (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره) رواه مسلم. • يستحب الإكثار من الدعاء في السجود: لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم. وفي رواية (فقمن أن يستجاب لكم) أي حري.

стр. 196

م/ ثُمَّ يُكَبِّرُ. وَيَجْلِسُ عَلَى رِجْلِهِ اَلْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ اَلْيُمْنَى وَهُوَ اَلِافْتِرَاشُ. أي: ثم بعد السجود يكبر المصلي ثم يجلس بين السجدتين. • ويجلس مفترشاً. وهو: أن ينصب الرجل اليمنى ويفرش اليسرى. لحديث عائشة ﵂ قالت (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) رواه مسلم. • وهناك جلسة أخرى كما جاء في صحيح مسلم عن طَاوُوس قال (قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِى الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِىَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِىَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ . والمراد بالإقعاء هنا: أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله سنة نبيكم ﷺ . فالحديث دليل على أن من السنة الجلوس على العقبين في الصلاة بين السجدتين. وورد صريحاً: عند الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال (من السنة في الصلاة أن تضع إليتيك على عقبيك بين السجدتين). وهذا مذهب الشافعي. تنبيهات: ما ورد من النهي عن الإقعاء: كحديث أبي هريرة ﵁ (ونهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب " رواه أحمد. وحديث عائشة ﵂: " كان ينهى عن عقبة الشيطان) رواه مسلم، فالمراد به هو الذي يكون كأقعاء الكلب. والإقعاء الذي صرح به ابن عباس، وغيره أنه من السنة هو وضع الإليتين على العقبين بين السجدتين والركبتان على الأرض • الإقعاء المسنون يسن فعله بين السجدتين فقط لا كما يفعله بعض أهل البلدان المجاورة من الإقعاء في كل جلسات الصلاة فيقعون بين السجدتين وفي التشهد الأول والثاني و … و .. الخ. • رد الألباني في صفة الصلاة على كلام ابن القيم حيث يقول بعد أن ذكر الافتراش بين السجدتين: (ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه). • الإقعاء المنهي عنه قال أحد العلماء في حكمه (مكروه باتفاق العلماء) (وسيأتي في مكروهات الصلاة). • لا يشرع بين السجدتين الإشارة بسبابة اليد اليمنى (وهذا قول أكثر العلماء). قالوا: تكون اليد اليمنى كاليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة. لأن الأحاديث كلها صريحة في أن الإشارة تكون في التشهد الأول والأخير كما سيأتي إن شاء الله في التشهد، ورجح هذا القول الشيخ ابن باز والشيخ الألباني رحمهما الله. وقال بعض العلماء: تكون اليد اليمنى كالتشهد يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء، لكن هذا القول ضعيف.

стр. 197

م/ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ جِلْسَاتِ اَلصَّلَاةِ إِلَّا فِي اَلتَّشَهُّدِ اَلْأَخِيرِ فَإِنَّهُ يَتَوَرَّكُ: بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى اَلْأَرْضِ وَيُخْرِجُ رِجْلَهُ اَلْيُسْرَى مِنْ اَلْخَلْفِ اَلْأَيْمَنِ. أي يجلس مفترشاً في جميع جلسات الصلاة [بين السجدتين، في التشهد الأول] لحديث عائشة السابق. فإنه يدل على أن الأصل في الجلوس في التشهد في الصلاة هو الافتراش. وأخرجنا التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين لحديث أَبِي حُمَيْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: (رَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اِسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ اَلْقِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اَلْيُسْرَى وَنَصَبَ اَلْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اَلْيُسْرَى وَنَصَبَ اَلْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ). أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ فهو حديث صريح في التفريق بين التشهدين، وهذا مذهب أحمد والشافعي وأهل الحديث. • الحكمة من التفريق بين التشهدين: قيل: إزالة الشك واللبس الذي قد يحدث للمصلي. وقيل: أن التشهد الأول قصير، بخلاف التشهد الثاني فهو طويل. وجاء في حديث فيه نظر: (أن النبي ﷺ كان إذا جلس في التشهد الأول فكأنه على الرضف) وهي الحجارة المحمية. وقيل: أن التشهد الأول يعقبه حركة. • أما إذا كانت صلاة ذات تشهد واحد كالجمعة والعيد والنوافل. فقيل: يتورك، وهذا مذهب الشافعي، لأنه يسن تطويله. وقيل: لا يشرع التورك، وهذا مذهب الحنابلة. لأن حديث عائشة يدل على أن الأصل في الجلوس في التشهد في الصلاة هو الافتراش، وأخرجنا التشهد الأخير لحديث أبي حميد، وهذا هو الصحيح. • ذكر المصنف صفة من صفات التورك وهي: بأن يجلس على الأرض ويخرج رجله اليسرى من الخلف. والتورك له عدة صفات: الأولى: أن يخرج الرِّجل اليسرى من الجانب الأيمن مفروشة، ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرِّجل اليمنى منصوبة. ودليلها حديث أبي حميد السابق. الثانية: أن يفرش اليمنى، ويدخل اليسرى من بين فخذ وساق الرجل اليمنى. ودليل هذه الصفة: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِى الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ) رواه مسلم الثالثة: أن يفرش القدمين جميعاً، ويخرجهما من الجانب الأيمن. رواه أبو داود [زاد المعاد: ١/ ٢٥٣] والممتع [٣/ ٣٠٠].

стр. 198

م/ وَيَقُولُ: "رَبِّ اِغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاجْبُرْنِي وَعَافِنِي". أي: أن المصلي إذا جلس بين السجدتين يقول الدعاء الوارد وهو ما ذكره المصنف ﵀ لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي) رواه أبوداود. وإن زاد (وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، وعافني) فحسن. • اغفر لي: المغفرة: طلب المغفرة من الله وهو ستر الذنب والتجاوز عنه [وارحمني] أي أسألك رحمتك التي بها يتم حصول المطلوب [واهدني] أي دلني وأرشدني لطريق الهداية [وعافني] دعاء يراد به طلب العافية من أمراض الأبدان والقلوب. [وارزقني] دعاء يراد به طلب الرزق وهذا يشمل ما يقوم به الدين من العلم والإيمان والعمل الصالح، وما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن. [واجبرني] دعاء بالجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه، والله يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله. [وارفعني] دعاء بطلب الرفعة، وهذا شامل للرفعة في الدنيا بعلو المنزلة والذكر الحسن، والرفعة في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة. • هذا الذكر من واجبات الصلاة، والواجب أن يقال مرة واحدة والأكمل ثلاث مرات. • زيادة (ولوالدي) في دعاء الجلوس بين السجدتين ﴿رب اغفر لي﴾ لا أصل لها.

стр. 199

م / ثُمَّ يَسْجُدُ اَلثَّانِيَةَ كَالْأُولَى. أي كالسجدة الأولى في الهيئة والدعاء الوارد. • قال العلماء: إنما شرع تكرار السجود في كل ركعة دون غيره، لأنه أبلغ ما يكون في التواضع، وأفضل أركان الصلاة الفعلية، وسرها الذي شرعت له.

стр. 200

م/ ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا، عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ. أي ينهض ويرفع رأسه من السجدة الثانية [مكبراً] دون رفع لليدين. • قول المصنف (على صدور قدميه) فيؤخذ من هذا أنه لا يجلس جلسة الاستراحة. • جلسة الاستراحة: هي جلسة خفيفة يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى بعد الركعة الأولى قبل أن ينهض للثانية، وبعد الركعة الثالثة قبل أن ينهض للرابعة. وقد اختلف العلماء في حكمها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها مستحبة. وهذا مذهب الشافعي. قال النووي: "مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة، وبه قال مالك بن الحويرث وأبو حميد وأبو قتادة وجماعة من الصحابة، وأبو قلابة، وغيره من التابعين". وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ (أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وهو الذي قال له النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). القول الثاني: أنها غير مشروعة. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: "وقال كثيرون أو الأكثرون لا يستحب، بل إذا رفع رأسه من السجود نهض، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الزناد ومالك والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق". قال أحمد: "وأكثر الأحاديث على هذا ". واستدلوا: أنها لم تذكر في أكثر الأحاديث. أنه ليس لها ذكر خاص. أن النبي ﷺ إنما فعلها عندما كبر وحطمه الناس. القول الثالث: سنة عند الحاجة وإلا فلا. وهذا اختيار ابن قدامة والشيخ السعدي ﵀ والشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ السعدي: "أصح الأقوال الثلاثة في جلسة الاستراحة استحبابها للحاجة إليها، واستحباب تركها عند عدم الحاجة إليها ". قال في المغني: "وبهذا القول تجتمع الأدلة. والراجح أنها سنة مطلقاً". • حكى بعض العلماء الإجماع على أنها ليست بواجبة. • ليس لها ذكر، وصفة جلستها كالجلوس بين السجدتين (افتراش).

стр. 201

م/ وَيُصَلِّي اَلرَّكْعَةَ اَلثَّانِيَةَ كَالْأُولَى. أي: ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى في القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، وما يقال فيها، لحديث المسئ في صلاته، فإن النبي ﷺ لما وصف له الركعة الأولى قال (ثم افعل ذلك في صلاتك كلِّها). لكن هناك أشياء تختلف فيها الركعة الثانية عن الأولى لم يذكرها المؤلف وهي: دعاء الاستفتاح: فلا يشرع في الركعة الثانية، لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة. والتحريم: أي تكبيرة الإحرام، فلا تعاد، لأنها للدخول في الصلاة، وهو منتفٍ هنا. أن الركعة الأولى أطول من الثانية: لأن النبي ﷺ كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية. الاستعاذة: فلا تشرع في الثانية، وإنما يستعيذ في الركعة الأولى فقط ورجحه ابن القيم، قالوا: لأن الصلاة جملة واحدة، لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، فالقراءة فيها كالقراءة الواحدة، وذهب بعض العلماء إلى أنه يتعوذ في كل قراءة لعموم قوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) والأول أرجح.

стр. 202

م/ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ اَلْأَوَّلِ. أي: بعد الركعتين يجلس للتشهد الأول ويكون مفترشاً. لحديث أبي حُميْد - في صفة صلاة النبي ﷺ قال (وَإِذَا جَلَسَ فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اَلْيُسْرَى وَنَصَبَ اَلْيُمْنَى) رواه البخاري. • لم يذكر المصنف ﵀ كيف تكون الأصابع يضع اليد اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى. وأما الأصابع: فأصابع اليد اليمنى لها صفتان: الصفة الأولى: أن يقبض الخنصر والبنصر والإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة. الصفة الثانية: قبض الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام والإشارة بالسبابة. • وسبق أن الأفضل في العبادات المتنوعة أن تفعل هذه مرة وهذه مرة. وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اَلْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اَلْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى اَلْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ اَلسَّبَّابَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ﴿وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِاَلَّتِي تَلِي اَلْإِبْهَامَ﴾. [عقد ثلاثاً وخمسين] صورته أن يقبض الخنصر والبنصر ثم يحلق بالإبهام مع الوسطى [التحليق] إشارة إلى الثلاثة، وقبض الخنصر والبنصر إشارة إلى الخمسين [السبابة] الإصبع التي تقع بين الوسطى والإبهام، سميت بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند المخاصمة والسب. [وقبض أصابعه كلها] أي اليد اليمنى. أما أصابع اليد اليسرى تكون مبسوطة مضمومة غير مفرجة، وأطرافها إلى القبلة، ولها صفتان: الصفة الأولى: أن يجعل اليدين على الفخذين. ففي حديث ابن عمر: ( … ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها). الصفة الثانية: أن يجعل اليمنى على حرث الركبة اليمنى واليسرى يجعلها على الركبة اليسرى كالقابض. كما جاء في حديث ابن الزبير: ( … وأشار بإصبعه السبابة … ويلقم كفه اليسرى على ركبته). الإلقام: العطف، يعطف أصابع اليد اليسرى على ركبته. • ويسن أيضاً أن يشير بسبابته في التشهد. لحديث ابن الزبير - السابق - (وأشار بأصبعه السبابة) رواه مسلم. وفي حديث ابن عمر (وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام) رواه مسلم. لكن هل يحركها؟ اختلف العلماء في ذلك فقيل: يحركها، وقيل: لا يحركها، وقيل: كل ذلك جائز. قال القرطبي: "اختلفوا في تحريك إصبع السبابة، فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم من لم يره، وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي ﷺ ، وجميعه مباح، واختاره الصنعاني". وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " لكن دلت السنة على أنه يشير بها عند الدعاء فقط، لأن لفظ الحديث: (يحركها يدعو بها) وقد ورد في الحديث نفي التحريك وإثبات التحريك، والجمع بينهما سهل، فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء ". متى يشير؟ قيل: عند لفظ الجلالة، وقيل: عند قول لا إله إلا الله، وقيل: عند الدعاء، ورجحه الشيخ ابن عثيمين

стр. 203

م/ وَصِفَتُهُ: "اَلتَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، اَلسَّلَام عَلَيْك أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اَللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، اَلسَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اَللَّهِ اَلصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". أي: إذا جلس المصلي بعد الركعتين، فإنه يقول التشهد الأول وهو ما ذكره المصنف. لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ وَرَحْمَةَ اَللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، اَلسَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اَللَّهِ اَلصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِأَحْمَدَ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ اَلتَّشَهُّد، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اَلنَّاسَ. [التحيات لله] جمع تحية. قال الحافظ: " معناه السلام، وقيل: التحية، وقيل: العظمة ". وقال الخطابي والبغوي: "المراد بالتحيات أنواع التعظيمات". [والطيبات] كل ما طاب من قول أو فعل فهو لله، وأما بالنسبة للعباد فإنه لا يقبل إلا الطيب كما في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). [السلام عليك أيها النبي] الدعاء للنبي بالسلامة من كل آفة ومكروه، وهذا شامل من مخاوف الدنيا والآخرة. [ورحمة الله] دعاء له بالرحمة، وهو يتضمن الدعاء بحصول كل أمر مرغوب فيه. [وبركاته] جمع بركة، والبركة الخير الكثير المستمر، وبركات الله على نبيه تشمل حال حياته وحال مماته. [السلام علينا] أي علينا معشر المصلين، وقيل: المصلون ومعهم الملائكة، وقيل: المراد جميع الأمة المحمدية وهذا أقرب [عباد الله الصالحين] هذا تعميم. قال ابن حجر: "الأشهر في تعريف الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده". • والتشهد الأول من واجبات الصلاة كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 204

م/ ثُمَّ يُكَبِّرُ. وَيُصَلِّي بَاقِي صَلَاتِهِ بِالْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. أي: يكبر للقيام من التشهد الأول رافعاً يديه ويصلي الثالثة والرابعة كالثانية، لكن يقتصر فيهما بالفاتحة فقط، فلا يزيد عليها. [وقد سبقت المسألة وأنه يسن الزيادة أحياناً على الفاتحة].

стр. 205

م/ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ اَلتَّشَهُّدَ اَلْأَخِيرَ وَهُوَ اَلْمَذْكُورُ. أي يقول التشهد الأخير وهو ما سبق (التحيات لله والصلوات والطيبات .... ).

стр. 206

م/ وَيَزِيدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتُ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. أي في التشهد الأخير يزيد الصلاة على النبي ﷺ ، لحديث كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قال (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) متفق عليه. [اللهم صل على محمد] معنى الصلاة من الله على النبي محمد ﷺ : قيل: الرحمة، وهذا ضعيف. وقيل: أي ثناء الله عليه في الملأ الأعلى، كما قاله أبو العالية، وهو الصحيح. [آل محمد] آل النبي ﵊ هم قرابته المؤمنون به، وقيل بأنهم أتباعه على دينه، والصواب: أنه يختلف باختلاف الصيغ فإذا قيل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى من صحبه وتبعه فيكون المراد بال آل هنا القرابة، وإذا قيل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد نقول المراد بال آل هنا أتباعه على دينه، هذا هو الصواب، ويدخل في آل النبي ﷺ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أزواجه لأن أزواج النبي ﷺ من آله. [وبارك على محمد]: دعاء لمحمد بإنزال البركة على الرسول وعلى آله. [العالمين] جمع عالم، وهو كل من سوى الله، سموا بذلك لأنهم علم على خالقهم. [حميد] قال الخطابي: "الحميد هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله. [مجيد] المجد كمال العظمة والسلطان". • الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ركن على مذهب الحنابلة خلافاً لجمهور العلماء.

стр. 207

م/ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ اَلْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ اَلْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ اَلْمَسِيحِ اَلدَّجَّالِ. أي يسن للمصلي أن يقول بعد التشهد الأخير هذا الدعاء. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). متفق عليه [إذا تشهد] أي قرأ التشهد. [من عذاب جهنم] الاستعاذة من عذاب جهنم تشمل أمرين: العذاب نفسه، والأسباب الموصلة إليها. [فتنة المحيا والممات] المحيا ما يحصل في حياة الإنسان من شبهات وشهوات، والممات: قيل ما يكون عند الاحتضار، وقيل ما يحصل بعد الموت من سؤال العبد في قبره. • ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الدعاء واجب، وهو قول ابن حزم، للأمر به بقوله (فليستعذ) والأمر للوجوب. وذهب جماهير العلماء إلى أنه غير واجب، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: (ما تقول في صلاتك؟) قال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : (حولها ندندن) رواه أبو داود [الدندنة] صوت لا يفهم معناه. • هناك أدعية تقال غير هذا الدعاء لم يذكرها المصنف: منها: ما جاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ اَلصِّدِّيقِ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ قُلْ: " اَللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ومنها: ما جاءَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ اَلصَّلَاةِ: " اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ اَلدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ اَلْقَبْرِ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ ومنها: ما جاءَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولُ: اَللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وينبغي الاعتناء بهذا الدعاء لثلاثة أمور: لأنه وصية، ولأن النبي ﷺ قال لمعاذ فيه: إني أحبك، ولأنه دعاء جامع شامل. ومنها: ما جاء عن عائشة. عن النبي ﷺ أنه كان يقول (اللهم حاسبني حساباً يسيراً). رواه أحمد

стр. 208

م/ وَيَدْعُو اَللَّهُ بِمَا أَحَبَّ. أي ويدعو في نهاية التشهد بما ورد في الكتاب والسنة، والوارد أفضل من غيره. • وقوله (ويدعو بما أحب) هذا فيه موافقة لحديث ابن مسعود فإنه فيه (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه، فيدعو). متفق عليه قال الحافظ ابن حجر: "واستُدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختاره المصلي من أمر الدنيا والآخرة ". ولمسلم: (ثم ليتخير بعدُ من المسألة ما شاء أو أحب). وفي هذا دليل على جواز الدعاء بحوائج الدنيا والآخرة، وهو اختيار المصنف ﵀، فقول بعض العلماء لا يجوز الدعاء بغير ما ورد من أمور الدنيا قول ضعيف، فيجوز أن يكون اللهم ارزقني مسكناً واسعاً ونحو ذلك.

стр. 209

م/ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ "اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اَللَّهِ". أي بعد التشهد والدعاء يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وكذا عن يساره. • وسيأتي إن شاء الله أن السلام ركن من أركان الصلاة، لحديث جابر أن النبي ﷺ قال: (يجزئ عن أحدكم أن يقول عن يمينه وشماله: السلام عليكم). رواه مسلم فقوله (يجزئ) هذا دال على أن ما دون التسليمتين لا يحصل بهما الإجزاء. وصيغ السلام: الأولى: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. لحديث ابن مسعود: (أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيسر). رواه النسائي وهذا أكثر ما نقل. الثانية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله [بزيادة: وبركاته عن الأولى]. لحديث وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله) رواه أبو داود وقد اختلف العلماء في زيادة: (وبركاته): بعضهم ضعفها، وبعضهم صححها، وإن طبقها أحياناً من أجل من صححها من العلماء فلا بأس. الثالثة: السلام عليكم، السلام عليكم. لحديث جابر بن سمرة قال: (صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم). رواه مسلم • متى يبدأ التسليم؟ يبدأ التسليم مع الالتفات، ولا يبدأ التسليم وهو مستقبل القبلة، فالتسليم يبدأ مع الالتفات. ويستحب أن يلتفت حتى يرى بياض خده، للحديث الذي سبق.

стр. 210

م/ وَالْأَرْكَانُ اَلْقَوْلِيَّةُ مِنْ اَلْمَذْكُورَاتِ. سيذكر المصنف ﵀ أركان الصلاة، والأركان منها أقوال ومنها أفعال، فسيذكر الآن الأركان القولية. والأركان جمع ركن، وهو في اللغة جانب الشيء الأقوى. والمراد هنا: أجزاؤها التي لا تتم الصلاة إلا بها.

стр. 211

م/ تَكْبِيرَةُ اَلْإِحْرَامِ. وهذه ركن بالإجماع. لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). متفق عليه ولقوله ﷺ : (تحريمها التكبير). رواه أبو داود • والتحريم جعل الشيء محرماً، سميت بذلك لتحريمها الأشياء المباحة قبل الشروع.

стр. 212

م/ وَقِرَاءَةُ اَلْفَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ. هذا الركن الثاني من أركان الصلاة، وهي قراءة الفاتحة. لحديث عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه، أي لا صلاة مجزئة. • وقوله (لغير مأموم) أي أن المأموم لا تلزمه قراءة الفاتحة، وظاهر إطلاقه أنها لا تلزمه لا في السرية ولا في الجهرية، لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). وذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة في السرية دون الجهرية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. واستدلوا بحديث جابر السابق: (من كان له إمام … ). وبقوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) قالوا: هذا أمر بالاستماع والإنصات لمن يقرأ القرآن. وقالوا: كيف يلزم المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية وقد سمعها من الإمام وأمّن عليها، والسامع المؤمن كالفاعل، بدليل قوله تعالى في قصة موسى وهارون: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ومعلوم أن الداعي موسى بنص القرآن، وهارون كان يؤمّن فجعل الله دعوة موسى دعوة لهارون. ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه سكت ليمكن المأمومين من قراءة الفاتحة. وذهب بعض العلماء إلى وجوب قراءة الفاتحة لكل مصل، في السرية والجهرية، للإمام والمنفرد، وهذا مذهب الشافعي واختاره البخاري والشوكاني والشيخ ابن باز وابن عثيمين.

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لحديث عبادة السابق: (لا صلاة لمن لم يقرأ … ) وهذا النفي نفي للصحة. ولحديث عبادة أيضاً قال: (كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، فقلنا نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها). رواه أبو داود وأحمد وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام). رواه مسلم والخداج: النقص. وهذا القول هو الصحيح، والجواب عن أدلة القول السابق: أما الآية فهي عامة وحديث عبادة خاص، والخاص يقضي على العام. وأما حديث جابر: (من كان له إمام … ) فحديث لا يثبت. قال ابن حجر: " كل طرقه معلولة ". • تسقط الفاتحة في حق المأموم إذا جاء والإمام في الركوع، فإنه في هذه الحالة يكبر للإحرام ثم يركع، وتسقط عنه الفاتحة، لحديث أبي بكرة: (أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة، فدل على أنه معذور، لأنه لم يدرك محل القراءة وهو القيام.

стр. 214

م/ وَالتَّشَهُّدُ اَلْأَخِيرُ. التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية. لحديث ابن مسعود قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ....... ). رواه النسائي والأصل أن التشهدين [الأول والثاني] كليهما فرض، لكن التشهد الأول لما تركه الرسول ﷺ وجبره بسجود سهو، علم بذلك أنه من الواجبات، ويبقى التشهد الأخير على فرضيته ركناً. • ولم يذكر المؤلف الجلوس من التشهد الأخير، فهذا أيضاً ركن من أركان الصلاة، فلو قرأ التشهد وهو قائم لم تصح صلاته، لأنه ترك ركناً.

стр. 215

م/ وَالسَّلَامُ. وهذا أحد أركان الصلاة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن كلا التسليمتين ركن. لأن النبي ﷺ واظب عليها وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). وفي حديث عائشة قالت: (كان ﷺ يختم بالتسليم). متفق عليه و (ال) فيه للعهد الذهني، أي: التسليم المعهود، وهو السلام عليكم ورحمة الله، عن اليمين، السلام عليكم ورحمة الله عن الشمال. ولحديث: (تحليلها التسليم) فقالوا المقصود بالتسليم التسليم المعهود من فعل النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله. ولحديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله). رواه مسلم فقوله (يكفي) دليل على أنه لا يكفي أقل من ذلك. وذهب جمهور العلماء إلى أن الواجب هو التسليمة الأولى دون الثانية، لحديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة) رواه أبو داود، لكن اقتصار النبي ﷺ على تسليمة واحدة فيه أحاديث لا تصح، ضعفها ابن عبد البر وابن القيم، لكن ثبت ذلك عن بعض الصحابة.
следующие страницы →