Полный текст (1 270 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
م/ وبترك واجب عمداً.
مثال: لو ترك التشهد الأول عمداً، فإن صلاته باطلة.
مثال آخر: لو ترك قول (سبحان ربي الأعلى) في السجود عمداً فصلاته باطلة.
стр. 247
وبالكلام عمداً.
أي: وتبطل الصلاة بالكلام عمداً.
قال النووي: "أجمع العلماء على أن الكلام فيها عامداً عالماً بتحريمه بغير مصلحتها وبغير انقاذ وشبهه مبطل للصلاة".
قال الحافظ ابن حجر: "أجمعوا على أن الكلام في الصلاة، من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم مبطل للصلاة".
لحديث معاوية بن الحكم ﵁ قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصَمِّتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله، بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبلَه ولا بعدَه أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وقال (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن). رواه مسلم
ولحديث زيد بن أرقم أنه قال (إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ يكلم أحدنا صاحبه في حاجته، حتى نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام). متفق عليه، واللفظ لمسلم
• قوله (عمداً) نخرج ما لو تكلم جاهلاً، فإن صلاته لا تبطل، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: أن صلاته صحيحة.
وهذا مذهب الشافعي ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
لحديث معاوية بن الحكم السابق، حيث تكلم معاوية في الصلاة جاهلاً ولم يرد أن النبي ﷺ أمره بالإعادة.
ولقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
قال شيخ الإسلام: "الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها، فلا يقضي ما لم يعلم وجوبه".
القول الثاني: أن صلاته باطلة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
واستدلوا بقوله ﷺ : (إن في الصلاة شغلاً)، والراجح القول الأول.
• وكذلك لو تكلم ناسياً، فإن صلاته لا تبطل على القول الراجح، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور.
لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.
ولقوله ﷺ : (إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). رواه ابن ماجه
стр. 248
م/ وبالقهقهة.
أي: وتبطل الصلاة بالقهقهة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما التبسم فلا يبطل الصلاة وأما إذا قهقه في الصلاة فإنها تبطل ولا ينتقض وضوءه عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد; لكن يستحب له أن يتوضأ في أقوى الوجهين لكونه أذنب ذنباً، وللخروج من الخلاف فإن مذهب أبي حنيفة ينتقض وضوؤه والله أعلم.
стр. 249
م/ وبالحركة الكثيرة عرفاً، المتوالية لغير ضرورة.
أي؛ ومن مبطلات الصلاة الحركة الكثيرة، لكن المؤلف قيدها بأمور:
أولاً: الكثيرة عرفاً، ثانياً: المتوالية، ثالثاً: لغير ضرورة.
أولاً: أن تكون كثيرة عرفاً، واختلف في العرف، فقيل: فما عُدّ في العرف كثيراً فهو كثير، وما عد قليلاً فهو قليل، وقيل: المرجع ما خيل للناظر أنه ليس في صلاة، والمعنى: إذا رأينا شخصاً يتحرك ويغلب على ظننا أنه ليس في صلاة، فهذا هو الضابط، وهذا أرجح.
ثانياً: أن تكون متوالية؛ فإن كانت غير متوالية فلا تبطل الصلاة، ثالثاً: لغير ضرورة؛ فإن كانت لضرورة فلا بأس.
وقد قسم العلماء الحركات في الصلاة إلى أقسام:
أولاً: الحركة الواجبة. هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا هو الضابط لها والصور كثيرة منها:
مثال: لو أن رجلاً ابتدأ الصلاة إلى غير القبلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخص وقال له القبلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب أن يتحرك إلى جهة اليمين.
ولو ذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي وجب عليه خلعها، لإزالة النجاسة.
والدليل: استدارة الصحابة إلى الكعبة لما أخبروا بتحويل القبلة إليها، وإدارة النبي ﷺ ابن عباس من ورائه إلى يمينه لما وقف عن يساره.
ثانياً: الحركة المستحبة. هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، ولها صور عديدة منها:
مثال: لو تبين له أنه متقدم على جيرانه في الصف، فتأخره سنة.
ولو تقلص الصف حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سنة.
ثالثاً: الحركة المباحة. هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة.
مثال: رجل يصلي في الظل فأحس ببرودة فتقدم، أو تأخر، أو تيامن، أو تياسر من أجل الشمس، فهذه مباحة.
فالأولى: كما في حديث أبي قتادة قال (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) متفق عليه.
والثانية: كما في حالة الخوف إذا لم يتمكنوا من أداء الصلاة على الوجه المطلوب، فإنهم يصلون وهم مشاة على أرجلهم، أو راكبون على خيولهم، قال تعالى (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً).
ومن الحركة المباحة: أن يحك جسده أو يصلح إزاره إذا استرخى.
رابعاً: الحركة المكروهة. هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقف عليها كمال الصلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن كالنظر إلى الساعة، وأخذ القلم.
خامساً: الحركة المحرمة. هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
مكروهات الصلاة
أي: الأمور التي يكره للمصلي فعلها، والمكروه: ما أمر الشارع بتركه لا على وجه الإلزام.
стр. 250
م/ ويكره الالتفات في الصلاة.
أي: ويكره للمصلي أن يلتفت في صلاته.
لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد). رواه البخاري
[اختلاس] أي اختطاف بسرعة، [الالتفات] المراد بالرأس أو العنق [تحويل الوجه عن القبلة]، وأما الالتفات بالصدر حرام.
• إذا كان لحاجة فإنه لا بأس به، ومما يدل على ذلك:
حديث سهل بن الحنظلية قال: (ثوب في الصلاة - يعني صلاة الفجر - فجعل النبي ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب) قال أبو داود: "وكان النبي ﷺ أرسل فارساً إلى الشعب يحرس، فكان النبي ﷺ يلتفت إليه ويترقب قدومه".
وحديث أنس في مرض النبي ﷺ وأنه خرج والمسلمون في صلاة الفجر وكشف الستر … فنظر إلى المسلمين وهم صفوف فتبسم ﷺ فطفق أبو بكر يريد أن يتأخر … ونظر المسلمون إلى رسولهم حتى كادوا أن يفتتنوا.
وفي حديث جابر أنه قال: (اشتكى النبي ﷺ فصليت وراءه وهو قاعد فالتفت فرآنا قياماً … ).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "ومن ذلك لو كانت المرأة عندها صبيها وتخشى عليه فصارت تلتفت إليه، فإن هذا من الحاجة ولا بأس به، لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان".
• الحكمة من النهي عن الإلتفات: قيل: لأنه ينافي الخشوع. وقيل: لأن فيه انصراف عن الله. ولا مانع من القولين.
• قال القرطبي: "سمي الإلتفات اختلاساً تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة ".
стр. 251
م/ ويكره العبث.
أي؛ ويكره للمصلي العبث في صلاته، ومعنى العبث: اللعب والحركة التي ليست لها فائدة، سواء كان العبث
بيد أو رِجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك، لأن العبث ينافي الخشوع والإقبال على الله.
стр. 252
م/ ووضع اليد على الخاصرة.
أي: ويكره للمصلي أن يضع يده على خاصرته، وبذلك جزم أبو داود ونقله الترمذي عن بعض أهل العلم، وهذا
هو المشهور في تفسيره.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً). متفق عليه واللفظ لمسلم
اختلف في حكمة النهي:
قيل: لأن إبليس أهبط مختصراً.
وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة التشبه بهم، وفي البخاري عن عائشة: (أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم) وقيل: لأنه راحة أهل النار، وقيل: لأنه صفة الزاجر حين ينشد، وقيل: لأنه فعل المتكبرين وقيل: لأنه فعل أهل المصائب. قال ابن حجر: "وقول عائشة أعلى ما ورد، ولا منافاة بين الجميع".
стр. 253
م/ وتشبيك أصابعه.
أي: ويكره للمصلي تشبيك أصابعه، ومعناه: إدخال بعضها في بعض.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه) رواه الدارمي والحاكم.
وجه الدلالة: أنه إذا كان قاصداً المسجد للصلاة منهياً عن تشبيك الأصابع، فنهي المصلي حال الصلاة من باب أولى، لأن هذه الهيئة لا تلائم الصلاة، ولا تشاكل حال المصلي.
стр. 254
م/ وفرقعتها.
أي: ويكره للمصلي فرقعة أصابعه، ومعناه: شد الأصابع أو لَيّ مفاصلها حتى تُصَوِّت.
وهذه مكروهة لأنها عبث لا يليق بالمصلي، وهو دليل على عدم الخشوع، إذ لو خشع القلب لخشعت الجوارح وسكنت.
وقد ورد عن شعبة مولى ابن عباس قال (صليت إلى جنب ابن عباس، ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: لا أمَّ لك، تفقع أصابعك وأنت تصلي) رواه ابن أبي شيبة.
стр. 255
م/ وأن يجلس فيها مقعياً كإقعاء الكلب.
أي: ويكره للمصلي أن يجلس مقعياً كإقعاء الكلب، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض، لحديث أبي هريرة. (أن النبي ﷺ نهى عن إقعاءٍ كإقعاء الكلب) رواه أحمد.
стр. 256
م/ وأن يستقبل ما يلهيه.
أي: ويكره للمصلي أن يصلي وأمامه شيء يلهيه.
لحديث عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) متفق عليه.
وعن أبي هريرة. قال (كان قِرَامٌ لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عنّا قِرَامك هذا فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي). رواه البخاري
[قرام] ستر رقيق من صوف ذو ألوان [أميطي] أزيلي. [تعرض] تلوح. [خميصة] كساء مربع له أعلام. [الإنبجانية] كساء غليظ لا علم له. [إلى أبي جهم] خصه ﷺ بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها للنبي ﷺ . [ألهتني] أي شغلتني.
فينبغي للمصلي أن يزيل كل ما يشغله عن صلاته، ولهذا يكره تزويق المساجد وزخرفتها.
стр. 257
م/ وأن يدخل فيها وقلبه مشتغل بمدافعة الأخبثين.
أي: ويكره للمصلي أن يدخل في صلاته وهو يدافع أحد الأخبثين (البول أو الغائط).
عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم.
والجمهور على أنه لو صلى فصلاته صحيحة مكروهة، وذهب بعض العلماء إلى بطلانها والأول أصح.
والحكمة: لأن ذلك يمنع الخشوع في الصلاة، ويمنع حضور القلب فيها.
• فإن خشي فوات الجماعة، فإنه يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة، لأنه معذور.
• لو كان الإنسان حقن وليس عنده ماء يتوضأ به، فهل نقول: اقضِ حاجتك وتيمم للصلاة، أو نقول: صلِّ وأنت مدافع للأخبثين؟
فالجواب: نقول: اقضِ حاجتك وتيمم، ولا تصلِّ وأنت تدافع الأخبثين، وذلك لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، والصلاة مع مدافعة الأخبثين منهيٌّ عنها مكروهة، ومن العلماء من حرمها وقال: إن الصلاة لا تصح مع مدافعة الأخبثين لقول الرسول ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) [قاله ابن عثيمين].
• لو كان حقناً وخشي إذا قضى حاجته وتوضأ أن يخرج الوقت؟ فهل يصلي في الوقت مع المدافعة، أو يتوضأ ويصلي ولو خرج الوقت؟ قولان للعلماء: قيل: يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، ولا يجوز له تأخيرها، وهذا قول الجمهور، وقيل: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت، وهذا قول ابن حزم، وحكاه النووي عن بعض الشافعية، وهذا قول وجيه.
стр. 258
م/ أو بحضرة طعام يشتهيه.
أي: ويكره أن يصلي عند حضور الطعام.
لحديث عائشة - السابق - (لا صلاة بحضرة الطعام) رواه مسلم.
ولحديث أنس. قال: قال ﷺ (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤا بالعَشَاء) رواه مسلم.
وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (إذا وُضِع عشاءُ أحدِكم وأقيمت الصلاة، فابدؤا بالعَشَاء، ولا يعجلنَّ حتى يَفرُغَ منه) رواه مسلم.
• الحكمة من هذا: هو أن المطلوب في الصلاة هو حضور القلب، والحاجة إلى الطعام تشغل القلب وتحول دون الخشوع في الصلاة.
• جمهور العلماء على أنه لو صلى في هذه الحال فصلاته مكروهة وتصح، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة في هذه الحالة، ومذهب الجمهور أصح.
• ظاهر هذه الحديث أنه يقدم الطعام مطلقاً، لكن جمهور العلماء اشترطوا شروطاً لذلك:
أن يكون الطعام حاضراً -- وأن تكون نفسه تتوق إليه -- وأن يكون قادراً على تناوله شرعاً أو حساً.
الشرعي: كالصائم إذا حضر طعام الفطور عند صلاة العصر والرجل جائع جداً.
فنقول هنا: يصلي ولا يؤخر الصلاة.
الحسّي: كما لو قدّم له طعام حار ولا يستطيع أن يتناوله، فهنا نقول يصلي ولا تكره صلاته لأن انتظاره لا فائدة فيه.
قال بعض العلماء أنه يأكل مقدار ما يسد رمقه والصحيح أن له أن يشبع ويدل لذلك رواية ( … ولا تعجلوا عن عشائكم). وفي رواية (ولا يعجل حتى يفرغ منه).
قال النووي: "في هذا دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله هذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريح في إبطاله ".
وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وأنه ليسمع قراءة الإمام.
стр. 259
م/ ونهى النبي ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود.
أي: ويكره للمصلي أن يفترش ذراعيه حال السجود.
لحديث أنس قال: قال ﷺ (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) متفق عليه.
• الحكمة من النهي عن ذلك، لأنها تدل على الكسل والتهاون بالصلاة، وفيه تشبه بالكلب.
стр. 260
باب صلاة التطوع
صلاة التطوع: هي كل عبادة ليست واجبة.
والتطوع له فوائد:
أولاً: جبر ما يكون في المفروضة من نقص.
قال ﷺ : (إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة الصلاة، قال: يقول ربنا لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه). رواه أبو داود
ثانياً: من أسباب محبة الله.
قال ﷺ : (قال الله تعالى: … لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). رواه البخاري
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: ﴿قَالَ لِي اَلنَّبِيُّ ﷺ سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي اَلْجَنَّةِ. فَقَالَ: أَوَغَيْرَ ذَلِكَ?، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: " فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ اَلسُّجُودِ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وجاء في رواية: (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة). رواه مسلم
رابعاً: الحصول على الأجر المترتب عليها.
خامساً: ترويض النفس على الطاعة، وتهيئتها للفرائض.
سادساً: شغل الوقت بأفضل الطاعات.
سابعاً: الإقتداء بالرسول ﷺ -.
• والتطوع ينقسم إلى قسمين:
أولاً: تطوع مطلق، وهو الذي لم يأتِ به الشارع بحد.
مثال: صدقة التطوع، لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى.
ثانياً: التطوع المقيد، وهو ما حد له حد في الشرع، مثال: سنة الفجر.
стр. 261
م/ وآكدها: صلاة الكسوف.
أي: أن آكد صلاة التطوع صلاة الكسوف.
لأنه - كما قال المصنف - أن النبي ﷺ فعلها وأمر بها. وخرج وأمر منادياً ينادي (الصلاة جامعة).
عَنِ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ (اِنْكَسَفَتِ اَلشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ اَلنَّاسُ: اِنْكَسَفَتِ اَلشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "إِنَّ اَلشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اَللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اَللَّهَ وَصَلُّوا، حَتَّى تَنْكَشِفَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ﴿حَتَى تَنْجَلِي﴾ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ)
• ويلي الكسوف في الآكدية الوتر، لأن النبي ﷺ داوم عليه، وأمر به كما سيأتي.
• وفي قول المصنف ﵀ وآكدها الكسوف، دليل على أن صلاة الكسوف سنة. وهذا مذهب جمهور العلماء وقد قال النووي: سنة مؤكدة بالإجماع.
لكن ذهب بعض العلماء إلى وجوبها، قال الشيخ الألباني: دعوى الاتفاق منقوضة، فقد قال أبو عوانة في صحيحه في [بيان وجوب صلاة الكسوف] ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الأمر بها كقوله: (فصلوا … ).
قال ابن حجر: "فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها".
قال الشيخ الألباني: "وهو الأرجح دليلاً، وقال: إن القول بالسنية فقط فيه إهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة دون أي صارف لها عن دلالتها الأصلية ألا وهو الوجوب ".
قال ابن القيم: "إن القول بالوجوب قول قوي".
وهذا الصحيح أنها واجبة، لكن على الكفاية.
стр. 262
م/ وتصلى على صفة حديث عائشة (أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف في قراءته، فصلى أربع ركعات، وأربع سجدات) متفق عليه.
ذكر المصنف ﵀ حديث عائشة المخرج في الصحيحين والذي فيه صفة صلاة الكسوف، وما ورد في حديث عائشة أصح ما ورد وأنها ركعتين في كل ركعة ركوعان.
وبهذا قال أحمد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود.
واختاره ابن تيمية والصنعاني والسعدي.
قال ابن تيمية: "قد روي في صفة صلاة الكسوف أنواع، لكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ ، ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد، أنه صلى بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان".
وقال الشيخ السعدي: " والصحيح صلاة الكسوف حديث عائشة الثابت في الصحيحين، أنه صلى في كل ركعة بركوعين وسجودين، وأما ما سواه من الصفات، فإنه وهْم من بعضهم واهٍ كما قال الأئمة: الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما ".
وقال الشوكاني: "حكى النووي عن ابن عبد البر أنه قال: أصح ما في الباب ركوعان، وما خالف ذلك فمعلل أو ضعيف، وكذا قال البيهقي".
ونقل ابن القيم والشافعي وأحمد والبخاري، أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة.
لأن النبي ﷺ لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم.
• أن الحكمة من الكسوف والخسوف هو تخويف العباد.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ) متفق عليه.
стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• يسن عند حصول الكسوف:
أولاً: الصلاة، لقوله ﷺ : (فصلوا … )، ثانياً: الدعاء، لقوله: (فادعوا … )، ثالثاً: التكبير، لقوله: (وكبروا … )، رابعاً: الصدقة، لقوله: (وتصدقوا … )، خامساً: العتاقة، عن أسماء قالت: (لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس). رواه البخاري
• قوله في الحديث (فإذا رأيتموها) فيه دليل على أن صلاة الكسوف تصلى عند رؤية الكسوف أو الخسوف، وعليه لو حال دونه غيم أو قتر ولم تره، فإنه لا يصلى، وكذلك لو طلعت الشمس والقمر خاسف، فإنه لا يصلى، لأنه ذهب سلطانه، وكذلك إذا غابت الشمس كاسفة، فإنه لا يصلى، لأن سلطانها قد ذهب.
• أن بداية صلاة الكسوف من حدوث الكسوف إلى التجلي، لقوله (حتى ينجلي ما بكم).
• فإذا فرغ من الصلاة قبل التجلي: فقيل: يصلون مرة ثانية. وقيل: يشتغلون بالدعاء والذكر والتسبيح، وهذا القول هو الصحيح.
• فإن تجلى الكسوف أثناء الصلاة أتمها خفيفة، لأن السبب الذي شرعت له الصلاة قد زال، ولأن النبي ﷺ قال: (صلوا حتى ينكشف ما بكم).
• ويسن أن ينادى لها الصلاة جامعة، لحديث عبد الله بن عمرو قال (كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة) رواه البخاري.
• وفي قول عائشة (أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف) دليل على أنه يسن الجهر في صلاة الكسوف [سواء كسوف الشمس أو خسوف القمر] وهذا مذهب الحنابلة وهو الصحيح.
стр. 264
م/ وصلاةُ الوتر سنة مؤكدة، داوم عليها النبي ﷺ حضراً وسفراً وحث الناس عليها.
صلاة الوتر: هي الصلاة المتطَوَّع بها لتوتر صلاة الليل.
وحكمها - كما قال المصنف ﵀ سنة مؤكدة، لفعل النبي ﷺ ومواظبته عليه حضراً وسفراً وحث الناس عليه.
لقول ﷺ (أوتروا قبل أن تصبحوا) وقال أبو هريرة (أوصاني خليلي بثلاث: وأن أوتر قبل أن أرقد … ).
وذهب بعض العلماء إلى وجوبه وهو مذهب الحنفية.
لحديث أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (اَلْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ) رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَقْفَهُ
وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَد لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
وجمهور العلماء على أنه ليس بواجب واستدلوا:
بحديث بعث معاذ إلى اليمن، وفيه: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة … ).
قال الشوكاني: "وهذا من أحسن ما يستدل به، لأن بعث معاذ كان قبل وفاته ﷺ بيسير".
ومن الأدلة الدالة على عدم الوجوب ما اتفق عليه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد … وفيه: قال ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها: قال: لا، إلا أن تطوع) متفق عليه. …
وَلحديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ (لَيْسَ اَلْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ اَلْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
ولحديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يوتر على بعيره) وهذا دليل على أن الوتر ليس بواجب، إذ لو كان واجباً لم يصله على الراحلة.
قال النووي: "وأما الأحاديث التي احتجوا بها فمحمولة على الاستحباب والندب المتأكد، ولا بد من هذا التأويل للجمع بينها وبين الأحاديث التي استدللنا بها".
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 265
م/ وأقلُهُ ركعة.
أي: أقل الوتر ركعة واحدة، لأنه يحصل بها الوتر.
لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (الوتر ركعة من آخر الليل) رواه مسلم.
وعنه (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق عليه.
وقوله (الوتر ركعة) هذا إذا كانت مفصولة، فأما إذا اتصلت بغيرها كما لو أوتر بخمس أو سبع أو تسع فالجميع وتر
كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
• وقوله (أقله ركعة) دليل على أنه لا يكره أن يوتر بركعة، وهذا مذهب الجمهور، لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ : (فإذا خفت الصبح فأوتِر بركعة) رواه مسلم، وأيضاً لحديث أبي أيوب قال: قال ﷺ (الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ..... ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه أبو داود.
وقال أبو حنيفة: "لا يصح الإيتار بواحدة ولا تكون الركعة الواحدة صلاة فقط، والأحاديث الصحيحة ترد عليه". [قاله النووي]
стр. 266
م/ وأكثره: إحدى عشرة ركعة.
أي: أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة. لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ﴿مَا كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) متفق عليه.
والأفضل مثنى مثنى: أي يصليها اثنتين اثنتين، لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (صلاة الليل مثنى مثنى) متفق عليه ولحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة) رواه مسلم.
стр. 267
م/ ووقتُهُ من صلاةِ العشاء إلى طلوع الفجر.
أي: ووقت الوتر من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقته.
لحديث خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ﴿إِنَّ اَللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ اَلنَّعَمِ " قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ? قَالَ: " اَلْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ اَلْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ اَلْفَجْرِ﴾. رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن ما بين العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر".
قال ﷺ (أوتروا قبل أن تصبحوا). رواه مسلم
وقال ﷺ (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة، فأوترت له ما قد صلى). رواه مسلم
اختلف العلماء لو جمعت العشاء مع المغرب، متى يصلي الوتر؟
فقيل: يصليه بعد العشاء ولو جمعت جمع تقديم، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية ورجحه ابن حزم.
وقيل: لا يدخل إلا بعد وقت العشاء، والراجح الأول.
стр. 268
م/ والأفضل أن يكونَ آخرَ صلاتهِ، كما قال ﷺ (اجعلوا آخرَ صلاتِكم بالليلِ وتراً) متفق عليه، وقال ﷺ (مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اَللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اَللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اَللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
أي: أن الأفضل أن يكون الوتر هو آخر صلاته، لقوله ﷺ (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) رواه مسلم.
ولحديث جابر الذي ذكره المصنف ﵀ (مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اَللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اَللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اَللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ).
ففي هذا الحديث بيان أن الوتر يجوز أول الليل، ويجوز آخر الليل، وأما الأفضل فله حالتان:
الأولى: أن من يخشى أن لا يقوم من آخر الليل فالأفضل له أن يوتر أوله، كما أوصى بذلك أبا هريرة.
الثانية: من طمع أن يقوم آخر الليل، فالأفضل أن يجعله آخر الليل، وذلك لأن صلاة آخر الليل مشهودة، تشهدها الملائكة، ولأن الصلاة في آخر الليل هي وقت النزول الإلهي وإجابة الدعاء.
• لو أوتر أول الليل، ثم نام، واستيقظ آخر الليل، فله أن يتنفل على القول الراجح، ولا يعيد الوتر لأن النبي ﷺ قال (لا وتران في ليلة)، ولا ينقض الوتر (نقضه يصلي ركعة تشفع لصلاته).
وقد اختلف العلماء فيمن نسي الوتر حتى طلع الفجر هل يقضيه أم لا على أقوال:
فقيل: يصليه بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح، لحديث أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ﴿مَنْ نَامَ عَنْ اَلْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ﴾. رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ
وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الإمام مالك.
وقيل: يقضيه شفعاً نهاراً، لحديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة). رواه مسلم، والنبي ﷺ كان يقوم الليل إحدى عشرة ركعة.
وقيل: يقضيه نهاراً وتراً. للحديث السابق (مَنْ نَامَ عَنْ اَلْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ) ولأن القضاء يحكي الأداء، وبه قال طاووس ومجاهد والشعبي.
وقيل: يقضيه إذا تركه نوماً أو نسياناً إذا استيقظ أو إذا ذكر في أي وقت كان، ليلاً أو نهاراً.
للحديث السابق (مَنْ نَامَ عَنْ اَلْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ).
ولعموم قوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فهذا عام يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب،
وهذا مذهب ابن حزم. وهو الراجح.
стр. 269
صلاة الاستسقاء
الاستسقاء: طلب نزول المطر عند التضرر بفقده.
وأما حكمها فقد قال المصنف ﵀.
م/ وصلاة الاستسقاء سنة إذا اضُطرّ الناسُ لفقدِ الماء.
أي: أن صلاة الاستسقاء حكمها سنة عند وجود سببها وهو: تأخر نزول المطر وجدب الديار وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: "صلاة الاستسقاء سنة عند الحاجة إليها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها وكذلك خلفاؤه، وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والشافعي".
عن عبد الله بن زيد قال (خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى يستسقي، فاستسقى واستقبل القبلة، وقلب رداءه وصلى ركعتين) متفق عليه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ). رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
وقال أبو حنيفة: "لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها، لأن النبي ﷺ استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل ".
وقول الجمهور هو الصحيح، فقد ثبتت الأحاديث في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين.
стр. 270
م/ وتفعل كصلاة العيد في الصحراء.
أي: أن صلاة الاستسقاء صفتها كصلاة العيد، فتسن في الصحراء.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ﴿شَكَا اَلنَّاسُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي اَلْمُصَلَّى، وَوَعَدَ اَلنَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ اَلشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اَللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدَبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اَللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى اَلنَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى اَلنَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اَللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 271
م/ ويخرج إليها متخشعاً متذللاً متضرعاً.
أي: ويسن أن يخرج لصلاة الاستسقاء متخشعاً متذللاً متضرعاً.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ). رواه أبوداود.
[متخشعاً]: التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء [متذللاً] التذلل الخضوع والتذلل إلى الله وإظهار الذل، وهو الهوان، وهو أشد من التواضع. [متضرعاً] التضرع الابتهال إلى الله في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله.
• أن يكون متواضعاً، متخشعاً، متذللاً، لأنه يوم استكانة وخضوع، واستحب الفقهاء أن يخرج أهل الدين والشيوخ
стр. 272
م/ فيصلي ركعتين.
أي أن صلاة الاستسقاء ركعتان، قال النووي: بإجماع المثبتين لها.
قال ابن قدامة: "لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان".
كما في حديث ابن عباس السابق (خَرَجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي اَلْعِيدِ .... ).
وصفة الصلاة كصلاة العيد، يكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستاً، وفي الثانية خمساً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بالأعلى، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية.
стр. 273
م/ ثم يخطب خُطبةً واحدة.
أفاد المؤلف أن الخطبة بعد الصلاة، وأنها خطبة واحدة، وقد اختلف العلماء متى الخطبة على أقوال:
القول الأول: أن الخطبة قبل الصلاة. (كالجمعة).
روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وذهب إليه ابن عبد البر.
لحديث عائشة السابق ( … فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم … ثم نزل فصلى) فهو نص أنه خطب قبل الصلاة.
ولحديث عبد الله بن زيد، وفيه: ( … فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين).
القول الثاني: أن الخطبة بعد الصلاة. (كالعيد).
وهذا مذهب الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة، قال النووي: وبه قال الجماهير.
لحديث ابن عباس وقد سبق: (خرج متضرعاً … فصلى كما يصلي العيد).
القول الثالث: أنه مخير، واختار هذا الشوكاني، لورود الأخبار بكلا الأمرين.
стр. 274
م/ ويكثر فيها: الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به.
أي يسن أن يكثر في الخطبة من الاستغفار، ويقرأ الآيات التي فيها الأمر به، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك، لأن الاستغفار سبب لحصول الخيرات والبركات.
كما قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
وقال تعالى (فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ).
وقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً).
стр. 275
م/ ويلح في الدعاءِ ولا يستبطئ الإجابة.
أي: أنه يسن للخطيب أن يدعو في خطبته ويلح في الدعاء، لأن الإلحاح في الدعاء سبب للاستجابة.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: قد دعوت ربي، فلم يُستجبْ لي) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم … ، مالم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ، فلم أر من يَستجبْ لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)
وعنه. قال: قال ﷺ (لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، .. ليعزم المسألة فإن الله لا مُكرِه له) متفق عليه.
стр. 276
م/ وينبغي قبلَ الخروجِ إليها، فعلُ الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة كالاستغفار.
أي: وينبغي قبل الخروج لصلاة الاستسقاء أن يحرص المسلم على فعل الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة كالاستغفار.
كما سبق في الآيات الماضية.
стр. 277
م/ والتوبة.
أي وينبغي له أن يتوب إلى الله من المعاصي والذنوب، فإن ما وقع من شر وبلاء إلا بسبب الذنوب والمعاصي كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وقال تعالى (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً).
стр. 278
م/ والخروج من المظالم.
أي: وترك المظالم، وهذا من عطف الخاص على العام، وذلك لأن الخروج من المظالم من التوبة.
والمظلمة تشمل المظلمة في حق الله، والمظلمة في حق العباد.
أمثلة مظالم في حق الله: عدم إخراج الزكاة، أو عدم إخراج كفارة عليه.
أمثلة مظالم في حق العباد: عدم إرجاع حقوق الناس، وأكل أموال الفقراء والمساكين والناس بأي طريق محرم، وعدم إعطاء العمال أجورهم وغيرها.
وأيضاً ترك التشاحن فإن التشاحن سبب لرفع الخير كما في حديث عبادة (أن النبي ﷺ خرج ليخبر بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان وإنها رفعت وعسى أن يكون خيراً ..... ).
стр. 279
والإحسان إلى الخلق.
لأن الإحسان إلى الناس كالصدقة سبب لرحمة الله كما قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، والمراد بالصدقة هنا الصدقة المستحبة، أما الصدقة الواجبة (وهي الزكاة) فهذه لابد من إخراجها في وقتها، لأن منعها سبب لمنع القطر من السماء، كما قال ﷺ (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)
مسائل:
يستحب للإمام و للمأمومين أن يحولوا أرديتهم في الاستسقاء، وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة.
فقد جاء في مسند أحمد من حديث عبد الله بن زيد: ( … ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهْراً لبطن وتحول الناس معه). هذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح التحديث فانتفت شبهة تدليسه.
أن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على اختصاصه، ولأن العلة واحدة وهي التفاؤل.
الحكمة من تحويل الرداء: التفاؤل بتغير الحال من قحط إلى مطر - التأسي بالنبي ﷺ - كأن العبد يعاهد ربه بأن يقلب حاله من المعصية إلى الطاعة.
• لا يستحب صيام ذلك اليوم، وقول بعضهم يستحب قول ضعيف، لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك، وهذا إحداث في الدين
أوقات النهي
стр. 280
م/ وأوقات النهي عن النوافل المطلقة: من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، ومن صلاة العصر إلى الغروب، ومن قيام الشمس في كبد السماء إلى أن تزول.
سيتكلم المصنف ﵀ عن أوقات النهي عن الصلاة.
الأصل في صلاة التطوع أنها مشروعة دائماً، لعموم قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون).
وعن ربيعة بن كعب ﵁ قال (قال لي رسول الله ﷺ سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
لكن هناك أوقاتاً نهى الشارع عن الصلاة فيها، وهي:
أ- بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس قيد رمح.
ب- وعند قيامها حتى تزول.
ج- ومن بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ).
ولحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ (لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) متفق عليه.
ولحديث عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب) رواه مسلم.
وحكم الصلاة في هذه الأوقات أنها مكروهة وهذا مذهب الجمهور، وادعى النووي الاتفاق على ذلك.
وقال بعض العلماء بالجواز، قال الحافظ: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم. قالوا: أن أحاديث النهي منسوخة، والراجح قول الجمهور.
متى يبدأ وقت النهي؟ هل يبدأ بعد دخول الوقت أو بعد الصلاة؟
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما العصر فيبدأ بعد الصلاة بلا خلاف، لحديث أبي سعيد (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس).
وأما الفجر فقد اختلف العلماء:
فقيل: إن النهي يبدأ بطلوع الفجر، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، لحديث: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين). رواه أبو داود
القول الثاني: أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر، وهذا مذهب جمهور العلماء، فقد ثبت في صحيح مسلم تعليق الحكم بنفس الصلاة: (لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس).
وعن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال: (قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصلّ ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح)، فهذا نص في أنه يصلي في آخر الليل إلى أن يصلي الفجر.
وهذا القول هو الصحيح، وعليه فالوقت الذي بين الأذان والإقامة ليس وقت نهي، لكن لا يشرع فيه سوى ركعتي الفجر ولهذا خففهما النبي ﷺ .
الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:
قال ابن القيم: " … وكان من حكمة ذلك أنها وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سداً لذريعة المشاركة الظاهرة ".
• وقول المصنف (النوافل المطلقة) دليل على أن النوافل التي لها سبب لا تدخل تحت النهي، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء (هل تفعل الصلوات ذات السبب في وقت النهي أم لا، تحية المسجد، صلاة الكسوف، سنة الوضوء، صلاة الاستخارة) على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد.
لعموم الأدلة التي تنهى عن الصلاة في وقت النهي (لا صلاة بعد الصبح .... ) (لا صلاة بعد العصر … ).
القول الثاني: يجوز في أوقات النهي فعل ماله سبب.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية وابن القيم.
لحديث بلال: (أن النبي ﷺ قال له: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة؟ فقال بلال: ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي من أني أتطهر طهوراً من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله). متفق عليه
فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه.
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه.
أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات السبب خاصة، والخاص مقدم على العام.
أن الصلوات ذات السبب مقرونة بسبب فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين، لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لئلا يتشبه المصلي المسلم بالمشركين، فإذا كانت الصلاة لها سبب معلوم، كانت المشابهة بعيدة.
أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي: (لا تتحروا الصلاة).
والذي يصلي لسبب لا يقال أنه يتحرى، بل يقال صلى لسبب، وهذا القول هو الراجح.
• هناك صلوات تفعل في أوقات النهي؟
أولاً: قضاء الفرائض، كأن ينسى الإنسان الصلاة الفريضة ويتذكرها وقت النهي، فإنه يجب أن يصليها.
لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
ولأن الفرائض من أوجب الواجبات، وهي دين فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به.
ثانياً: إعادة الجماعة.
بحيث إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى، يستحب له أن يصلي معهم ولو كان وقت نهي.
لحديث يزيد بن الأسود: (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذ هو برجلين لم يصليا فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصلِّ فصليا معه، فإنها لكما نافلة). رواه أبو داود
стр. 283
باب صلاة الجماعة والإمامة
سيذكر المصنف ﵀ في هذا الباب الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة وأحكام الإمامة.
م/ وهي فرض عين.
بين المصنف ﵀ حكم صلاة الجماعة وأنها فرض، وما ذكره المصنف ﵀ هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، وهذا وهو مذهب الحنابلة، ورجحه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان.
لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك).
وجه الدلالة: أن الله أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف، ولو كانت الجماعة سنة كما يقول بعضهم لكان أولى الأعذار بسقوطها عند الخوف، وإذا وجبت في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى.
وَلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن دقيق العيد: "فمن قال بأنها واجبة على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث، فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائماً بفعل رسول الله ﷺ ومن معه، وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضاً على الأعيان".
ولحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ") رَوَاهُ مُسْلِم.
قال ابن قدامة: "وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً، فغيره من باب أولى".
ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَه.
وعن ابن مسعود قال: (من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم … ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا الصحابي يحكي إجماع الصحابة على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة، وهو مذهب المالكية.
لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه
وجه الدلالة: لأن الحديث فيه المفاضلة بين أجر صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، فدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ويثاب عليها.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العيني، وصرفها من فرض العين إلى فرض الكفاية حديث ابن عمر: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد، فيبقى الوجوب المستفاد منها وجوباً كفائياً.
والراجح القول الأول، أنها فرض عين، وأن من صلى في بيته من غير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم.
• ويجب فعلها في المسجد، قال ابن القيم: "والذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب".
وقال الشيخ السعدي: "والصواب وجوب فعلها في المسجد، لأن المسجد شعارها، ولأنه ﷺ همّ بتحريق المتخلفين عنها ولم يستفصل، هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا، ولأنه لو جاز في غير المسجد لغير حاجة، لتمكن المتخلف عنها والتارك لها من الترك، وهذا محذور عظيم".
• قوله ﷺ في حديث الأعمى (هل تسمع النداء) دليل على أن من سمع النداء فعليه الإجابة إذا كان منزله بعيداً، وأنه إذا لم يسمع النداء فله رخصة أن يصلي في بيته، المعول عليه في سماع النداء بدون مكبر الصوت، لأمرين:
الأول: أن مكبر الصوت لا ينضبط، فقد يكون قوياً فيرسل لمسافات بعيدة جداً.
ثانياً: أنه لو علق الأمر بمكبر الصوت، لحصل للناس مشقة، لأن مكبر الصوت ينادي من مسافة بعيدة.
стр. 285
م/ للصلوات الخمس.
أي: أن الجماعة واجبة للصلوات الخمس، حتى ولو كانت مقضية دون غيرها من السنن.
لعموم الأدلة.
ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة، أمر بلالاً فأذن ثم صلى سنة الفجر ثم صلى الفجر كما يصليها عادة جماعة، وجهر بالقراءة.
وعلى هذا فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يفعلون كما يفعلون في العادة تماماً.
• فلا تجب الجماعة للنوافل، لكنها من حيث مسنونية الجماعة لها وعدم مسنونيتها قسمان:
القسم الأول: ما تسن له الجماعة، وهي صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيد.
القسم الثاني: ما يفعل على الانفراد فهذا لا تسن له الجماعة، كالراتبة مع الفرائض، والنوافل المطلقة وهي ما يتطوع به في الليل والنهار.
لكن لا بأس أن يفعلها في جماعة أحياناً، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة.
لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى مع ابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وذلك في قيام الليل.
следующие страницы →