Полный текст (1 270 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما العصر فيبدأ بعد الصلاة بلا خلاف، لحديث أبي سعيد (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس).
وأما الفجر فقد اختلف العلماء:
فقيل: إن النهي يبدأ بطلوع الفجر، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، لحديث: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين). رواه أبو داود
القول الثاني: أن النهي يبدأ بعد صلاة الفجر، وهذا مذهب جمهور العلماء، فقد ثبت في صحيح مسلم تعليق الحكم بنفس الصلاة: (لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس).
وعن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال: (قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصلّ ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح)، فهذا نص في أنه يصلي في آخر الليل إلى أن يصلي الفجر.
وهذا القول هو الصحيح، وعليه فالوقت الذي بين الأذان والإقامة ليس وقت نهي، لكن لا يشرع فيه سوى ركعتي الفجر ولهذا خففهما النبي ﷺ .
الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:
قال ابن القيم: " … وكان من حكمة ذلك أنها وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سداً لذريعة المشاركة الظاهرة ".
• وقول المصنف (النوافل المطلقة) دليل على أن النوافل التي لها سبب لا تدخل تحت النهي، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء (هل تفعل الصلوات ذات السبب في وقت النهي أم لا، تحية المسجد، صلاة الكسوف، سنة الوضوء، صلاة الاستخارة) على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد.
لعموم الأدلة التي تنهى عن الصلاة في وقت النهي (لا صلاة بعد الصبح .... ) (لا صلاة بعد العصر … ).
القول الثاني: يجوز في أوقات النهي فعل ماله سبب.
وهذا مذهب الشافعي، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية وابن القيم.
لحديث بلال: (أن النبي ﷺ قال له: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة؟ فقال بلال: ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي من أني أتطهر طهوراً من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله). متفق عليه
فدل على أنه يصلي ركعتي الوضوء في أي وقت، ولم ينكر عليه.
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه.
أن أحاديث النهي عامة، وأحاديث ذوات السبب خاصة، والخاص مقدم على العام.
أن الصلوات ذات السبب مقرونة بسبب فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين، لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لئلا يتشبه المصلي المسلم بالمشركين، فإذا كانت الصلاة لها سبب معلوم، كانت المشابهة بعيدة.
أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي: (لا تتحروا الصلاة).
والذي يصلي لسبب لا يقال أنه يتحرى، بل يقال صلى لسبب، وهذا القول هو الراجح.
• هناك صلوات تفعل في أوقات النهي؟
أولاً: قضاء الفرائض، كأن ينسى الإنسان الصلاة الفريضة ويتذكرها وقت النهي، فإنه يجب أن يصليها.
لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
ولأن الفرائض من أوجب الواجبات، وهي دين فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به.
ثانياً: إعادة الجماعة.
بحيث إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى، يستحب له أن يصلي معهم ولو كان وقت نهي.
لحديث يزيد بن الأسود: (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذ هو برجلين لم يصليا فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصلِّ فصليا معه، فإنها لكما نافلة). رواه أبو داود
стр. 283
باب صلاة الجماعة والإمامة
سيذكر المصنف ﵀ في هذا الباب الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة وأحكام الإمامة.
م/ وهي فرض عين.
بين المصنف ﵀ حكم صلاة الجماعة وأنها فرض، وما ذكره المصنف ﵀ هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، وهذا وهو مذهب الحنابلة، ورجحه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان.
لقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك).
وجه الدلالة: أن الله أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف، ولو كانت الجماعة سنة كما يقول بعضهم لكان أولى الأعذار بسقوطها عند الخوف، وإذا وجبت في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى.
وَلحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ اَلنَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ اَلصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن دقيق العيد: "فمن قال بأنها واجبة على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث، فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائماً بفعل رسول الله ﷺ ومن معه، وإن قيل: إنها سنة، فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضاً على الأعيان".
ولحديث أبي هريرة. قال (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ اَلنِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ") رَوَاهُ مُسْلِم.
قال ابن قدامة: "وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً، فغيره من باب أولى".
ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَه.
وعن ابن مسعود قال: (من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم … ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا الصحابي يحكي إجماع الصحابة على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها سنة، وهو مذهب المالكية.
لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه
وجه الدلالة: لأن الحديث فيه المفاضلة بين أجر صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، فدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ويثاب عليها.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العيني، وصرفها من فرض العين إلى فرض الكفاية حديث ابن عمر: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد، فيبقى الوجوب المستفاد منها وجوباً كفائياً.
والراجح القول الأول، أنها فرض عين، وأن من صلى في بيته من غير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم.
• ويجب فعلها في المسجد، قال ابن القيم: "والذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب".
وقال الشيخ السعدي: "والصواب وجوب فعلها في المسجد، لأن المسجد شعارها، ولأنه ﷺ همّ بتحريق المتخلفين عنها ولم يستفصل، هل كانوا يصلون في بيوتهم جماعة أم لا، ولأنه لو جاز في غير المسجد لغير حاجة، لتمكن المتخلف عنها والتارك لها من الترك، وهذا محذور عظيم".
• قوله ﷺ في حديث الأعمى (هل تسمع النداء) دليل على أن من سمع النداء فعليه الإجابة إذا كان منزله بعيداً، وأنه إذا لم يسمع النداء فله رخصة أن يصلي في بيته، المعول عليه في سماع النداء بدون مكبر الصوت، لأمرين:
الأول: أن مكبر الصوت لا ينضبط، فقد يكون قوياً فيرسل لمسافات بعيدة جداً.
ثانياً: أنه لو علق الأمر بمكبر الصوت، لحصل للناس مشقة، لأن مكبر الصوت ينادي من مسافة بعيدة.
стр. 285
م/ للصلوات الخمس.
أي: أن الجماعة واجبة للصلوات الخمس، حتى ولو كانت مقضية دون غيرها من السنن.
لعموم الأدلة.
ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة، أمر بلالاً فأذن ثم صلى سنة الفجر ثم صلى الفجر كما يصليها عادة جماعة، وجهر بالقراءة.
وعلى هذا فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يفعلون كما يفعلون في العادة تماماً.
• فلا تجب الجماعة للنوافل، لكنها من حيث مسنونية الجماعة لها وعدم مسنونيتها قسمان:
القسم الأول: ما تسن له الجماعة، وهي صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيد.
القسم الثاني: ما يفعل على الانفراد فهذا لا تسن له الجماعة، كالراتبة مع الفرائض، والنوافل المطلقة وهي ما يتطوع به في الليل والنهار.
لكن لا بأس أن يفعلها في جماعة أحياناً، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة.
لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى مع ابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وذلك في قيام الليل.
стр. 286
م/ على الرجال.
أي: أن وجوب صلاة الجماعة واجب على الرجال، فلا تجب على النساء.
لكن اختلفوا في حكمها للمرأة: فقيل: سنة، وبه قال الشافعية والحنابلة.
لحديث أم ورقة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (انطلقوا إلى الشهيدة فزوروها، وأمر أن يؤذن لها وتقام وتؤم أهل دارها في الفرائض). رواه أبو داود
وقيل: مكروهة، وهو قول الحنفية.
قالوا: لأن المرأة ليست من أهل الاجتماع، ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين، والصحيح أنها مباحة.
стр. 287
م/ حضراً وسفراً.
أي: أن صلاة الجماعة واجبة حتى في السفر، وهذا هو المذهب.
لقوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .... ) فأمر الله نبيه ﷺ إذا كان فيهم في الجهاد أن يقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يقاتل إلا في سفر.
ولعموم الأدلة الدالة على وجوب الجماعة، فإنها لم تفرق بين الحضر والسفر.
وذهب بعض العلماء إلى عدم وجوبها في السفر، والأول أرجح.
стр. 288
م/ وأقلها إمام ومأموم.
أي: أن أقل عدد تحصل به الجماعة اثنان، إمام ومأموم.
لحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قال ابن قدامة: "تنعقد الجماعة باثنين فصاعداً لا نعلم فيه خلافاً".
وأمّ ﷺ ابن عباس مرّة. وأمّ حذيفة مرّة. وابن مسعود مرّة.
стр. 289
م/ وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
أي: وكلما كثر العدد كان أفضل وأحب إلى الله لحديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ اَلرَّجُلِ مَعَ اَلرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ اَلرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ اَلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ … [أزكى] أكثر أجراً.
стр. 290
م/ صَلَاةُ اَلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اَلْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عمر الدال على فضل صلاة الجماعة، وأنها تفضل على صلاة الفذ (المنفرد) بسبع وعشرين درجة.
[الفذ] المنفرد. [درجة] جزء، بمعنى واحد. [الجماعة] اختلف في المراد بالجماعة: فقيل: المراد مطلق الجماعة في أي مكان، وقيل: بل المراد جماعة المسجد لا جماعة البيوت، وهذا أقرب.
• جاء في رواية (بخمس وعشرين درجة) واختلف العلماء في الجمع بينهما.: فقيل: أن ذكر القليل لا ينافي ذكر الكثير. وقيل: أنه أخبر بالخمس وعشرين، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل بالسبع وعشرين، وهذا أرجحها.
وقيل: السبع وعشرين مختصة بالجهرية، والخمس وعشرين مختصة بالسرية. وقيل: السبع وعشرين مختصة بالفجر والعشاء والخمس وعشرين بغيرها. وقيل: بإدراكها كلها أو بعضها. وقيل: الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم أو أخشع.
стр. 291
م/ وقال ﷺ (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة) رواه أهل السنن.
ذكر المصنف ﵀ حديث يَزِيدَ بْنِ اَلْأَسْوَدِ ﵁ ﴿أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اَلصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا? " قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمْ، ثُمَّ أَدْرَكْتُمْ اَلْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ"﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ
[ترعد] أي ترتجف وترتعد. [فرائصهما] الفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف. [رحالنا] الرحل هو المنزل الذي ينزله الإنسان [ولم يصلّ] أي لم ينتهي من الصلاة.
الحديث ذكره المصنف ﵀ ليبين على أن من صلى في جماعة أو منفرداً، ثم دخل مسجد ووجدهم يصلون، فإنه يسن له أن يدخل معهم ويصلي، ويدل لذلك: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر حين أخبره عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال له: (صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ ولا تقل إني صليت فلا أصلي). رواه مسلم، والأمر في الحديث للاستحباب.
• قوله ( … فصليا معه … ) هذا يشمل جميع الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لعموم الحديث، لكن استثنى بعض العلماء صلاة المغرب، وقالوا: لا تعاد، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، قالوا: لأن في إعادتها تصير شفعاً، وهي إنما شرعت لتوتر عدد ركعاتها اليوم والليلة، لكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن المغرب تعاد كغيرها من الصلوات، وهذا المذهب عند الشافعية، لعموم حديث الباب، فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة.
وذهب بعض العلماء إلى أن الفجر والعصر لا تعاد، وهذا مذهب الحنفية، قالوا: لأن المعادة نافلة، والتنفل لا يجوز بعد الصبح والعصر، إذ هو وقت نهي لا يتنفل فيه، لذا لا تعادان، وهذا قول ضعيف، والصحيح الأخذ بعموم الحديث أن جميع الصلوات تعاد.
стр. 292
م/ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّمَا جُعِلَ اَلْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ اَلْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُه. وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ.
[ليؤتم به] أي يقتدي به، كما جاء عند البخاري: (فلا تختلفوا عليه) والمراد الاقتداء به بالأفعال الظاهرة لا النيات. [وسيأتي شرح ذلك]
[كبر فكبروا] أي بعد تكبيره، كما قال: (ولا تكبروا حتى يكبر). (لا نكبر قبله - أن نبادر بالتكبير بعده).
• الحديث فيه بيان الحكمة من الإمام، وهي الاقتداء به.
• قوله (ليؤتم به) اختلف في المراد: فقيل: ليقتدى به في الأفعال والنيات، وقيل: ليقتدى به في الأفعال الظاهرة دون النية، وهذا مذهب الشافعي. وهذا هو الصحيح.
أولاً: لقوله ﷺ : (فإذا ركعوا فاركعوا … ) فهذا تفسير من النبي ﷺ للاقتداء.
ثانياً: أنه ثبت في وقائع عن النبي ﷺ الاختلاف في النية بين الإمام والمأموم، ففي إحدى صيغ صلاة الخوف صلى النبي ﷺ بطائفة ركعتين، ثم ذهبت، ثم جاءت الطائفة الأخرى التي لم تصلّ، فصلى بها النبي ﷺ ، وهذا اختلاف بالنية.
• الحديث دليل على وجوب متابعة الإمام، والمأموم مع الإمام له حالات:
الأولى: المسابقة.
وهي أن يركع قبل إمامه، أو يسجد قبل إمامه، فهذه حرام بالاتفاق.
قال ﷺ : (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار). متفق عليه
قوله: (رأس حمار): قيل: يقع على الحقيقة. وقيل: يحتمل أمر معنوي كالبلادة، ورجحه ابن دقيق العيد، وقال: " ومما يرجح هذا المجاز بأن التحويل بالصورة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام ".
وقال ﷺ : (فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود).
• فإن سبق إمامه إلى ركن من الأركان، كأن يركع قبله، أو يسجد قبله فالصحيح أن صلاته باطلة إن كان عامداً، وهذا اختيار ابن تيمية، فإن سبق ناسياً أو جاهلاً: فصلاته صحيحة، وعليه أن يرجع ليأتي به وبما بعده.
• أما المسابقة بالأقوال فلا يضر إلا بشيئين: بتكبيرة الإحرام مطلقاً، سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً [فإن كبر قبل إمامه تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته] وكذلك التسليم (فإن كان عمداً بطلت صلاته، وإن لم يكن عمداً لم تبطل ويلزمه أن يسلم بعد إمامه).
الثانية: الموافقة. كأن يركع معه، أو يسجد معه، فإن وافقه بتكبيرة الإحرام لم تصح صلاته.
لأن الإمام لا يدخل في الصلاة إلا بعد تكبيرة الإحرام، فإن وافقته في التكبير، فإنك تكون دخلت مع إمام لم يكن إماماً حتى الآن، فتكون صلاته باطلة.
أما في غير تكبيرة الإحرام، كأن يركع معه، فهذه مكروهة عند الفقهاء.
ثالثاً: التخلف. أن يتأخر عن إمامه، كأن يركع الإمام وهو لا يزال واقف، حتى يرفع الإمام من الركوع، ثم يركع المأموم.
إن كان بعذر: كانقطاع مكبر الصوت، فإنه يأتي بما تخلف به ويتابع الإمام، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به، ويبقى مع الإمام، ويصبح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه.
стр. 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن كان بغير عذر: فالصحيح أنها تبطل صلاته.
رابعاً: المتابعة. وهي أن يأتي بأفعال الصلاة بعد إمامه، وهذا هو السنة.
• قوله: (ليؤتم به … ) استدل به من قال: لا يجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل، وقد اختلف العلماء في هذه المسالة، هل يجوز أن يصلي المفترض خلف المتنفل على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وبه قال الحسن البصري والزهري، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الاختلاف على الإمام، وكون المأموم مفترض، والإمام متنفل، اختلاف بينهما فلا يجوز.
القول الثاني: أنه يجوز.
وبه قال طاووس وعطاء والأوزاعي، وهو مذهب الشافعي، واختاره ابن قدامة وابن تيمية.
لحديث جابر قال (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع فيؤم قومه).
فإن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. وقد جاء في رواية عند الدار قطني: (هي له نافلة، ولهم فريضة).
ولأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى في بعض أنواع صلاة الخوف، أنه كان يصلي بطائفة صلاة تامة ويسلم بهم، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم). رواه النسائي
وهنا تكون الصلاة الأولى للرسول ﷺ فرضاً، والثانية نفلاً.
وهذا القول هو الصحيح.
وعليه: لو أن رجلاً يريد أن يصلي السنة ركعتين، فجاء آخر وقال: أصلي معك الفجر، فصلى الإمام السنة، وصلى المأموم الفجر، فإن هذا يصح.
وأما الجواب عن حديث: (فلا تختلفوا عليه): المقصود لا تختلفوا عليه في الأفعال الظاهرة لا النيات، كما سبق شرحه في حديث سبق.
стр. 294
باب الإمامة
المراد بالإمامة هنا إمامة الصلاة.
م/ وقال ﷺ (يَؤُمُّ اَلْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اَللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلسُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي اَلْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) رَوَاهُ مُسْلِم
ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب من الأولى بالإمامة، وقد ذكر حديث أبي مسعود ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه وفيه من أولى الناس بالإمامة.
وهذه المراتب التي ذكرها النبي ﷺ عند التنازع، كأن يحضر جماعة ليصلوا، أو يتنازع عدة أشخاص في إمامة مسجد، فإنه بهذه المرجحات.
• فالحديث دليل على أن أولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله. واختلف بالمراد بالأقرأ على قولين:
القول الأول: أنه الأكثر حفظاً.
لحديث عمرو بن سلَمة: ( … فنظروا فلم يكن أحداً أكثر قرآناً منّي، فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين) رواه البخاري وهذا إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه، ولقوله ﷺ (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) أخرجه البخاري.
القول الثاني: الأحسن قراءة، قالوا: لأن هذا هو الموافق للغة، والصحيح الأول.
• فإن كانوا في القراءة سواء، فالأفقه لقوله (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) والمراد في أحكام الصلاة.
• فإن كانوا في الفقه سواء فأقدمهم هجرة.
قال النووي: "قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان: إحداهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جماهير العلماء.
الطائفة الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته، قدم الأول".
قال بعض العلماء: لأنه أسبق إلى الخير، وأقرب إلى معرفة الشرع ممن تأخر في بلاد الكفر.
• فإن استويا فالأكبر سناً، فابن الثلاثين يقدم على ابن العشرين أو ابن خمس وعشرين، ولقوله ﷺ (وليؤمكم أكبركم)، فإن قيل: كيف قدم الأكبر سناً هنا؟
لأنهم كانوا متساوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً، وأسلموا جميعاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ، ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما تقدم به إلا السن، وقد جاء عند أبي داود: (وكنا متقاربين).
• ثم الأقدم إسلاماً لقوله (فأقدمهم سِلماً) أي إسلاماً، فيقدم على من بعده، لأن تقدم الإسلام فيه مزية وفضيلة، فهو أفضل وأقرب إلى معرفة دين الله.
• الحديث دليل أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ.
لقوله ﷺ : (ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه) وعند أبي داود: (أو في بيته).
فإمام المسجد الراتب أحق من غيره ولو كان غيره أقرأ. لحديث (ولا يؤمنّ الرجل … ) وإمام المسجد سلطان في مسجده.
ولأننا لو قلنا أن الأقرأ أولى حتى ولو كان للمسجد إمام راتب، لحصل بذلك فوضى، وكان لهذا المسجد في كل صلاة إمام.
стр. 295
م/ وينبغي أن يتقدم الإمام.
أي: ينبغي أن يكون الإمام قدام المأمومين، لأن ذلك هو هدي النبي ﷺ ، وبتقدمه تتميز إمامته، ولأنه لا يمكن أن يقتدى به إلا بتقدمه.
стр. 296
م/ وأن يتراص المأمومون.
أي: وينبغي للمأمومين أن يتراصوا فيما بينهم وَحديث أَنَسٍ، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
[رصوا صفوفكم] من الرص، يقال رص العنان يرصيه رصاً إذا ألصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى:﴾ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴿ومعناه تضاموا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم. [وقاربوا بينها] أي بين الصفوف.
• وقد اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
وهذا مذهب ابن حزم، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين.
لقوله: (رصوا … ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ولقوله ﷺ : (سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة). متفق عليه
ولقوله ﷺ : (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم). متفق عليه قال الألباني: "فإن هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى".
ولقوله ﷺ : (أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من ورائي ظهري). رواه البخاري
القول الثاني: أنه سنة مؤكدة غير واجب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لقوله ﷺ : ( … فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) وفي رواية: (من كمال الصلاة) وفوت الكمال لا يستلزم البطلان، والراجح القول الأول
стр. 297
م/ ويكملون الأول فالأول.
ويكملون الصف الأول فالأول، فلا يصف في الصف الثاني حتى يكتمل الأول، ولا يصف في الصف الثالث حتى يكتمل الثاني وهكذا.
لحديث جابر قال: قال ﷺ (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ ..... الحديث وفيه: يتمون الصف الأول فالأول) رواه مسلم.
стр. 298
م/ ومن صلى فذاً ركعة خلف الصف لغير عذر أعاد صلاته.
أي أن من صلى فذاً (منفرداً) لوحده خلف الصف من غير عذر فصلاته باطلة.
وما ذهب إليه المصنف ﵀ هو القول الصحيح في هذه المسألة التي اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن صلاته باطلة سواء وجد فرجة أم لا.
وهذا مذهب الإمام أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر، وابن خزيمة. واستدلوا:
بحديث وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ] اَلْجُهَنِيِّ]﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ (رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ اَلصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ اَلصَّلَاةَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ
وعن علي بن شيبان قال: (قدمنا على رسول الله ﷺ ، فصلينا خلف رسول الله ﷺ ، فلما قضى رسول الله صلاته، إذا رجل فرد فوقف عليه نبي الله حتى قضى الرجل صلاته، ثم قال له نبي الله: استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف). رواه ابن حبان، وابن ماجه، قال البوصيري: إسناده صحيح.
ولأن النبي ﷺ حين أمر الرجل أن يعيد الصلاة لم يستفصل هل وجد فرجة أم لا.
القول الثاني: تصح صلاته بعذر أو بغير عذر.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث أنس قال (فصففت أنا واليتيم وراءه (أي النبي ﷺ والعجوز من ورائنا)، فدل الحديث على صحة وقوف المرأة منفردة خلف صف الرجال، فإذا جاز للمرأة أن تقف خلف الصف وحدها، جاز للرجال كذلك.
ولحديث ابن عباس - الذي سيذكره المصنف بعد قليل - أنه وقف عن يسار رسول الله ﷺ مؤتماً به، فأداره من خلفه حتى جعله عن يمينه، فقد صار ابن عباس خلف رسول الله ﷺ في تلك الإدارة ولم يؤمر بالإعادة.
والراجح ما ذكره المصنف ﵀ أن صلاته باطلة إلا إذا كان لعذر، كأن يجد الصفوف مكتملة ولم يجد مكاناً فإنه يصح في هذه الحالة، لأن الواجبات تسقط مع العجز.
ورجحه ابن تيمية وقال: "والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز "
وقال ابن القيم: "إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذر عليه الدخول في الصف، ووقف فذاً صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها".
واختاره الشيخ السعدي، وقال: " وهذا القول هو الموافق لأصول الشريعة وقواعدها ".
• والصحيح أنه لا يشرع أن يسحب أحداً من الصف لأمور:
١. أن الحديث الذي فيه الأمر لمن لم يجد فرجة أن يسحب أحداً، حديث ضعيف لا يصح.
٢. ظلم للرجل المجذوب.
٣. قطع الصف، وقد قال النبي ﷺ : (من قطع صفاً قطعه الله).
٤. التشويش على الصف.
• وقوله (ركعة) فيه أن الفذية تكون إذا رفع الإمام رأسه من الركوع، ولم يدخل مع هذا الفذ أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد زالت فذيته.
стр. 299
م/ وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
المصنف ﵀ ذكر حديث ابن عباس، ليستدل به على مسائل:
• فالحديث دليل على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام.
قال ابن قدامة: "وإذا كان المأموم واحداً ذكراً، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام رجلاً كان أو غلاماً".
وقال النووي: "وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة".
لحديث ابن عباس الذي ذكره المصنف، ولحديث جابر قال (قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه). رواه مسلم
• واختلف العلماء لو وقف المأموم عن يسار الإمام، هل تصح صلاته أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا تصح صلاته، وهذا المذهب.
لحديث الباب، قالوا: أن النبي ﷺ أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه، فدل على أن اليسار غير موقف للمأموم الواحد، فإذا وقف فيه بطلت صلاته.
القول الثاني: تصح صلاته، وهذا مذهب جماهير العلماء، ورجحه الشيخ السعدي.
لحديث ابن عباس وجابر السابقين.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يأمرهما باستئناف الصلاة، ولو لم يكن موقفاً لأمرهما الرسول ﷺ باستئناف الصلاة.
وكون النبي ﷺ ردّ جابر وجبار وابن عباس، لا يدل على عدم الصحة، بدليل ردّ جابر وجبار إلى ورائه، مع صحة صلاتهما عن جانبه.
• ذكر بعض العلماء أنه إذا صلى مع الإمام واحد، فإنه يشرع له أن يتأخر المأموم قليلاً ليكون الإمام متقدم، لكن هذا القول ضعيف.
قال الألباني: "إن الرجل إذا ائتم بالرجل وقف عن يمين الإمام، والظاهر أنه يقف محاذياً له لا يتقدم ولا يتأخر، لأنه لو كان وقع شيء من ذلك لنقله الراوي، لا سيما وأن الاقتداء به من أفراد الصحابة قد تكرر".
• أنه لا يشترط لصحة الإمامة أن ينوي الإمام قبل الدخول في الصلاة أنه إمام.
وهذا مذهب الشافعي.
لحديث زيد بن ثابت قال (أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل … ).
ولحديث ابن عباس الذي ذكره المصنف، فالنبي ﷺ دخل في صلاته منفرداً، ثم دخل معه ابن عباس فصار إماماً له من أثناء الصلاة.
• جواز صلاة التطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة. [وسبقت المسألة]
• أنه لو وقف المأموم الواحد عن يسار الإمام، فإنه يشرع أن يجعله عن يمينه.
• السنة إذا أراد الإمام أن يحرك من وقف عن يساره أن يحركه من ورائه، وليس من الأمام.
стр. 300
م/ وقال ﷺ (إِذَا سَمِعْتُمْ اَلْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى اَلصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ اَلسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة (إِذَا سَمِعْتُمْ اَلْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى اَلصَّلَاةِ ..... ) وقد سبق شرحه وما يتعلق بآداب المشي إلى الصلاة في أول كتاب الصلاة، وذكره المصنف ﵀ هنا ليستدل به على مسألة من قال: إن ما يدركه المأموم - مع إمامه - هو أول صلاته، وهذه مسألة خلافية: ما الذي يدركه المأموم مع الإمام، هل هو أول صلاته أم آخرها؟
القول الأول: أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته، وما يقضي هو آخرها.
قال النووي: "وبهذا قال الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف".
لقوله: (فأتموا … ) فهذا دليل على أن ما يقضيه هو آخر صلاته، لأنه وصفه بالإتمام.
وعليه: فلو دخل مع الإمام في الركعة الثالثة فإنه يدخل وتصير له الأولى، ويقرأ دعاء الاستفتاح، ويقرأ بعد الفاتحة سورة.
стр. 301
م/ وفي الترمذي (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام).
ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث الذي رواه الترمذي عن علي، والحديث في إسناده ضعف، فإن فيه الحجاج بن أرطاة، وأعله بعضهم بأن ابن ليلى لم يسمع من معاذ.
• الحديث يدل على أن المصلي إذا دخل المسجد، ووجد الإمام يصلي، فإنه يدخل معه على حسب حاله.
فإذا دخل ووجد الإمام يقرأ الفاتحة، فإنه يدخل معه ويسكت، وإن أدركه قائماً، أو راكعاً، اعتد بتلك الركعة، وإن أدركه قاعداً أو ساجداً، لم يعتد به.
ودليل الحالة الأولى قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
ودليل الحالة الثانية قوله ﷺ : (إذا جئت ونحن سجود فلا تعتدها شيئاً). رواه ابن خزيمة
• خطأ ما يفعله بعض الناس، أنه إذا جاء والإمام ساجد انتظر حتى يقوم، وهذا خطأ منتشر، وما يدري الإنسان ربما تكون هذه السجدة سبباً لمغفرة الذنوب.
стр. 302
باب صلاة أهل الأعذار
صلاة المريض
م/ والمريض يعفى عنه حضور الجماعة.
أي: أن من كان مريضاً فإنه يجوز له التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد ويدل لهذا:
لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).
وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
وقال ابن مسعود (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض) رواه مسلم.
المقصود بالمرض الذي يشق معه الحضور، بخلاف المرض الخفيف كصداع في الرأس يسير ونحوه.
стр. 303
م/ وإذا كان القيامُ يزيدُ مرضه صلى جالساً.
ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب كيفية صلاة المريض، فذكر ﵀ أنه يجب أن يصلي قائماً إذا كان يستطيع لأن القيام ركن في الفريضة، لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
ولقوله في حديث عمران (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فصل جالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
• قوله (إذا كان القيام يزيد مرضه) أي إذا لم يستطع أن يصلي قائماً ولو كهيئة الراكع، أو كان معتمداً على عصا أو عمود أو جدار فإنه يصلي جالساً، وكذلك إذا يلحقه بالقيام مشقة شديدة، كأن يتألم ألماً شديداً.
• وقوله (صلى جالساً) لم يبين صفة القعود، فدل على أنه كيف قعد جاز، سواء تربع أو افترش.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التربع أفضل، وهذا مروي عن ابن عمر وأنس، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ
وقيل: أن الافتراش أفضل، وهذا مذهب الشافعي.
لأن عائشة وصفت صلاة النبي ﷺ جالساً ولم تذكر كيفية قعوده، وقيل: أنه مخير. وهذا مروي عن عروة وابن المسيب. قالوا: أنه لم يثبت شيء في ذلك، فالإنسان إذاً مخير، ولأن عائشة وصفت صلاة النبي ﷺ جالساً ولم تذكر كيفية قعوده، والراجح الأول، لأن في التربع أريح وأطمن، وليحصل التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله.
فالخلاصة: في حال التشهد والجلوس يجلس مفترشاً إذا كان لا يشق عليه، وفي حال القيام يجلس متربعاً.
• اختلف العلماء إذا كان المريض: إن ذهب للمسجد صلى قاعداً، وإن صلى في بيته صلى قائماً، فأيهما أفضل؟
قيل: يخير بينهما، وقيل: يصلي في بيته قائماً، لأن القيام ركن.
وقيل: بل يذهب للمسجد، وإن استطاع القيام صلى قائماً وإلا صلى جالساً.
لأن الإنسان مأمور بحضور الجماعة، وصلاته جالساً لا بأس بها لأنه معذور.
ولقول ابن مسعود: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين).
وهذا القول هو الصحيح، واختاره الشيخ السعدي حيث قال: أنه يحضر الجماعة ويصلي جالساً، لأن مصالح حضور الجماعة لا يوازيها شيء من المصالح، وأيضاً إذا وصل محل الجماعة وصار عاجزاً عن القيام لم يكن واجباً عليه، وكان جلوسه في حقه بمنزلة القيام في حق القادر، فقد حصّل مصالح الجماعة ولم تفته مصلحة القيام.
стр. 304
م/ فإن لم يُطقْ فعلى جنب.
أي: إذا لم يستطع أن يصلي جالساً صلى على جنبه، وهذه هي المرتبة الثالثة، لحديث عمران السابق ( … فإن لم تستطع فصل جالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
• وظاهر الحديث يدل على أنه مخير بين الجنب الأيمن والأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أيسر له، فإن تساويا فالأيمن أفضل.
• ويومئ برأسه إلى الصدر، يومئ قليلاً في الركوع، ويومئ أكثر في السجود.
• فإن لم يستطع أن يصلي على جنب فإنه يصلي مستلقياً، ويكون على ظهره ورجلاه إلى القبلة، لأن فيه نوع استقبال، ولأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم، إذ لو قام تكون القبلة أمامه.
• وتكون صلاته بالإيماء، فإذا صلى جالساً واستطاع أن يسجد على الأرض سجد وإلا أومأ إيماءً، فإن كان على جنبه أو مستلقياً فإن الإيماء يكون بالرأس إلى الصدر، لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، فيومئ برأسه إلى صدره قليلاً للركوع، ويؤمئ أكثر للسجود.
• اختلف العلماء إذا عجز عن الإيماء برأسه: فقيل: يومئ بالعين، فيغمض قليلاً للركوع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده فتح طرفه فإذا سجد أغمض أكثر، لأن العقل باقي، وقيل: تسقط عنه الصلاة، لعجزه عنها، وهذا اختيار ابن تيمية وقال: هذا القول أصح في الدليل، لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود، ولا القيام من القعود، وقيل: تسقط الأفعال دون الأقوال، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: (تسقط عنه الأفعال لأنها هي التي كان عاجزاً عنها، وأما الأقوال فإنها لا تسقط عنه، لأنه قادر عليها وقد قال الله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فنقول: كبر واقرأ وانو الركوع فكبر وسبح تسبيح الركوع، ثم انو القيام وقل: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم انو السجود .. إلى آخره).
• قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما الإشارة بالإصبع كما يفعله بعض المرضى فليس بصحيح، ولا أعلم له أصلاً من الكتاب والسنة ولا من أقوال أهل العلم".
стр. 305
باب الجمع
الجمع: هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى. والصلاتان التي يصح جمعهما (المغرب والعشاء، والظهر والعصر).
• والجمع له أسباب كثيرة منها ما ذكره المصنف وهو المرض إذا كان يشق عليه فعل كل صلاة في وقتها فقال:
م/ وإن شق عليه فعلُ كل صلاةٍ في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين في وقت إحداهما.
أي: يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يفعل كل صلاة في وقتها - إما لشدة مرضه، أو صعوبة الوضوء لكل صلاة، أو يتأثر بالقيام والقعود إذا فرق بين الصلاتين والمشقات متعددة - أن يجمع بين الصلوات.
ودليل ذلك: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر، فقال سعيد: سألت ابن عباس لم فعل ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمته) متفق عليه.
فهذا يدل على أن المكلف متى لحقه حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، ويؤيد ذلك عمومات الشريعة في التيسير ورفع الحرج عن الأمة.
وإذا كان الجمع يجوز للمسافر لتعب السفر ومؤونته تخفيفاً وتيسيراً عليه، فالمريض أولى بذلك.
• وقوله (بين الظهر والعصر) يدل على أن الجمعة لا تجمع مع العصر، لأن الجمعة صلاة مستقلة منفردة بأحكامها، لم يرد ما يدل على جمعها مع العصر.
• وقوله (بين العشاءين) أي المغرب والعشاء، وهو من باب التغليب كالقمرين والعمرين، وأما الفجر فلا تجمع لما قبلها ولا لما بعدها لانفصال وقتها.
• وقوله (في وقت إحداهما) أي: إما في وقت الظهر - وهو جمع تقديم - أو في وقت العصر - وهو جمع تأخير، والأفضل يفعل الأرفق والأسهل به.
• ثم ذكر المصنف ﵀ السبب الثاني من أسباب الجمع وهو السفر فقال:
стр. 306
م/ وكذا المسافر يجوز له الجمع.
أي: ويجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
لحديث ابن عمر قال (كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير) متفق عليه.
[جد به السير] أي اشتد به السير وأسرع للأمر الذي يريده.
وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء) رواه البخاري.
لحديث أنس ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرحل صلى ثم ركب) متفق عليه.
وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
• والجمع قسمان:
القسم الأول: قسم متفق عليه بين العلماء، وهو الجمع بعرفة ومزدلفة.
القسم الثاني: مختلف فيه، وهو الجمع للسفر، ومذهب جمهور العلماء على جوازه.
قال في المغني: "وهو قول أكثر أهل العلم".
قال البيهقي: "الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة ما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين ". فهو قول الشافعي وأحمد، واستدلوا، بالأحاديث الماضية.
ولأن النبي ﷺ جمع في عرفة ومزدلفة.
وعن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته). رواه مسلم
• ذهب بعض العلماء إلى أن الجمع خاص بمن جدّ به السير.
لحديث ابن عمر، وفيه: (رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير).
وذهب الأكثر إلى جوازه للجادّ بالسير والمقيم، وهذا هو الصحيح لحديث معاذ السابق (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
لكن بالنسبة للنازل إن صلى كل صلاة في وقتها فهو أفضل إن لم يكن محتاجاً للجمع، فإن احتاج المسافر إلى النوم والاستراحة أو الأكل أو نحو ذلك، فلا بأس بالجمع، لأن المسافر وإن كان نازلاً قد يعرض له أحوال يحتاج معها إلى الجمع بين الصلاتين.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس، وفي حق السائر مستحب".
• الأفضل في الجمع فعل الأرفق بالمسافر من تقديم وتأخير، لقوله تعالى:﴾ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴿.
стр. 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجمع إنما شرع رفقاً بالمكلف، فما كان هو أرفق فهو أفضل.
• لم يذكر المصنف ﵀ شروط الجمع، فمن شروطه:
أولاً: الترتيب.
بأن يبدأ بالأولى ثم الثانية، لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأن الشرع جاء بترتيب الأوقات والصلوات، فوجب أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه.
• بعض العلماء قال: يشترط له النية، أي لا بد أن ينوي عند افتتاح الأولى.
مثال: دخل في الصلاة الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع.
مثال آخر: إنسان صلى الأولى، وبعدما سلم نوى الجمع.
وقال بعض العلماء لا يشترط للجمع نية، وهذا هو الراجح، ورجحه النووي وابن حجر.
لأن الرسول ﷺ لما جمع بأصحابه لم يعلمهم بأنه سيجمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه سيجمع حتى قضى الصلاة الأولى.
قال ابن تيمية: "إن النبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم".
فهذا القول هو الراجح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود سبب الجمع عند الجمع
• وبعض العلماء قال: يشترط الموالاة، بأن لا يفرق بين الصلاة تفريقاً كثيراً.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط، واختاره ابن تيمية، فيجوز مثلاً أن يصلي الظهر، ثم يتوضأ ويستريح، ثم يصلي العصر، لأن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل، فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً.
وهذا هو الراجح.
فائدة: أن الصلاة الجمع تصلى بأذان واحد وإقامتين. [وسبقت المسألة]
فائدة: رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى.
لا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها.
стр. 308
باب القصر
م/ ويسن له القصر للصلاة الرباعية إلى ركعتين.
سيتكلم المصنف ﵀ عن قصر الصلاة في السفر، وهو قصر الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين.
• والقصر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر، ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
وعن ابن عمر قال: (صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك) متفق عليه.
وفي لفظ مسلم: (صحبت النبي ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله) وفي رواية: (ومع عثمان صدراً من خلافته ثم أتم).
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
• وقوله (يسن) دليل على أن القصر حكمه سنة، وهذا قول أكثر العلماء، أن القصر سنة مؤكدة لفعل النبي ﷺ ، فإنه ﷺ كان في أسفاره يقصر الرباعية ولا يتمها.
لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)، قالوا إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ولحديث عمر السابق: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
وقال بعض العلماء: إن القصر واجب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
لقول عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
стр. 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الشوكاني: "وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر ".
ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله: (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: "إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي ﷺ الدائم".
قال ابن تيمية: "المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعاً قط ".
• إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر:
الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً.
قال ابن قدامة: "بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها".
الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: "المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل".
لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ ، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀، وذهب بعض العلماء إلى أن المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم ركعتين يجزيان.
الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام، (وهذه مسألة خلافية) فأكثر العلماء إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
لحديث أنس، حيث أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.
قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة، وقالوا: وإقامة النبي ﷺ بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.
وعلى هذا القول: لو سافر شخص للرياض وهو ينوي أن يجلس أسبوعاً، فإنه لا يقصر ولا يترخص برخص السفر.
وذهب بعض العلماء: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا عرف".
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، ولا شك أن قول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.
стр. 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسألة:
أن المسافر إذا أقام ولا يعرف متى ينقضي عمله، فإنه يقصر ولو طالت المدة، وهذا مذهب جماهير العلماء
فقد (أقام النبي ﷺ تسع عشرة يقصر الصلاة) رواه البخاري عن ابن عباس. (وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) رواه أحمد وأبو داود.
وعن نافع قال: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول). رواه البيهقي
وعن علي قال: (إن قلت أخرج اليوم أو غداً، فأصلي ركعتين). رواه عبد الرزاق
ولأن ذلك لا يعد لبثاً.
وعليه نقول: أنه يصح لمن سافر وهو لا ينوي الإقامة أصلاً، ثم اقتضت أحواله أن يقيم إقامة غير محدودة النهاية، أن له الفطر ما أقام أبداً، كما هو فعل النبي ﷺ في تبوك، وعام الفتح، فإنها تعتبر إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل، بل اقتضتها مصالح الجهاد، ومتطلبات الفتح، فهي إقامة غير معلومة البداية وغير محددة النهاية، ولأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر (فلا تعارض بينها وبين ما ورد في حجة الوداع، فإنها إقامة مقصودة قاطعة للسفر).
• وقوله (يسن له) أي المسافر، وفي هذا دليل ليس للقصر إلا سبب واحد وهو السفر:
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضاً شديداً لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده".
• ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.
لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل.
قال أنس: (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
ولحديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ قال النووي: " وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر ".
فهذا دليل على أنه لا يجوز القصر حتى يفارق بنيان بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
• من شروط القصر أن يقطع المسافر المسافة التي يعتبر بها مسافراً، واختلف العلماء في المسافة التي يعتبر بها المسافر إذا قطعها مسافراً على أقوال:
القول الأول: أن أقل مسافة للقصر هي مرحلتان لسير الإبل المحملة. [أربعة برد، تقريباً ٨٣ كيلو]
وهذا مذهب الأكثر، فهذا مذهب أحمد والشافعي ومالك وإسحاق وأبو ثور.
لحديث ابن عباس حديث الباب: (يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
وعن عطاء بن أبي رباح: (أن ابن عمر وابن عباس كان يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك). رواه البيهقي، قال النووي: " بإسناد صحيح ". وذكره البخاري في صحيحه معلقاً ".
стр. 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أنه لا حد للسفر بالمسافة، فكل ما عد سفراً فهو سفر.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن قدامة في المغني.
قال ابن تيمية: "الفرق بين السفر الطويل والقصير، لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر مطلقة".
• وقوله (الرباعية) دليل على أن التي تقصر الصلوات الرباعية، وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلاً عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وتراً، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ أَحْمَدُ: ﴿إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ﴾.
فائدة: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟
الجواب: نعم يقصر ويجمع، لأن العبرة بفعل الصلاة لا بالوقت.
стр. 312
باب صلاة الخوف
الخوف ضد الأمن، والمراد بهذا الباب: كيفيتها، والأصل في مشروعيتها قوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … ) الآية، وأول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ هي غزوة عُسفان وكانت قبل خيبر.
ومشروعية صلاة الخوف تخفيف من الله تعالى على عباده ورحمة بهم، وتحصيل لمصلحتي الصلاة في وقتها جماعة، وأخذ الحذر من العدو، وهذا يدل على أهمية صلاة الجماعة، وكمال دين الإسلام بأخذ الحذر وتفويت الفرصة على الأعداء.
م/ وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها النبي ﷺ .
هذه قاعدة في كل عبادة وردت عن النبي ﷺ على صفات متعددة، وهذا قول أصحاب الحديث كأحمد وغيره.
стр. 313
م/ فمنها.
أي: من صفاتها، وهذه الصفة التي سيذكرها المصنف ﵀ خاصة بما إذا كان العدو في غير جهة القبلة
стр. 314
م/ حديث صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ذكر المصنف ﵀ حديث صالح بن خوات، وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد ﵀ لأنه أشبه بكتاب الله وأحوط بجند الله وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته ﷺ بذات الرقاع.
صفة هذه الصلاة: يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم.
هذه هي الصفة الموافقة لظاهر القرآن، لقوله تعالى:
(وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) أي: في حال مواجهتهم الكفار في القتال.
(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إماماً.
(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي: يصلون، وطائفة قائمة بإزاء العدو، كما يدل عليه سياق الآيات.
(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليحملوها في الصلاة.
(فَإِذَا سَجَدُوا) أي: أكملوا صلاتهم، وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة.
(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو.
(وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) أي: تدخل معك في الصلاة أولاً، لكونهم أمام العدو.
(فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى
(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو.
من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي.
خالفت هذه الصفة الصلاة من أوجه:
أ- انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر.
ب- الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
لم يذكر المصنف كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ اَلرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ اِنْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ اَلصَّفُّ اَلْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ اَلْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى اَلسُّجُودَ، قَامَ اَلصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ … ) فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ: (ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلِ وَتَقَدَّمَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي … ) فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي آخِرِهِ: (ثُمَّ سَلَّمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فهذه الصفة التي في هذا الحديث إذا كان العدو في جهة القبلة، وصفتها:
أن يصف القائد الجيش صفين فيصلي بهم جميعاً يكبر ويركع ويرفع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني واقفاً يحرس، فإذا قام الإمام والصف الأول من السجود سجد الصف الثاني، فإذا قاموا من السجود تقدموا في مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول إلى مكانهم فيركع الإمام بهم جميعاً ويرفع بهم ثم يسجد هو والصف الذي يليه، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المتأخر ثم سلم بهم جميعاً.
ولو صلى بكل طائفة صلاة صح.
لحديث جابر (أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضاً ركعتين ثم سلم). رواه النسائي
стр. 315
م/ وإذا اشتد الخوف.
أي: وإذا اشتد الخوف وتواصل الطعن والضرب والكر والفر ولم يمكن تفريق القوم.
стр. 316
م/ صلوا رجالاً.
أي: ماشين على أرجلهم.
стр. 317
م/ وركباناً.
أي: على الخيل والإبل وسائر المركوبات.
стр. 318
م/ إلى القبلة وإلى غيرها.
أي: فيسقط الاستقبال في هذه الحالة كما قال تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً).
وهذا على قول من يقول لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وهو قول أكثر العلماء، ونسبه ابن كثير للجمهور للآية السابقة، وقال آخرون: يجوز تأخيرها عن وقتها إذا اشتد الخوف، ولم يمكن المصلي أن يتدبر ما يقول، واستدلوا بتأخير الرسول ﷺ الصلاة في غزوة الخندق، والجمهور يستدلون بأن صلاة الخوف لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، لما تقدم أنها شرعت في غزوة عسفان، وهي بعد الخندق.
стр. 319
م/ يومئون بالركوع والسجود.
أي: يومئون بالركوع والسجود، إيماء على قدر طاقتهم، لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفاً لأسلحة العدو، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، ولا يلزمهم السجود على ظهر المركوب.
стр. 320
باب صلاة الجمعة
الجُمعة بضم الجيم والميم، اختلف في سبب تسمية الجمعة بهذا الاسم:
فقيل: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم، وقد جاء حديث عند أحمد، ورجحه الحافظ ابن حجر والشوكاني.
وقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع لصلاتهم، وقيل: لأن الله تعالى جمع فيه آدم مع حواء في الأرض.
وقيل: لما جمع فيه من الخير.
وهو من أفضل الأيام عند الله تعالى كما في حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) متفق عليه.
م/ كل من لزمته الجماعة لزمته الجمعة إذا كان مستوطناً ببناء.
سيذكر المصنف ﵀ من تجب عليهم الجمعة، وذكر أن كل من وجب عليه الجماعة وجب عليه الجمعة وتلزم:
المسلم، فلا تجب على الكافر بالإجماع، ولا تصح منه، ولا تقبل منه.
لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ).
ولا يلزمه قضاؤها إذا أسلم.
لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
ولحديث: (الإسلام يهدم ما قبله).
ولأن في قضائها مشقة عظيمة.
المكلف (بالغ، عاقل)، فغير البالغ وغير العاقل لا تلزمه.
لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ … ). رواه أبو داود
ولأنهما ليسا أهلاً للتكليف.
لكن يجب على ولي الصبي أمره بها لسبع سسنين وضربه عليها لعشر لدخول الجمعة في عموم قوله ﷺ (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) رواه أبو داود.
الذكر، فالمرأة لا تجب عليها الجمعة.
لحديث طارق قال: قال رسول الله ﷺ : (الجمعة حق واجب إلا على أربعة: مجنون، أو امرأة، أو صبي، أو مريض). رواه أبو داود
وقال ﷺ : (وبيوتهن خير لهن). رواه أبو داود، ولأن المرأة ليست من أهل الاجتماع.
قال ابن المنذر: "أجمعوا على أنه لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزئ عنهن".
حر: فلا تجب على العبد، وهذا مذهب جمهور العلماء لحديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) رواه أبو داود، ولأن العبد مشغول بخدمة سيده.
وقيل: تجب مطلقاً، وهو قول داود الظاهري، واختاره ابن تيمية، قالوا لأن حق الله أولى، وهو داخل تحت قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .. )، وقيل: تجب إذا أذن سيده، وهذا الراجح.
مستوطن ببناء، فلا تجب على مسافر.
قال ابن قدامة: "إن النبي ﷺ كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع يوم عرفة يوم جمعة فصلى الظهر والعصر جمعاً بينهما ولم يصلِّ جمعة، والخلفاء الراشدون كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصلِّ أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم".
(أما إذا كان الإنسان مستقراً في بلد ويسمع نداء الجمعة فيجب عليه أن يجيب ويصلي).
следующие страницы →