← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

باب الربا م/ ومن شروط البيع: أن لا يكون فيه ربا. أي: ومن شروط البيع عدم الربا، لأن الربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا). وصرح الله تعالى بأنه يمحق الربا فقال سبحانه (يمحق الله الربا) أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به. وأخبر تعالى بأن آكل الربا لا يقوم من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فقال سبحانه (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). وأخبر تعالى أن المتعامل بالربا محارب لله فقال تعالى ( ...... وذروا ما بقي من الربا فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقات: .. وذكر منها .. أكل الربا) متفق عليه. وعن جابر. قال (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكِلَه وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم. قال ابن قدامه: أجمعت الأمة على أن الربا محرم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يأت بعد الشرك وعيد كما جاء في الربا. • الحكمة من تحريم الربا: ١_ انتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض. ٢_ الإضرار بالفقير، لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مُكّن الغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير. ٣_ انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض.

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • تعريف الربا. الربا: لغة الزيادة. واصطلاحاً: مبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات. • وهو ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل: وهو الزيادة في مبادلة مال ربوي بمال ربوي من جنسه. كمبادلة صاع بر بصاعين من البر، لوجود الزيادة في أحد العوضين. أو مبادلة مائة غرام من الذهب بمائة وعشرة وإن اختلفا في الجودة. ربا النسيئة: وهو تأخير القبض عند مبادلة الربوي بالربوي سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا اتحدا في العلة. مثال: كبر ببر أو بشعير بعد شهر، أو ريالات بريالات بعد أسبوع. وقد يجتمع ربا الفضل مع ربا النسيئة عند مبادلة الربوي بربوي من جنسه مع تأخير القبض. كمائة بمائة وعشرة بعد شهر. [فهنا الجنس واحد وهو الريالات وجد التفاضل ١٠٠ بـ ١١٠ فهذا ربا الفضل، ووجد التأخير إلى شهر فهذا ربا النسيئة. ربا القرض. (سيذكره المصنف ﵀ فيما بعد).

стр. 633

م/ عن عبادة بن الصامت. قال: قال رسول الله ﷺ (الذهبُ بالذهبِ، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعيرُ بالشعير، والتمرُ بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلاً وسواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم. هذه هي الأموال الربوية (أي التي يجري فيها الربا). قوله (الذهب بالذهب) أي بيع الذهب بالذهب، (مِثلاً بمثل) أي في الوزن ليس في الصفة، أي لا يزيد أحدهما على الآخر، صاع بر بصاع بر، ١٠٠ جرام ذهب بـ ١٠٠ جرام ذهب، (سواء سواء) السواء: هو المثل والنظير، أي مثلاً بمثل، وجمعَ مع ما قبله للتوكيد والمبالغة في الإيضاح (يداً بيد) أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يتفرقا (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) أي من حيث الكمية متساوياً ومتفاضلاً، لا من حيث التقابض [كصاع بر بصاعين شعير، أو ١٠٠ جرام من الفضة ب ٢٠ جرام من الذهب] وهذا الإطلاق مقيد بما بعده، وهو قوله (إذا كان يداً بيد). • فهذه الأصناف الستة أجمع العلماء على جريان الربا فيها. وهل يجري في غيرها؟ أكثر العلماء على أن الربا يتجاوز هذه الأصناف الستة إلى غيرها مما شاركها في العلة. قاعدة الربا من حديث عبادة السابق: قاعدة (١): إذا بيع الربوي بجنسه مشاركاً له في العلة فلا بد من شرطين: المماثلة (في الوزن) __ التقابض في مجلس العقد. مثال: ذهب بذهب [لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة]. فضة بفضة [لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة]. بر ببر [لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة]. قاعدة (٢) إذا بيع الربوي بغير جنسه لكنه مشارك له في العلة فيشترط شرط واحد وهو: القبض. مثال: ذهب بفضة يشترط شرط واحد التقابض. [لأن الذهب غير جنس الفضة لكنه مشارك له في العلة كما سيأتي]. مثال: باع ١٠ آصع من البر بـ ١٠٠ صاع من الشعير يجوز بشرط واحد وهو التقابض. [لأن التمر غير جنس الشعير لكنه مشارك له في العلة]. ومثل: بيع الريالات بالدولارات، فكلاهما اتحدا في العلة (وهي الثمنية) لكن اختلفت في الجنس (هذه ريالات وهذه دولارات) فإنه يجوز بشرط التقابض. لقوله ﷺ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد). قاعدة (٣) إذا بيع الربوي بغير جنسه ولم يكن مشاركاً له في العلة فإنه لا يشترط شيء، يجوز التفاضل والتفرق. مثال: ذهب بشعير، يجوز مطلقاً من غير شروط. مثال: فضة ببر يجوز مطلقاً من غير شروط.

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • اتفق العلماء على أن هذه الأصناف الستة يجري فيها الربا كما سبق، وهل يجري في غيرها مما هو مثلها، اختلف العلماء: القول الأول: أن الربا مقصور على الأصناف الستة لا يتعداها إلى غيرها. وهذا قول طاووس وقتادة والظاهرية واختاره الصنعاني.، وهذا القول ضعيف. القول الثاني: أنه يلحق بها ما شاركها في العلة، وهذا مذهب جماهير العلماء. واستدلوا بحديث معمر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (الطعام بالطعام مثلاً بمثل … ) ولفظ (الطعام) أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة. واستدلوا أيضاً بالمعنى، وذلك أن ما وافقها في العلة يجب أن يأخذ حكمها، مراعاة لمقصود الشارع في التحريم، فما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فليحكم بالإلحاق، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين مختلفين، قالوا: وقد اقتصر الحديث على الأصناف الستة من باب الاكتفاء بالأشياء التي لا يستغني عنها الناس عادة. ثم اختلف هؤلاء في علة التحريم على أقوال: أرجحها: أن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية، أي أنهما أثمان للأشياء، وهذا قول المالكية واختاره ابن تيمية وابن القيم. وعلى هذا: فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع (١٥) ريالاً سعودياً ورقاً بـ (١٦) ريالاً سعودياً ورقاً، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يداً بيد، كما لو باع ورق نقد سعودي بليرة سورية أو لبنانية أو كويتية، لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها وأما علة التحريم في الأصناف الأربعة فقد اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: أن العلة هي الطعم مع الكيل. (إذاً يلحق بها كل مكيل ومطعوم). ورجح هذا القول ابن قدامة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وعلى هذا القول: الأرز يجري فيه الربا، لأنه مطعوم ومكيل، وكذلك: الذرة والدهن والعدس واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال كالرمان والسفرجل والبيض والأترج والتفاح، والأشنان مكيل لكنه غير مطعوم فلا يجري فيه الربا. واستدل هؤلاء بأن الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك. القول الثاني: أن العلة هي الاقتيات والادخار. أي كون الطعام قوتاً يقتات به الناس غالباً، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، وعلى هذا القول فيجري الربا في الأرز والقمح والذرة ونحوها. وهذا مذهب مالك واختاره ابن القيم، وهو الراجح والله أعلم. واستدل هؤلاء بحديث عبادة، قالوا: إن الأصناف المذكورة في حديث عبادة يجمعها وصف الاقتيات والادخار. والله أعلم.

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أمثلة: سيارة بسيارتين: لا ربا. بيضة ببيضتين: لا ربا. لأنها ليست قوتاً ولا مدخراً. أرز بكيسين أرز: ربا، لأن الأرز ربوي فهو قوت ويدخر، فلابد فيه من شرطين (التماثل - التقابض). ثوب بثوبين: لا ربا. برتقالة ببرتقالتين: لا ربا، لأنه ليس قوتاً. مسألة مهمة: جودة أحد الجنسين لا تبرر زيادة أحدهما على الآخر. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة. (أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكلّ تمر خيبر هكذا، فقال: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل، بع الجمْع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً) متفق عليه. (الجنيب) التمر الطيب، (الجمْع) الرديء. قال الشوكاني: والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلاً، وهذا أمر مجمع عليه. • أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الطريقة السليمة البعيدة عن الربا، التي يسلكها من أراد أن يستبدل التمر الجيد بالتمر الرديء، وذلك بأن يبيع التمر الرديء بدراهم ويشتري بالدراهم تمراً جيداً، وهذه الطريقة تتبع في كل ربوي يراد استبداله بربوي أحسن منه، لأن الجودة في أحد الجنسين لا تبرر الزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر).

стр. 636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسألة: كيفية التوبة من الربا: التائب من الربا له حالان: الحالة الأولى: أن يكون الربا في ذمم الناس ولم يقبضه بعد، فهنا يقتصر على رأس ماله ولا يأخذه لقوله تعالى (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ). الحالة الثانية: أن يكون قد قبض الربا فهذا على ٣ أقسام: القسم الأول: أن يقبضه معتقداً حله لكونه مما اختلف فيه، فهذا لا شيء فيه، فيملكه ويدخل في ملكه. القسم الثاني: أن يقبضه جاهلاً فهنا حكمه حكم الأول، فلا يلزمه إخراجه. القسم الثالث: أن يقبضه معتقداً تحريمه، فهذا لا يدخل في ملكه ويجب عليه إخراجُه عن ملكه. لكن إن قلنا يخرجه من ملكه، فهل نقول يرده إلى صاحبه الذي أخذه منه أو لا؟ فيه تفصيل: إن كان قد قبضه من صاحبه بغير اختيار صاحبه ولا رضا منه فهنا يجب رده إليه، وان كان قد قبضه من صاحبه برضا واختيار فلا يرده عليه لئلا يجمع له بين العِوَض والمعوَّض، وإنما يخرجها صدقة تخلصاً منها.

стр. 637

م/ والجهلُ بالتماثلِ كالعلمِ بالتفاضل. المراد بالتماثل: التساوي فيما يشترط فيه التساوي. متى يشترط التساوي؟ إذا بيع ربوي بجنسه. (كذهب بذهب، أو بر ببر)، فإذا بعنا ربوي بربوي من جنسه ونجهل تماثلهما فهذا كعلمنا بتفاضلهما [يعني أنه حرام]. مثال: إنسان عنده كومة تمر فقال لشخص آخر، أريد أن أبيع عليك هذه الكومة بـ (٣٠) كيلو من التمر. هذا لا يجوز لأن هذه الصبرة قد جُهِل كيلها، والقاعدة أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. لأن الكومة قد تكون (٣٠) وقد تكون أقل، وقد تكون أكثر.

стр. 638

م/ كما نهى النبي ﷺ عن بيعِ المزابنة وهو شراء التمر بالتمر في رؤوس النخل. متفق عليه. المزابنة: بضم الميم، وهي مأخوذة من الزبن، وهو الدفع الشديد، وعرفه بقوله: وهو شراء التمر بالتمر في رؤوس النخل. الدليل على تحريم المزابنة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلاً: بِتَمْرٍ كَيْلاً. وَإِنْ كَانَ كَرْماً: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، أَوْ كَانَ زَرْعاً: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) متفق عليه. المزابنة هي: بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ (بيع معلوم بمجهول من جنسه). مثال: أن يبيع رطباً على رؤوس النخل (وهو لا يعلم كيله) بتمر في الزنبيل، فهذا لا يجوز. مثال آخر: رجل عنده شجر من الأعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما للآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، فهذا لا يجوز. • الحكمة من النهي: مظنة الربا لعدم التساوي. أ- لأن بيع تمر بتمر يشترط فيه التساوي، والتساوي هنا معدوم. لأنه لو فرضنا أن أكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن أشجار العنب غير معلومة المقدار. ب - حصول الغرر به، وكل ما حصل به غرر فهو غير صحيح.

стр. 639

م/ ورخص في بيع العرايا بخرصِها، فيما دون خمسة أوسق، للمحتاج إلى الرطب، ولا ثمنَ عندَه يشتري به بخرصها. رواه مسلم يستثى من المزابنة بيع العرايا: وهي بيع التمر بالرطب على رؤوس النخل. صورتها: أن يكون عند شخص تمر من العام الماضي جاف، وجاء التمر الجديد ولكنه فقير ليس عنده دراهم، فابأحت الشريعة لهذا الشخص أن يشتري بهذا التمر الذي عنده رطباً. • من المعلوم أن بيع الرطب بالتمر (وهو المزابنة) لا يجوز، لأن الرطب ينقص إذا جف، وبيع التمر بالتمر يشترط فيه شرطان: التساوي - والتقابض، والتساوي هنا معدوم. لكن استثني من بيع المزابنة العرايا، وصورتها: أن يخرص الخارص نخلات فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع الرطب الرطب بالنخلة. (الخرص: يخرص اذا كان تمراً، فيجيء الخارص إلى النخل فيقول: أتوقع أن هذه النخلة إذا جفت إن كان كيلا يأتي ٢٩٠ صاع - يخرص الرطب إذا كان تمراً). • والدليل على استثناء العرايا من المزابنة: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ: أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا) وَلِمُسْلِمٍ (بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَباً). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ). • فأفادت هذه الأحاديث جواز بيع العرايا، وهذا مذهب أكثر العلماء، وخالف أبو حنيفة وقال: لا يجوز، لكن الصحيح مذهب الجمهور.

стр. 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • اشترط العلماء لحل العرايا شروطاً: الشرط الأول: أن تباع النخلة بخرصها، ولا بد أن يكون من عالم به. فلا يجوز أن يأتي أي أحد من الناس، لا بد أن يكون الخارص خبيراً. الشرط الثاني: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وهذه لها أحوال: أولاً: الزيادة على خمسة أوسق، لا يجوز بلا خلاف. ثانياً: أقل من خمسة أوسق، يجوز. ثالثاً: في خمسة أوسق، هذه فيها خلاف: قيل: لا يجوز. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، ورجحه ابن المنذر. قالوا: الأصل أن بيع التمر بالرطب حرام، وتبقى الخمسة مشكوكاً فيها، والأصل المنع. وقيل: يجوز. عملاً برواية الشك (خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق). [الوسق ٦٠ صاعاً = ٣٠٠ صاعاً]. والراجح الأول. الشرط الثالث: أن يكون المشتري محتاجاً إلى الرطب، فإن لم يكن محتاجاً فإنها لا تجوز. لأن بيع العرايا رخص فيه للحاجة، فإذا لم يحتج للرطب فلا يجوز البيع. الشرط الرابع: أن لا يكون عنده دراهم. فإذا كان عنده دراهم فلا تجوز له العرايا. لأنه يستطيع أن يشتري من السوق. الشرط الخامس: التقابض بين الطرفين. لأن الأصل في بيع التمر بالتمر أنه لا بد من شرطين: التساوي والتقابض. فالتساوي عرفنا أنه رخص فيه، ويبقى التقابض على الأصل لم يرخص فيه. بعض أنواع البيوع المحرمة.

стр. 641

م/ ومن الشروط: أن لا يقعَ العقدُ على محرمٍ شرعاً. أي: من شروط البيع أن لا يقع العقد على محرم شرعاً، والمحرم شرعاً أنواع، إما لمحرم لذاته، أو محرم لغيره، وهذا الشرط يعبر عنه الفقهاء بقولهم: أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة. - المحرم لعينه كما قال المصنف ﵀:

стр. 642

م/ كما نهى النبي ﷺ عن بيع الخمر والميتة والأصنام. متفق عليه. فهذه لا يجوز العقد عليها، لأن من شروط العقد أن تكون العين مباحة وهذه العين ليست بمباحة، فلا يجوز بيع الخمر ولا الأصنام ولا الميتة، ويدخل في ذلك كل محرم كبيع الكلاب، وآلات اللهو لا يجوز بيعها، وآلات التصوير. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ (إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ) متفق عليه. الخمر: كل ما أسكر العقل، وسميت خمراً لأنها تخمر العقل، أي تغطيه. الميتة: بفتح الميم، وهي ما زالت عنه الحياة بدون ذكاة شرعية. الخنزير: حيوان نجس قبيح الشكل. الأصنام: جمع صنم، وهو ما كان منحوتاً على شكل صورة. • تحريم بيع الخمر، وهذا بالإجماع، وكذلك شربها واقتنائها، وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على تحريم بيعها كابن المنذر والنووي. عن أنس قال (لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له). رواه أبو داود الحكمة من تحريمها: لما تسببه من العداوة والبغضاء، ولأنها مفسدة للعقل.

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • تحريم بيع الميتة بجميع أجزائها، وهذا بالإجماع كما حكاه ابن المنذر، فالميتة يحرم أكلها، ويحرم أيضاً بيعها. • الميتة: كل ما مات من غير ذكاة شرعية، مثل ما مات حتف أنفه كشاة سقطت من جبل فماتت، ما ذكي ذكاة شرعية ولكن كان المذكي غير أهل أو فقد شرط من شروط الذكاة مثل: من ذبح من لا يصلي، فهذه ميتة، لان المذكي ليس أهلا للذكاة، وكذا لو ذكى مجوسي، أو فقد شرط: مثل ذكى بغير تسمية، فإنها لا تحل وتعتبر ميتة. يستثنى من ذلك: ميتة السمك، والجراد. فقد قال ﷺ لما سئل عن البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). والجراد لما في الحديث: (أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد) وهذا موقوف على ابن عمر، وهو الأصح، وله حكم الرفع. • والحكمة من تحريمها: لأنها طعام خبيث مضر بالبدن. • تحريم بيع الأصنام. (وهو كل ما عبد من دون الله). قال ابن القيم: تحريم بيع الأصنام أعظم تحريماً وإثماً وأشد منافاة للإسلام من بيع الميتة والخنزير. • الحكمة من تحريمها: لأنه ذريعة للشرك ومفسدة للأديان. • تحريم بيع الخنزير، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الخنزير وشراؤه محرم. وقال ابن القيم: وأما تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة. وقال: والخنزير أشد تحريماً من الميتة. لأن فيه مضار كبيرة، وهو ينقل أمراضاً لجسم الإنسان، وأيضاً له تأثير سيء على العفة والغيرة على الأعراض.

стр. 644

م/ وإما لما يترتب عليه من قطيعةِ المسلم، كما نهى النبي ﷺ عن البيعِ على بيعِ المسلم والشراء على شرائه والنجش. متفق عليه. من البيوع المحرمة: بيع المسلم على بيع أخيه، وهذا المحرمات ليست محرمات لذاتها، لأنها في الأصل مباحة، لكن حرمت من أجل ما تسببه من قطيعة المسلم والتحاسد والعداوة والنزاع بين الناس. الأدلة على تحريم هذا البيع: حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يبيع الرجل على بيع أخيه .. ) متفق عليه وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (لا يبع بعضكم على بيع بعض) رواه مسلم. وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال (المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه) رواه مسلم. مثاله: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بـ (١٠) ثم يأتيه آخر ويقول: أعطيك مثلها بـ (٩)، أو يقول أعطيك أحسن منها بـ (١٠). ومثل البيع الشراء: مثال: علمتُ أن زيداً باع على عمرو بيته بـ (١٠٠)، فذهبت إلى زيد وقلت له: أنت بعت بيتك على عمرو بـ (١٠٠)، أنا سأعطيك (١٢٠). • الحكمة من النهي: حصول التحاسد والتباغض. • العقد لا يصح: لأن النهي عائد إلى العقد نفسه (وهذا مذهب الحنابلة واختاره ابن حزم وابن تيمية). • هل يجوز البيع على بيع الكافر؟ فيه قولان للعلماء، أرجحها أنه لا يجوز، وأما قول الرسول ﷺ (لا يبع المسلم على بيع المسلم) إنما هو بناء على الأغلب. • (مثال: اشترى مسلم من كافر سلعة، فلا يجوز أن يذهب البائع المسلم ويقول له: أنا أعطيك السلعة بأقل). النجش: من البيوع المحرمة: النجش، وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها. وهو حرام. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلا تَنَاجَشُوا. وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ … ) متفق عليه.

стр. 645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولحديث ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ عن النجش). متفق عليه ثانياً: ما هدف الناجش؟ ١ - أن ينفع البائع. ٢ - أن يضر المشتري. ٣ - أو الأمرين جميعاً. ٤ - أو مجرد العبث. ثالثاً: لو وقع البيع فإن البيع صحيح عند أكثر العلماء. لأن المنهي عنه هو الفعل لا العقد. رابعاً: من وقع عليه النجش فإن له الخيار إذا زاد الثمن عن العادة. الخيار بين: أن يرد السلعة ويأخذ الثمن (الفسخ)، أو يبقيها بثمنها الذي استقر عليه العقد. مسألة: قال العلماء: يستثنى من ذلك مسألتان: المسألة الأولى: مسألة المزايدة: وهي أن يعرض البائع سلعته في السوق، ويتزايد المشترون فيها، فتباع لمن يدفع الأكثر، وهو المعروف بـ (بيع المزاد العلني) (الحراج). لأن السلعة معروضة للزيادة، ولأن البائع لم يركن لمشترٍ معين. بيع المناقصة: كأن تقول مؤسسة نريد عشر سيارات، ولا يذكرون السعر، تأتي شركة تقول عندي سيارات ب (١٠٠) وتقول شركة ثانية نفس السيارات ٩٠. لأن أصل الشركة لما نزلت المناقصة تريد أقل ما يكون من الأسعار.

стр. 646

م/ ومن ذلك: ومن ذلك: أي مما حرم لعارض.

стр. 647

م/ نهيُه ﷺ عن التفريقِ بين ذي الرحم في الرقيق. أي مما يحرم من البيع التفريق بين ذي الرحم وولدها، كالتفريق بين الوالدة وولدها. لحديث أبي أيوب. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من فرق بين والدةٍ وولدَها فرّق الله بين أحبتِه يوم القيامة) رواه أحمد. فهذا الحديث يدل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، ونحوه كالهبة والقسمة وغيرهما، وأن الأرقاء لا يفرق بينهم، بل يباعون جميعاً أو يبقون جميعاً، حرصاً على بقاء الرحم والتعاطف بينهما. كأن يبيع الأم على شخص، ويبع ولدها الصغير على شخص آخر. • قوله (في الرقيق) لأنه من المعلوم أن الحر لا يجوز بيعه، وإنما الذي يجوز بيعه هو الرقيق. • هذا الحكم خاص بالصغير، وأما البالغ الذي يكتفي بنفسه يجوز تفريقه عن أمه، وهذا مذهب الشافعي، لما ورد أن سلمة بن الأكوع (أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفّله أبو بكر ابنتها … ) رواه مسلم. ولأن الولد بعد البلوغ يصير مستقلاً بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن المرأة تزوج ابنتها. مثال: فلو كانت الأم معها ابن عمره (١٧) عاماً، فإنه يجوز أن تباع الأم لشخص، ويباع الابن لشخص آخر.

стр. 648

م/ ومن ذلك: إذا كان المشتري تعلم منه أنه يفعلُ المعصية بما اشتراه، كاشتراء الجوز والبيض للقمار، أو السلاح للفتنة، وعلى قطاع الطريق. ومن ذلك: أي البيع المحرم لعارض. الأصل أن هذه الأشياء - البيض، والجوز، والسلاح - بجوز بيعها، لكن إن كنتَ تعلم أن هذا الشخص المشتري سوف يستعمل هذه الأشياء بالمعصية، فإن البيع لا يجوز. لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). لأنه إعانة على الإثم والعدوان. (فكل ما يتوصل به إلى محرم فهو حرام). • هذا البيع يدخل تحت قاعدة (كل عقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم فهو حرام). • قوله (أن تعلم .. ) فإن كنت تعلم أنه يستعمله في المعصية فلا يجوز، وكذلك إذا كان يغلب على ظنك أنه يستعمله في الحرام فلا يجوز. • كيف أعلم أنه يريد هذه الأشياء للمعصية؟ الجواب: إما بقرينة الحال، وإما بقرينة المقال. قرينة الحال: جاء شخص يشتري جوز، وهو معروف وأصدقاؤه يتعاطون القمار، فهنا يغلب على الظن أنه يريد الشراء لأجل القمار. شخص عرف للتعرض للناس في الطرق، فجاء يريد شراء سلاح، فقرينة الحال أن هذا الشخص سوف يستعمل هذا السلاح بالإضرار بالمسلمين. وكذلك لو وقع قتال فتنة (وهو الذي يكون بين المسلمين) فجاء شخص من هؤلاء الذين يتقاتلون يريد أن يشتري سلاحاً فلا يجوز البيع عليه. • كذلك لا يصح بيع عصير على من يتخذه خمراً. ومثله قرينة المقال: وهي قليلة لكن قد توجد. • أما مع الشك فالأصل الجواز.

стр. 649

م/ ونهيه ﷺ عن تلقي الجَلَب فقال: لا تلقوا الجلَب، فمن تلقي فاشترىَ منه، فإذا أتى سيدُه بالسوق فهو بالخيار. رواه مسلم. ذكر المصنف ﵀ حديث (لا تلقوا الجلب … ) ليستدل به على بيع محرم وهو تلقي الجلب (وهو تلقي الركبان). • الركبان: المراد بهم القادمون من السفر بالسلع لبيعها في أسواق البلد. تلقي الجلب: استقبال القادمين الذين يحملون البضائع والأقوات لشرائها منهم قبل أن يبلغوا السوق. • الحديث دليل على النهي عن تلقي القادمين لبيع سلعهم والشراء منهم قبل أن يصلوا إلى السوق. لحديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ … ) متفق عليه. وللحديث الذي ذكره المصنف. • هذا النهي للتحريم وعليه جمهور العلماء، لأن الأصل في النهي التحريم. • الحكمة من النهي: لأن فيه ضرراً على الركبان، وعلى أهل البلد. أما الركبان فإن المتلقي لهم سيأخذ السلعة بثمن أقل من ثمن السوق، لأن صاحب السلعة لا يعرف الأسعار، فيشتري منه المشتري برخص، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف حيث أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق. قال النووي: "سبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب وصيانته عن الخديعة". وأما أهل البلد فإن من تلقى هؤلاء فسوف يشتري منهم برخص، ويكون شراؤه سبب لرفع الأسعار، بخلاف ما لو هبطوا بها الأسواق، فإنه سوف يحصل منهم تنشيط لأهل البلد وربما نزلت الأسعار مع كثرة ما جلب.

стр. 650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • هل البيع صحيح أم فاسد؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: البيع صحيح. وهذا مذهب الجمهور ورجحه الحافظ ابن حجر والشوكاني. لقوله ﷺ ( … فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). قالوا: ثبوت الخيار للسيد فرع عن صحة البيع، ولو كان فاسداً لم يجعل للبائع الخيار. ولأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، وإنما يعود إلى أمر خارج عن المنهي عنه، وهو الإضرار بالركبان، وهذا لا يقتضي الفساد. القول الثاني: أن البيع فاسد. قال الشوكاني: "وقال به بعض المالكية وبعض الحنابلة". لأنه بيع منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. والراجح الأول. • إذا قدم الراكب السوق، وعلم أنه قد غبن، فله الخيار. لقوله ﷺ : (لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). رواه مسلم [سيده: المراد به البائع الجالب للسلعة].

стр. 651

م/ قال: من غشنا فليس منا. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (من غشنا فليس منا) رواه مسلم، وجاء في رواية (من غش فليس مني) وهذا اللفظ أعم، لأن لفظ (من غشنا) معشر المسلمين. الغش: لغة مأخوذ من الغَشَش وهو المشرب الكدِر، والمراد به عند الفقهاء: هو كتم عيب المبيع. والمراد بالعيب كل وصف يعلم من حال آخذه أنه لو اطلع عليه لم يأخذه بذلك الثمن الذي بذله. مثال: كأن يكون في السلعة عيب فيكتمها البائع ولا يخبر به، وهذا غش. • الحديث دليل على تحريم الغش في البيع والشراء، وأن الواجب على من يتعاطى البيع والشراء أن يتقي الله، وأن ينصح في المعاملة، وأن يحذر الخيانة والغش، وأن يبين عيب السلعة ويحرم كتمه. وقد ثبت في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى) رواه مسلم. وقد قال ﷺ عن البائع والمشتري (فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما). ففي هذا الحديث وجوب الصدق والبيان في البيع والشراء. فالصدق: أي فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة. والبيان: أي فيما يصفان به السلعة من الصفات المكروهة. مثال: لو باع شخص سيارة وقال: هذه السيارة جديدة ونظيفة، ومدحها بما ليس فيها، فهذا كذب. مثال: وإذا باع السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب، فهذا كتم ولم يبيّن. فالصدق والبيان سبب لحلول البركة، والكذب والكتمان سبب لمحق بركة البيع.

стр. 652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • مسألة البراءة من العيب: اختلف العلماء إذا اشترط البائع البراءة من جميع العيوب على أقوال: فقيل: يبرأ البائع ويسقط المشتري من خيار العيب وهذا قول الحنفية، وقيل: أن هذا الشرط لا ينفع والبيع معه صحيح وهذا مذهب المالكية والحنابلة. والراجح - في هذه المسألة - ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أن البائع يبرأ إلا أن يكون علم العيب فكتمه. قال شيخ الإسلام: والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب والذي قضى به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري. وقال ابن القيم: والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة، فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبداً بشرط البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب به زيد عيباً، فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لا بن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا، فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف وخمسمائة درهم، ذكره الإمام أحمد وغيره، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة.

стр. 653

م/ ومثلُ الربا الصريح: أ- التحيلُ عليه بالعينة: بأن يبيعَ سلعةً بمائة إلى أجل، ثم يشتريها من مشتريها بأقلَّ منها نقداً، أو بالعكس. ذكر المصنف ﵀ مسألة العينة وهي: مثل أن يكون محتاج إلى دراهم فلا يجد من يقرضه، فيقوم ويشتري من شخص سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على صاحبها الذي اشتراها منه بثمن أقل منه نقداً. • سميت بذلك لأن البائع رجع إليه عين ماله. وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: أنها جائزة. وهذا مذهب الشافعي. لعموم قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع). القول الثاني: أنها حرام. وهذا مذهب جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة. لقوله ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود. ولأنها حيلة على الربا كما قال المصنف، وهذا القول هو الراجح. • قوله (يشتريها من مشتريها) أي أن البائع يشتريها من مشتريها، فمفهومه: أنه لو اشتراها من غيره جاز. مثال: إنسان اشترى سيارة من تاجر بثمن مؤجل (مثلاً ٥٠ ألف أقساط) ثم قام هذا المشتري وباعها على شخص آخر، فيجوز للبائع (وهو التاجر) أن يشتريها من هذا الشخص الآخر، لأن به يزول المحذور. • قوله (بأقل منها) مفهومه أنه لو اشتراها بأكثر أو بمثل سعرها جاز، وهو لن يشتري بمثل سعرها أو أكثر إلا إذا كانت السلع قد زادت. فالمحذور في العينة: أنها وسيلة من وسائل الربا، حيث باع دراهم حالة بدراهم مؤجلة بينهما وسيلة التي هي السيارة. • أما إذا باعها على واحد ثالث (غير التاجر) فهذه مسألة التورق وهي جائزة - على القول الراجح - لأن الأصل في المعاملات الحل.

стр. 654

م/ أو بالعكس. عكس مسألة العينة: أن يبيع السلعة نقداً بـ ١٠٠ ثم يشتريها ممن اشتراها بأكثر منه مؤجل. مثاله: بعثك بيتي (٨٠) ألف نقداً، ثم اشتريته منك (١٠٠) ألف مؤجلة (عكس مسألة العينة). مثال آخر: أن يشتري شخص سيارة بـ (٥٠ ألف) نقداً، ثم يأتي البائع ويشتري هذه السيارة ٧٠ مؤجلة. وقد اختلف العلماء في هذه الصورة هل هي جائزة أم لا؟ القول الأول: الجواز إذا لم تكن حيلة. قالوا: لأن الأصل حل البيع، وحرمت العينة بالنص، ولأنه ليس فيها محذور شرعي. واختار هذا الموفق ابن قدامة إذا لم يكن هذا مواطأة واتفاق بينهما. القول الثاني: إنها حرام. وهو ما اختاره المصنف ﵀، وهو قول الحنفية والحنابلة. لأن المقصود بالمنع هو سد ذريعة الربا.

стр. 655

م/ أو التحيل على قلبِ الديْن. وهذا من أشد أنواع الربا، وهو ربا الجاهلية. مثاله: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال والأصل واحد. أو يقول المدين: أخّر عني ديني وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك. وهذا من أشد الربا، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). قال ابن الجوزي: قال أهل التفسير: هذه الآيات نزلت في ربا الجاهلية، قال سعيد بن جبير: كان الرجل يكون له على الرجل المال، فإذا حل الأجل، فيقول أخّر عني وأزيدك على مالك، فتلك الأضعاف المضاعفة. وقال زيد بن أسلم ﵀: كان ربا الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حلَّ الحق قال لغريمه: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذه وإلا زاده في حقه وأخَّر عنه الأجل. وهذا النوع من الربا مجمع على تحريمه بل إنه معلوم من دين الإسلام بالضرورة. قال الإمام ابن القيم ﵀: هذا الربا مجمع على تحريمه وبطلانه، وتحريمه معلوم من دين الإسلام كما يعلم تحريم الزنا والسرقة. • الحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة، والحيل حرام لقوله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) ولأن المتحيل فيه نوع استهزاء بالله تعالى. كل من تحيل لارتكاب محرم [إما بإسقاط واجب أو فعل محرم] فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: مفسدة التحايل. الثانية: مفسدة فعل المحرم. إسقاط واجب: سافر من أجل أن يفطر، [فعل محرم] قلب الدين كما سبق. • وهذا ما تفعله بعض البنوك الآن، في البطاقات الائتمانية (فيزا) ويسحب بها وهو ليس عنده رصيد ويعطون فترة مجانية السماح (٤٥) يوماً، فإذا سدد في هذه المدة لم يحتسبوا عليه فوائد ربوية، فإذا تأخر عن السداد احتسبوا عليه فوائد ربوية، هذا نفس ربا الجاهلية.

стр. 656

م/ أو التحيل على الربا بقرض، بأن يقرضه ويشترط الانتفاع بشيء من ماله أو إعطاءه عن ذلك عوضاً، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا. ربا القرض: هو أن يقرض شخصاً مالاً ويشترط الانتفاع بشيء. سمي بذلك: لان فيه زيادة بدون مقابل وهي المنفعة. • فإذا شرط المقرض زيادة أو منفعة فإنه حرام. قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف في ذلك أن أخْذه الزيادة على ذلك ربا". وقال الشوكاني: "وأما إذا كانت الزيادة مشروطة فتحرم اتفاقاً". لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة لم يكن إرفاقاً ولا قربة. بل يكون بيعاً ورباً صريحاً. • والمنفعة قد تكون بدنية، أو مالية، أو عين. مثال البدنية: أن يقول أقرضتك ألف ريال بشرط أن تشتغل عندي يوماً واحداً. مثال المالية: أقرضتك ألف ريال بشرط أن تعطيني ساعتك مثال عين: أقرضتك ألف ريال بشرط أن أن أسكن بيتك يوم واحد. كل قرض جر منفعة فهو ربا، وقد ورد هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ رواه الحارث بن أبي أسامة، لكنه لا يصح، قال ابن حجر: وإسناده ساقط. • وأما إذا كانت الزيادة غير مشروطة فلا بأس، بل تعتبر من حسن القضاء. ويدل لذلك: حديث أبي رافع (أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت على النبي ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله! لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم. (خياراً رباعياً) الرباعي ما دخل في السنة السابعة، لأنها زمن ظهور رباعيته. (إن أهدى المقترض هدية للمقرض فإن كانت بعد الوفاء فجائز، وإن كانت قبل الوفاء فلا يجوز إلا أن تكون قد جرت العادة بينهما بمثل هذا، فكان بينهما تهاد قبل الاستقراض، لأن جريان العادة بذلك بينهما قرينة ظاهرة على أنه لم يرد مجازاته على قرضه).

стр. 657

م/ وسئل النبي ﷺ عن بيع التمر والرطب؟ فقال: أينقصُ إذا جفَّ؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. رواه الخمسة. ذكر المصنف ﵀ حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ (سئل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: أينقُصُ الرطبُ إذا يبِس؟ قالوا: نعم، فنهي عن ذلك) رواه الخمسة. • الحديث دليل على تحريم بيع أحد نوعي الجنس بالآخر، وأحدهما رطب والآخر يابس، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، لأن أحدهما أزيد من الآخر قطعاً، فإن الرطب إذا يبس نقص كثيراً، فلا يحصل التساوي. • قول النبي ﷺ (أينقص الرطب إذا يبس) هذا السؤال لا يقصد منه المعرفة، لأن مسألة نقصان الرطب إذا يبس جلية مستغنية عن الاستكشاف، لأن من المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس، لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله، وإنما قصد النبي ﷺ بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع، وهذا يحصل به اقتناع السائل بوقوفه على علة النهي.

стр. 658

م/ ونهى عن بيع الصُبرة من التمر لا يعلم مكيلها، بالكيل المسمى بالتمر. رواه مسلم. ذكر المصنف ﵀ حديث جابر قال (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصُّبْرَةِ من التمر لا يُعلمُ مكِيلُها بالكيل المسى من التمر) رواه مسلم ليستدل به على تحريم بيع الصبرة من التمر - وهي الكومة - التي لا يعلم كيلها بتمر آخر علم كيله، لأن الصبرة يُجهل كيلها ومقدارها، فالتساوي غير معلوم، وذلك مظنة الزيادة، فيكون ربا، لأن بيع التمر بالتمر يشترط فيه التساوي وهذا غير متحقق هنا، وهذا ربا.

стр. 659

باب بيع الأصول والثمار. الأصول: جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد بها الأرض أو الدار أو الشجر. (والفقهاء يقصدون ما الذي يتبع البائع وما الذي يتبع المشتري منها). إن كان هناك شرط وجب العمل به - إن شرط البائع أو المشتري - أن هذا يتبعه وجب العمل به لحديث (المسلمون على شروطهم). إن لم يكن هناك شرط: فالبيع يشمل الأشياء المتصلة دون المنفصلة فبيع الدار: يشمل الجدران والأبواب والنوافذ. ولا يشمل المنفصلة: كأواني الطبخ والرفوف والمكيفات. • يستثنى المفاتيح لانها منفصلة ويشملها البيع. والثمار: المراد بها ثمر النخل أو التين أو العنب أو غيرها. م/ قال ﷺ : مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُتهَا لِلْبَائِعِ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. متفق عليه. [نخلاً] أي أصول النخل. [أبرت] التأبير هو التلقيح، وهو وضع طلع الفحل من النخل بين طلع الإناث. [المبتاع] المشتري. • الحديث دليل على أن من اشترى نخلاً بعد التأبير فثمرتها للبائع، وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث الباب، فهو صريح بذلك، فهو يدل على أن ثمرة النخل المبيع يكون للبائع بعد التأبير ما لم يشترطه المبتاع. مثال: إنسان باع مزرعة فيها (١٠٠) نخلة، وهذا النخل فيه الطلع، فالثمرة تكون للبائع. والحكمة: لأن البائع عمل في هذه الثمرة عملاً يصلحها، لأن التأبير يصلح الثمرة، فلما عمل فيها عملاً يصلحها، تعلقت بها وصار له تأثير فيها، وبذلك جعلها الشارع له. • أنه لو باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري لمفهوم الحديث. • أنه لو اشترط المشتري أن تكون له الثمرة بعد التأبير فإنه يصح، لقوله: (إلا أن يشترط المبتاع). • هل يجوز للبائع إبقاء الثمرة على رؤوس الشجر إلى وقت الجذاذ؟ قيل: للبائع إبقاؤها إلى الجذاذ. وهذا مذهب جمهور العلماء. وقيل: يجب على البائع قطع ثمرته من أصل المبيع في الحال. وإليه ذهب الحنفية. • جواز الشروط في البيع، لكن بشرط ألا تخالف الشريعة. لقوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط). متفق عليه • هذا الحكم في هذا الحديث إنما هو لعام واحد، وأما السنوات القادمة فهي للمشتري. • أن من باع عبداً وقد جعل بين يديه مالاً يتصرف فيه، فالمال للبائع إلا أن يشترطه المشتري مع الصفقة، أو يشترط بعضه، فيدخل مع المبيع.

стр. 660

م/ وكذلك سائرُ الأشجار إذا كان ثمره بادياً. مثل التفاح والبرتقال والتين والعنب والرمان، قياساً على النخل. كما لو باعه شجر برتقال أو عنب أو غيرها فالثمر يكون للبائع إلا إذا اشترط المشتري. • قوله (إذا كان ثمره بادياً) لما كانت سائر الأشجار لا تؤبر علق الحكم بظهور الثمر. إذا باع الأشجار بعد أن بدا الشجر (ظهر التفاح - ظهر التين) تكون الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وهذا ينزل منزلة التأبير، أما إذا لم تظهر الشجرة ثم باع الأشجار فإن الثمرة تكون للمشتري.

стр. 661

م/ ومثلُه إذا ظهرَ الزرع الذي لا يحصَدُ إلا مرةً واحدة، فإن كان يحصد مراراً فالأصول للمشتري والجزةُ الظاهرة عند البيع للبائع. إذا ظهر الزرع: أي نبت. قسم المؤلف ﵀ الزرع إلى قسمين: القسم الأول: زرع يحصد مرة واحدة. (كالشعير والبر) فإنه يكون للبائع إلا أن يشترطه المشتري. ويكون على البائع سقيه، لأنه ملكه استمرّ عليه، لأن هذا الزرع هو ثمرة الأرض، وهي ثمرة ظاهرة كالنخل المؤبر، وهذا القياس واضح جداً. فإذا باع إنسان أرضاً بها زرع، وهذا الزرع قد نبت فإنه يكون للبائع لأن نفسه قد تعلقت به. والمراد بالزرع الذي تكون ثمرته للبائع: الزرع الذي لا يحصد إلا مرة واحدة مثل البر والشعير كما سبق. القسم الثاني: زرع يحصد مراراً، فهنا الأصول تكون للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع. كالعدس والبرسيم والكراث والبقدونس والنعناع والجرجير والكراث والبرسيم ظهر، نقول الجزة الظاهرة للبائع، لأنه كالثمر المؤبر، فأعطي حكمه. بيع الثمار قبل بدو صلاحها

стр. 662

م/ نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ. متفق عليه. وسئل عن صلاحِها؟ فقال: حتى تذهب عاهتُه، وفي لفظ (حتى تحمارّ أو تصفارّ). ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث الذي فيه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا النهي للتحريم. • الحكمة في النهي قبل بدو صلاحها: أنه في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها عرضة للآفات، لأن فيه غرراً وخطراً ظاهراً يفضي إلى المفاسد الكثيرة بين المسلمين من إيقاع التشاحن والتشاجر وأكل مال الغير بغير حق. فالبائع إذا باع قبل بدو الصلاح وتعجل البيع فإنه ستقل قيمتها عما لو أخر البيع إلى ما بعد الصلاح والنضج فيكون في ذلك خسارة عليه. وأما المشتري: ففي ذلك حفظ لماله من الضياع والمخاطر والتغرير، لأن الثمرة قد تتلف وتنالها الآفات قبل الانتفاع بها فيذهب ماله، فنهي عن ذلك تحصيناً للأموال من الضياع وحفظاً للحقوق، وقطعاً للمخاصمات والمنازعات بين المتبايعين. فالخلاصة في الحكمة من النهي: قطع النزاع، انها قبل بدو صلاحها لا منفعة فيها للمشتري فيكون البائع أكل مال أخيه، أنها قبل بدو الصلاح معرضة للآفات. • متى يبدو صلاحها: له علامات: العلامة الأولى: ذهاب عاهته (الآفة التي تتلف الثمرة أو تعيبها). العلامة الثانية: أن يحمر أو يصفر (هذا بالنسبة للنخل). أما غير النخل: فالعنب بلونه وفي رواية (أن يتموه). أما بقية الثمار فعلامة صلاحها أن يطيب أكلها. وأما الحب حتى يشتد: والاشتداد معناه القوة والصلابة. قمح لم يسنبل لا يجوز بيعه. • هل يستثنى شيء؟ قسم ابن قدامة بيع الثمر قبل بدو صلاحه إلى أقسام، فقال ﵀: لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح البيع إجماعاً، لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

стр. 663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع، لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه كما لو بدا صلاحه. القسم الثالث: أن يبيعها مطلقاً، ولم يشترط قطعاً ولا تبقية، فالبيع باطل، وبه قال مالك والشافعي، وأجازه أبو حنيفة. ثم قال مرجحاً رأي الجمهور في حكم هذا القسم الأخير: ولنا أن النبي ﷺ أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فيدخل فيه محل النزاع. • لو باع البستان جميعاً: فقيل: لا بد أن يكون اللون في كل شجرة لوحدها. وقيل: إذا بيع البستان وفيه نخلة واحدة ملونة لكنها صفقة واحدة صح البيع. وقيل: إن كان النوع واحداً جاز وإلا فلا. مثال: هناك خمسة أنواع من الثمر [سكري، خلاص، برحي، … ] من كل نوع خمس نخلات، صلح من النوع الأول نخلة، فيكون صلاحاً لها وللأربعة التي من نوعها سواء بيعت لوحدها أو مضمومة مع الأربع. • إذا أفردت كل نخلة لوحدها بعقد، فالواجب اعتبار كل نخلة لوحدها. لأنه صار كل نخلة لها حكم خاص. الخلاصة: أ- إذا بيع كل نخلة لوحدها فالواجب اعتبار كل نخلة لوحدها. ب- إذا بيع النخل جميعاً صفقة واحدة، فإنه إذا لون من كل نوع واحدة صار صلاحاً لها ولسائر النوع الذي في البستان. ج- وهل يعتبر صلاحاً للنوع الآخر إذا بيع صفقة واحدة؟ المذهب يعتبرون كل نوع على حدة. وقيل: إذا بدا صلاح نخلة واحدة فإنه صلاح لجميع الأنواع.

стр. 664

وضع الجوائح م/ وقال ﷺ : لو بعتَ من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئاً، بم تأخذُ مالَ أخيك بغير حق. رواه مسلم. ذكر المصنف ﵀ حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ (لو بعت من أخيك ثمراً فإصابته جائحة ...... ) ليستدل به على مسألة عند الفقهاء تسمى: وضْع الجوائح. تعريف الجوائح: جمع جائحة وهي: كل آفة لا صنع للآدمي فيها، فيدخل في ذلك المطر الشديد، والحر والبرد، والريح، والجراد، والغبار المفسد ونحو ذلك من الآفات السماوية. مثالها: إنسان باع على أخيه ثمر عنب فقدر أنه جاء حر شديد فتلف هذه العنب أو مطر مصحوباً ببرد فأتلفه. هذه جائحة، وكان المشتري قد دفع القيمة واشترى الثمرة بعد بدو الصلاح، الحديث يدل على أنها تذهب من مال البائع. ولا تذهب على المشتري فيرجع على البائع ويأخذ ماله. وجه الاستدلال: أولاً: أن النبي ﷺ نفى حل أخذ شيء من مشتري الثمرة إذا أصابتها جائحة. ثانياً: أن النبي ﷺ أكّد حرمة أخذ مال المشتري بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق. ثالثاً: أنه أمر أمراً صريحاً بوضع الجوائح، والأمر يقتضي الوجوب. والقول بوضع الجوائح هو قول جماهير العلماء. • إذا كانت الآفة بفعل الآدمي فيطالب به الجاني. • السرقة لا تعتبر جائحة على القول الراجح. • لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، لأن الأحاديث في وضع الجائحة عامة. • لو فرط المشتري وتأخر في جذاذ النخل - مثلاً - عن وقته المعتاد فأصابته جائحة بمطر - مثلاً - فهو من ضمانه لا من ضمان البائع، لتفريطه بترك نقل الثمرة في وقت نقلها مع قدرته. • لو حصل التلف بفعل آدمي فإن المشتري بين الإمضاء ومطالبة المتلف بالبدل، وبين الفسخ ومطالبة البائع بما دفعه.

стр. 665

باب الخيار الخيار: هو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. وهناك تعريف آخر: هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغٍ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي. قوله (لظهور مسوغ شرعي) مثل العيب، أو الغبن، أو التدليس، أو زيادة الناجش ونحوها. م/ إذا وقع العقدُ صار لازماً إلا بسبب من الأسباب الشرعية. أي: إذا وقع عقد البيع، فإنه يكون لازماً ثابتاً، ولا يمكن فسخه إلا برضا من الطرفين، وهذا بخلاف العقد الجائز فإنه يجوز فسخه ولو بدون رضا أحد الطرفين. • العقود من حيث اللزوم وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أ_ عقد لازم من الطرفين، كالبيع، والإجارة، والنكاح، والمساقاة، والمزارعة (معنى اللزوم: أي كل واحد منهما لا يملك إلا الفسخ). ب _ وعقد جائز من الطرفين، مثل الوكالة، والجعالة (يعني لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخ ولو بدون رضا الطرف الآخر). إلا إذا تضمن ضرراً على الطرف الآخر. ج _ وعقد جائز من طرف ولازم من طرف كالرهن.

стр. 666

م/ إلا بسبب من الأسباب الشرعية. فمن الأسباب التي لا يلزم فيها البيع، ما ذكره المصنف ﵀ بقوله: خيار المجلس

стр. 667

م/ فمنها: خيار المجلس. قال النبي ﷺ (إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ). [البيعان] أي البائع والمشتري، وأطلق عليهما ذلك من باب التغليب. [بالخيار] الخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه. [ما لم يتفرقا] أي بأبدانهما على القول الراجح. [وجب البيع] ثبت البيع، المراد بالمجلس: مجلس البيع • في هذا الحديث إثبات خيار المجلس (وهو الخيار الذي يثبت للمتعاقدين ما داما في المجلس، أي مجلس البيع ما داما مجتمعين). وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، كالشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: وهو مذهب أكثر أهل العلم. للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا … ). وذهب الإمام مالك وجماعة إلى أنه لا خيار للمجلس، بل يلزم العقد بالإيجاب والقبول. وقد أجاب هؤلاء عن حديث الباب بأجوبة كثيرة كلها ضعيفة. ولذلك قال النووي: وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء، وليس لهم عنها جواب صحيح. • المراد بقوله: (ما لم يتفرقا) أي بأبدانهما ويدل لذلك قوله (ما لم يتفرقا وكانا جميعاً) فهذا يدل على أن التفرق بالأبدان. قال بعض العلماء: المراد بالتفرق، تفرق الأقوال، وهذا ضعيف. • ضابط التفرق، لم يحدد، فيرجع فيه إلى العرف، والقاعدة: [كل ما ورد مطلقاً في لسان الشارع، ولم يحدد، فإنه يرجع إلى تحديده إلى العرف].

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أمثلة: • إذا كانا في بيت، فبخروج أحدهما منه. • إذا كانا في غرفة، فبخروج أحدهما منها. • الحكمة من خيار المجلس: أن الإنسان قبل أن يملك الشيء تتعلق به نفسه تعلقاً كبيراً، فإذا ملَكه زالت تلك الرغبة، لذلك شرع خيار المجلس. • يثبت البيع إذا تفرقا بأبدانهما بعد البيع. • إذا أسقط المتبايعان خيار المجلس بعد العقد، أو شرطا أن لا خيار بينهما، صح ولزم البيع بمجرد العقد، لأن الحق لهما في خيار المجلس وقد أسقطاه. إذاً يسقط خيار المجلس: • إن نفياه قبل ثبوته [قلت أبيعك هذه الساعة بـ ١٠٠ على أن لا خيار لك، قال: قبلت] أو أسقطاه بعد ثبوته [قلت بعتك هذه الساعة قال: قبلت، وهما الآن ما زالا في المجلس وكل واحد له الخيار، فقلت له: دعنا نلزم البيع ونسقط الخيار بيننا، فوافق، فهنا أسقطاه بعد ثبوته]، لأن الخيار لهما فيسقط بإسقاطه. • إن أسقط أحدهما بقي خيار الآخر، بأن قال: أسقطت خياري، فإنه يبقى خيار الآخر. • يثبت خيار المجلس في البيع، والإجارة. فإذا اتفقت أنا وأنت على أن أؤجرك بيتي لمدة سنة، فما دمنا في المجلس فلكل واحد منا الخيار، لأن الإجارة كالبيع، فهي عقد معاوضة. • يحرم لأحد المتبايعين أن يقوم خشية الاستقالة. لقوله ﷺ : (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله). رواه أبو داود • ما الجواب عن فعل ابن عمر: أنه كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثم رجع إليه؟ الجواب: أ- هذا اجتهاد منه، مدفوع بالحديث المتقدم الذي ينهى عن ذلك. ب- أو يحمل على أنه لم يبلغه الخبر.

стр. 669

خيار الشرط. ومنها: خيار الشرط: إذا شرط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة، قال النبي ﷺ (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) رواه أهل السنن. ومنها: أي ومن أنواع الخيار، خيار الشرط: وهو أن يشترطا المتبايعان في العقد مدة معلومة ولو طويلة. • دليله: عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). والحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (المسلمون على شروطهم) رواه أحمد. مثاله: بعتك سيارتي هذه على أن لنا الخيار لمدة ﴿٥﴾ أيام. • الحكمة من هذا الخيار: المشاورة والتجربة والنظر والفحص وتقليب السلعة في تلك المدة هل هي صالحة أو لا، فالمشتري قد يشتريها لكنه لا يدري هل تناسبه أم لا؟ وكذلك البائع يشترط الخيار لأنه قد يكون محتاجاً للسلعة فيبيع الأرض مثلاً على خيار ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر، فربما تظهر حاجته إليها وعدم استغنائه إليها. قوله (مدة معلومة) فلا بد أن تكون المدة معلومة فلو كانت مجهولة لم تصح. مثال: بعتك بيتي على أن لي الخيار حتى أشتري بيتاً، هذا لا يجوز هذا فيه جهالة ويحصل فيه نزاع. • يصح خيار الشرط ولو كانت المدة طويلة ما دامت المدة معلومة، وهذا القول الصحيح، وهذا هو المذهب. لعموم قول الرسول ﷺ (المسلمون على شروطهم) ولأن هذه المدة المشترطة مدة ملحقة بالعقد فكان تقديرها إلى العاقدين كالأجل، ولأن الحاجة إلى النظر والتروي قد لا يكفيها ثلاثة أيام أو قريباً منها، لأن من السلع ما يحتاج فيه العاقد إلى التروي والمشاورة أكثر من ثلاثة أيام، لاسيما في العقارات والبساتين والصفقات الكبيرة.

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند المالكية أن المدة ثلاثة أيام لكن يزيد عليها قليلاً بقدر الحاجة كيومين ونحوها، ولا تزيد عند أبي حنيفة والشافعي على ثلاث ليال. • يبطل خيار الشرط: إذا مضت مدة الخيار، وإذا أسقطاه. مثال: إذا قدر أنهما تبايعا على أن يكون الخيار لمدة ﴿١٠﴾ أيام، وبعد مضي ﴿٥﴾ أيام اتفقا على إلغاء الشرط، فإن هذا يجوز ويسقط الشرط لأن الحق لهما. • النماء المنفصل والمتصل زمن الخيار للمشتري. النماء المنفصل ﴿أي من المبيع﴾ للمشتري. مثال: باع إنسان شاة واشترط هذا المشتري الخيار ﴿٧﴾ أيام، اللبن نماء منفصل، فهو للمشتري. وكذلك النماء المتصل للمشتري على القول الراجح لأنه حصل بسببه. مثال: اشتريت عبداً واشترطت الخيار لمدة ﴿٦﴾ أشهر، فعلمته الكتابة والقراءة في هذه المدة، فقال البائع رجعت عن بيع العبد ﴿العبد الآن يكتب وقد زادت قيمته والكتابة نماء متصل﴾ فيأخذ البائع العبد وتقدر قيمته وهو لا يعرف القراءة والكتابة، وقيمته وهو متصف بهذه الزيادة، والفرق بين القيمتين للمشتري. • لا يجوز تصرف أحدهما في المبيع زمن الخيار، لأن تصرف أحدهما في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر لكن يستثنى من ذلك: إذا أذن صاحب الحق. • إذا مات أحدهما زمن الخيار فإنه لا يبطل خياره وينتقل الملك إلى الورثة.
следующие страницы →