Полный текст (1 270 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
م/ إلا بسبب من الأسباب الشرعية.
فمن الأسباب التي لا يلزم فيها البيع، ما ذكره المصنف ﵀ بقوله:
خيار المجلس
стр. 667
م/ فمنها: خيار المجلس. قال النبي ﷺ (إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ).
[البيعان] أي البائع والمشتري، وأطلق عليهما ذلك من باب التغليب. [بالخيار] الخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه. [ما لم يتفرقا] أي بأبدانهما على القول الراجح. [وجب البيع] ثبت البيع، المراد بالمجلس: مجلس البيع
• في هذا الحديث إثبات خيار المجلس (وهو الخيار الذي يثبت للمتعاقدين ما داما في المجلس، أي مجلس البيع ما داما مجتمعين).
وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، كالشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: وهو مذهب أكثر أهل العلم.
للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا … ).
وذهب الإمام مالك وجماعة إلى أنه لا خيار للمجلس، بل يلزم العقد بالإيجاب والقبول.
وقد أجاب هؤلاء عن حديث الباب بأجوبة كثيرة كلها ضعيفة.
ولذلك قال النووي: وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء، وليس لهم عنها جواب صحيح.
• المراد بقوله: (ما لم يتفرقا) أي بأبدانهما ويدل لذلك قوله (ما لم يتفرقا وكانا جميعاً) فهذا يدل على أن التفرق بالأبدان.
قال بعض العلماء: المراد بالتفرق، تفرق الأقوال، وهذا ضعيف.
• ضابط التفرق، لم يحدد، فيرجع فيه إلى العرف، والقاعدة: [كل ما ورد مطلقاً في لسان الشارع، ولم يحدد، فإنه يرجع إلى تحديده إلى العرف].
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمثلة:
• إذا كانا في بيت، فبخروج أحدهما منه.
• إذا كانا في غرفة، فبخروج أحدهما منها.
• الحكمة من خيار المجلس:
أن الإنسان قبل أن يملك الشيء تتعلق به نفسه تعلقاً كبيراً، فإذا ملَكه زالت تلك الرغبة، لذلك شرع خيار المجلس.
• يثبت البيع إذا تفرقا بأبدانهما بعد البيع.
• إذا أسقط المتبايعان خيار المجلس بعد العقد، أو شرطا أن لا خيار بينهما، صح ولزم البيع بمجرد العقد، لأن الحق لهما في خيار المجلس وقد أسقطاه.
إذاً يسقط خيار المجلس:
• إن نفياه قبل ثبوته [قلت أبيعك هذه الساعة بـ ١٠٠ على أن لا خيار لك، قال: قبلت] أو أسقطاه بعد ثبوته [قلت بعتك هذه الساعة قال: قبلت، وهما الآن ما زالا في المجلس وكل واحد له الخيار، فقلت له: دعنا نلزم البيع ونسقط الخيار بيننا، فوافق، فهنا أسقطاه بعد ثبوته]، لأن الخيار لهما فيسقط بإسقاطه.
• إن أسقط أحدهما بقي خيار الآخر، بأن قال: أسقطت خياري، فإنه يبقى خيار الآخر.
• يثبت خيار المجلس في البيع، والإجارة.
فإذا اتفقت أنا وأنت على أن أؤجرك بيتي لمدة سنة، فما دمنا في المجلس فلكل واحد منا الخيار، لأن الإجارة كالبيع، فهي عقد معاوضة.
• يحرم لأحد المتبايعين أن يقوم خشية الاستقالة.
لقوله ﷺ : (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله). رواه أبو داود
• ما الجواب عن فعل ابن عمر: أنه كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثم رجع إليه؟
الجواب:
أ- هذا اجتهاد منه، مدفوع بالحديث المتقدم الذي ينهى عن ذلك.
ب- أو يحمل على أنه لم يبلغه الخبر.
стр. 669
خيار الشرط.
ومنها: خيار الشرط: إذا شرط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة، قال النبي ﷺ (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) رواه أهل السنن.
ومنها: أي ومن أنواع الخيار، خيار الشرط: وهو أن يشترطا المتبايعان في العقد مدة معلومة ولو طويلة.
• دليله: عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).
والحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (المسلمون على شروطهم) رواه أحمد.
مثاله: بعتك سيارتي هذه على أن لنا الخيار لمدة ﴿٥﴾ أيام.
• الحكمة من هذا الخيار: المشاورة والتجربة والنظر والفحص وتقليب السلعة في تلك المدة هل هي صالحة أو لا، فالمشتري قد يشتريها لكنه لا يدري هل تناسبه أم لا؟ وكذلك البائع يشترط الخيار لأنه قد يكون محتاجاً للسلعة فيبيع الأرض مثلاً على خيار ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر، فربما تظهر حاجته إليها وعدم استغنائه إليها.
قوله (مدة معلومة) فلا بد أن تكون المدة معلومة فلو كانت مجهولة لم تصح.
مثال: بعتك بيتي على أن لي الخيار حتى أشتري بيتاً، هذا لا يجوز هذا فيه جهالة ويحصل فيه نزاع.
• يصح خيار الشرط ولو كانت المدة طويلة ما دامت المدة معلومة، وهذا القول الصحيح، وهذا هو المذهب.
لعموم قول الرسول ﷺ (المسلمون على شروطهم) ولأن هذه المدة المشترطة مدة ملحقة بالعقد فكان تقديرها إلى العاقدين كالأجل، ولأن الحاجة إلى النظر والتروي قد لا يكفيها ثلاثة أيام أو قريباً منها، لأن من السلع ما يحتاج فيه العاقد إلى التروي والمشاورة أكثر من ثلاثة أيام، لاسيما في العقارات والبساتين والصفقات الكبيرة.
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند المالكية أن المدة ثلاثة أيام لكن يزيد عليها قليلاً بقدر الحاجة كيومين ونحوها، ولا تزيد عند أبي حنيفة والشافعي على ثلاث ليال.
• يبطل خيار الشرط: إذا مضت مدة الخيار، وإذا أسقطاه.
مثال: إذا قدر أنهما تبايعا على أن يكون الخيار لمدة ﴿١٠﴾ أيام، وبعد مضي ﴿٥﴾ أيام اتفقا على إلغاء الشرط، فإن هذا يجوز ويسقط الشرط لأن الحق لهما.
• النماء المنفصل والمتصل زمن الخيار للمشتري.
النماء المنفصل ﴿أي من المبيع﴾ للمشتري.
مثال: باع إنسان شاة واشترط هذا المشتري الخيار ﴿٧﴾ أيام، اللبن نماء منفصل، فهو للمشتري.
وكذلك النماء المتصل للمشتري على القول الراجح لأنه حصل بسببه.
مثال: اشتريت عبداً واشترطت الخيار لمدة ﴿٦﴾ أشهر، فعلمته الكتابة والقراءة في هذه المدة، فقال البائع رجعت عن بيع العبد ﴿العبد الآن يكتب وقد زادت قيمته والكتابة نماء متصل﴾ فيأخذ البائع العبد وتقدر قيمته وهو لا يعرف القراءة والكتابة، وقيمته وهو متصف بهذه الزيادة، والفرق بين القيمتين للمشتري.
• لا يجوز تصرف أحدهما في المبيع زمن الخيار، لأن تصرف أحدهما في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر لكن يستثنى من ذلك: إذا أذن صاحب الحق.
• إذا مات أحدهما زمن الخيار فإنه لا يبطل خياره وينتقل الملك إلى الورثة.
стр. 671
خيار الغبن
م/ ومنها: إذا غبن غبناً يخرج عن العادة، إما بنجش، أو تلقي الجلب أو غيرهما.
ومنها: أي ومن أنواع الخيار، خيار الغبن، وهو أن يغبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، ففي هذه الحالة له الخيار.
• لا بد أن يكون الغبن يخرج عن العادة.
• قيده بعضهم بالخمس وبعضهم بالثلث والصحيح أنه راجع للعرف.
• يثبت الخيار بالغبن بحالات ذكرها المصنف ﵀:
الأولى: الغبن بزيادة الناجش.
(سبق تعريفه).
مثال: رجل اشترى سلعة وزاد ثمنها بسبب النجش هي تساوي ﴿١٠﴾ ووصلت ﴿١٥﴾ بسبب النجش.
فللمشتري الخيار، لأنه زيد عليه على وجه محرم.
الثانية: تلقي الجلب (الركبان).
(سبق البحث فيه).
وأنه لا يجوز أن يتلقاهم ويشتري منهم، هؤلاء إن غبنوا فلهم الخيار.
стр. 672
خيار التدليس
ومنها: خيار التدليس: بأن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، قال ﷺ : لا تُصَرُّوا الْغَنَمَ. وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. وَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ) متفق عليه، وَفِي لَفْظٍ (هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَاً).
ومنها: ومن أنواع الخيار، خيار التدليس، وهو عدم إخراج الشيء على حقيقته (أو إظهار المبيع بصورة أحسن مما هي عليه).
له صورتان:
• أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه. (وهذا من باب الزيادة في الثمن). كتسويد شعر الجارية.
• أو أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب. (وهذا من باب كتمان العيب فله علاقة بالخيار المتقدم).
• الفرق بينه وبين العيب: أن العيب وجود صفة نقص، وأما التدليس فوات صفة كمال.
أمثلة:
ومن التدليس: تصرية بهيمة الأنعام، وهو حبس اللبن في الضرع ليراها من يشتريها فيظن أنها كثيرة اللبن.
وقد ذكر المصنف حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا تصروا الغنم .... ).
وكانوا يجمعون لبنها في ضرعها ليظن من رآها أنها كثيرة اللبن، فيشتريها بزيادة، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك لأن ذلك غش وخداع وتدليس وإيذاء للحيوان.
وقد قال ﷺ (من غشنا فليس منّا)، وفي رواية (من غش فليس مني) وهذا الرواية أعم.
• أن من اشتراها بعد التصرية فهو بالخيار ثلاثة أيام إذا علم بالتصرية.
الخيار بين أمرين:
• أن يمسكها بلا أرش.
• وإن شاء ردها إلى البائع وصاعاً من تمر.
• يردها ويرد معها صاعاً من تمر. (مقابل هذه الحلبة التي احتلبها).
وهذا مذهب الشافعي وأحمد، لوروده في الحديث: (وصاعاً من تمر).
стр. 673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالك: يرد صاعاً من قوت البلد، والنبي ﷺ ذكر التمر لأنه كان غالب قوت الحجاز.
والراجح الأول.
• والمصراة قد تكون من البقر أو الإبل أو الغنم، والجميع يمكن تصريته.
• هذا التمر عوض عن اللبن الذي كان في ضرعها، ولذلك لو علم أنها مصراة قبل أن يحلبها فإنه يردها ولا شيء معها، لأن الصاع وجب مقابل هذا اللبن، ولذلك جاء عند البخاري أن النبي ﷺ قال (من اشترى غنماً مصراة فاحتلبَها فإن رضيَهَا أمسكها، وإن سخِطَها ففيها حلبتها صاع من تمر) فجعل الصاع مقابل الحلبة
• قدر النبي ﷺ بالصاع، مع أن اللبن قد يكون كثيراً، وقد يكون قليلاً قطعاً للنزاع.
• ومن أمثلة التسويد: كتسويد شعر الجارية ليظن من رآها أنها شابة، فهنا للمشتري الخيار بين الرد أو الإمساك، لأنه يكون أضاف صفة كمالية لكن لا وجود لها في الأصل في هذا المبيع.
стр. 674
خيار العيب
م/ وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبَه فله الخيار، بين ردهِ وإمساكهِ.
ذكر المصنف ﵀ هنا خيار العيب، وهو ما ينقص قيمة المبيع. (وقيل ما عده التجار المعتبرون في عرفهم منقصاً).
• إذا علم بالعيب بعد البيع فالمشتري بالخيار: إما الإمساك، أو الرد على البائع.
مثال: اشترى إنسان سيارة، فوجد فيها عيباً، فنقول أنت بالخيار: إما أن تمسكها أو تردها.
• الأرش: هو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب. (أو قيمة هذا العيب وهو قسط ما بين قيمته صحيحاً ومعيباً).
مثال: اشتريت سيارة بعشرة آلاف، فوجدت فيها عيباً، فصارت قيمتها بالعيب سبعة آلاف ريال، فيصير قيمة العيب ثلاثة آلاف ريال وهذا هو الأرش.
• وقول المصنف ﵀ (بين ردهِ وإمساكِه) ظاهره أنه لو أمسكها فإنه يمسكها من غير أرش.
وقد اختلف العلماء في هذ المسألة:
القول الأول: أن له الأرش إن أمسك السلعة.
وهذا المذهب.
قالوا: إن الثمن في مقابل المبيع عيناً وصفة، ولذلك العين الرديئة لها ثمن، والعين السليمة لها ثمن.
القول الثاني: أنه لا أرش، فلا يجبر البائع على دفع الأرش إذا أمسك المشتري.
وهذا ما مشى عليه المصنف هنا، وهو اختيار ابن تيمية ﵀.
لأن الأرش معاوضة جديدة لا يجبر عليها البائع إلا باختياره ورضاه.
القول الثالث: التفصيل: إن كان البائع مدلساً (عالماً بالعيب وكتمه) فإن المشتري يثبت له الأرش، وأما إذا كان لا يعلم بالعيب فلا أرش، لأن البائع دخل في هذا العقد على بينة، لأنه يعلم أن المشتري سوف يطالبه بالنقص، وهذا القول هو الراجح.
• قوله (لم يعلم عيبَه) مفهومه أنه لو علم فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة من الأمر ورضي بالعيب.
• لو اختلف البائع والمشتري فيمن حدث عنده العيب؟
مثال: لو اشترى سيارة، وبعدما ذهب بها رجع وقال: السيارة فيها عيب، فقال البائع: العيب حدث عندك؟ وقال المشتري بل العيب من عندك؟
مثاله: باعه عبداً ثم ادعى المشتري أن به عيباً (هو عرج مثلاً).
стр. 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اختلف العلماء:
القول الأول: القول قول المشتري.
لان الأصل عدم قبض الجزء الفائت بالعيب.
وهذا المذهب
القول الثاني: أن القول قول البائع.
لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (إذا اختلفا المتبايعان وليس بينهما بينة، فالقول قول البائع).
أن الأصل السلامة.
أن النبي ﷺ قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (فالمدعي هنا المشتري فليأت ببينة).
أن دعوى المشتري وجود العيب تستلزم استحقاق الفسخ والأصل عدم الفسخ.
وهذا القول هو اختيار ابن تيمية وهو الراجح.
стр. 676
م/ فإن تعذر ردهُ تعين أرشُه.
أي، فإن تعذر رد المبيع فهنا يتعين الأرش.
مثال: اشترى سيارة، ثم احترقت هذه السيارة، ثم تبين له بعد ذلك أن هذه السيارة التي احترقت كانت معيبة (كما لو اخبره شخص بأنها مصدومة) فان للمشتري على البائع الأرش، وليس له الرد، لأن السيارة قد احترقت، فله الأرش لتعذر الرد.
خيار اختلاف المتبايعين في الثمن.
стр. 677
م/ وإذا اختلفا في الثمنِ تحالفا، ولكلٍ منهما الفسخ.
ما ذكره المصنف ﵀ هو خيار اختلاف المتبايعين في الثمن (في قدر ثمن المبيع)
مثال: اشتريت هذه الساعة منك، فلما جئت لأنقده الثمن، أعطيته (١٠٠) ريال، فقال البائع: أنا بعتها عليك بـ (١٢٠) ريال، والمشتري يقول اشتريتها بـ (١٠٠) والبائع يقول بعتها بـ (١٢٠) فمن القول قوله؟
يقول المصنف: تحالفا؟ لماذا؟
وكيفية الحلف: نص الفقهاء أنه يبدأ بيمين البائع لأن القاعدة في الأيمان أنه يبدأ بيمين أقوى المتداعيين، وأقواهما البائع لأن المبيع يرد عليه.
يحلف البائع بالنفي والإثبات، يبدأ بالنفي لأن الأصل في اليمين أنها للنفي، يحلف فيقول والله ما بعت الكتاب بـ (١٠٠) والله لقد بعته بـ (١٢٠) ثم يقول المشتري والله ما اشتريت الكتاب بـ (١٢٠) والله لقد اشتريته بـ (١٠٠) ثم يفسخ العقد إذا لم يرض بقول صاحبه، فترد البسيارة للبائع والثمن للمشتري.
وما ذكره المصنف ﵀ هذا هو المشهور من المذهب.
واستدلوا بما روي عن النبي ﷺ (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا) هذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له.
وقالوا: لأن كلا منهما مدعٍ ومنكر، والقاعدة أن اليمين على المنكر، البائع يدعي أن القيمة ١٢٠ وينكر أن القيمة ١٠٠ - والمشتري يدعي أن القيمة ١٠٠ وينكر أن القيمة ١٢٠، فهنا يتحالفا ويفسخ العقد.
القول الثاني في المسألة: أن القول قول البائع، أو يترادان البيع (يعني إذا رضي المشتري بقول البائع فذاك وإلا فسخ البيع من غير بينة ولا شيء).
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
لحديث ابن مسعود. قال: قال ﷺ (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، فالقول قول البائع، أو يترادان) رواه أبوداود وأحمد.
ولان البائع لم يرض بإخراج هذا المبيع عن ملكه إلا بهذا الثمن، فكيف نجبره على قبول ما هو أقل.
• وإذا اختلفا في قدر الثمن والسلعة تالفة (كما لو اشترى شاة، فماتت، ثم جاء لينقد البائع المبلغ، فأعطاه (٥٠٠) ريال، فقال البائع: لا، أنا بعتها عليك: ٦٠٠ ريال.
فقيل: يتحالفان، وقيل: القول قول المشتري وهذا هو الصحيح، لأن المشتري معه الأصل. (البائع يقول بعتها ١٢٠، والمشتري يقول اشتريتها: ١٠٠، فهم إذاً اتفقوا على (١٠٠) واختلفوا في الزائد وهو (٢٠)، والذي ينكر الزيادة هو المشتري، والقول قول المنكر مع يمينه (وهذه قاعدة: أن القول قول المنكر مع يمينه)، وهناك قاعدة ثانية (أن القول قول الغارم مع يمينه) والغارم هنا هو المشتري.
стр. 678
باب الإقالة
م/ وقال ﷺ (من أقال مسلماً بيعتَه أقال الله عثرتَه) رواه أبوداود وابن ماجه.
الإقالة: هي أن يرضى أحد المتبايعين بفسخ العقد إذا طلبه صاحبه.
مثال: اشتريتُ منك سيارة بـ (٢٠) ألف، وبعدما أخذتها، أحببت أن أرد السيارة، فرجعت للبائع وطلبت منه أن أرجع السيارة ويعطيني ما دفعت، فوافق البائع.
حكمها للمقيل (البائع) سنة، لحديث أبي هريرة - الذي ذكره المصنف، قال: قال رسول الله ﷺ (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته) رواه أبوداود.
وعند ابن ماجه ( .. أقال الله عثرته يوم القيامة). ﴿عثرته﴾ أي غفر الله زلته وخطيئته.
ولأن ذلك من الإحسان والله يقول (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
هي فسخ لا عقد جديد.
ومعنى الفسخ: أن العقد الأول يكون ثابتاً، ويكون الفسخ من حين الإقالة.
وعلى هذا فما حصل من نماء بين الإقالة والعقد يكون للمشتري، وما حصل من عيب يكون عليه.
• هل تصح الإقالة بعوض؟ مثال: اشتريت من أحمد بيته بنصف مليون، بعد يومين تندمت على الشراء، فجئت إليه وقلت: أنا تندمت على الشراء، أقلني، أريد فسخ البيع، فقال البائع (وهو أحمد) لا، فالبيع تم ولا أريد الإقالة، إلا أن تعطيني عشرة آلاف، اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أن الإقالة لا تجوز بعوض.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأن العقد إذا ارتفع بفسخه رجع كل من المتبايعين بما كان له، فلم تجز الزيادة على الثمن.
القول الثاني: أنها تجوز بعوض.
وهذا القول روي عن أحمد.
وهذا الأقرب، وذلك لأن الإقالة لما كانت فسخاً للعقد، فإن هذا العوض بمثابة الصلح بينهما.
стр. 679
باب السلم
م/ يصح السلمُ في كلِ ما ينضبِط بالصفة إذا ضبطه بجيمع صفاته التي يحتلف بها الثمن، وذكر أجله، وأعطاه الثمن قبل التفرق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
والسلم: هو: عقد على موصوف في الذمة مؤجل، بثمن مقبوض في مجلس العقد.
[عقد على موصوف] خرج به العقد على معين، فليس بسلم. [مؤجل] لا بد أن يكون هناك تأجيل. [بثمن مقبوض في مجلس العقد] لا بد أن يقبض الثمن كاملاً في مجلس العقد.
• وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوه).
وأما السنة: فللحديث الذي ذكره المصنف ﵀ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ
(قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ).
[في كيل معلوم] أي إذا كان مما يكال كالتمر [وزن معلوم] إذا كان مما يوزن كالتوت.
قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز".
وقال الحافظ في الفتح: "واتفقوا على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب".
مثاله: أن أعطي رجل ١٠٠ ريال، على أن يعطيني بعد سنة ١٠٠ كيلو من الأرز.
• الحكمة منه:
من أجل التوسعة، لأن الإنسان يحتاج إلى نقود وعنده تمر أو صنعة تتأخر، فيحتاج إلى شراء أدوات لصنعته أو ثمرته.
فالزارع يبدأ زرعه في شهر ربيع الثاني مثلاً، ولا يحصده إلا في شهر شعبان أو بعده، ففي هذه المدة هو بحاجة إلى دراهم لشراء البذور أو نفقة عماله أو عياله، أو آلاته، وأنت عندك دراهم لست بحاجة إليها، فتقول له: أنا أشتري منك براً بأنقص من قيمته [مثلاً يساوي الصاع ريالين، وأنت تقول: أشتريه الآن بريال] فكل منكما انتفع، فالأول احتاج المال وأخذه، والثاني اشتراه رخيصاً.
• قوله (يصح السلمُ في كلِ ما ينضبطُ بالصفة) هذا ضابط فقهي، كل ما ينضبط يصح فيه السلم، هذا الشرط الأول، ففي المكيل بمقدار المكيل وفي الموزون بمقدار الوزن، وفيما عدا ذلك بالأوصاف.
لأن ما لا يمكن ضبطه بالصفة يؤدي إلى التنازع والخصام بين المُسلِم والمُسلَم إليه.
لو قال المزارع للتاجر: أنا بحاجة إلى نقود للقيام على مزرعتي وأنا أريد أن اتفق معك على عقد سلم، فأعطيك ١٠٠ كيلو من السكري الذي صفته كذا وكذا مقابل عشرة آلاف ريال، فيسلم المبلغ الآن والتمر إذا جاء وقته سلمه إليه، (يحدد موعد معين أو إلى موسم التمر).
والسبب: لئلا يكون سبب نزاع عند التسليم، فقد يقول التاجر: أنا ما أردت هذا، ويقول المسلم (المزارع) هذا الموجود، فيحصل نزاع.
مثلا: أريد ألف إبريق مثل هذا الإبريق، أو ١٠٠ سطل مثل هذا السطل.
• فما لا يمكن ضبطه بالصفة فلا يصح السلم فيه، مثل الفواكه والبرتقال، لأنها تختلف بالكبر والصغر فلا يمكن ضبطها بالصفة.
• قوله (وذِكْر أجلهِ) هذا الشرط الثاني، لابد أن يكون الأجل معلوماً.
لقوله ﷺ في الحديث (إلى أجل معلوم) كشهر أو شهرين أو أكثر أو أقل بحسب الاتفاق.
فلا يصح أن يكون مجهولاً. لو قال: أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع من البر إلى مقدم زيد، فهذا لا يجوز، لأن مقدم زيد غير معلوم.
стр. 680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• واختلف العلماء لو قال: إلى الجذاذ أو إلى الحصاد على قولين:
القول الأول: لا يصح.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
قالوا: لأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز.
القول الثاني: أنه يصح.
وهذا مذهب مالك واختيار ابن تيمية.
قالوا: إنه أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة، وهذا القول هو الصحيح.
• اختلف العلماء في الإسلام في الحيوانات على قولين؟ مثال: أن أعطيك ألف ريال على أن تعطيني بعد سنة ٢٠ رأس من الغنم صفتها كذا وكذا.
القول الأول: لا يصح السلم في الحيوان.
وهذا قول أصحاب الرأي.
لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ نهى عن السلم في الحيوان) رواه الحاكم والدارقطني وهو ضعيف.
وقالوا: لأن الحيوان يختلف اختلافاً متبايناً فلا يمكن ضبطه.
القول الثاني: أنه يصح السلم في الحيوان.
وهذا قول جمهور العلماء. (مالك والشافعي وأحمد).
قالوا: قياساً على القرض، فقد روى مسلم عن أبي رافع (أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطوه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء).
стр. 681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا القول هو الصحيح.
• قوله (وأعْطاهُ الثمن قبل التفرق) هذا الشرط الثالث من شروط السلم، وهو أن يكون الثمن مقبوضاً في مجلس العقد، وهذا موضع إجماع بين العلماء.
لقوله ﷺ (من أسلف في شيء فليسلف … ) والإسلاف التقديم، سمي سلفاً لما فيه من تقديم رأس المال.
ولأنه يصير من بيع الديْن بالديْن.
• فإذا تفرقا قبل قبضه بطل.
• من الشروط التي لم يذكرها المصنف ﵀ أن يكون المسلم فيه عام الوجود.
قال ابن قدامة: "لا نعلم فيه خلافاً".
وذلك لأنه إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه (أن القدرة على التسليم شرط، ولا يتحقق إلا إذا كان عام الوجود).
مثال: لو أسلم إليه (١٠٠) ريال بمائة كيلو عنب يحل في وسط الشتاء، لم يجز، لأن المسلَم فيه لا يوجد وقت حلول الأجل، إلا إذا أريد عنب يحفظ في برادات صح، لوجوده في زماننا هذا، ومثله السلم في الرطب إلى وسط الشتاء.
• هل يشترط كون المسلَم فيه موجوداً حال السلم أم لا؟ الصحيح - وهو قول أكثر العلماء - أنه لا يشترط، لأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون السنة والسنتين، فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ........ ) ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين.
ولأنه ليس وقت وجوب التسليم.
стр. 682
م/ وقال ﷺ (من أخذَ أموال الناسِ يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري.
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (من أخذَ أموال الناسِ يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) ليستدل به على جزاء من أخذ أموال الناس يريد أداها أو إتلافها.
• قوله (من أخذَ أموال الناسِ) هذا عام في أخذ الأموال عن طريق القرض، أو البيع إلى أجل، أو الشركة، أو العارية، أو أي معاملة من وجوه المعاملات الأخرى.
• قوله (يريد أداها) أي: عند أخذه لها كانت نيته الوفاء والأداء مما يرزقه الله تعالى.
• قوله (أدى الله عنه) تأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يعينه الله يوسع رزقه، ويسوق له من المال ما يقضي به دينَه لحسن نيته، ويشمل أداءها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء الله، فإن فاته الأول في دار الدنيا لم يفته الثاني - إن شاء الله - في الدار الآخرة لحسن نيته.
• قوله (ومن أخذها يريد إتلافه) أي: عند أخذه لها لم تكن نيته الوفاء، بل يريد إتلاف ما أخذ على صاحبه، وهو يشمل ما إذا إدّان وليس عنده نية الوفاء، أو أخذها بلا حاجة وإنما يريد إتلافها على صاحبها.
• قوله (أتلفه الله) في الدنيا بإتلاف الشخص نفسه وإهلاكه، ويدخل فيه إتلاف ماله وجاهه وطيب عيشه وتضييق أموره وتعسير مطالبه.
• الحديث فيه الترغيب في حسن النية عند الاستدانة من الناس.
وللمدين حالات:
الحالة الأولى: إذا أخذ الدين بنية عدم الوفاء، فإنه آثم سواء مات ولم يوفه أو أعسر في حياته، فإنه يؤاخذ يوم القيامة، لأنه غير معذور بالاستدانة، ولأنه قصد استهلاك مال المسلم بغير وجه حق، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال الله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ … ).
стр. 683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما يدل على ذلك أيضاً حديث أَبي هُرِيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيتَحَلَّلْه مِنْه الْيوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَملٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقدْرِ مظْلمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري
وعنه. قال: قال ﷺ (أَتَدْرُون من الْمُفْلِسُ؟ قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ) واه مسلم.
وعن أَبِي هريرة ﵁ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قال (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقيامَةِ حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاء) رواه مسلم.
فهذه الأحاديث تبين عظمة حقوق الغير، سواء كانت في النفس، أو في العرض، أو في المال، وأن من ظلم مسلماً في شيء منها فإنه مؤاخذ به يوم القيامة، وأن الله يقتص منه لخصمه، وأن هذا الأمر سبب عظيم لدخول النار كما نصت عليه الأحاديث.
الحالة الثانية: إذا كان الدين في مباح وبنيته الوفاء، فإن مات قبل الوفاء من غير تقصير منه، فإن الله يقضي عنه دينه يوم القيامة، فيعوض دائنيه فضلاً منه وتكرماً، وأما المدين فلا مؤاخذة عليه لعدم تقصيره أو تفريطه.
قال ابن حجر: "من مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يُعسر مثلاً ........ وكانت بنيته وفاء دينه، ولم يوفَ عند في الدنيا، .... الظاهر أنه لا تبِعة عليه والحالة هذه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب".
وقال ابن عبد البر: "ومن أدَان في حق واجب لفاقة أو عسرة، ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة - إن شاء الله - لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء".
стр. 684
باب الرهن والضمان والكفالة
م/ وهذه وثائق بالحقوق الثابتة.
أي هذه عقود توثقة، لأن صاحب الدين يحتاج إلى توثيق حقه ودينه ليضمن حقه، فالرهن والضمان والكفالة عقود ليوثق صاحب الدين دينه. (وكذلك الكتابة والشهادة). (تسمى عقود التوثيق).
مثال: كأن أبيع منزلي على شخص إلى أجل، فأطلب رهناً لأضمن حقي، أو أطلب ضماناً أو أطلب كفيلاً.
تعريف الرهن: هو توثقة دينٍ بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضها.
وإذا الدين أكثر من العين المرهونة فإنه يمكن استيفاء بعضه منها.
وإذا كان الدين بقدر العين فإنه يمكن استيفاؤه كله منها.
• الحكمة منه: توثقة الدين، فكما أن الدين يوثق بالشهود طمأنينة لقلب الدائن حفاظاً لحقه فكذلك يوثق بالرهن.
• والرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة).
وعن عائشة. (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) متفق عليه
وقال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الرهن.
• الرهن جائز في الحضر والسفر.
стр. 685
م/ فالرهن يصح بكلِ عينٍ يصح بيعُها.
أي: فكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
لأن الرهن إذا كان مما لا يصح بيعه - كالخمر، والكلب والوقف - فإنه لا يمكن الاستيفاء منه إذا تعذر السداد.
مثال: أقرضت شخصاً (١٠٠) ريال، وقلت له أعطني رهناً، فقال: أعطيك كلب صيد، فهذا لا يجوز، لأن الكلب لا يجوز بيعه، لأن مقصود الرهن لا يحصل منه.
• يصح رهن السيارات والساعات والفرش والطاولات وكل شيء يجوز بيعه.
• لا يصح رهن المجهول، وكذلك لا يصح رهن الوثائق الرسمية كبطاقة الأحوال وجواز السفر ونحوهما، لأن هذه الوثائق الرسمية لا يمكن بيعها عند تعذر استيفاء الديْن.
стр. 686
م/ فتبقى أمانة عند المرتهن لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط كسائر الأمانات.
أي: تكون العين المرهونة أمانة عند المرتهن، لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط، فإذا احترقت أو سرقت من غير تعد ولا تفريط فإنه لا يضمنها.
مثال: إنسان أخذ السيارة رهناً، لكن قدر أنها سرقت، فلا يضمنها لأنه لم يتعد ولم يفرط.
مثال آخر: إنسان أخذ كتاباً رهناً، ووضع الكتاب في مكان آمن مع كتبه، لكن هذا الكتاب سرق، فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط.
• التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب (في الحفظ).
• فإن فرط أو تعدى فإنه يضمن.
مثال: أخذ كتاباً رهناً ووضعه في الحوض، فجاء المطر فأتلفه، فهنا يضمن الكتاب لأنه مفرط.
مثال آخر: أخذ السيارة رهناً، فاستعملها ففعل حادثاً فيها، فإنه يضمن، لأنه تعدى، لأن هذه السيارة أمانة عنده، والأمانة صفتها لا تستعملها ولا تقصر في حفظها.
• قاعدة (كل من قبض مال غيره بإذن من الغير أو من الشارع فهو أمانة عنده فلا يضمن إلا بتعد أو تفريط).
стр. 687
م/ فإن حصل الوفاءُ التام انفكَ الرهن.
معنى الوفاء التام: تسديد المبلغ بكامله، فإذا سدد المبلغ كاملاً انفك الرهن.
ومعنى: انفك الرهن: أن يسلمه المرتهن إلى الراهن (وهو صاحبه الأصلي).
стр. 688
م/ وإن لم يحصل.
أي: إن لم يحصل الوفاء التام، وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: لم يحصل الوفاء أصلاً.
الصورة الثانية: أو حصل الوفاء وبقي بقية.
стр. 689
م/ وطلب صاحب الحق بيع الرهن وجب بيعه والوفاء من ثمنه، وما بقي من الثمن بعد وفاء الحق فلربه.
أي: إذا لم يحصل الوفاء من الراهن وطلب صاحب الحق وهو المرتهن بيع الرهن وجب بيعه، والذي يقوم ببيعه هو القاضي.
فالخلاصة: إذا حل الدين ولم يحصل الوفاء، وطلب صاحب الحق بيع الرهن:
فإن كان الراهن أذن للمرتهن في بيعه باعه ووفى دينه.
وإن لم يأذن فإنه ترفع القضية للحاكم فيجبره الحاكم على أمرين: وفاء الدين أو بيع الرهن، فإن أبى فإنه يبيعه الحاكم ويوفي دينه.
• لو قال صاحب الرهن للمرتهن إذا حل الأجل ولم أوفك فالرهن لك ووافق على ذلك المرتهن، فهل يجوز أم لا؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنه لا يجوز.
لحديث (لا يغلق الرهن على صاحبه) رواه الدارقطني.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: أنه يجوز.
وهذا اختيار ابن القيم وهو الصحيح.
لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
ولحديث (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حل حراماً أو حرم حلالاً).
وأما حديث (لا يغلق الرهن على صاحبه .. ) فمعناه:
أولاً: أن المرتهن يأخذ الرهن ويستعمله فيأخذ أجرته إن كان يؤجر ومنافعه إن كان ينتفع به ولا يكون للراهن منها شيء، وهذا إغلاق، لأنك حِلت بينه وبين صاحبه.
ثانياً: أنه إذا حل الدين ولم يوفِ الدين أخذه المرتهن رغماً عن أنف الراهن سواء كان ذلك بقدر الدين أو بأقل أو بأكثر، وهذا إغلاق، لأنك منعتَ صاحبه منه، وكلا الصورتين حرام وأكل للمال بالباطل.
стр. 690
م/ وما بقي من الثمن بعد وفاء الحق فلربه.
أي: ما بقي من ثمن (الرهن) بعد بيعه وأخذ المرتهن يرجع لربه وصاحبه وهو الراهن.
مثال: الدين ٥٠ ألف، والرهن سيارة، فلما حل الأجل لم يسدد الراهن، فهنا تباع السيارة، فلما بعناها وجدناها تساوي ٦٠ ألف، يأخذ المرتهن ٥٠ ألف ويرجع الباقي - وهو عشرة آلاف - للراهن.
• فإن كانت السيارة تساوي ٤٠ ألف، تبقى عشرة آلاف ديناً على الراهن.
стр. 691
م/ وإن أتلف الرهنَ أحدٌ فعليه ضمانُه.
فعليه ضمانه: إما بالمثل إن كان له مثل كما لو كان الرهن (٥٠) كيساً من الأرز نوع معين، فهنا يضمن (٥٠) كيس من الأرز.
وإما بالقيمة: إذا لم يمكن التضمين بالمثل.
стр. 692
م/ ونماؤهُ تبع له.
أي: ونماء الرهن تبع للرهن.
فالرهن إذا كان له نماء، فهذا النماء يكون للراهن، لكن هذا النماء يكون تبعاً للرهن.
مثال: لو كان الرهن شاة، فهذه الشاة في مدة الرهن جاءت بولد، فهذا الولد تبع للشاة (وتكون ملك للراهن) لكن يكون الولد يكون تبع الرهن، فليس للراهن أن يأتي للمرتهن ويقول سلم لي الولد، أنا رهنت الشاة ولم أرهن الولد، الجواب: لا، نماء الرهن تبع له، لأن هذا فرع عن أصل، والفرع تبع للأصل.
стр. 693
ومؤنتُه على ربهِ.
أي: ومؤنة الرهن على ربه وهو الراهن (المدين). من مأكل ومشرب وحفظ وصيانه، لأن المال ماله.
لو فرض أن الرهن شاة، فطعامها وشرابها وحفظها على الراهن وليس على المرتهن شيء، لأن المال ماله فوجب عليه حفظه.
стр. 694
م/ وليس للمرتهن الانتفاعُ به إلا بإذن الآخر أو بإذن الشارع في قوله ﷺ (الظهرُ يركب بنفقتهِ إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يُشربُ بنفقتهِ إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) رواه البخاري.
أي: يحرم على المرتهن أن ينتفع بالرهن، وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
الأولى: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه، فهذا لا يجوز الانتفاع به بغير إذن الراهن.
قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً.
كالسيارة، فلا يجوز أن ينتفع المرتهن بها إلا بإذن من الراهن.
الثانية: إذا كان مركوباً أو محلوباً، فإنه يجوز للمرتهن الانتفاع إذا قام بنفقته ولو لم يأذن المالك، ويكون الانتفاع بقدر النفقة (وهذا مراد المصنف ﵀ بقوله: بإذن من الشارع).
كأن يكون الرهن دابة (بعيراً) واحتاج المرتهن إلى الركوب، فإنه يركبه ولو لم يستأذن من الراهن، لأن الشارع هو الذي أذن له، لأن الشارع جعل الانتفاع مقابل النفقة.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث أبي هريرة - الذي ذكره المصنف - (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) رواه البخاري.
مسألة: هل القبض شرط للزوم أم لا؟ مثاله: قلت لشخص: بعتك سيارتي بشرط أن ترهنني هذه الساعة، قال: قبلت (ولم يقبض المرتهن الساعة).
القول الأول: أن قبض الرهن شرط للزوم.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
стр. 695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى هذا القول: فإن للراهن أن يتصرف بالرهن (وهو الساعة كما في المثال السابق) بيعاً أو هبة لأنه لم يقبضه.
لقوله تعالى (فرهان مقبوضة). وعلى هذا الرهان التي لم تقبض لا أثر لها ولا تنفع.
واستدلوا بحديث النبي ﷺ (الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً ..... ) فالحديث ظاهر في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن.
وقالوا: إن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي أقبضه أياه، فالرسول ﷺ أقبض اليهودي الدرع، ولو لم يكن القبض شرطاً لما أقبضه إياه.
القول الثاني: أن القبض ليس شرطاً للزوم، بل يلزم الرهن بمجرد عقد الرهن.
وعلى هذا القول فلا يجوز للراهن أن يتصرف فيه، ولو تصرف فيه فإن تصرفه غير صحيح.
وهذا مذهب المالكية وهو اختيار ابن تيمية ﵀.
لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وعقد الرهن تام بالاتفاق فيجب الوفاء به.
ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً). والعقد عهد وقد تعاقدا على الرهن فيجب الوفاء به.
ولحديث (المسلمون على شروطهم) وجه الاستدلال: أنه لما شرط عليه الرهن وقَبِل هذا الرهن فإنه يجب العمل بمقتضاه، ومقتضاه عدم التصرف فيه بغير إذن المرتهن.
ولقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عليه، ولهذا أكد الله تعالى على المؤتمن أن يؤدي أمانته حيث أمره بالأداء وبتقوى الله.
فهذا المرتهن الذي شرط الرهن وتركه عند الراهن قد ائتمنه عليه وتركه عنده، وإذا كان قد ائتمنه عليه فإنه يجب الوفاء بما يقتضيه الرهن وهو أن يبقى عنده أمانة.
وقالوا: إن القول باشتراط القبض يؤدي إلى الخصومة والنزاع وفتح باب التحايل، لأن هذا الشخص إذا عقد العقد وعلم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض فإنه سيعقد هذا العقد ويتحايل في تأخير قبض الرهن ثم بعد ذلك يتصرف فيه ببيع أو غيره، فينشأ عن ذلك النزاع والخصومة.
وهذا القول هو الراجح، وأما الجواب عن الآية (فرهان مقبوضة .. ) فقالوا: إن الله لم يذكر في الآية القبض على وجه الإطلاق، وإنما ذكره في حال معين وهو السفر، فهنا لا يمكن التوثقة إلا برهن مقبوضة، لأنك إذا لم تقبض الرهن وليس بينكما مكاتبة صار ذلك عرضة بأن يجحدك الراهن، ومما يدل على ذلك بقية الآية (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته) فهذا يدل على أنه إذا حصل الائتمان بيننا فإننا يجب أن نعتمد على أداء الأمانة سواء حصل القبض أم لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها.
стр. 696
باب الضمان والكفالة
م/ والضمانُ أن يضمنَ الحق عن الذي عليه.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الضمان، وهو لغة: مشتق من الضِّمْن، ضمن الشيء ضمناً.
وشرعاً: أن يضمنَ الحق عن الشخص الذي عليه الحق.
أو التزام الإنسان نفسه ما وجب أو ما قد يجب على غيره.
مثال ما وجب: أن ترى شخصاً ممسكاً بشخص يريد أن يحاكمه ويدفعه إلى ولاة الأمور لأنه يطلبه مال، فتأتي أنت وتقول لهذا الطالب أنا ضامن فلان.
مثال ما يجب: أن يقول لك شخص إني أريد أن أشتري من فلان سيارة وهو لا يعرفني، فأريدك أن تضمنني في قيمتها.
وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) أي ولمن جاء بصواع الملك الذي فقد (حِملُ بعير) أي: ما يحمله من الطعام (وأنا به زعيم) أي كفيل ضامن.
وعن أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (الزعيم غارم) رواه أبوداود.
ولحديث جابر قال (كان النبي ﷺ لا يصلي على رجل عليه ديْن، فأتيَ بميّت، فسأل عنه (هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم؟ فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله، فصلى عليه .. ) رواه أبو داود.
قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الضمان.
• فالضمان بالنسبة للمضمون عنه والمضمون له جائز، فيجوز للإنسان أن يطلب شخصاً يضمنه، ويجوز للبائع أن يطلب من المشتري ضامناً.
وأما بالنسبة للضامن فهو مستحب، لأنه من الإحسان، والله تعالى يقول (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) لكن هذا مقيد بقدرة الضامن على الوفاء، فإن لم يكن قادراً على الوفاء لم يستحب الضمان في هذه الحال، لأن فيه ضرراً عليه، ولا ينبغي لمسلم أن يتحمل عن غيره ما فيه ضرر عليه.
• وأركانه ثلاثة: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له.
الضامن: هو المتحمل.
المضمون عنه: هو المتحمل عنه. (وهو المشتري).
المضمون له: المالك له. (وهو البائع).
стр. 697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• شروط الضمان:
أولاً: أن يكون من جائز التصرف: لأن الضمان تبرع بالتزام حق مالي فلا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله. (تقدم تعريف جائز التصرف وهو: البالغ العاقل الحر الرشيد).
ثانياً: رضا الضامن، لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا
ثالثاً: أن يكون الدين معلوماً أو مآله إلى العلم. مثاله: أن يقول الضامن: أنا أضمن دين هذا الشخص وكان الدين الذي عليه ألف ريال.
لكن لو قال: للناس أنا ضامن لكل ما يشتريه هذا الشخص، فهذا فيه جهالة يحدث بسببها النزاع، وكل ما يؤدي إلى الجهالة والنزاع فإنه لا يصح.
• واختلف العلماء هل لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، أو لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه على قولين:
القول الأول: أن لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما.
وهذا مذهب الجمهور.
قالوا: لأن الحق ثابت في ذمتهما فله مطالبة من شاء منهما.
وقد قال النبي ﷺ (الزعيم غارم) والزعيم هو الضمين، والغُرم: أداء شيء يلزمه.
القول الثاني: لا يجوز لصاحب الحق أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه.
وهذا القول هو الصحيح وقوى هذا القول ابن القيم واختاره الشيخ السعدي ﵀.
لأن الضامن محسن وقد قال الله تعالى (ما على المحسنين من سبيل) فليس لنا عليه من سبيل وهو محسن إلا أن يتعذر الحق.
ولأن المضمون أصل والضامن فرع، وإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يُستغنى به عن الفرع.
ولأنه من المستقبح أن يطالب الضامن بالحق الذي هو على غيره مع القدرة على استيفاء الحق ممن هو عليه.
• هل يجوز أخذ الأجر على الضمان؟ مثال: ذهبت إلى زيد وقلت له: أريدك أن تضمنني عند فلان؟ فقال زيد: لا مانع عندي، لكن أضمنك بألف ريال.
الجواب: لا يجوز أخذ الأجر على الضمان لأمرين:
الأمر الأول: أن الضمان من باب الإحسان والمعروف الذي يُبذل ابتغاء وجه الله.
الأمر الثاني: أن أخْذ العوض يستلزم أن يربح فيما إذا وفىّ عن المضمون عنه ثم أخذ الحق منه، فيصير كالقرض الذي جر نفعاً.
• الضمان عقد لازم، فليس للضامن أن يرجع عن ضمانه، فلا يملك الرجوع.
стр. 698
م/ والكفالة: أن يلتزم بإحضار بدن الخصم.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الكفالة وهي: أن يلتزم بإحضار بدن الخصم.
• فهي ضمان لإحضار بدن من عليه ديْن.
مثال: رجل أقرض شخصاً مائة ريال، فجاء رجل فكفل الرجل، فلما حل الأجل جاء الغريم إلى الكفيل وقال: أعطني حقي، فقال الكفيل: خذ هذا المكفول.
• وعلى هذا فالفرق بين الضمان والكفالة: أن الضمان يتعلق بالأموال، والكفالة تتعلق بالأبدان.
والدليل على الكفالة:
قوله تعالى عن يعقوب (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ).
وقال ﷺ (الزعيم غارم) والزعيم لفظ عام يطلق على الكفيل وعلى الضمين، ومعنى (غارم) أي ملزم نفسه بما ضمن.
• الفرق بين الضمان والكفالة:
أولاً: أن الضمان يتعلق بالدين والكفالة تتعلق بالبدن.
ثانياً: أن الكفيل يبرأ بموت المكفول أو تلف العين المكفول بها، والضامن لا يبرأ بموت المضمون.
ثالثاً: أن الكفالة تصح مؤقتة ولا يصح الضمان مؤقتاً.
رابعاً: أنه يصح ضمان دين الميت دون كفالته.
• لا تصح الكفالة في الحدود:
وهذا مذهب أكثر العلماء.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ (لا كفالة في حد) رواه البيهقي وهو ضعيف.
ولأنه حد لا يمكن استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول له.
• وتنقلب الكفالة إلى ضمان إذا تعذر إحضار المكفول مع حياته، فإن الكفيل يضمن ما عليه من دين لقول النبي ﷺ : الزعيم غارم.
стр. 699
م/ فكلٌ منهُما:
أي الضامن والكفيل.
стр. 700
ضامن.
فالضامن ضامن للحق (المال)، والكفيل ضامن للبدن.
стр. 701
م/ إلا.
أي: إلا في حالات لا يضمن، وهذه الحالات ذكرها المصنف ﵀ بقوله:
стр. 702
إن قام بما التزمَ به.
أي إن قام المضمون عنه بما التزم به من الحق أو سلم المكفول نفسه، فهنا ينتهي الضمان.
فإذا قضى المضمون الدين الذي عليه فقد برئ الضامن.
стр. 703
م/ أو أبرأه صاحب الحق.
أي: إذا أبرأ صاحب الحق (وهو المضمون له) أبرأ الضامن فهنا يبرأ الضامن ويبقى الحق على المضمون.
كأن يقول التاجر: أبرأتك يا ضامن، وأكتفي بصاحب الحق.
لأنه أبرأه من الضمان فقط (يعني من الوثيقة) أما الدين فهو متعلق بصاحب الحق.
стр. 704
م/ أو برئ الأصيل.
أي: إذا أبرأ التاجر المضمون عنه (وهو من عليه الحق) فإنه ذمة الضامن تبرأ.
لأنه إذا برئت ذمة المضمون عنه لم يبق هناك شيء يضمن، ولأنه إذا برئ الأصل برأ الفرع.
• لكن لو أبرأ الضامن فإنه لا يبرأ المضمون عنه، لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع، والقاعدة: إذا برئَ الأصل برئ الفرع لا العكس.
• إذا استوفى المضمون له من الضامن فإنه يرجع على المضمون عنه إذا نوى.
وهذه المسألة له أحوال:
إذا نوى الرجوع فإنه يرجع.
إذا نوى التبرع (يعني أداه بنية أنه متبرعاً عنه) فهذا لا يرجع، قال في الإنصاف: بلا نزاع، لأنه متطوع بذلك فأشبه الصدقة.
أن يقضي عنه ولم ينو تبرعاً ولا رجوعاً، بل ذَهَل عن قصد الرجوع وعدمه، فالراجح أنه يرجع.
• أما الكفيل فإنه يبرأ بالأحوال التالية:
أن يُسلم الكفيل.
بموت المكفول، لأن إحضاره في هذه الحالة متعذر.
بإبراء المكفول له (صاحب الحق).
إذا سلم المكفول نفسه.
• (إذا برئ المكفول برئ الكفيل لا عكس).
стр. 705
باب الحجر لفلَسٍ أو غيرِه
الحجر لغة: المنع.
وشرعاً: منع الإنسان من التصرف في ماله إما لمصلحته أو لمصلحة الغير.
وينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير:
فيمنع الإنسان من التصرف في ماله فقط، فإذا كان الإنسان مدين، وديْنه أكثر من ماله، حُجر عليه لمصلحة الغرماء، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
الثاني: حجر لمصلحة المحجور عليه (كالحجر على السفيه والمجنون والصغير).
والمصنف ﵀ ذكر النوعين، وبدأ بالحجر على المفلس، فقال:
م/ ومن له الحق فعليه أن يُنظِر المعسر.
أي: إذا كان المدين معسراً لا يستطيع ولا يملك السداد، فإنه يجب على صاحب الحق أن ينظره ويحرم مطالبته.
لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). أي وإن وُجِدَ ذو عسرة (فنظرة) أي فعليكم نظرة إلى ميسرة.
المعسر: هو الذي لا شيء عنده يسدد الدين. فهذا يجب انظاره ويحرم حبسه.
следующие страницы →