Полный текст (1 270 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
م/ إلا.
أي: إلا في حالات لا يضمن، وهذه الحالات ذكرها المصنف ﵀ بقوله:
стр. 702
إن قام بما التزمَ به.
أي إن قام المضمون عنه بما التزم به من الحق أو سلم المكفول نفسه، فهنا ينتهي الضمان.
فإذا قضى المضمون الدين الذي عليه فقد برئ الضامن.
стр. 703
م/ أو أبرأه صاحب الحق.
أي: إذا أبرأ صاحب الحق (وهو المضمون له) أبرأ الضامن فهنا يبرأ الضامن ويبقى الحق على المضمون.
كأن يقول التاجر: أبرأتك يا ضامن، وأكتفي بصاحب الحق.
لأنه أبرأه من الضمان فقط (يعني من الوثيقة) أما الدين فهو متعلق بصاحب الحق.
стр. 704
م/ أو برئ الأصيل.
أي: إذا أبرأ التاجر المضمون عنه (وهو من عليه الحق) فإنه ذمة الضامن تبرأ.
لأنه إذا برئت ذمة المضمون عنه لم يبق هناك شيء يضمن، ولأنه إذا برئ الأصل برأ الفرع.
• لكن لو أبرأ الضامن فإنه لا يبرأ المضمون عنه، لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع، والقاعدة: إذا برئَ الأصل برئ الفرع لا العكس.
• إذا استوفى المضمون له من الضامن فإنه يرجع على المضمون عنه إذا نوى.
وهذه المسألة له أحوال:
إذا نوى الرجوع فإنه يرجع.
إذا نوى التبرع (يعني أداه بنية أنه متبرعاً عنه) فهذا لا يرجع، قال في الإنصاف: بلا نزاع، لأنه متطوع بذلك فأشبه الصدقة.
أن يقضي عنه ولم ينو تبرعاً ولا رجوعاً، بل ذَهَل عن قصد الرجوع وعدمه، فالراجح أنه يرجع.
• أما الكفيل فإنه يبرأ بالأحوال التالية:
أن يُسلم الكفيل.
بموت المكفول، لأن إحضاره في هذه الحالة متعذر.
بإبراء المكفول له (صاحب الحق).
إذا سلم المكفول نفسه.
• (إذا برئ المكفول برئ الكفيل لا عكس).
стр. 705
باب الحجر لفلَسٍ أو غيرِه
الحجر لغة: المنع.
وشرعاً: منع الإنسان من التصرف في ماله إما لمصلحته أو لمصلحة الغير.
وينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير:
فيمنع الإنسان من التصرف في ماله فقط، فإذا كان الإنسان مدين، وديْنه أكثر من ماله، حُجر عليه لمصلحة الغرماء، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
الثاني: حجر لمصلحة المحجور عليه (كالحجر على السفيه والمجنون والصغير).
والمصنف ﵀ ذكر النوعين، وبدأ بالحجر على المفلس، فقال:
م/ ومن له الحق فعليه أن يُنظِر المعسر.
أي: إذا كان المدين معسراً لا يستطيع ولا يملك السداد، فإنه يجب على صاحب الحق أن ينظره ويحرم مطالبته.
لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). أي وإن وُجِدَ ذو عسرة (فنظرة) أي فعليكم نظرة إلى ميسرة.
المعسر: هو الذي لا شيء عنده يسدد الدين. فهذا يجب انظاره ويحرم حبسه.
стр. 706
م/ وينبغي أن يُيَسِّر على الموسر.
أي: يستحب لصاحب الحق أن ييسر على الموسر إما بوضع بعض الدين وأن يحط منه أو إنظاره.
فالتيسير على الموسر يكون بأمرين:
أولاً: بالحط والوضع عن بعض الدين.
ثانياً: إنظاره وتأجيله.
مثال: الدين قدره ألف ريال، فيحط منه فيقول أعطني ٨٠٠ ريال، فهذا يكفيني.
وقد جاءت الأدلة على استحباب التيسير على الموسر.
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
وعَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّهِ ﷺ يقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّه مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواهُ مسلمٌ.
وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ (كَانَ رجلٌ يُدايِنُ النَّاسَ، وَكَان يَقُولُ لِفَتَاهُ: إذا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجاوزْ عَنْهُ، لَعلَّ اللَّه أنْ يَتجاوزَ عنَّا فَلقِي اللَّه فَتَجاوَزَ عنْهُ) متفقٌ عَليهِ.
وعنْ أبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ (من أَنْظَر مُعْسِراً أوْ وَضَعَ لَهُ، أظلَّهُ اللَّه يَوْمَ القِيامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ) رواهُ الترمذيُّ وقَال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
стр. 707
م/ ومن عليه الحق فعليه الوفاء كاملاً بالقدر والصفات.
ذكر المصنف ﵀ الحالة الثانية من حالات المدين، وهو أن يكون عنده مال يستطيع الوفاء، فهذا يجب عليه السداد ويحرم أن يماطل بالحق الذي عليه.
(بالقدر) يعني بالعدد، فالدين ألف يسدده ألف. (والصفات) أي بأن يؤدي الحق الذي عليه بالصفة التي أخذها.
لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وهذا يشمل أصل العقد ووصفه، أي فكما أنه يجب الوفاء بأصل العقد فكذلك يجب الوفاء بصفة العقد.
стр. 708
م/ قال ﷺ (مطل الغني ظلم).
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة (مطل الغني ظلم) ليستدل به على تحريم المماطلة بالسداد.
(المطل) المنع، يعني منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين. (الغني) القادر على الوفاء.
• فالحديث دليل على تحريم المماطلة بالحق، لقوله (ظلم)، فإذا كان ظلم وجب أن يزال، فإن أبى حبس بطلب صاحب الدين لأن الحق له.
وقال ﷺ (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبوداود.
(لي) يعني مطل.
(الواجد) القادر على الوفاء.
(عرضه) أي لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء. (عقوبته) حبسه.
• مفهوم الحديث أن مطل غير الغني ليس بظلم.
стр. 709
باب الحوالة
ثم ذكر المصنف ﵀ الحديث الذي يتعلق بالحوالة وأحكامها، لأنه يرى أن ذلك من التيسير.
م/ قال ﷺ (وإذا أحيل بدينِهِ على مليء فليحتل) والمليء هو القادر على الوفاء، الذي ليس مماطلاً، ويمكن تحضيره لمجلس الحكم.
الحوالة هي: نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
مثال: زيد يطلب عمر مائة ريال، وعمر يطلب خالد مائة ريال، فجاء زيد إلى عمر وقال أعطني حقي فقال عمر: إن لي حقاً عند خالد هو مائة درهم وقد أحلتك عليه.
إذاً تحول الحق من ذمة عمر إلى ذمة خالد.
• والحوالة من عقود الإرفاق، فيها إرفاق للطالب والمطلوب، أما الطالب فوجه الإرفاق في حقه أنه ربما يكون المطلوب ذا صلة بالطالب بقرابة أو غيره فيشق عليه أن يطالبه، فيحيل المطلوب على الثالث فيكون إرفاقاً بالمحيل ﴿الطالب﴾.
أما بالنسبة للمطلوب فلأن الطالب قد يكون سيء المعاملة بالنسبة للمطلوب يضايقه ويكثر الترداد عليه فيتخلص منه بالتحويل إلى ذمة الآخر فيكون إرفاقاً بالمطلوب).
• أركانها:
محيل: وهو من عليه الحق وله حق.
محال: وهو من له الحق.
محال عليه: وهو المطلوب للمحيل.
• هل يجب على من أحيل بحقه أن يتحول أم لا، اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه يجب أن يتحول إذا كان على مليء.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأمر النبي ﷺ بذلك ( .. فليحتل .. ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
القول الثاني: أنه لا يجب بل يستحب.
стр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وقالوا: الحديث محمول على الاستحباب، لأن حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيره بغير رضاه.
والقول الأول هو الصحيح: وهو أنه يجب أن يتحول، لكن بشرط أن يكون على ملئ لقوله ﷺ (على مليء)
• تعريف المليء؟ هو القادر على الوفاء بماله وبقوله وببدنه.
بماله: يكون عنده القدرة على الوفاء، أي: أن يكون عنده مال.
بقوله: ألا يكون مماطلاً.
ببدنه: معناه أن يمكنَ محاكمته شرعاً وعادة (يمكن إحضاره لمجلس الحكم)، فإن لم يمكن إحضاره لمجلس الحكم، فإن المحال لا يلزمه قبول الحوالة.
مثال: كأن يقول أحلتك على أبيك، فإنه هنا لا يلزمه قبول الحوالة لأنه لا يمكن شرعاً إحضار الأب لمجلس لقضاء وقد قال النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك).
وكذلك لو أحاله على أمير البلد، فإنه لا يلزمه قبول الحوالة، لأن أمير البلد لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادة.
• فقوله (على مليء) مفهومه أنه لو أحيل على غير ملئ لا يلزمه الحوالة وذلك لأمرين:
الأمر الأول: لمفهوم الحديث ( .. على ملئ) فمفهومه أنه لو أحيل على غير ملئ فلا يلزمه القبول.
الأمر الثاني: لأن في ذلك ضرراً عليه، وقد قال النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
• أما المحيل فيشترط رضاه، قال الشوكاني: ويشترط في صحة الحوالة رضا المحيل بلا خلاف.
لأن الديْن عليه فلا يلزمه أن يسدد عن طريق الحوالة.
• أما المحال عليه فلا يعتبر رضاه، والسبب: لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه بالقبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.
• إذا تمت الحوالة ماذا يترتب عليها:
إذا تمت الحوالة بأن تمت شروطها، نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبرأ المحيل براءة كاملة، قال الموفق: وهو قول عامة الفقهاء.
وعلى هذا فلو قدر أن المحال عليه افتقر بعد تمام الحوالة، فإن المحال لا يرجع على المحيل، لأن الحق انتقل انتقالة كاملة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
стр. 711
الحجر لمصلحة الغير
م/ وإذا كانت الديونُ أكثر من مالِ الإنسان وطلب الغرماء أو بعضهم من الحاكم أن يحجر عليه: حجر عليه، ومنعه من التصرف في جميع ماله.
ذكر المصنف ﵀ الحالة الثالثة من حالات المديون: وهي إذا كانت ديونه أكثر من ماله.
فإذا كانت ديون الإنسان أكثر من ماله فإنه يحجر عليه، إذا طلب الغرماء ذلك [الغرماء] أصحاب الديون.
• ومعنى الحجر: منع الإنسان من التصرف في جميع ماله (كما قال المصنف ﵀).
وينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير: (وهم الغرماء) وهو الذي بدأ المصنف ﵀ بذكره.
الثاني: وحجر لمصلحة المحجور عليه:
(كالحجر على السفيه والمجنون والصغير).
• بدأ المصنف ﵀ بالقسم الأول وهو الحجر لمصلحة الغرماء، فيمنع الإنسان من التصرف في ماله فقط، فإذا كان الإنسان مدين، وديْنه أكثر من ماله، حُجر عليه لمصلحة الغرماء، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
والدليل على الحجر حديث كعب بن مالك عن أبيه (أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه) رواه الدارقطني.
ولأن في الحجر عليه حماية لحق الدائن، وحماية لذمة المدين، لئلا تبقى ذمته مشغولة بالدين.
стр. 712
م/ ثم يصفي ماله.
أي: أن يباع ما وراءه، فإذا كان عنده دكان تباع البضاعة التي فيه، وإذا كان عنده عقار فإنه يباع.
• البيت الذي يسكنه والسيارة التي يركبها لا تباع، لأن هذه بمثابة الأمور الضرورية.
стр. 713
م/ ويقسمه على الغرماء بقدر ديونهِم.
كيفية التوزيع: أن يُنسب الموجود من مال المفلس إلى الدين ونعطي كل واحد من الغرماء بقدر نسبته.
مثال: إذا كان رجل عليه دين، ومحمد يطلبه ﴿٢٠٠٠﴾ وخالد ﴿٣٠٠٠﴾ وأحمد ﴿٥٠٠٠﴾ المجموع: ١٠٠٠٠، ولم نجد عنده إلا ﴿٥٠٠٠﴾ فيكون التوزيع كالتالي.
ننسب ﴿٥٠٠٠﴾ إلى ﴿١٠٠٠﴾، يخرج النصف فيصير محمد له: ١٠٠٠، وخالد: ١٥٠٠ وأحمد: ٢٥٠٠.
مثال آخر: الديون خمسمائة ألف، كل واحد من الغرماء الخمسة له مائة ألف، فلما أحصينا مال المفلس فإذا هو مائة ألف، انسب الموجود من مال المفلس إلى مال الديون يساوي الخمس، فنعطي كل واحد من الغرماء الخمس (فيأخذ كل واحد منهم عشرون ألفاً).
• قال ابن قدامة: ويستحب أن يحضر المفلس البيع لمعان أربعة: أحدهما: ليحصي ثمنه ويضبطه، الثاني: أنه أعرف بثمن متاعه وجيده ورديئه، فإذا حضر تكلم وعرف الغبن من غيره، الثالث: أن تكثر الرغبة فيه، فإن شراءه من صاحبه أحب إلى المشتري، الرابع: أن ذلك أطيب لنفسه وأسكن لقلبه.
• قال الفقهاء: يستحب إظهار الحجر الذي إعلانه في أماكن مشهورة واستحب إظهاره لفائدتين:
الفائدة الأولى: ليظهر من له دين عند هذا الرجل.
الفائدة الثانية: لتجتنب معاملته كيلا يستضر الناس بضياع أموالهم عليه.
стр. 714
م/ ولا يقدم منهم.
أي لا يقدم صاحب دين على آخر، فلا يقدم السابق على اللاحق، أو صاحب الكثير على القليل. فلا فرق بين هؤلاء.
فلو واحد دينه مائة ألف، والثاني دينه خمسة آلاف، كل واحد من هؤلاء يأخذ الخمس.
стр. 715
م/ إلا صاحبُ الرهن برهنهِ.
قبل نبدأ بقسمة مال المفلس على الغرماء، نبدأ بصاحب الرهن.
стр. 716
م/ وقال ﷺ (من أدركه ماله بعينهِ عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره) متفق عليه.
هذه الحالة الثانية التي يقدم فيها أحد الغرماء على البقية، وهو من وجد ماله بعينه عند من أفلس.
مثال: شخص باع على المفلس عشرة أكياس من الأرز وأفلس المشتري وحجر عليه الحاكم، ولكن جاء صاحب الأرز ووجد العشرة الأكياس موجودة ولم تتغير ولم يقبض من ثمنها شيئاً، فلصاحب الأكياس العشرة أنت أحق بها، خذ الأكياس وأمرك قد انتهى.
لحديث الباب الذي ذكره المصنف ﵀ (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ).
بعينه: أي لم يتغير ولم يتبدل. فهو أحق به من غيره: أي كائناً من كان وارثاً وغريماً.
قد أفلس: المفلس شرعاً: ما تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلساً لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلساً.
• في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ أن من باع متاعه [كسيارة، أو ثوباً، أو غيره] لأحد مؤجلاً، أو ودعه، فأفلس المشتري، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فللبائع أخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحالة لم تتغير صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولم يقبض من ثمنه شيئاً، فحينئذٍ يكون أحق به من الغرماء.
وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة: أن من وجد عين ماله عند من أفلس، فهو أحق به من غيره.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا الحديث، واستعمله وأفتى به، فقهاء المدينة، وفقهاء الشام، وفقهاء البصرة، وجماعة من أهل الحديث.
لحديث الباب.
• نستفيد من الحديث أن تقديم صاحب السلعة على غيره يكون بشرط: أن يجد ماله بعينه، أي لم يتغير ولم يتبدل، فإن تغير فهو أسوة الغرماء.
مثال: باع رجل على رجل بعيراً، ثم أفلس هذا الرجل، لكن البعير سمنت أكثر، فهنا لا يستحق هذا المال، بل يكون أسوة الغرماء.
كذلك إذا قبض من ثمنه شيئاً، فإنه في هذه الحالة لا حق له، ويكون أسوة الغرماء.
فقد جاء في رواية: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به).
فمفهومه أنه إذا قبض من ثمنه شيئاً كان أسوة الغرماء.
• اختلف العلماء إذا مات المفلس، هل يكون الرجل أحق بماله أو يكون أسوة الغرماء؟
فقال بعض العلماء: هو أحق بماله.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الحافظ ابن حجر: واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة قال: (قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه) وهو حديث حسن يحتج بمثله، أخرجه أحمد وأبو داود.
وقيل: بل يكون أسوة الغرماء.
وهذا مذهب مالك وأحمد.
وفرقوا بين الفَلَس والموت: بأن الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك بخلاف المفلس.
وبعضهم استدل بقوله: (من أدرك ماله بعينه عند رجل) وبعد موته لا يكون أدركه عند هذا الرجل، وإنما أدركه عند الورثة.
النوع الثاني: الحجر لحظ المحجور عليه
стр. 717
م/ ويجب على ولي الصغير والسفيه والمجنون: أن يمنعهم من التصرف في مالهم الذي يضرهم قال تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً).
السفيه: الذي لا يحسن التصرف في ماله بأن يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة.
الصغير: هو من لم يبلغ.
المجنون: من لا عقل له.
فهؤلاء يمنعون من التصرف في المال والذمة.
لقوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً). وهذا خطاب للأولياء، والسفيه كل من لا يحسن التصرف، فيدخل في عموم الآية الصغير والمجنون.
• قوله (أموالكم) أي أموال السفهاء وليست أموال الأولياء، لكن أضاف أموالهم إلى الأولياء، لأمرين:
الأمر الأول: لأنها تحت نظرهم وتصرفهم، الأمر الثاني: إشارة إلى أنها مثل أموالهم في وجوب العناية بها.
• الحكمة من هذا الحجر: حفظ مال المحجور عليه.
стр. 718
م/ وعليه: ألا يقربَ مالَهم إلا بالتي هي أحسن من: حفظه، والتصرف النافع لهم، وصرف ما يحتاجون إليه منه.
ذكر المصنف ﵀ ثلاثة أنواع مما يجب على الولي أن يفعله في مال من تحت يدهِ.
من حفظهِ: أي حفظ المال من السرقة، ولا يعرضه للضياع بقرض أو نحوهِ.
التصرف النافع لهم: إما بتجارة أو بيع أو شراء.
صرف ما يحتاجون إليه منه: يعني ينفق عليهم بالمأكل والملبس والمسكن.
стр. 719
م/ ووليُهم أبوهم الرشيد.
أي: وولي الصغير والسفيه والمجنون هو الأب الرشيد.
• فإن كان الأب سفيهاً فليس له ولاية، لماذا؟ لأن السفيه يحتاج إلى ولاية فكيف يكون ولياً على غيره؟
стр. 720
م/ فإن لم يكن:
أي: فإن لم يكن أب أصلاً، أو كان الأب غير رشيد.
стр. 721
م/ جعل الحاكمُ الوكالة لأشفقِ من يجدهُ من أقاربهِ وأعرفهم وآمنهم.
أي: جعل واختار الحاكم لولاية هؤلاء أشفق من يجده من أقاربه، لأن الأقارب غالباً أشفق من غير الأقارب، وأعرفهم بحالهِ والنظر له.
وآمنهم: المراد الأمن على الصغير أو السفيه وعلى المال.
стр. 722
م/ ومن كان غنياً فليتعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف (وهو الأقل من أجرة مثلهِ أو كفايته).
أي ومن كان من الأولياء غنياً فالأولى والأفضل أن يتعفف ولا يأخذ شيئاً من مال السفيه أو مال الصغير أو المجنون.
• المراد بالغني هنا: من عنده مال تحصل به الكفاية.
وأما من كان فقيراً فليأكل بالمعروف.
• قوله (فليأكل .. ) هذا أمر إباحة، وإذا أكل فلا يرد بدل ما أكل، لأنه مقابل القيام.
• قوله (وهو الأقلُّ من أجرةِ مثلهِ أو كفايتهِ) هذا تفسير من المصنف ﵀ لقوله (بالمعروف)
مثال: هذا الشخص (فرضاً أنه الأخ) لو رأينا أجرة المثل وجدناها ألف، وسألناه عما يكفيه فقال: يكفيني خمسمائة، فعلى رأي المصنف أنه يعطى خمسمائة.
لأننا لو أعطيناه الألف صار غنياً والغني يتعفف.
العكس: لو كانت الأجرة ٥٠٠ والكفاية ١٠٠٠، فعلى كلام المصنف نعطيه أجرته.
والصحيح أننا نأخذ بظاهر القرآن (فليأكل بالمعروف) وهو: أنه إذا كان الولي فقيراً فعليه أن يأكل بالمعرف، سواء كان ما يأكله بقدر أجرتهِ أو أكثر.
стр. 723
باب الصلح
الصلح لغة: قطع النزاع.
واصطلاحاً: عقد يتوصل به إلى توفيق بين متخاصمين.
فالصلح عقد وُضعَ لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتراضي، كالإصلاح بين قبيلتين، أو بين زوجين، أو بين مسلمين وأهل حرب، أو بين متخاصمين في مال، وهذا هو المراد بهذا الباب دون ما تقدم.
وقد رغّب الإسلام في الصلح وحث عليه، لما فيه من حسم النزاع وسلامة القلوب وبراءة الذمم.
فقال تعالى (والصلح خير).
وقال تعالى (فأصلحوا بينهما).
وقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
وحث عليه النبي ﷺ قولاً وفعلاً، فمن الفعل أنه ﷺ خرج إلى بني عمرو ابن عوف في قباء ليُصلح بينهم، ومن القول حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة) رواه أبو داود.
• الصلح ينقسم إلى قسمين:
النوع الأول: الصلح مع الإقرار. النوع الثاني: الصلح على الإنكار.
ذكر المصنف ﵀ أمثلة على النوع الأول وهو أن يقر الطرفان بالحق ثم يتصالحا عليه، فهذا حكمه حكم البيع.
مثال: اذا أقر أحمد لخالد أن في ذمته له ألف ريال، فأسقط خالد ٥٠٠ ريال منها، فهنا أقرا جميعا بالحق
فهنا صالحه عن الحق بجنسه.
يصالحه بالحق بغير جنسه: إذا أقر له بألف ريال فصالحه عنها بسيارة فهنا صالحه عن الحق بغير جنسه.
стр. 724
م/ قال النبي ﷺ (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه أبوداود والترمذي.
هذا ضابط فقهي: وهو أن الصلح جائز بين المسلمين.
• (بين المسلمين) على سبيل التغليب.
• (إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) فهذا صلح لا يجوز، لأنه مضادة لله ولرسوله
أمثلة:
كما لو صالحت المرأة زوجها على ألا يطلقها. فهذا صلح حرم حلالاً، لأن الطلاق حلال.
كمن صالح امرأة على مال لكي تقر له بالزوجية (هذا صلح لا يجوز، لأنه صلح يحل حراماً).
وكرجل حصل بينه وبين زوجته شقاق ونزاع، فقالت: أصالحك وأصير لك امرأة طيبة بشرط أن تطلق زوجتك فلانة، فهذا حرام (لأنه أحل حراماً) فهي تريد أن تصالحه على إحلال أمر محرم (لأنها تريد منه أن يطلق زوجته الأخرى وهذا محرم).
стр. 725
م/ فإذا صالحَه عن عين بعين أخرى أو بدين جاز.
أي: إذا أقر له بدين فصالحه عنها بعين أو بدين جاز.
صالحه عن عين بعين أخرى: مثال: قال أنت عندك لي شاة، أعطني بدلها عناقاً، فهذا جائز إذا تراضياً.
• أو صالحه عن عين بدين: مثال: قال: أنت عندك لي عشرة أكياس من الأرز، أعطني عنها ألف ريال بعد سنة، هذا عين بدين، فهذا جائز.
стр. 726
م/ وإن كان له عليه دينٌ فصالحه عنه بعين أو بدين قبضه قبل التفرق جاز.
أي: وإن كان له عليه دين فصالحه بعين جاز:
مثال: عنده له عشرة آلاف فصالحه عنه بعين بسيارة.
أو صالحه بدين: مثل أنت عندك لي عشرة أكياس بر أصالحك عنها بخمسين (غير موجودة).
م/ أو صالحه على منفعة في عقارهِ.
كأن يطلبه ديناً، فصالحه على أن يسكن داره شهراً.
عنده له ألف ريال وصالحه بدل الألف أن يسكن داره شهراً.
стр. 727
أو غيرهِ معلومة.
يعني غير العقار. مثال: قال له: أنت عندك لي ألف ريال، أصالحك بدلها أن تسقي إبلي عشرين يوماً.
• قوله (معلومة) هذا يرجع إلى المنفعة، فلو قال: تسكن داري، ولم يحدد المدة لا يجوز، أو قال: تسقي إبلي ولم يحدد المدة فإنه لا يجوز.
стр. 728
م/ أو صالح عن الديْن المؤجل ببعضِه حالاً.
هذه تسمى عند العلماء مسألة (ضع وتعجل).
مثالها: أنا أطلب شخصاً ألف ريال تحل بعد ستة أشهر، بعد مضي ثلاثة أشهر، قلت له: أعطني الآن: ٥٠٠ وأسقط الباقي عنك، فتصالحا على ذلك.
هذه المسالة اختلف العلماء في حكمها على قولين:
القول الأول: أنها جائزة.
وهو قول ابن عباس كما قال ابن القيم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو ما اختاره المصنف ﵀ كما هنا.
لحديث ابن عباس. (أن النبي ﷺ حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه أناس منهم فقالوا: إن لنا ديوناً لم تحل؟ فقال: ضعوا وتعجلوا) رواه الدارقطني.
حيث أذن النبي ﷺ فيه لأصحاب الحقوق أن يضعوا من ديونهم مقابل التعجيل بالوفاء فدل ذلك على جوازه.
وهذا الحديث مختلف فيه فصححه بعضهم كابن القيم وضعفه بعض العلماء كالبيهقي والدارقطني، لكن قد صح موقوفاً على ابن عباس، فقد سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: عجل لي وأضع عنك؟ فقال: لا بأس بذلك. أخرجه عبدالرزاق.
وقالوا: لا محذور شرعي في هذا التصرف، لأن الأجل حق للمدين وقد أسقطه برضاه، والدين حق للدائن وقد أسقط جزءاً منه برضاه، والإنسان لا يمنع من إسقاط حقه أو بعضه.
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيها مصلحة للطرفين: أما المدين فيخفف عنه من دينه، وأما صاحب الدين فيأخذ حقه قبل وقته، والشارع له تطلع إلى براءة ذمم المكلفين من الديون.
القول الثاني: أن ذلك لا يصح.
وهذا مذهب المالكية والشافعية والظاهرية.
لحديث المقداد بن الأسود (أن رسول الله ﷺ قال له - لما وضع عن رجل دينه وتعجّله - أكلتَ ربا يا مقداد وأطعمته) أخرجه البيهقي وهو ضعيف جداً.
قالوا: قياساً على تأجيل الدين الحال مقابل الزيادة عليه بجامع الاعتياض عن الأجل في كل منهما، لأنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقطه.
والقول الأول هو الراجح.
قال ابن القيم: هذا - أي الوضع من الدين للتعجيل - عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا رباً لا حقيقة ولا لغة ولا عرفاً.
• النوع الثاني: الصلح على إنكار.
أن يدعي شخص على آخر ديناً أو عيناً فينكر المدعَى عليه ثم يتصالحان على شيء معين. فهي في حق المدعِي في حكم البيع، لأنه يأخذ المال عوضاً عن حقه، وفي حق المدعى عليه إبراء. لأنه يدفع هذا العوَض من أجل قطع الخصومة والنزاع وافتداء ليمينه.
مثال: ادعى محمد على إبراهيم أن الأرض التي بيد ابراهيم له، فقال ابراهيم: ليس لك (أنكر أن يكون له) لكن من أجل ألا يرفع الأمر إلى المحاكم وخوفاً من اليمين وقطعاً للخصومة قال: خذ هذه ٥٠٠٠ آلاف لك، فتصالحا على ذلك، فهذا في حق محمد بيع وفي حق إبراهيم إبراء.
-قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لكن الصلح في هذه المسألة في حق الكاذب منهما غير صحيح، وتصرفه في العوض الذي أخذه تصرف باطل، وحسابه على الله، ولا يحل له ما اصطلحا عليه، لأنه مبطل، أما في الدنيا فالصلح صحيح.
стр. 730
م/ أو كان له عليه دين لا يعلمان قدرَه فصالحه على شيء. صح ذلك.
مثال: زيد وعمرو بينهما دين، ولكن كل منهما لا يعلم مقدار الدين، فتصالحا على شيء معين، فزيد يقول أذكر أني أخذت منك دراهم لكن لا أذكر كم، وعمرو يقول أذكر أني أعطيتك دراهم، لكن لا أذكر كم هي؟ فتصالحا على ألف ريال وينتهي الأمر بذلك.
• قوله (لا يعلمان قدرَهُ) مفهومه أنه إذا كان أحدهما يعلم قدر الدين ولكنه أخفى وجحد فإنه لا يصح في حقه باطناً.
стр. 731
م/ وقال ﷺ (لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ: أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ).
ذكر المصنف ﵀ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ: أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ).
[جار] الجار المراد به هنا الملاصق [خشبة] أي من خشب سقفه الذي يسقف به داره. [في جداره] الضمير يعود على الجار [عنها] الضمير يعود إلى السنة المذكورة في كلامه [معرضين] أي غير مسارعين للعمل بها وتضييعها.
• في هذا الحديث نهى الجار أن يمنع جاره أن يضع خشبة على جدار جاره.
وهذا الحكم اختلف فيه العلماء:
تحرير محل النزاع:
أولاً: لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ينتج عنه إلحاق ضرر بجدار الجار كتهديمه أو وهنه، فذلك غير جائز، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
ثانياً: كذلك لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ليس له به حاجة، فليس للجار أن يضع خشبة على جدار جاره إن كان به غنية عن ذلك، لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز.
الخلاف وقع:
في الانتفاع غير المضر بالجار، وهو الذي يحتاج إليه المنتفع لتسقيف بيته أو قيام بنائه.
فهذا اختلف فيه العلماء على قولين:
القول الأول: لا يجوز وضع الخشب على حائط الجدار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجز، لكن يستحب له بذله.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والقول الجديد عند الشافعية. واستدلوا:
بعموم الآيات التي تنهى عن الظلم والتعدي على أموال الآخرين وحقوقهم.
كقوله تعالى:﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴿.
وبالأحاديث التي تنهى عن أخذ أموال الآخرين ظلماً وعدواناً.
كقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
وقوله ﷺ : (إن دماؤكم وأموالكم عليكم حرام).
القول الثاني: أنه يجب على الجار أن يبذل حائطه لجاره مع الحاجة وقلة الضرر، وأنه يجبر على ذلك إذا امتنع.
وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور، وإسحاق، وابن حزم.
واستدلوا بالحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (لا يمنعن .. ).
وجه الدلالة: أنه نهي صريح عن منع الجار من الانتفاع بجدار جاره، وظاهر النهي يقتضي التحريم، وبالتالي فلا يجوز للجار منع جاره من الانتفاع بجداره عند الحاجة.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول:
أنها نصوص عامة، وحديث: (لا يمنع … ) خاص، والخاص يقضي على العام.
стр. 732
باب الوكالة
تعريفها:
لغة: التفويض.
واصطلاحاً: الوكالة: هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
وهذا التعريف يدل على أن الموكِل لابد أن يكون جائز التصرف فلا تصح الوكالة من صبي أو مجنون
ولابد أن يكون الوكيل جائز التصرف.
• وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (واخلفني في قومي وأصلح).
وقال تعالى _ عن سليمان أنه قال للهدهد _ (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم).
وقال تعالى (والعاملين عليها).
وعن أبي هريرة في قصة العسيف (الأجير) قال النبي ﷺ (واغد يا أنيْس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) متفق عليه.
وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة.
والنظر يقتضي جوازها: لأنها من مصلحة العباد، فكم من إنسان لا يستطيع أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله وحكمته أن أباح لهم الوكالة.
стр. 733
م/ كان النبي ﷺ يوكلُ في حوائجهِ الخاصة، وحوائج المسلمين المتعلقة به.
أي: أن النبي ﷺ فعل الوكالة، وهذا يدل على جوازها.
فمن ذلك: أن النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينار ليشتري له به شاة، ففي صحيح البخاري عن عروة بن أبي الجعد (أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري به له شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاةٍ، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى الترابَ لربح فيه) رواه البخاري.
وكتوكيله لعلي في ذبح باقي هديه: ففي صحيح مسلم عن جابر. (أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين، وأمر علياً أن يذبح الباقي .. ).
وكتوكيله في إقامة الحدود: ففي الصحيحين عن أبي هريرة - في قصة العسيف (الأجير) - قال النبي ﷺ (واغدُ يا أنيْس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها).
وكتوكيله ﷺ الصحابة في قبض الزكاة: ففي الصحيحين عن أبي هريرة. قال (بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة ....... ).
ووكل أبا بكر أن يصلي بالناس في مرض موته ﷺ : ففي الصحيحين عن عائشة (أن النبي ﷺ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس) متفق عليه.
ووكل أبا هريرة في حفظ الصدقة: ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (وَكَّلَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِى آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ إِنِّى مُحْتَاجٌ ..... ).
стр. 734
م/ فهي عقد جائز من الطرفين.
أي أن الوكالة عقد جائز، والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضاً.
لأنها من جهة الموكِل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم.
• قوله (من الطرفين) أي الوكيل أو الموكِل.
لكن تلزم في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان هناك ضرر في فسخ الوكالة كأن يكون فسخ الوكالة بشيء يتضرر به الموكِل
الحالة الثانية: إذا كانت الوكالة بجعل (أي بمقابل).
• مبطلات الوكالة:
١_ موت أحدهما، لأنه إذا مات الموكل انتقل المال إلى ورثته، فلابد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا مع الوكيل، أما الوكيل فتبطل بموته، لأن الموكل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد زال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.
٢_ بجنون أحدهما. (لأن المجنون ليس له أهلية التصرف).
٣_ فسخ أحدهما.
• لكن اختلف العلماء لو تصرف الوكيل قبل أن يعلم بفسخه؟ فما حكم تصرفه؟ مثال: وكلت هذا الرجل على أن يبيع بيتي ثم في اليوم الثاني أشهدت رجلين أني فسخت وكالته، ثم باع البيت في اليوم الثالث ولم يعلم بالفسخ؟ اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه لا ينفذ تصرفه فالبيع باطل.
وهذا مذهب الشافعي والحنابلة واختاره ابن تيمية.
وعلى هذا القول فالبيع غير صحيح، لأنه فسخ الوكالة قبل البيع.
القول الثاني: أن تصرفه نافذ ويشترط أن يعلم الوكيل بالوكالة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
قالوا: لأن تصرفه مستند إلى إذن سابق لم يعلم بإزالته فكان تصرفاً صحيحاً، وهذا القول هو الصحيح.
стр. 735
م/ تدخل في جميع الأشياء التي تصح النيابةُ فيها.
هذا ضابط فقهي: تجوز الوكالة في كل أمر تجوز فيه النيابة.
стр. 736
م/ من حقوق الله: كتفريق الزكاة.
أي: فتجوز الوكالة في تفريق الزكاة، كأن أعطي شخصاً ألف ريال وقال له: خذ هذه الألف زكاة مالي ووزعها على الفقراء
стр. 737
م/ والكفارة ونحوها.
كشخص عليه كفارة يمين، وقال لشخص: هذه ٥٠ ريالا تشتري بها طعاماً وتوزعها على عشرة مساكين
стр. 738
م/ ومن حقوق الآدميين، كالعقود والفسوخ وغيرها.
تنقسم الوكالة في حقوق الآدميين من حيث التوكيل إلى قسمين:
الأول: قسم يصح التوكيل فيه:
مثل العقود: البيع، والشراء، والإجارة، والقرض والنكاح.
كأن أقول لشخص: وكلتك تبيع سيارتي.
الشراء: كأن أقول لشخص: وكلتك تشتري لي سيارة.
الإجارة: كأن أقول لشخص: وكلتك تستأجر لي بيتاً.
والفسوخ: كالطلاق، والخلع، والعتق، والإقالة.
الطلاق: كأن أقول لشخص: يا فلان وكلتك أن تطلق زوجتي (وتكون الفائدة - أنه يثبت طلاقها عند المحكمة).
الخلع: كأن أقول لشخص: وكلتك مخالعة زوجتي (الخلع مفارقة الزوجة على عوض).
العتق: كأن أقول لشخص: وكلتك تعتق عبدي فلان.
الإقالة: اشتريت من فلان سيارة ثم لم تعجبني السيارة، فرجعت إليه وقلت: أريد أن تقيلني البيع، فقال: نعم، فلو وكلت إنساناً في الإقالة يجوز سواء من البائع أو من المشتري.
فهذه الأمور (كالطلاق .. ) يصح التوكيل فيها لأن المقصود إيجاده بقطع النظر عن الفاعل.
الثاني: قسم لا يصح التوكيل فيه مطلقاً:
الظهار، واللعان، والأيْمان.
لأنها تتعلق بنفس الشخص، فالوكيل لا يستطيع أن يفعلها.
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظهار: فلو وكل شخصاً في الظهار من امرأته، فذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنتِ على زوجك كظهر أمه عليه، فهذا لا يجوز ولا يثبت الظهار.
اللعان: وهو ما يكون بين الزوج وزوجته - إذا رماها بالزنا - ولم تعترف، فإنه يقام بينهما لعان (وهو أيمان مؤكدة بشهادات، فيقسم الرجل ثم الزوجة، فهنا لا يجوز للزوج أن يوكل أحداً غيره لإقامة اللعان، لأنها تتعلق بالشخص نفسه. - أن الوكيل لا يصح أن يضيف اللعنة إلى نفسه.
الأيْمان: أي لا يجوز أن يوكل شخصاً يذهب عنه إلى القاضي ليؤدي اليمين عنه، لأنها تتعلق بالشخص نفسه.
أولاً: لأنها تتعلق بنفس الشخص كما سبق.
ثانياً: ولأن الإنسان يهاب يمين نفسه ولا يهاب يمين غيره.
• وكذلك: القسم بين الزوجات لا تجوز الوكالة فيها، لأنها تطلب من الشخص نفسه.
• والظهار لا يجوز التوكيل فيه الأمور:
أولاً: لأنه يتعلق بنفس الشخص كما سبق.
ثانياً: أن الموكل لا يملك ذلك، بل هو حرام عليه، فكيف يصح ذلك من الوكيل.
ثالثاً: أن في قبول الوكيل هذا العمل الموكل فيه من باب التعاون على الإثم والعدوان وقد نهى الله عن ذلك.
стр. 740
م/ وما لا تدخله النيابة من الأمور التي تتعين على الإنسان وتتعلق ببدنه خاصة، كالصلاة والطهارة والحلف والقسم بين الزوجات ونحوها لا تجوز الوكالة فيها.
ذكر المصنف ﵀ الأمور التي لا تدخلها النيابة.
بالنسبة لحقوق الله تنقسم إلى ٣ أقسام:
الأول: قسم تدخله النيابة مطلقاً: مثل: العبادات المالية كالزكاة والفدية والكفارة.
الزكاة: كأن أعطي شخص ألف ريال زكاة مالي، وأقول له وزعها على الفقراء.
فيصح أن يوكل عنه من يذبح أضحيته أو ينحر هديه كما ثبت في مسلم من توكيل النبي ﷺ علياً بذلك.
ويصح أن يوكل من يفرق صدقته أو زكاته.
ويصح أن يوكل من يكفر عنه كفارة مالية ونحو ذلك من العبادات المالية.
الثاني: قسم لا تدخله النيابة مطلقاً:
مثل: الصلاة، والصوم، والتيمم. لأنها تتعلق بنفس الفاعل، فلا يصح أن يوكل بها غيره.
الصلاة: كأن أقول لشخص: اذهب وصلِ عني صلاة الظهر، فهذا لا يجوز.
الصوم: كأن أقول لشخص: علي يوم قضاء من رمضان، أريدك أن تصومه عني، فهذا لا يجوز.
الوضوء: كأن أقول لشخص: الجو بارد وأريدك أن تتوضأ عني، فهذا لا يجوز.
الثالث: قسم فيه تفصيل:
وهو الحج في الفرض: فالذي لا يستطيع أن يحج عجزاً مستمراً فإنه يجوز له أن يوكل وإلا فلا يجوز.
следующие страницы →