Полный текст (1 270 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
م/ وإذا تحجر مواتاً: بأن أدار حوله أحجاراً، أو حفر .. أحق بها ولا يملكها حتى يحييها فهو أحق بها.
التحجير: هو أن يشرع في الإحياء ولا يتمه.
والفرق بينه وبين الإحياء: أن المحيي يملك ما أحياء - وأما المتحجر فهو أحق بالأرض من غيره.
مثال: لو جاء إنسان إلى هذه الأرض وأدار حولها أحجاراً، فهذا تحجير وليس إحياء.
مثال: لو بنى حول الأرض جداراً قصيراً، فهذا يقال له تحجير ولا يقال له إحياء.
مثال آخر: أو حفر بئراً للوصول إلى الماء (والماء ١٠٠ متر) فلما حفر ٧٠ متراً توقف، فهذا يسمى تحجيراً ولا يسمى إحياء.
стр. 772
م/ أو أقطِعَ أرضاً فهو أحق بها.
يعني: إذا أقطعه الإمام أرضاً فهو أحق بهذه الأرض من غيره، لكن ليس له أن يتصرف بها.
والإقطاع ٣ أنواع:
الأول: إقطاع تمليك: أن يملّك الإمام أو نائبه أحداً من المسلمين أرضاً (كأراضي المنح في هذا الوقت).
الثاني: إقطاع إرفاق: أن يعطيه أرضاً يرتفق بها (كالأراضي التي تعطى للباعة يبيعون عليها بضاعتهم) كأسواق الجمعة الموجودة الآن.
الثالث: إقطاع استغلال: أن يقطع ولي الأمر أو نائبه أحداً من المسلمين أرضاً يستغلها بالزراعة - مثلاً - ثم إن شاء رجع وإن شاء ملكه إياها.
- فمن اقطع أرضاً - غير إقطاع التمليك - فهو أحق بها من غيره، لكن ليس له أن يتصرف بها، ولهذا قال:
стр. 773
م/ ولا يملكها حتى يحييها بما تقدم.
أي: لا يملكها بهذا التحجير (فليس له أن يبيع ولا يهب ولا أن يتصرف)، حتى يحييها بما يحصل به الإحياء كما تقدم.
وهذا الفرق بين الإحياء والتحجير كما سبق.
стр. 774
باب الجعالة
م/ وهي جعْل مال معلوم لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الجعالة، وهي عند الفقهاء: أن يجعل جائز التصرف شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو عملاً مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة.
وهي جائزة بالسنة والإجماع.
عن أبي سعيد الخدري (أن قوماً لدغ رجل منهم، فأتوا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: هل منكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ، فأخذوا الغنم .. ) رواه البخاري ومسلم.
مثال: إنسان قال من خاط لي هذا الثوب فله ١٠٠ ريال، الـ ١٠٠ هذا مال معلوم، والثوب عمل معلوم.
مثال: إنسان قال من رد سيارتي المسروقة فله ألف ريال.
المال معلوم وهو ألف ريال، العمل مجهول (فهذا الشخص الذي ذهب يبحث عن السيارة قد يجدها وقد لا يجدها).
• فالعمل في الجعالة لا يشترط أن يكون معلوماً (يجوز يكون معلوماً ويجوز أن يكون مجهولاً).
• فالذي يشترط في الجعالة: أن يكون الجعل (وهو المال) معلوماً.
مثال: من رد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال، فلو قال: من رد ضالتي فله مال فإنه لا يصح.
والسبب: لأن عقد الجعالة عقد جائز، بإمكان الإنسان أن يفسخ العقد بعكس الإجارة فهي عقد لازم.
• توافق الاجارة: لابد أن يكون المال معلوماً.
стр. 775
م/ فمن فعل ما جُعِل عليه فيهما: استحق العوض وإلا فلا.
• (من فعل ما جُعل له الجعل) فإن كان ذلك بعد علمه بقول صاحب العمل ﴿من فعل كذا فله كذا وكذا﴾ فهذا يستحق الجعل كاملاً.
• وإن وجدها قبل الإعلان: لم يستحق شيئاً، لأنه لم يعمل لي.
إن علم بالإعلان في أثناء الطلب: استحق بقسطه.
مثال: إذا قال أنا كنت أطلبها منذ يومين، فسمعت بالإعلان، وبعد سماعي بالإعلان طلبتها يومين آخرين
فهنا يستحق نصف الجعل.
-إذا وجدها جماعة فإنهم يستحقون الجعل كلا بقسطه.
مثال: قال من وجد ضالتي فله ﴿١٠٠﴾ ريال، فذهب عشرة يطلبونها ووجدوها جميعاً، فإنه يقسط الجعل بينهم.
стр. 776
باب الإجارة
م/ وهي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملاً معلوماً.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الإجارة، وقد عرفها الفقهاء: لغة: مشتقة من الأجر وهو العوض. قال تعالى (لو شئت لاتخذت عليه أجراً).
وشرعاً: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.
• وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين).
(وقد استأجر النبي ﷺ رجلاً يدله الطريق في سفره للهجرة) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره) رواه البخاري.
• هناك شروط للإجارة لم يذكرها المؤلف:
منها: أنه يشترط معرفة المنفعة المعقود عليها.
لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
مثال: استأجرت منك هذا البيت للسكنى ﴿يصح﴾.
مثال: استأجرتك أن تدلني على طريق مكة ﴿يصح﴾.
ومنها: معرفة الأجرة (يعني تكون معلومة).
قال في المغني (لا نعلم فيه خلافاً).
فلو استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم لم يصح.
لو استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس لم يصح.
ومنها: تكون المنفعة مباحة ..
فلا تصح على نفع محرم كالزنا والغناء، وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر.
لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
النفع إما أن يكون:
مباحاً: مثال: استأجرت بيتاً لأسكنه ﴿يصح لأن سكنى البيت مباح﴾.
حراماً: مثال: استأجرت دكاناً لبيع الدخان ﴿لا يصح لأن بيع الدخان محرم﴾.
مكروهاً: مثال: أن يستأجر شخصاً ليحلق له قزع. ﴿يصح مع الكراهة، لأن القزع مكروه﴾.
стр. 777
م/ فمن فعل ما جعل عليه فيهما: استحق العوض وإلا فلا، إلا إذا تعذر العمل في الإجارة، فإنه يتقسط العوض.
أي: أن من قام بالعمل في الجعالة (وسبق ما يستحق) والإجارة استحق العوض كاملاً، لكن في الإجارة إذا تعذر العمل، فإنه يتقسط العوض.
• إن انفسخت الإجارة فلها أحوال:
أولاً: إن كان الفسخ بسب من المستأجر لزمته الأجرة كاملة.
ثانياً: وإن كان الفسخ بسبب من المؤجر (وهو المالك) لم يلزمه شيء.
ثالثاً: وإن كان الفسخ بسبب غيرهما (كما لو انهدمت الدار) لزم المستأجر القسط من الأجرة.
• يجب إعطاء الأجير أجره كاملاً، ولهذا ذكر المصنف حديث أبي هريرة.
стр. 778
م/ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ). رواه البخاري.
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة ( ....... وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) لبيان إثم من منع العامل أجرته.
(ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: ثلاثة أنفس، وذكر هؤلاء الثلاثة ليس للتخصيص، لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء صرح بهم.
(رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ) أي: أعطى يمينه بي، أي عاهد عهداً وحلف عليه بالله ثم نقضه.
(وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) أي: باع إنساناً على أنه عبد مع أنه في الواقع ليس رقيقاً وإنما هو حر فأكل ثمنه.
(وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أي: فحصل من الأجير على العمل الذي استأجره من أجله.
(وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) أي: لم يعطه عوضه وأجرته مقابل هذا العمل.
فهذا الحديث دليل على تحريم أكل أجرة العامل وعدم إعطائها إياه بعد استيفاء العمل، وهذا من كبائر الذنوب.
стр. 779
والجعالة أوسع من الإجارة، لأنها تجوز على أعمال القرب، ولأن العمل فيها يكون معلوماً ومجهولاً، ولأنها عقد جائز بخلاف الإجارة.
هذا ضابط فقهي (الجعالة أوسع من الإجارة)، والفر ق بين الجعالة والإجارة في أمور:
أولاً: أن الجعالة تجوز على أعمال القرب بخلاف الإجارة.
القرب جمع قُربة: وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى كالأذان وتعليم القرآن والحج ونحوها.
لو قال شخص من حج عن ميتي فله ألف (هذه جعالة).
أما الإجارة فلا تجوز على أعمال القرب، لأن الأصل أن أعمال القرب لا تقع إلا قربة لله تعالى وأخذ الأجرة عليها ينافيها.
فلو أجرة شخصاً يؤذن بالمسجد بمائة ريال، فإن هذا لا يجوز.
ثانياً: أن العمل في الجعالة قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً، وفي الإجارة لابد أن يكون معلوماً.
مثال في الجعالة: من رد بعيري فله ألف ريال (هنا العمل - وهو رد البعير - مجهول) مثال آخر: من يبني لي هذا الجدار فله ألف ريال (هنا العمل - وهو بناء الجدار - معلوم).
أما في الإجارة فلابد أن يكون العمل معلوماً.
ثالثاً: أن الجعالة عقد جائز بخلاف الإجارة فإنها عقد لازم.
فالإجارة عقد لازم من الطرفين، لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال ﷺ (المسلمون على شروطهم)، وأما الجعالة فهي عقد جائز، لايلزم بالشروع فيه.
وقد سبق أن العقود تنقسم إلى ٣ أقسام:
عقد لازم من الطرفين: (وهو الذي لا يمكن فسخه إلا بسبب شرعي أو تراض من الطرفين.
كالبيع والإجارة.
عقد جائز من الطرفين. (والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخه بدون رضا الآخر ولا إذنه): كالوكالة والجعالة.
عقد لازم من طرف واحد: كالرهن.
كما تقدم بخلاف الإجارة.
رابعاً: من الفروق أن المدة في الجعالة لا يشترط العلم بها، أما بالنسبة للإجارة فلا بد أن تكون المدة معينة فلا يقول: استأجرت منك هذه الدار بالف ويسكت، لابد من تحديد مدة تنتهي بها الإجارة
стр. 780
م/ وتجوز إجارة العين المؤْجَرة لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضرراً.
يعني: لو استأجرتُ منك بيتاً لمدة خمس سنوات، وسكنت فيه لمدة سنة وانتهى غرضي منه، يجوز أن
أؤجر هذا البيت لشخص لمدة أربع سنوات.
• يجوز أن أؤجرها بأكثر من أجرة الأصل، وهذا مذهب جماهير العلماء، لعموم الأدلة القاضية بجواز التأجير والإجارة، ولأن الأصل في العقود الصحة.
• لكن ذكر المصنف ﵀ أنه لا يجوز أن يؤجرها لشخص أكثر منه ضرراً.
مثال: لو استأجرها شخص للسكنى ثم أجرها على آخر لتكون مستودع له فهذا لا يجوز، لأن المستودع أكثر ضرراً.
стр. 781
م/ ولا ضمان فيهما بدون تعد ولا تفريط.
أي: لا يضمن المستأجر ما تلف بيده بدون تعد ولا تفريط، لأنه أمين (استلم العين بإذن من صاحبها) فلا يضمن إلا إذا تعدى وفرط.
مثال: استأجرت شخصاً يسقي لي أرضي، فبدأ بالعمل وأخذ الحراثة يحرث بها، فانكسرت الحراثة، فإنه لا يضمن لأنه لم يفرط ولم يتعد.
стр. 782
م/ وفي الحديث (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجه.
ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عمر (أعطوا الأجير أجره ...... ) ليستدل به على وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجرته فور انتهائه من عمله الذي استؤجر عليه، وعدم تأخيرها أو المماطلة في أدائها وذلك لأمرين:
أولاً: أن هذا العامل لم يعمل هذا العمل إلا من أجل الحاجة لهذه الأجرة.
ثانياً: أن نفسه تائقة إلى أخذ عوض عمله وجهده.
وقوله في الحديث (قبل أن يجف عرقه) كناية عن سرعة إعطائه حقه وعدم تأخيره.
стр. 783
باب اللقطة واللقيط
تعريف اللقَطَة: هي المال يوجد بالطريق ونحوه لا يعرف صاحبه.
وشرعاً: مال ضل عن صاحبه.
واللقيط: هو طفل ضل لا يعرف نسبه ولا رقه، نُبِذ.
لا يعرف نسبه: لأنه لو عرف نسبه ليس بلقيط.
ولا رقه: لأنه إذا علمنا رقه فليس بلقيط، لأنه مال فيكون لبيت مال المسلمين.
م/ وهي على ثلاثة أضرب.
أي: إن اللقطة باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أو لا؟ وهل يُعرّف أو لا؟ ثلاثة اضرب:
стр. 784
م/ ما تقل قيمتُه، كالسوط والرغيف ونحوهمِا، فيُملك بلا تعريف.
هذا هو الضرب الأول، وهو ما تقل قيمته، ولا تتبعه همة أوساط الناس، أي لا يهتم الناس إذا فقد.
ومثّل المصنف ﵀ لهذا الضرب بالسوط والرغيف، ومثل ذلك القلم إذا كان رخيصاً كقلم الرصاص، فهذا النوع يملك بلا تعريف، أي يملكه واجده بمجرد التقاطه، ويباح له الانتفاع به، ولا يحتاج إلى تعريف.
لحديث أنس. (أن النبي ﷺ مر بتمرةٍ في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) رواه البخاري ومسلم.
فهذا دليل على أن التمرة ونحوها مما لا تتبعه همة أوساط الناس، إذا وجدها الإنسان ملقاة في الطريق يأخذها ويأكلها إن شاء، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً، خشية أن تكون من الصدقة التي حرمت، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، مما يدل على أنه ليس لها حكم اللقطة.
قال الحافظ ابن حجر: قوله (لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفاً، فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف.
قال في الشرح: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة اليسير والانتفاع به.
• لكن يشترط في هذا القسم أن لا يكون عالماً بصاحبه.
стр. 785
م/ الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، فلا تملك بالالتقاط مطلقاً.
صغار السباع: كالذئب والثعلب ونحوها.
هذا الضرب الثاني: أي: أن ما يمتنع من صغار السباع لا يملك بالتقاطه، لأنه يحرم أخذه، ولو عرّفه لم يملكه، لأنه متعدٍ بأخذه.
والذي يمتنع من صغار السباع: إما لضخامته ﴿كالإبل، والخيل، والبقر، والبغال﴾، وإما لطيرانه ﴿كالطيور﴾، وإما لسرعة عدوها ﴿كالظباء﴾، وإما لدفعها عن نفسها بنابها ﴿كالفهد﴾.
والدليل على تحريم أخذه حديث زيد بن خالد - الذي سيذكره المصنف بعد قليل - أن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل؟ فقال: مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها).
• يستثنى من ذلك ما إذا وجد الضالة في مهلكة لا ماء فيها ولا مرعى أو أرض مسبغة، أو قريباً من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، فإنه يردها أو يأخذها بقصد الإنقاذ لا الالتقاط، ولا ضمان عليه، لأن فيه إنقاذها من الهلاك، أشبه تخليصها من حريق ونحوه.
стр. 786
م/ والثالث: ما سوى ذلك.
أي: الضرب الثالث من أقسام اللقطة ما عدا ما ذكر من القسمين المتقدمين وهما: ما تقل قيمته، وضوال الحيوان.
فيدخل في هذا القسم ما يهتم به الناس مما ليس بحيوان كالدراهم والأمتعة، ويدخل فيه ما لا يمتنع من صغار السباع مثل الغنم والعجاجيل.
هذا القسم، قال فيه المصنف ﵀:
стр. 787
م/ فيجوز التقاطه.
أي: هذا القسم يجوز أخذه.
لكن هل الأفضل الالتقاط أم عدمه؟ اختلف العلماء في ذلك.
القول الأول: الأفضل الالتقاط.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( .... وقد جاء في هذا الحديث أسئلة عن الضالة، وفيه قال ﷺ : وسئل عن الضالة فقال: لك أو لأخيك أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتيَ باغيها) رواه أحمد
فقالوا: فقوله (اجمعها .. ) دليل على استحباب التقاط القطة.
وقالوا: إن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه، وفي التقاط اللقطة حفظ لمال أخيك.
القول الثاني: الترك الأفضل.
وهذا قول الإمام أحمد وجماعة من السلف.
قالوا: لأنه إذا التقط اللقطة يكون قد عرضه للحرام، لأنه قد يقصر في حقها وفي تعريفها.
القول الثالث: أنه مخير.
وهذا مذهب المالكية.
لحديث زيد بن خالد - الآتي - فإن ظاهره أن الملتقط مخير.
والراجح التفصيل:
إن أمِنَ من نفسه الخيانة، ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها التعريف الشرعي، فالأفضل الالتقاط، لأن في ذلك حفظ مال الغير.
وإن عرف من نفسه الخيانة، أو سيعجز عن تعريفها أو سيفرط فيها فالأولى هنا الترك، لما في ذلك من تضييع مال غيره وتعريض نفسه للوقوع في الحرام.
стр. 788
م/ ويملكه إذا عرّفه سنة كاملة.
أي: يملك هذه اللقطة بعد تعريفها سنة كاملة، فيجب أن يعرفها وينشدها سنة كاملة.
• فالتعريف لمدة سنة واجب: لقوله ﷺ (ثم عرفها سنة).
• والتعريف: هو أن ينادي في الموضع الذي وجدها فيه، وفي مجامع الناس.
• وكيفيته: في الأسبوع الأول من التقاطها ينادي كل يوم، لأن مجئ صاحبها في ذلك الأسبوع أحرى، ثم بعد الأسبوع ينادي عليها على حسب عادة الناس في ذلك.
قال ابن قدامة: إذا ثبت هذا، فإنه يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط، وتكون متوالية في نفسها، لأن النبي ﷺ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر يقتضي الفور، ولأن القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها، وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متوالياً، لأن صاحبها في الغالب إنما يتوقعها ويطلبها عقب ضياعها، فيجب تخصيص التعريف به.
• ويذكر الملتقط جنسها لا غير، فيقول من ضاع له ذهب مثلاً، من ضاع له ثياب.
لأنه لو وصفها لعلم من يسمعها فلا تبقى دليلاً على ملكها.
• فإذا عرف سنة كاملة فإنه يمتكلها قهراً.
سواء كان الملتقط غنياً أو فقيراً، لكنه ملك مقيد بما إذا جاء صاحبها.
لحديث زيد ( .. ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة .. ).
• لكن يجب عليه قبل أن يتصرف فيها ضبط صفاتها، بحيث لو جاء صاحبها في أي وقت ووصفها ردها عليه إن كانت موجودة أو ردّ بدلها إن لم تكن موجودة، لأن ملكه لها مراعى يزول بمجيء صاحبها.
ثم ذكر المصنف ﵀ حديث زيد بن خالد ليستدل به على أحكام اللقطة.
стр. 789
م/ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ قَالَ «مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) متفق عليه.
معاني الكلمات:
اعْرِفْ عِفَاصَهَا: العفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة.
وَوِكَاءَهَا: الوِكاء هو الخيط الذي يشد به العفاص.
وأمر النبي ﷺ بمعرفة ذلك لأمرين:
الأمر الأول: لأجل أن يميزها من بين ماله، فلا تلتبس بماله.
الأمر الثاني: لأجل أن يعرف صدق واصفها من كذبه.
ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً: هذا أمر بالتعريف، وسبق معنى التعريف.
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا: جاء في رواية (فأدِّها إليه) وذلك بعد معرفة صفاتها.
وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا: أي: وإن لم يأت صاحبها فتصرف فيها.
قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ: أي: ما حكمها؟ الضالة: أكثر ما يطلق على الحيوان، والضال: المال الضائع.
قَالَ: لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ: أو هنا للتقسيم والتنويع، أي أن الشاة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، فهي إما لك: أيها المخاطب تأخذها وتنتفع بها. أو لأخيك: المراد أخوة الدين.
قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ: أي ما حكمها؟
قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا: هذا استفهام إنكاري، والمعنى: مالك ولها، لماذا تأخذها والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، بدليل قوله (معها سقاؤها وحذاؤها ...... ). ويدل على أن هذا الاستفهام إنكاري ما جاء في رواية ( ..... فغضب النبي ﷺ حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه فقال: مالك ولها).
مَعَهَا سِقَاؤُهَا: السقاء هو جوفها الذي يحمل الماء.
وَحِذَاؤُهَا: الحذاء هو خفها.
قال العلماء: وفي هذا تنبيه من النبي ﷺ إلى أن الإبل غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب الله في طباعها من الجلادة على العطش وتناول الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشيء.
حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا: أي صاحبها الذي أضلها.
• الحديث دليل على اباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلاً، لأن النبي ﷺ أجاب السائل على سؤاله وأمره بمعرفة العفاص والوكاء، ولو كان الالتقاط منهياً ما أجابه النبي ﷺ .
стр. 790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• الحديث دليل على أن واجد اللقطة مطالب بمعرفة جميع صفاتها.
• الحديث دليل على وجوب تعريف اللقطة سنة كاملة كما سبق.
• إذا عرفها اللاقط حولاً، فلم يعرف مالكها صارت من مال الملتقط حكماً [أي قهراً] سواء كان غنياً أو فقيراً.
لقوله ﷺ : (فإن لم تعرف فاسْتنْفقها) وفي رواية: (ثم عرفها سنة، فإذا جاء صاحبها وإلا شأنك بها). أي إن جاء صاحبها فأدها إليه، وإن لم يجيء فشأنك بها.
وفي رواية: (فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها).
• واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟
الجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت.
لقوله ﷺ في رواية: (ولتكن وديعة عندك).
وجاء عند مسلم: (فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه).
قال ابن حجر: فإن ظاهر قوله: (فإن جاء صاحبها … ) بعد قوله: (كلها) يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل.
قال ابن حجر: وأصرح من ذلك رواية أبي داود: (فإذا جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه) فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور.
والحديث دليل أيضاً على أنه يدفعها إليه من غير إشهاد ولا بينة، لأن وصفها يكفي، ولأن الرسول ﷺ لم يأمر بذلك.
• تصرف الملتقط في اللقطة: له أحوال:
أولاً: أثناء الحول، لا يجوز أن يتصرف فيها، لأنها ليست ملكاً له.
ثانياً: بعد الحول، فله أن يتصرف فيها، لكن بعد أن يعرف صفاتها، من أجل إذا جاء صاحبها دفعها إليه.
• إذا جاء من يدعي اللقطة، وعرف صفاتها، فإنها تدفع إليه دون بينة.
لأن النبي ﷺ أطلق وقال: (فإذا جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه).
قال ابن المنذر: " هذا الثابت عن رسول الله ﷺ وبه أقول ".
• أجرة التعريف على ربّ اللقطة.
هذا القول هو الصحيح، لأن التعريف من مصلحته.
اللقيط
تعريفه: هو طفل ضل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ.
لا يعرف نسبه: لأنه لو عرف نسبه ليس بلقيط.
ولا رقه: لأنه إذا علمنا رقه فليس بلقيط، لأنه مال فيكون لبيت مال المسلمين.
стр. 791
م/ والتقاط اللقيط، والقيام به: فرض كفاية.
أي: إن أخذ اللقيط والقيام عليه فرض كفاية (إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي).
لأنه آدمي محترم.
قال في المغني ( .. وجوبه على الكفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين، فإن تركه الجماعة أثموا إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه).
• وحكم اللقيط حر مسلم.
في قول عامة أهل العلم.
لأن الأصل في الآدميين الحرية.
مسلم: وهذا إذا كان في دار إسلام خالصة أو بالأكثرية.
لقوله ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة .. ) متفق عليه.
(واختلف إن وجد في دار كافرة: فقيل: يعتبر كافر تبعاً للدار، وقيل: يعتبر مسلم.
والراجح: والله أعلم).
стр. 792
م/ فإن تعذر بيت المال فعلى من علم بحاله.
كيف ينفق على اللقيط؟
إن وجد معه شيء صرف عليه منه، وكذلك ما وجد منه قريباً أو متصلاً به.
فإن لم يكن معه شيء من ذلك فإنه ينفق عليه من بيت المال. (كما هو الحال الآن).
فإن تعذر بيت المال فعلى من علم بحاله من المسلمين، لأنه طفل مسلم يجب حفظه ورعايته.
• وتكون حضانته لواجده بشرط أن يكون أميناً.
لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين علم أنه رجل صالح.
• وميراثه لبيت المال.
وهذا قول أكثر العلماء.
(وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ميراثه لملتقطه لحديث واثلة بن الأسقع. قال: قال رسول الله: المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه) رواه أبو داود.
стр. 793
باب المسابقة والمغالبة.
المسابقة والسبْق - بسكون الباء - بمعنى واحد وهو: المسابقة وبلوغ الغاية قبل غيره.
والسبَق - بفتح الباء - العوض والجعل، وهو ما يتراهن عليه المتسابقون، فمن سبق أخذه.
م/ وهي ثلاثة أنواع.
أي: أن المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أنواع.
стр. 794
م/ نوع يجوز بعوض وغيره: وهي مسابقة الخيل والإبل والسهام.
هذا النوع الأول، وهو ما يجوز بعوض وبغير عوض وهي المسابقة على الخيل والإبل والسهام، فهي يجوز فيها العوض ومن غير عوض.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا سبَق إلا في خف، أو نَصْلٍ، أو حافر) رواه أحمد وأبو داود.
لا سبَق: بفتح الباء وهو العوض ما يجعل من الجوائز للسابق.
ومعنى الحديث: أي لا أخذ عوض إلا في هذه الثلاثة، وأنه اذا حصل سباق في غير هذه الثلاثة فإنه يجوز لكن بدون عوض، ويكون أكل المال بهذه الثلاثة مستثى من جميع أنواع المغالبات.
إلا في خف: هذا كناية عن الإبل لانها هي ذات الخف.
أو نَصْل: هي حديدة السهم والرمح.
أو حافر: كناية عن الخيل لأنها هي ذات الحافر.
• وإنما جاز العوض في هذه الثلاثة، لأن في بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه.
• أما أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة (كالبغال والحمير) ففيها قولان:
القول الأول: المنع.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة وقول ابن حزم وكثير من السلف والخلف.
لان غير هذه الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية، وتعلم أسباب الجهاد.
ولأن هذه الثلاثة هي التي عهدت عليها المسابقة في عهد النبي ﷺ ، ولم يسابق قط على بغل ولا على حمار مع وجودها عندهم.
القول الثاني: الجواز. في كل ذات حافر من البغال والحمير.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
لأنها ذوات حوافر، وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجائها، لأنها تحمل أثقال العساكر، وتكون معها في المغازي.
والقول الأول أرجح.
стр. 795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اشترط جمهور العلماء وجود محلل إذا كان الجعل من الطرفين، لإخراج العقد من صورة القمار.
والمحلل: اسم فاعل من حلل: جعله حلالاً، لأنه حلل الجعل بدخوله، والمقصود به هنا: الفرس الثالث من خيل الرهان، وذلك بأن يضع الرجلان رهنين بينهما، ثم يأتي رجل سواهما فيرسل معهما فرسه، ولا يضع رهناً.
واستدلوا بحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من أدل فرساً بين فرسين - وهو لا يأمن أن يسبق - فلا بأس، وإن أمن فهو قمار) رواه أبو داود (وهو حديث ضعيف).
والصحيح أنه لا يشترط وجود محلل وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، لأمور:
أولاً: عدم ثبوت الحديث في ذلك.
ثانياً: لو كان المحلل شرطاً لصرح به.
وعلى هذا فإخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه، لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر.
• اختلف العلماء في المسابقات العلمية فجمهور العلماء على المنع للحديث (لا سبق … ) فالحديث فيه الحصر، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه، لقيام الدين بالجهاد والعلم،
قال ابن القيم: فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز.
• القمار: قيل: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو أن يكون الداخل فيه غانماً إن أخذ أو غارماً إن أعطى.
стр. 796
م/ ونوع يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض وهي: جميع المغالبات بغير الثلاثة المذكورة.
هذا النوع الثاني وهو ما يجوز بلا عوض ويحرم بعوض، وهذا هو الأصل، وهو الأغلب، ويدخل في هذا المسابقة على الأقدام والمصارعة وحمل الأثقال، فهذا يحرم أخذ المال فيه حتى لا يتخذ عادة وصناعة ومتجراً، وأبيح بدون مال لما فيه من إجمام للنفس وترويح لها، وتقوية للبدن.
عن عائشة قالت (كنت مع النبي ﷺ في سفر فسابقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة) رواه أبوداود.
وعن ركانة (أنه صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ رواه أبوداود.
وهذا النوع لا يجوز بعوض من الطرفين: لأن في بذل السبق من المسابقين قمار، لأن كل واحد من المتسابقين يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه.
• لو كان الجعل من الإمام فإنه يجوز من غير خلاف.
قال النووي: فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين.
وقال الصنعاني: فإذا كان الجعل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف.
ويدل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وأعطى السابق) رواه أحمد.
• إذا كان الجعل من أحد المتسابقين وصورته: أن يقول أحد المتسابقين للآخر: سابقني فإن سبقتني فأعطيك سبقاً وجعْلاً مقداره كذا، ولا يُخرج الآخر شيئاً من ماله البتة.
وهذه الصورة جمهور العلماء على جوازها لانتفاء شبهة القمار.
стр. 797
م/ وبغير النرد والشطرنج فتحرم مطلقاً وهو النوع الثالث.
هذا النوع الثالث من المسابقات: وهو ما لا يجوز مطلقاً لا بعوض ولا بغير عوض.
من أمثلتها:
النرد.
فإذا كان اللعب بها على مال للغالب فهي حرام بالاتفاق، وإذا كان بغير مال فحرام عند جماهير العلماء.
لحديث بريدة. أن النبي ﷺ قال (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه) رواه مسلم.
قال النووي: هذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد.
ولحديث أبي موسى. قال: قال ﷺ (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) رواه أبوداود.
قال بعض العلماء: أخبر أن من لعب بها عاص لله، وذلك يقتضي النهي عن اللعب، وهذا عام في اللعب بها على أي وجه كان من قمار أو غيره.
واللعب بها يجر إلى مفاسد:
منها: المقامرة بها.
ومنها: أن لعبها ولو بغير مال يفضي إلى إِلف النفوس لها والمداومة عليها.
ومنها: أن النفوس مجبولة على حب الغلبة والرفعة، وكثرة المغالبة تؤدي إلى التحاسد والتباغض والتظالم.
ومنها: قالت طائفة من العلماء بأن أصل وضعه كان مبنياً على نفي القدر وإحياء سنة المجوس.
يقول ابن تيمية: قيل: الشطرنج مبني على مذهب القدر، والنرد مبني على مذهب الجبر، فإن صاحب النرد يرمي ويحسب بعد ذلك، وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدر ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل.
• الشطرنج:
إذا كان على مال فمحرم بالإجماع، وأما بغير مال فجماهير العلماء على تحريمها.
وقد جاءت أحاديث في تحريمها لا يصح منها شيء.
لكن صح عن علي أنه مر بقوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.
وعن مالك قال (بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها).
قال الذهبي: ولو كان اللعب بها حلالاً لما جاز له أن يحرقها لكونها مال اليتيم، ولكن لما كان اللعب بها حراماً أحرقها، فتكون من جنس الخمر إذا وجد في مال اليتيم وجبت إراقته.
وقياساً على النرد.
стр. 798
باب الغصب
م/ وهو الاستيلاء على مال الغير بغير حق.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الغصب: وهو عند الفقهاء: هو الاستيلاء على حق الغير قهراً بغير حق.
الاستيلاء: أي: إن الغصب تصرف فعلي، يقوم على الاستيلاء الذي ينبني على القهر والغلبة.
قهراً: خرج به لو استولى عليه خلسة أو سرقة، فإن هذا لا يعد غصباً اصطلاحاً.
فالسارق: هو من يأخذ المال خفية، والمختلس: هو من يأخذ الشيء جهاراً بحضرة صاحبه في غفلة منه.
بغير حق: خرج به الاستيلاء بحق، كاستيلاء الحاكم على مال المفلس ليوفي الغرماء.
стр. 799
م/ وهو محرم لحديث (من اقتطع شبراً من الأرض طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين) متفق عليه.
أي: أن حكم الغصب حرام.
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).
وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).
وقال ﷺ (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه.
وأجمع العلماء على تحريم الغصب في الجملة. (قاله ابن قدامة).
стр. 800
م/ وعليه ردهُ.
أي: أن الواجب في المال المغضوب، أنه يلزم الغاصب رده إن كان باقياً وقَدِر على رده.
قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه.
• ويجب رده بزيادته سواء كانت متصلة أو منفصلة.
مثال الزيادة المتصلة: غصب عناقاً صغيرة ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
مثال الزيادة المنفصلة: غصب شاة حاملاً فولدت عنده، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
• وكذلك يلزمه نقيضه:
فلو أن هذه البهيمة هزلت وقل لحمها وجب عليه أرشها فيضمن النقص.
стр. 801
م/ ولو غرم أضعافه.
أي: يجب رده ولو غرم أضعاف، فلو لم يتمكن من رده إلا أن يخسر الغاصب قيمته عشر مرات، فإنه يجب رده ولو غرم.
لقوله ﷺ (ليس لعرق ظالم حق) رواه أحمد.
стр. 802
م/ وعليه نقصه.
أي: وإن كان المغصوب حصل له نقص عند غاصبه فعليه أرش النقص، فإذا غصب أرضاً وغرس فيها فعليه أرش نقصها إن نقصها الغرس.
ومثل ذلك: ثوب تخرق، وبناء تهدم، وإناء تكسّر.
ومثل ذلك: لو غصب أمَة شابة وبقيت عنده لمدة شهرين وأتاها ما يوحشها فابيض شعرها، كانت بالأول تساوي: ١٠٠ ريال، والآن تساوي: ٥٠ ريالاً، فإنه يلزمه ضمان الخمسين، لأنها نقصت تحت استيلاء الغاصب، فوجب عليه الضمان، ولو ماتت عليه الضمان أيضاً.
لأنه نقْص حصل في يد الغاصب فوجب ضمانه.
• ما نقص بسعر هل يضمن؟
مثال: غصب شاة تساوي ٢٠٠ ريال، وبقيت عنده ولم يلحقها نقص في ذاتها ولا عيب، ولكن القيمة نقصت فصارت تساوي: ١٠٠، فردها الغاصب على صاحبها، فهل يضمن المائة؟
قيل: لا يضمن.
لأنه رد العين بذاتها لم تتغير.
وقيل: يضمن، واختاره ابن تيمية.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 803
م/ وأجرتُه مدة بقائه بيده.
أي: وإن غصب شيئاً له أجرة، كالعقار، والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، سواء استوفى المنافع أو تركها حتى ذهبت.
لأنها تلفت في يده العادية، فكان عليه عوضها.
فلو غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها.
стр. 804
م/ وضمانه إذا تلف مطلقاً.
أي: ويجب ضمانه إذا تلف مطلقاً، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدى ولم يفرط، لأن يده يد ظالم.
فإن كان مثلياً وجب ضمانه بمثله، وإن لم يكن له مثل ففي قيمته.
• المثلي: ما له نظير أو مقارب من معدود أو مكيل أو موزون أو مصنوع أو غير ذلك (وهذا قول ابن تيمية).
بدليل حديث أَنَس ﵁ (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ «كُلُوا». وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ) رواه البخاري.
ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين وحصول مقصود صاحبه.
مثال: فناجين القهوة يضمنها بفناجين قهوة مثلها.
فإذا لم يكن ضمانه بالمثلي ضمنه بقيمته.
стр. 805
م/ وزيادته لربه.
أي: وزيادة المغصوب لصاحبها وهو المغصوب منه كما سبق.
فلو غصب عناقاً صغيرة ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
فلو غصب شاة حاملاً فولدت عنده، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
стр. 806
م/ وإن كانت أرضاً فغرس أو بنى فيها فلربه قلعُه لحديث (ليس لعرق ظالم حق) رواه أبوداود.
أي: من غصب أرضاً فبنى فيها أو غرس زرعاً ألزِم قلع البناء والغرس.
لحديث عروة بن الزبير قال (قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض غرَسَ أحدهما فيها نخلاً، والأرض لآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يُخرج نخلَه منها، وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق) رواه أبوداود وحسنه الحافظ ابن حجر.
قال أبو عبيد: فهذا الحديث مفسر للعرق الظالم، وإنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس.
• أما إذا زرع فيها الغاصب: خُيِّرَ مالكها بين أخذ الزرع ويدفع نفقته للغاصب، وبين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، لأن الغاصب شغلها بماله، فملَك صاحبها أخذ الأجرة.
والقول بالتفريق بين الغرس فيقلع، والزرع فيبقى هو الأظهر من قولي أهل العلم، لأن الزرع مدته تطول ولا يعلم متى ينقلع من الأرض، بخلاف الزرع.
стр. 807
م/ ومن انتقلت إليه العين من الغاصب وهو عالم فحكمه حكم الغاصب.
أي: لو اشترى شخص بيتاً وهو يعلم أنه مغصوب، فهو شريك للغاصب، لأنه يعتبر شاركه في الغصب، لأن هذه العين ليس ملكاً له وإنما هي مغصوبة.
стр. 808
باب العارية
م/ العارية: إباحة المنافع.
ذكر المصنف ﵀ تعريف العارية، هي عند الفقهاء: دفع عين لمن ينتفع بها مجاناً ويردها.
قوله (لمن ينتفع بها) يخرج البيع، لأنه تمليك.
قوله (مجاناً) يخرج به الإجارة، لأنها تمليك المنفعة بمال.
قوله (ويردها) فيه إشارة إلى أن العارية إنما تكون حال حياة المعير، فيخرج بذلك الوصية بالمنفعة، لأنها تمليك بعد الوفاة.
من أمثلة العارية: أن يعيره كتاباً ليقرأ فيه، أو شيئاً من متاع البيت ليستخدمه، أو سيارة يركبها.
• وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (ويمنعون الماعون) أي المتاع يتعاطاه الناس بينهم، فقد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بـ (الماعون) ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض من الأواني أو الأمتعة، قال ابن مسعود (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر) رواه أبو داود.
وقال تعالى (العارية مؤداة) رواه أبوداود.
وعن أنس قال (كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرساً من أبي طلحة .... ) متفق عليه.
(واستعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية أدراعاً) رواه أبوداود.
وأجمع المسلمون على جواز العارية.
(أما بالنسبة للمعير فهي مباحة).
• تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة.
(كالدار، والعبيد، والجواري، والثياب، والحلي للبس).
(ينتفع) فلا يجوز إعارة ما لا نفع فيه.
(مباح) فلا يجوز إعارة المحرم مثل آلات اللهو.
ثم ذكر المصنف ﵀ حكم العارية بالنسبة للمعير.
стр. 809
م/ وهي مستحبة لدخولها في الإحسان والمعروف، قال ﷺ (كل معروف صدقة).
ذكر المصنف ﵀ حكم العارية:
بالنسبة للمعير سنة وقربة.
لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى).
وقال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
ولأن فيها عوناً للمسلم، وقضاء حاجته، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
(أما بالنسبة للمستعير فهي مباحة).
стр. 810
م/ وإن شرط ضمانها ضمنها، أو تعدى أو فرط ضمنها وإلا فلا.
ذكر المصنف ﵀ مسألة ضمان العارية، فذكر أن العارية تضمن في حالتين:
الحالة الأولى: إن شرط المعير ضمان العارية فإنها تضمن.
لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).
ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد).
ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم).
ولقوله ﷺ لصفوان لما استعار منه دروعاً يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: (بل عارية مضمونة) رواه أبو داود. د
ومعنى (بل عارية مضمونة) المعنى: أي أستعيرها منك متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان، فهو دليل على ضمانها عند الشرط، لأن المستعير تعهد بذلك.
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
الحالة الثانية: إذا فرط أو تعدى.
كأن أعطيه كتاباً ليقرأ فيه، فوضعه في حوش البيت فسرق فإنه يضمن، لأنه فرط فلم يحفظه في حرزه.
لكن لو وضعه في مكان محرز فجاء سارق فسرقه فإنه لا يضمن، لأنه ليس متعدياً ولا مفرطاً.
والدليل على أنه يضمن إذا تعدى أو فرط:
لأنه بتعديه أو تفريطه زال ائتمانه، فصار غير أمين، فيجب عليه الضمان.
وما ذكره المصنف ﵀ أن العارية لا تضمن إلا بالشرط أو التعدي والتفريط هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الصنعاني.
وذهب بعض العلماء - وهو المذهب - أن العارية مضمونة مطلقاً سواء فرط وتعدى أو لم يفرط ولم يتعدى واستدلوا بحديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود
• مؤنة رد العارية على المستعير.
لقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
وقال ﷺ (أد الأمانة إلى من ائتمنك) رواه أبوداود.
أن هذا المستعير قبض العين لمصلحته الخاصة.
لأن المعير محسن.
أننا لو ألزمنا المعير بموؤنة الرد فيه سد باب العارية.
• لا يجوز للمستعير أن يعير العارية: لأن المستعير يملك الانتفاع.
• ولا يؤجرها: لأن المستعير لا يملك النفع وإنما أذن له بالانتفاع.
следующие страницы →