← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

م/ وإن كانت أرضاً فغرس أو بنى فيها فلربه قلعُه لحديث (ليس لعرق ظالم حق) رواه أبوداود. أي: من غصب أرضاً فبنى فيها أو غرس زرعاً ألزِم قلع البناء والغرس. لحديث عروة بن الزبير قال (قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض غرَسَ أحدهما فيها نخلاً، والأرض لآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يُخرج نخلَه منها، وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق) رواه أبوداود وحسنه الحافظ ابن حجر. قال أبو عبيد: فهذا الحديث مفسر للعرق الظالم، وإنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس. • أما إذا زرع فيها الغاصب: خُيِّرَ مالكها بين أخذ الزرع ويدفع نفقته للغاصب، وبين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، لأن الغاصب شغلها بماله، فملَك صاحبها أخذ الأجرة. والقول بالتفريق بين الغرس فيقلع، والزرع فيبقى هو الأظهر من قولي أهل العلم، لأن الزرع مدته تطول ولا يعلم متى ينقلع من الأرض، بخلاف الزرع.

стр. 807

م/ ومن انتقلت إليه العين من الغاصب وهو عالم فحكمه حكم الغاصب. أي: لو اشترى شخص بيتاً وهو يعلم أنه مغصوب، فهو شريك للغاصب، لأنه يعتبر شاركه في الغصب، لأن هذه العين ليس ملكاً له وإنما هي مغصوبة.

стр. 808

باب العارية م/ العارية: إباحة المنافع. ذكر المصنف ﵀ تعريف العارية، هي عند الفقهاء: دفع عين لمن ينتفع بها مجاناً ويردها. قوله (لمن ينتفع بها) يخرج البيع، لأنه تمليك. قوله (مجاناً) يخرج به الإجارة، لأنها تمليك المنفعة بمال. قوله (ويردها) فيه إشارة إلى أن العارية إنما تكون حال حياة المعير، فيخرج بذلك الوصية بالمنفعة، لأنها تمليك بعد الوفاة. من أمثلة العارية: أن يعيره كتاباً ليقرأ فيه، أو شيئاً من متاع البيت ليستخدمه، أو سيارة يركبها. • وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (ويمنعون الماعون) أي المتاع يتعاطاه الناس بينهم، فقد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بـ (الماعون) ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض من الأواني أو الأمتعة، قال ابن مسعود (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر) رواه أبو داود. وقال تعالى (العارية مؤداة) رواه أبوداود. وعن أنس قال (كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرساً من أبي طلحة .... ) متفق عليه. (واستعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية أدراعاً) رواه أبوداود. وأجمع المسلمون على جواز العارية. (أما بالنسبة للمعير فهي مباحة). • تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة. (كالدار، والعبيد، والجواري، والثياب، والحلي للبس). (ينتفع) فلا يجوز إعارة ما لا نفع فيه. (مباح) فلا يجوز إعارة المحرم مثل آلات اللهو. ثم ذكر المصنف ﵀ حكم العارية بالنسبة للمعير.

стр. 809

م/ وهي مستحبة لدخولها في الإحسان والمعروف، قال ﷺ (كل معروف صدقة). ذكر المصنف ﵀ حكم العارية: بالنسبة للمعير سنة وقربة. لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى). وقال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). ولأن فيها عوناً للمسلم، وقضاء حاجته، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. (أما بالنسبة للمستعير فهي مباحة).

стр. 810

م/ وإن شرط ضمانها ضمنها، أو تعدى أو فرط ضمنها وإلا فلا. ذكر المصنف ﵀ مسألة ضمان العارية، فذكر أن العارية تضمن في حالتين: الحالة الأولى: إن شرط المعير ضمان العارية فإنها تضمن. لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد). ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم). ولقوله ﷺ لصفوان لما استعار منه دروعاً يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: (بل عارية مضمونة) رواه أبو داود. د ومعنى (بل عارية مضمونة) المعنى: أي أستعيرها منك متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان، فهو دليل على ضمانها عند الشرط، لأن المستعير تعهد بذلك. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. الحالة الثانية: إذا فرط أو تعدى. كأن أعطيه كتاباً ليقرأ فيه، فوضعه في حوش البيت فسرق فإنه يضمن، لأنه فرط فلم يحفظه في حرزه. لكن لو وضعه في مكان محرز فجاء سارق فسرقه فإنه لا يضمن، لأنه ليس متعدياً ولا مفرطاً. والدليل على أنه يضمن إذا تعدى أو فرط: لأنه بتعديه أو تفريطه زال ائتمانه، فصار غير أمين، فيجب عليه الضمان. وما ذكره المصنف ﵀ أن العارية لا تضمن إلا بالشرط أو التعدي والتفريط هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الصنعاني. وذهب بعض العلماء - وهو المذهب - أن العارية مضمونة مطلقاً سواء فرط وتعدى أو لم يفرط ولم يتعدى واستدلوا بحديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود • مؤنة رد العارية على المستعير. لقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). وقال ﷺ (أد الأمانة إلى من ائتمنك) رواه أبوداود. أن هذا المستعير قبض العين لمصلحته الخاصة. لأن المعير محسن. أننا لو ألزمنا المعير بموؤنة الرد فيه سد باب العارية. • لا يجوز للمستعير أن يعير العارية: لأن المستعير يملك الانتفاع. • ولا يؤجرها: لأن المستعير لا يملك النفع وإنما أذن له بالانتفاع.

стр. 811

باب الوديعة تعريفها: لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع. وشرعاً: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض. وعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، فخرج بذلك الأجير على حفظ المال. وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبوداود. وأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع. م/ من أودع وديعة: فعليه حفظها في حرز مثلها. ذكر المصنف ﵀ ما الواجب على من أودع عنده وديعة، وأنه يجب عليه: أولاً: حفظها، ثانياً: في حرز مثلها. لقال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها. (حرز مثلها) المكان الذي تحفظ فيه عادة. فالغنم مثلاً تحفظ في الأحواش، الذهب في الصناديق. • إذا دفع المودَع الوديعة لأجنبي فتلفت فإنه يضمن: لأنه خالف المودِع، فإنه أمره أن يحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره. • لكن هل يسن للمودَع قبول الوديعة؟ الجواب: أنه يستحب أن يقبلها إذا علم من نفسه أنه ثقة على حفظها. لأن في ذلك ثواباً جزيلاً. قال رسول الله ﷺ ( .. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وقال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). ولأن ذلك من باب إعانة المسلم.

стр. 812

م/ ولا ينتفع بها بغير إذن ربها. أي: أنه يجب على المودَع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها، ولا يجوز أن يستعملها بغير إذن صاحبها. لأنها أمانة. وعلى هذا: فإن تلفت عنده بغير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه لأنه أمين، والأمين لا يضمن إلا بتعد وتفريط. وأما إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن. أمثلة للتعدي والتفريط: أن يحفظها بدون حرزها، كأن يحفظ الدراهم في السيارة بدلاً من الصندوق، فإنه يضمن، لأنه فرط حيث لم يحفظها في حرز مثلها. أن يستعملها بغير إذن صاحبها، كأن يستعمل السيارة أو الدابة أو يقرأ الكتاب، فإنه يضمن، لأن فعله هذا تعدٍّ يستوجب الضمان. أن يتصرف في الوديعة بإجارة أو إعارة أو رهن أو إقراض ونحو ذلك، فإنه يضمن إذا كان بغير إذن المودِع.

стр. 813

باب الشفعة م/ وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه ببيع ونحوه. ذكر المصنف ﵀ تعريف الشفعة فقال: وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه ببيع ونحوه. وهي ثابتة بالسنة والإجماع. عن جابر. قال (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) متفق عليه. وأجمع العلماء على جواز الشفعة في الجملة، كما حكاه ابن المنذر وغيره. مثال الشفعة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على خالد، فنقول لزيد أن ينتزع نصيب عمرو من خالد بالثمن الذي استقر عليه العقد. وقوله (ببيع) أي: أن الشفعة تثبت بالبيع، وهذا بالإجماع. • واختلف العلماء هل تثبت بالهبة. فقيل: لا تثبت بالهبة لأنها انتقلت بغير عوض مالي. وهذا مذهب جمهور العلماء. وقيل: تثبت بذلك. لأن الضرر حاصل بالشريك الجديد، وهذا أرجح.

стр. 814

م/ وهي خاصة في العقار الذي لم يقسم لحديث جابر قال (قضى النبي ﷺ في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ أن الشفعة خاصة بالعقارات، وهذا لا خلاف فيه، واختلف العلماء في الشفعة للجار على أقوال: القول الأول: لا تثبت الشفعة للجار. وهذا قول جمهور العلماء. لحديث جابر السابق (قضى النبي ﷺ في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود .... ). وجه الاستدلال: أن الحديث دل على إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها بعد القسمة لوقوع الحدود وتصريف الطرق، والحدود بين الجارين واقعة، والطرق مصروفة، فتكون الشفعة منتفية. قالوا: ولأن الشفعة تثبت للشريك نظراً لوجود الضرر اللاحق بالشركة، أما إذا قسمت الأرض فلا شفعة لانتفاء الضرر. القول الثاني: تثبت الشفعة للجار مطلقاً. وهذا قول أبي حنيفة. لحديث أبي رافع قال: قال ﷺ (الجار أحق بصقبه) رواه البخاري. الصقب بفتح الصاد والقاف هو القرب والملاصقة. القول الثالث: أن الشفعة تثبت للجار إذا كان له مع جاره مرافق مشتركة من طريق واحد، أو حوش، أو مسيل، أو بئر مشتركة، ولا تثبت إذا لم يكن شيء من ذلك. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. لحديث جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً) رواه أبوداود. قالوا: ولأن الاشتراك في المرافق كالاشتراك في الملك بسبب كثرة المخالطة، ووجود الضرر بين الشركاء، وقد يؤدي ذلك إلى حصول النزاع فيما بينهم، والشفعة شرعت لإزالة الضرر. وهذا القول هو الراجح. • في قوله في حديث جابر (قضى النبي ﷺ في كل ما لم يقسم … ) استدل به بعض العلماء على أن الشفعة لا تثبت في المنقولات، كالسيارات، والكتب، والحيوانات ونحوها. وجه الدلالة: قالوا: إن النبي ﷺ قصر الشفعة على ما هو عقار وليس بمنقول، بقرينة وقوع الحدود وتصريف الطرق، وهذا مما يختص بالعقار. وقالوا: ولأن الضرر في المنقول ضرر يسير، ثم هو عارض لا يتأبد. القول الثاني: أن الشفعة تثبت في المنقول ولا تختص بالعقار. وهذا قول الظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز. لعموم (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء) فإنه يتناول العقار والمنقول. ولأن حق الشفعة لم يثبت إلا لدفع الضرر، والضرر كما يوجد ويتوقع في العقار، كذلك يوجد ويتوقع في المنقول، بل قد يكون في المنقول أشد. وهذا القول هو الراجح.

стр. 815

م/ ولا يحل التحيل لإسقاطها، فإن تحيل لم تسقط لحديث (إنما الأعمال بالنيات). أي: يحرم أن يتحيل لإسقاط الشفعة. [سبق تعريف الحيلة]. والتحيل لإسقاط حق حرام. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة. وقد مسخ الله قرية تحايلوا فجعلهم قردة. من صور التحيل: أن يظهر الشريك والمشتري أن البيع بثمن كبير. مثال: أن يبيعه بعشرة آلاف، ويقول أنني بعتها بخمسين ألف، فإن الشريك الآن لن يطالب بالشفعة، لأنه إذا طالب سوف يأخذها بالثمن الذي استقر عليه العقد. والله تعالى أعلم

стр. 816

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ). من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب (الإقرار) (لا أسمح باختصارها أو حذف شيء منها أو أي تصرف فيها) بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 817

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد: فهذا شرح كتاب منهج السالكين في توضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، قمت بشرحه في مدينة رفحاء ضمن الدورة العلمية الأولى التي أقامها مكتب الدعوة والإرشاد برفحاء. أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعلم الصالح وهذه المذكرة تتضمن من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب أخوكم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 818

باب الوقف م/ وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. ذكر المصنف ﵀ تعريف الوقف فقال: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. مثال: أن يقول هذا بيتي وقف على الفقراء، فأصل البيت محبوس (ثابت لا يباع ولا يوهب ولا يورث)، لا يمكن أن يتصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غير ذلك، ومنفعته مطلقة للفقراء، فكل من كان فقيراً استحق هذا الوقف. • تسبيل المنفعة: أي الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجرة.

стр. 819

م/ وهو أفضل القرب وأنفعها. ذكر المصنف ﵀ أن الوقف من أفضل القرب إلى الله وأجل الطاعات التي حث الله عليها ووعد بالثواب الجزيل، لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير، ولأنه إحسان إلى الموقوف عليه، إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل، أو للحاجة إليهم، كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين ونحوهم، وفيه إحسان للواقف، حيث يجري عليه ثواب وقفه بعد انقطاع أعماله ورحيله عن هذه الدار. لقوله تعالى (وافعلوا الخير). وذكر المصنف ﵀ الحديث الدال على فضله:

стр. 820

م/ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن العلماء فسروا الصدقة الجارية بالوقف. [إذا مات الإنسان انقطع عمله] يعني بزوال التكليف بالموت وخروجه من دار العمل إلى البرزخ، وليس البرزخ مكاناً للعمل، ومعنى انقطع عمله: يعني انقطع ثوابه. [إلا من ثلاثة] إلا من ثلاثة أشياء، فإن ثوابها يدوم للإنسان بعد موته لدوام أثرها. [صدقة جارية] المراد بها الصدقة المتصلة التي استمر نفعها كوقف العقارات والكتاب والمصاحف والأواني ونحو هذا مما يستمر نفعه ببقاء عينه. [أو علم ينتفع به] قوله (ينتفع به) هذا قيد، فهذا يخرج العلم الذي لا نفع فيه، أو العلم الذي فيه مضرة كعلم النجوم يتعلمه، وكذا العلوم المفسدة للدين والأخلاق فلا تدخل في الحديث. والمراد بالعلم الذي ينتفع به ما يلي: العلم الذي علمه الطلبة المستفيدين المستعدين للعلم - العلم الذي ينشره بين الناس - الكتب التي ألفها في نفع المسلمين، قال العلماء: والكتب أعظمها أثراً لطول بقائها. [أو ولد صالح يدعو له] المراد بالصلاح الاستقامة على طاعة الله، (الحديث يشمل ولد الصلب وولد الولد، ويشمل الذكر والأنثى)، وصْف الولد بالصلاح: ليكون دعاؤه مجاباً فينتفع والده بدعائه، وفائدة التقييد بالولد - مع أن دعاء غير الولد ينفع - هو تحريض الولد على الدعاء لوالديه. • الحديث دليل على أن الإنسان إذا مات انقطع أجر عمله، لأن الله جعل الدنيا دار تزود وعمل، إلا من هذه الأشياء الثلاثة فإنها تبقى ويبقى أثرها وثوابها بعد موت الإنسان، ومن هذه الثلاثة: الصدقة الجارية، والمراد بها عند العلماء: الوقف، وهذا يدل على صحة الوقف وعظيم ثوابه عند الله تعالى بسبب بقاء نفعه ودوام ثوابه. وهذه الأشياء الثلاثة إنما بقيت للإنسان بعد موته لأنها من آثار عمله. وقال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ عنده مقدرة إلا وقف. • المقصود من الوقف أمران: الأمر الأول: الأجر الحاصل للواقف. الأمر الثاني: نفع الموقوف عليه في عين الوقف أو غلته. مثال: قلت هذا البيت وقف على زيد من الناس - لو أراد أن يسكنه فهنا انتفع بعين الوقف، ولو أجر الناظر البيت وأعطاه الغلة فهنا انتفع بغلته.

стр. 821

م/ إذا كان على جهة بر، وسلِم من الظلم. أي: يشترط في الوقف أن يكون على جهة بر وطاعة، كالمساجد، والفقراء، واليتامى ونحوها. لأن المقصود به التقرب إلى الله، كبناء مسجد أو مدرسة علمية، أو داراً ريعها للفقراء. لو قال: هذا وقف على الأغنياء، فإنه لا يصح، لأنهم ليسوا محلاً للقربة. • أما إذا كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على بر [لكن يشترط ألا يكون إثم]. مثال: وقفت هذا البيت على فلان الغني، فإنه يصح، لأنه ليس على جهة. • ومما يشترط في الوقف: أن يكون مما ينتفع به انتفاعاً مستمراً مع بقاء عينه. فإذا كان لا ينتفع به على سبيل الدوام فلا يصح وقفاً. مثال: الطعام، لا يصح وقفه، لأنه ينفد. مثال: قلت: هذه الخبز وقف لله تعالى على الجائعين، فهذا لا يصح وقفاً، وتكون صدقة. لو وقّف حماراً مقطع الأرجل، فإنه لا يصح، لأنه لا ينتفع به. الوقف الجائز: مثل العقارات والكتب والأواني، مثال: هذه الأواني وقف يوضع بها الطعام للفقراء. مثال آخر: أن يقول: هذا السلاح وقف على المجاهدين في سبيل الله.

стр. 822

م/ عن ابن عمر قَالَ (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ. قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، [غَيْرَ] أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ، وَفِي اَلْقُرْبَى، وَفِي اَلرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ، وَابْنِ اَلسَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ﴿تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ). ذكر المصنف ﵀ حديث عمر حينما أوقف أرضاً بخيبر، ليستدل به على بعض أحكام الوقف. [أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا فَأَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا﴾ أي يستشيره في التصرف في هذه الأرض. ﴿أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْه﴾ أي أعز وأجود، لأن النفيس هو الشيء الجيد المغتبط به. ﴿إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا﴾ بتشديد الباء ويجوز التخفيف، وأصل الحبس لغة المنع. ﴿وَتَصَدَّقْتَ بِهَا﴾ أي وتصدق بغلتها وبريعها أو بمنفعتها وقد جاء في رواية عند النسائي: احبس أصلها وسبّل ثمرها. [فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ] وهو من لا يقدر على نصف كفايته وكفاية عائلته لا بماله ولا بكسبه. [وَفِي اَلْقُرْبَى] أي الأقارب، والمراد بهم قرابة عمر. [وَفِي اَلرِّقَابِ] جمع رقبة، والمراد هنا فك الإنسان من الرق أو الأسر، والمعنى: أنه يشترى من غلة الوقف رقاباً فيعتقون، أو يعان المكاتبون الذين كاتبوا أسيادهم على مقدار من المال يعتقون بدفعه. [وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ] اختلف في معناه فقيل: المراد به الجهاد فيشمل شراء الأسلحة وأدوات الحرب ونحو ذلك، وقيل: أن المراد قي سبيل الله، كل ما أعان على اعلاء كلمة الله ونشر دينه ونفع المسلمين، وعلى هذا التفسير يدخل فيه أبواب كثيرة جداً فيدخل فيه إعانة المجاهدين، وبناء المساجد والمدارس ودور الرعاية والمستشفيات ويدخل أيضاً شراء الكتب وتوزيعها أو المساهمة بطبعها، ورعاية الأيتام والمعوقين والأرامل. [وَابْنِ اَلسَّبِيلِ] أي المسافر الذي انقطع به السفر ولم يستطع مواصلة السفر، فهذا يعطى من ريع الوقف ما يوصله إلى بلده. [وَالضَّيْفِ] هو من ينزل بالقوم يريد القراء. [لا جُنَاحَ] أي لا حرج ولا إثم. [عَلَى مَنْ وَلِيَهَا] أي قام بحفظها وإصلاحها (أي الأرض). [أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا] أي يأخذ من ريعها ما يحتاج إليه من طعام أوكسوة أو مركب. [بِالْمَعْرُوفِ] هذا قيد، فأخْذه مقيد بالمعروف، وهو ما جرى به العرف وأقره الشرع. [وَيُطْعِمَ صَدِيقاً] قيل: المراد صديق الناظر، وهذا الأقرب لرواية البخاري (أو يوصل صديقه) وقيل: المراد صديق الواقف، وهذا فيه بُعد. [غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً] التمول: اتخاذ المال أكثر من حاجته، والمراد: أن الناظر يأكل من الوقف لكن لا يتملك منه شيئاً، فلا يأخذ - مثلاً - من الوقف ألف ريال، (٥٠٠) يأكلها، و (٥٠٠) يودعها في رصيده.

стр. 823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • هذا الحديث أصل عظيم في باب الوقف. • الحديث دليل على فضل الوقف وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر. • الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه طمعاً في ثواب الله، قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). • الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يستشير غيره لاسيما ذو الفضل وأهل الدين والعلم. • الحديث دليل على أن لفظ التحبيس صريح في الوقف فلا يحتاج إلى أمر زائد من نية أو قرينة لفظية، فإذا قال: حبست هذه الأرض، أو حبست هذا البيت، صار وقفاً. • الحديث دليل على أنه لا يجوز التصرف بالوقف لا ببيع ولا بإرث ولا بهبة. • الحديث دليل على أن للواقف أن يشترط في وقفه شروطاً ما لم تخالف الشرع. • الحديث دليل على وجوب العمل بشرط الواقف ما لم يخالف الشرع كما سيأتي. • الحديث دليل على أن الوقف عقد لازم بمجرد القول، فلا يملك الواقف الرجوع فيه، وهذا قول الجمهور من العلماء. وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر عمر أن يحبّس الأصل، والحبس هو المنع، والقول أن الوقف عقد جائز ينافي التحبيس. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ ذكر أحكام الوقف فقال (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ .... ). وقال أبو حنيفة: إن الوقف عقد جائز، فللواقف أن يرجع في وقفه متى شاء. واستدل بحديث ابن عباس. أن النبي ﷺ قال (لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض (المواريث) قال النبي ﷺ : لا حبس عن فرائض الله) رواه الطحاوي وسنده ضعيف. والصحيح القول الأول. • اختلف العلماء في حكم بيع الوقف على أقوال ثلاثة؟ القول الأول: أنه لا يجوز بيعه بحال.

стр. 824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا مذهب مالك والشافعي. لحديث الباب (غير أنه لا يباع أصلها). القول الثاني: أنه يجوز بيع الوقف والرجوع فيه. وهذا مذهب أبي حنيفة. وهو قول ضعيف. القول الثالث: أنه لا يجوز بيعه ولا إبداله إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية ولم يمكن الانتفاع به ولا تعميره أو إصلاحه. وهذا قول الإمام أحمد وهو اختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. لو كان الوقف بيتاً فانهدمت، أو كان مسجداً ورحل عنه أهل القرية فعلى هذا القول أنه يجوز بيعه وإبداله بشيء آخر يستمر فيه نفعه للواقف. لما ورد عن عمر (كتب إلى سعد - لما بلغه أن بيت المال الذي في الكوفة قد نَقَب - تهدم - قال عمر: انقل المسجد الذي بالتمّارين، واجعل بيت المال في قِبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصلٍّ) أخرجه الطبراني، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعاً [قاله في المغني]. ويؤيد هذا أن بقاء العين بلا منفعة لا فائدة فيه، وحرمان له من ثوابه. • الحديث دليل على أنه يشترط للواقف أن يشترط الاستفادة من وقفه.

стр. 825

م/ وأنفعه: أفضله للمسلمين. أي: أفضل الوقف ما كان أكثر نفعاً، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان، ولذلك ينبغي للواقف أن يستشير من يثق بدينه وعلمه وخبرته واطلاعه.

стр. 826

م/ وينعقد بالقول الدال على الوقف. أي: وينعقد الوقف بالقول، والقول ينقسم إلى قسمين: صريح: وهي ما لا يحتمل إلا الوقف، فيكفي فيه اللفظ، فبمجرد ما يتلفظ باللفظ الصريح تثبت هذه العين وقفاً وهي: وقّفتُ، وحبّستُ، وسبّلتُ. مثال: وقفت داري هذه على طلاب العلم [تصير وقفاً بمجرد نطقه بذلك]. مثال: حبّست سيارتي على طلاب العلم [تصير وقفاً بمجرد نطقه بذلك]. الثانية: الكناية: وهي ما يحتمل الوقف وغيره، فلا يكفي فيه اللفظ، بل يشترط انضمام أمر زائد إليه. والكناية هي: تصدقت، حرمت، أبدت. فهذه لا تنعقد بها الوقف إلا بثلاثة شروط: ١ - النية: مثال: قال تصدقت بداري، وينوي أنها وقف، فإنها تصير وقفاً، لأنه نوى بذلك. لأن قوله [تصدقت بداري] لفظ مشترك، فيحتمل أن تكون الصدقة التي ليست هي بوقف، ويحتمل أنه يريد وقفاً، فلما كان لفظاً مشتركاً اشتُرِط فيه النية. ٢ - أن يقترن بها أحد الألفاظ الصريحة أو الباقي من ألفاظ الكناية. فإذا تلفظ بلفظ من ألفاظ الكناية، وضم إليها لفظاً من الألفاظ الباقية، فحينئذ يزول الإشكال ويكون وقفاً. مثال: إذا قال تصدقت بداري صدقة موقوفة [تصير وقفاً]. مثال: قال تصدقت بهذه الدار صدقة محبسة [تصير وقفاً]. مثال: قال حرمت داري تحريماً مؤبداً أو تحريماً موقوفاً [تصير وقفاً]. ٣ - أن ينضم إلى هذا اللفظ [الذي هو الكناية] ما يدل على الوقف. كأن يقول: تصدقت بداري صدقة لا تباع فقوله [لا تباع] يدل على أن قوله تصدقت يريد بذلك الوقف، لأن الذي لا يباع هو الوقف. أو قال: تصدقت بداري هذه صدقةً لا تورث [فإنه يصير وقفاً] لأن الذي لا يُورث هو الوقف. • وينعقد القول بالصيغة الفعلية، مثال: أن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه، فهذا يكون وقفاً، لأن هذا الفعل منه يدل على ذلك، ولا يشترط أن يقول هذا وقف، لأن فعله يدل على ذلك.

стр. 827

م/ ويُرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع. أي: ويرجع في الوقف، وتحديد مصارفه وشروطه إلى لفظ الواقف وما حدده إذا لم يخالف الشرع. لأن عمر وقف وقفاً وشرط فيه شروطاً، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن فيه فائدة. ولأن الواقف إنما رضي بإخراج هذا الموقوف عن ملكه بهذا الشرط فيجب أن يتبع مثال: لو قال: أوقفت داري على أولادي وأولاد أولادي، فهنا جمع بين أولاده وأولاد أولاده، فيكون ريع الوقف لهم جميعاً، لأن هذا شرْطه. مثال: لو قال: هذا وقف على زيد وعمرو والمقدم زيد، فيعمل بشرطه، فإنه قد شرط التقديم لزيد، فيعطى زيد من الريع وما يكفيه، فإن فضل شيء فهو لعمرو، وإن لم يفضل شيء فلا شيء له. مثال: هذا وقف على أولاد فلان، والناظر عليه فلان، فيجب العمل بشرطه. • الشرط المخالف للشرع لا يجوز الوفاء به. هذا البيت وقف يصرف ريعه على أهل الموسيقى - حرام لأنها ليست جهة بر.

стр. 828

م/ ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، فيباع فيجعل في مثله أو بعض مثله. أي: لا يجوز بيع الوقف لقوله ﷺ لعمر (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ) هذا لفظ البخاري. • لكن استثنى المصنف ﵀ إذا تعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، أو محل بيع قلّ العائد منه. وما ذكره المصنف ﵀ من أنه يجوز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه هو قول الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. (وقد سبقت المسألة) ودليل ذلك ما روي أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نُقِبَ بيت المال الذي في الكوفة (أن انقل المسجد الذي بالتمّارين، واجعل بيت المال في قِبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصلٍّ) أخرجه الطبراني. وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعاً. [قاله في المغني]. ويؤيد ذلك أن بقاء العين بلا منفعة لا فائدة فيه للواقف، وحرمان له من ثوابه، وإذا كان المقصود من الوقف الانتفاع على الدوام، فإن ذلك يتم في عين أخرى، وبقاء الأول بلا نفع تضييع للغرض وتفويت له وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز بيعه مطلقاً، وهذا قول المالكية والشافعية لحديث عمر (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ). وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه والرجوع فيه، لأنه صدقة من الصدقات. وما ذهب إليه المصنف ﵀ ورجحه شيخ الإسلام هو الصحيح.

стр. 829

باب الهبة م/ وهي من عقود التبرعات. ذكر المصنف ﵀ أن الهبة والعطية والوصية من عقود التبرعات. لأن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقود تبرعات: كالقرض، والهبة، والوصية. عقود معاوضات (كالبيع، والإجارة). عقود توثيقات (كالرهن، والضمان).

стр. 830

م/ فالهبة: التبرع بالمال في حال الحياة والصحة. ذكر المصنف ﵀ تعريف الهبة فقال: التبرع بالمال في حال الحياة والصحة، ويضاف للتعريف: بلا عوض. (تمليك في الحياة بلا عوض). قوله (التبرع بالمال في حال الحياة) فيه بيان وقت الهبة، وهذا يخرج الوصية، لأن الوصية بعد الموت. قوله (بلا عوض) أي بلا مقابل، وهذا يخرج البيع، لأنه تمليك بعوض معلوم.

стр. 831

م/ والعطية: التبرع به في مرض موته المخوف. ذكر المصنف ﵀ تعريف العطية والوصية وسيأتي بعد قليل إن شاء الله.

стр. 832

م/ فالجميع داخل في الإحسان والبر. أي: كل من الهبة والعطية والوصية داخل في الإحسان المأمور به. قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). • الهبة: حكمها بالنسبة للواهب مستحبة. لقوله تعالى (إن الله يحب المحسنين). وقال ﷺ (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد. وقال ﷺ (لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) متفق عليه. وأما بالنسبة للموهوب: فالسنة أن يقبل الهدية ولا يردها، لأن هذا هديه ﷺ . عن عائشة. قالت (كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) رواه البخار ي. • تنعقد الهبة بالإيجاب [وهو اللفظ الصادر من الواهب] والقبول [وهو اللفظ الصادر من الموهوب له]. • كل ما جاز بيعه جازت هبته، وما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته. • يشترط لقبول الهدية شروطاً: أولاً: ألا يكون أهدى له حياء وخجلاً. فإذا علم أنه وهب له حياء وخجلاً فلا يجوز له أن يقبلها. ثانياً: ألا يتضمن محذوراً شرعياً. كما لو وقعت موقع الرشوة، أو السكوت عن حق أو الدفاع عن باطل. ثالثاً: ألا تكون محرمه. (لعينها) مثل: الخنزير، والميتة، والدم. (أو لحق الغير) مثل: المغصوب، والمسروق، والمختلس. • أما المحرم لكسبه فإنه يجوز قبولها، لأن النبي ﷺ قبل هدية اليهودية، مع أن اليهود كانوا يتعاملون بالربا.

стр. 833

م/ وبعد تقبيض الهدية وقبولها لا يحل الرجوع فيها لحديث (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) وفي الحديث الآخر (لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أهل السنن. أي: وبعد قبض الهبة، لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته. لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) رواه البخاري ومسلم فإذا عاد الواهب في هبته بعد قبضها كان بمنزلة الكلب الذي يعود في قيئه. [العائد في هبته] الراجع في هبته التي أعطاها وأقبضها للموهوب له. (وهذا هو المشبه) [كالكلب يقيء] هذا هو المشبه به، والقيء: إخراج ما بداخله. [ثم يعود في قيئه] أي ثم يعود فيما تقيأه فيأكله. الغرض من هذا التشبيه: هو تقبيح حال المشبّه والتنفير منه، هنا وقع التقبيح من وجهين: أولاً: التشبيه بالكلب. ثانياً: التشبيه بالكلب الذي يقي ثم يعود في قيئه. • الحديث دليل على تحريم العوْدة في الهبة والرجوع فيها، لأن هذا الرجوع يدل على الدناءة وعلى لؤم الطبع، لأن الرجوع يدل على أن الواهب تعلقت نفسه بهذه الهبة، وأنها لم تطب نفسه بها. وجه الدلالة من الحديث: أنه عُرف من الشرع أنه لا يستعمل هذا الأسلوب إلا في مقام الزجر الشديد والتنفير من الفعل. • اختلف العلماء في حكم الرجوع في الهبة على قولين: القول الأول: تحريم الرجوع في الهبة. وهذا مذهب جمهور العلماء للحديث السابق، واستثنوا الوالد كما سيأتي. القول الثاني: جواز الرجوع في الهبة. وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول ضعيف. • تحريم الرجوع في الهبة محمول على الهبة التي تم قبضها من المتهب، قالوا: لأن القيء في الحديث بمنزلة إقباض الهبة. أما إذا لم تقبض فإنها تكون غير لازمة، لكن الحنابلة يرون كراهة الرجوع ولو كانت لم تقبض، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى تحريم الرجوع في الهبة ولو لم تقبض، لان هذا من إخلاف الوعد، والنبي ﷺ يقول (آية المنافق ثلاث: وإذا وعد أخلف .. ) فدل هذا على إن إخلاف الوعد حرام. • يستثنى من ذلك الوالد، فإنه يجوز له أن يرجع في الهبة.

стр. 834

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا مذهب جمهور العلماء. عن ابن عباس - الذي ذكره المصنف - قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أبو داود. • جواز رجوع الوالد في هبته لولده، لكن بشرط ألا يؤدي الرجوع إلى التفضيل. مثال: أعطى أولاده كل واحد ألف ريال، ثم رجع إلى واحد منهم وأخذ الألف، فهذا رجوع في الهبة، لكن يترتب عليه التفضيل، فهذا الرجوع حرام لأنه يؤدي إلى محذور. • يشترط لرجوع الوالد في هبته شروطاً: الشرط الأول: أن لا يسقط حقه: كما لو قال: وهبتك هذه السيارة ولن أرجع فيها. الشرط الثاني: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن: فلو أن الأب وهب ابنه سيارة ثم الابن وهبها أو باعها، فالأب في هذه الحالة لا يملك الرجوع، لأنه يلزم من رجوعه إبطال حق الغير. الشرط الثالث: ألا يكون ما وهبه له نفقة: فلو أعطاه ﴿١٠٠﴾ ليشتري ثوباً، فهنا ليس للأب أن يرجع في هبته. • المشهور من المذهب أن الرجوع في الهبة جائز للأب خاصة دون الأم، لأن الأب هو الذي يتملك من مال ولده دون الأم. وذهب بعض العلماء إلى العموم، وقالوا: لا فرق بين الأب والأم، لأن في الحديث (إلا الوالد … ) والأم لا شك أنها والدة.

стр. 835

باب العطية م/ ويجب فيها العدل بين أولاده لحديث (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) متفق عليه. أي ويجب على الوالد أن يعدل بين أولاده في العطية، وقد ذكر المصنف ﵀ الحديث الدال على وجوب العدل في العطية بين الأولاد. عن النعمان بن بشير (أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : أكُلَّ ولَدِكَ نَحلْتَه مثلَ هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ (فارْجِعْهُ) وفي لفظ (فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليُشهِدَه على صدقتي، فقال: أفعلتَ هذا بولدِكَ كلِّهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (قال: فأشْهِد على هذا غيري) ثم قال (أيسُرُّكَ أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذاً). [أن أباه] أبو النعمان هو بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي شهد العقبة ثم بدراً وما بعدها. [إني نحلت] أي أعطيتُ. [ابني هذا] يعني النعمان. [غلاماً كان لي] الغلام يطلق على الصبي الذي دون البلوع ويطلق على الخادم ويطلق على العبد الرقيق وهو المراد هنا [أكلَّ ولَدك نحلتَه] أي: أكل أولادك أعطيتهم مثل ما أعطيت النعمان؟ وهذا الاستفهام حقيقي، قصد به النبي الاستخبار ﴿لا﴾ لم أفعل ذلك بكل أولادي. ﴿فارْجِعْه﴾ أي الغلام، والمعنى: ارتجع الغلام الذي أعطيت ولدك، لأنه سيترتب على هذه العطية مفاسد من القطيعة والعقوق والبغضاء. [ليشهده على صدقتي] المراد بها النحلة. [واعدلوا بين أولادكم] في البر والعطاء والإحسان حتى في القُبَل. [فأشهد على هذا غيري] هذا أمر، وهذا الأمر أمر تهديد، لأنه ﷺ امتنع من المباشرة لهذه الشهادة وعللها كما في رواية أنها شهادة جور فقال (لا أشهد على جوْر). • الحديث دليل على وجوب العدل بين الأولاد في الهبة وتحريم التفضيل بين الأولاد، فإذا أعطى بعض الأولاد مبلغاً من المال وجب أن يعطي البقية مثلهم، ويدل على التحريم عدة أمور: أولاً: أن الرسول ﷺ أنكر على بشير هذا التصرف. ثانياً: أن الرسول ﷺ سماه جوراً، ومعلوم أن الجور ظلم ومحرم. ثالثاً: أن الرسول ﷺ أمر برد الغلام ولم يقره على هذه العطية. رابعاً: أن النبي ﷺ امتنع من الشهادة، فلو كان هذا أمراً جائزاً لم يمتنع النبي ﷺ من الشهادة عليه.

стр. 836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • مفاسد التفضيل: أولاً: وقوع العقوق والقطيعة من الأبناء الذين لم يعطَوا. ثانياً: أن هذا سبب لوجود العداوة والبغضاء بين الأولاد بعضهم مع بعض. • ظاهر الحديث أن التفضيل ممنوع مطلقاً سواء وجد سبب يقتضي التفضيل أم لا؟ لعموم الحديث وعدم الاستفصال. أن المعنى الذي يحصل من التفضيل موجود ولو وجد سبب في التفضيل. [وهو القطيعة والبغضاء]. وهذا قول ابن حزم. وذهب بعض العلماء أنه يجوز التفضيل إذا وجد سبب يقتضيه، كأن يخص الأب أحد أولاده بالعطية لحاجته أو لمرضه أو لكونه أعمى أو لكثرة عياله أو لاشتغاله بطلب العلم أو نحو ذلك. واختار هذا ابن قدامة وابن تيمية. • اختلف العلماء في كيفية التسوية بين الأولاد المأمور بها شرعاً على قولين: القول الأول: أن المراد بالتسوية أن يكون للأنثى مثل ما للذكر. فإذا أعطى الذكر ١٠٠ ريال، فإنه يعطي البنت ١٠٠ ريال. وهذا قول الجمهور، واستدلوا بدليلين: ففي بعض روايات حديث النعمان بن بشير أن الرسول ﷺ قال (سووا بينهم) قالوا والمراد بالسوية أن يكون ذكرهم وأنثاهم سواء. ولحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال (سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنتُ مفضلاً أحداً لفضلت النساء) أخرجه البيهقي وابن عدي.

стр. 837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثاني: أن المساواة تكون على قدر الإرث (للذكر مثل حظ الأنثيين). وهذا قول الإمام أحمد وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز. أن ما أعطاه هذا الولد، هو حظه لو مات الواهب. وفيه اقتداء بقسمة الله وهو الحكم العدل. وهذا القول هو الراجح، لأن الذكر أحوج من الأنثى. • هل الأم كالأب في التسوية بين أولادها في العطية؟ ذهب بعض العلماء أن الأم كالأب في وجوب التسوية بين الأولاد في العطية، وذلك لأمرين: الأمر الأول: عموم قول النبي ﷺ (اتقوا الله واعدلوا .. ) فكما أن الأب والد فكذلك الأم والدة. الأمر الثاني: أن ما يحصل في تخصيص الأب بعض أولاده من المفاسد حاصل بتخصيص الأم. • الواجب على الأب إذا فضل أحد أولاده بهبة ثلاثة أمور: أولاً: الرجوع في الهبة: فإذا أعطى مثلاً ابنه محمداً سيارة ولم يعط الآخر، فإنه يرجع على محمد ويأخذ منه السيارة. ثانياً: أو يعطي الآخر مثل ما أعطى الأول. ثالثاً: أو يعطي العطية ويقسمها بينهم. فهو مخير بين أحد هذه الأمور الثلاثة. • لو فضل الأب أحد أولاده بهبة ثم مات قبل التسوية فإنها لا تثبت. لأنها جور (وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية). وعلى هذا: فيجب على الابن أن يرد هذه الهبة في التركة أو يأخذ الأولاد مثل ما أخذ قبل القسمة.

стр. 838

م/ وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها. ذكر المصنف ﵀ حديث عائشة ليستدل به على مشروعية الهدية. الحديث دليل على مشروعية قبول الهدية وعدم ردها إلا لعذر شرعي. لأمرين: الأمر الأول: أن قبول الهدية هو هدي النبي ﷺ . الأمر الثاني: أن في قبولها فوائد متعددة منها: إرضاء المهدي، وجبر خاطره، وتقديراً لهديته، والنظر إليها بعين الاعتبار، ولأن في ردها: مخالفة للسنة، وفيه كسر لقلب المهدي وإساءة إليه. وقد قال ﷺ (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد. وقال ﷺ (لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) متفق عليه. • لا خلاف بين العلماء في مشروعية قبول الهدية، وإنما وقع الخلاف هل قبولها واجب أم لا، على قولين: القول الأول: أن قبولها ليس بواجب. للأحاديث السابقة، وهذه سنة فعلية، والفعل لا يدل على الوجوب وإنما يدل على الاستحباب. القول الثاني: أن قبولها واجب. وهذا قول ابن حزم. لحديث ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ (أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية) رواه ابن أبي شيبة وأحمد. ولحديث عمر. (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، ..... فقال: إذا جاء من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) متفق عليه. • هل الهدية تقتضي الإثابة؟ الأصل أن الهدية لا تقتضي ثواباً، فلا يلزم من أهديَ له شيء أن يثيب من أهداه، لكن يستحب أن يثيب عليها لفعل النبي ﷺ . لا حرج على من أثيب على هديته أن يقبل المكافأة لان النبي ﷺ كان يثيب.

стр. 839

م/ وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، ما لم يضره أو يعطيه لولد آخر، أو يكون بمرض موت أحدهما لحديث (أنت ومالك لأبيك). أي: ويجوز للأب أن يتملك من مال ابنه ما شاء للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (أنت ومالك لأبيك). • لكن لتملك الأب من مال ولده شروط هي: • أن لا يضر الولد. لحديث (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه. فلو كان الابن ليس عنده إلا سيارة يركبها، أو بيت يسكنه مثلاً، فليس للأب أن يتملكها، ويترك ولده بدون سيارة لحديث (لا ضرر ولا ضرار). • أن لا يكون وسيلة للتفضيل. فإذا كان الأب يمنع أن يخصص أحد أولاده من ماله، فكذلك يمنع كونه يتملكه من ابنه زيد ويعطيه عمراً، فهذا ممنوع من باب أولى. • أن لا يكون في مرض أحدهما المخوف. لأن الإنسان إذا مرض مرضاً مخوفاً لا يملك من ماله إلا الثلث، فهذا هو الذي يملك أن يتبرع به، وعلى هذا إذا مرض الأب مرضاً مخوفاً فليس له أن يتملك الآن، كذلك الابن إذا مرض مرضاً مخوفاً فليس للأب أن يتملك، لأننا لو قلنا يتملك، لكان تملك مال غيره، لأن هذا المال للورثة لانعقاد سبب الإرث.

стр. 840

باب عطية المريض م/ والعطية: التبرع به في مرض موته المخوف، والعطية والوصية من الثلث فأقل لغير وارث. ذكر المصنف ﵀ أحكام عطية المريض مرضاً مخوفاً. تصرفات المريض وتبرعاته: • ما يتعلق بتصرفات المريض: كل تصرفات المريض صحيحة ما دام أن عقله باقٍ، يملك أن يبيع ويملك أن يشتري أن يزارع أو يشارك. • ما يتعلق بالتبرعات: المرض ينقسم إلى ٣ أقسام: القسم الأول: المرض غير المخوف. هذا حكمه حكم الصحيح، فللإنسان أن يتبرع من كل ماله. فله أن يتبرع بجميع ماله، له أن يتبرع لأولاده. القسم الثاني: المرض مرضاً مخوفاً (يخشى منه الهلاك). ومن كان في حكمه كالواقف بين الصفين، ومن قدم ليقتل قصاصاً وكراكب البحر حال هيجانه. فهذا ليس له من ماله تبرعاً إلا الثلث (كأنه مات). وحكمه حكم الوصية: فلا تجوز بزيادة على الثلث ولا لوارث بشيء ولو أقل من الثلث إلا بإجازة الورثة. لحديث ابن عمر (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي ﷺ فجزأهم أثلاثاً، فأعتق اثنين وأرق أربعة) رواه مسلم.

стр. 841

باب الوصايا الوصايا جمع وصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت. قوله (بعد الموت) احترازاً من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة. مثال تبرع بمال: أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال. مثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان. م/ وعن ابن عمر مرفوعاً (ما حق امرئ مسلم له شيء يريدُ أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عمر (ما حق امرئ مسلم له شيء يريدُ أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده) ليستدل به على مشروعية الوصية، والمبادرة بكتابة الوصية. [ما حق امرئ] ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. [مسلم] هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فإن وصية الكافر جائزة عند أهل العلم. [له شيء] جاء في رواية في غير الصحيحين بلفظ (له مال). يتناول المال والقرض والكفارات والدين. [يبيت] جاء عند أحمد (حق على كل مسلم ألا يبيت .... ). [ليلتين] عند مسلم (يبيت ثلاث ليال). [مكتوبة] سواء كتبها بنفسه أو كتبها له غيره. • والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين). قال تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية). وعن ابن عمر - الذي ذكره المصنف - (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه. وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة]. • والحكمة من مشروعيتها: فلأمور جليلة، ومقاصد شريفة، تجمع بين مصالح العباد في الدنيا، ورجاء الثواب والدرجات العلى في الآخرة، ففي الوصية يصل الموصي رحمه وأقرباءه الذين لا يرثون، ويُدخل السعة على المحتاجين، ويخفف الكرب على اليتامى والمساكين. وفي الوصية مصلحة للموصي حيث جعل الإسلام له جزءاً من ماله يبقى ثوابه عليه بعد وفاته، وبهذا يتدارك ما فاته من أعمال البر والإحسان في حياته. • لكن اختلف العلماء هل هي واجبة أم مستحبة؟ القول الأول: أنها غير واجبة إلا من عليه حقوق للناس. وهذا قول أكثر العلماء. القول الثاني: أنها واجبة. وهو قول داود الظاهري وابن حزم. لقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ...... ). قالوا: معنى كتب يعني فرض. ولحديث الباب، وجه الدلالة: قالوا معناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، ويؤيد معنى الحديث رواية عند الدارقطني (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأرجح القول الأول. • الحديث دليل على استحباب الوصية لمن ترك مالاً كثيراً. لقوله ( ..... وله شيء يريد .. ). ولقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية .. )، والمراد بالخير المال الكثير. • والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة: تستحب: لمن ترك خيراً وهو المال الكثير، كما سبق. وتحرم: بأكثر من الثلث لغير وارث لحديث سعد (الثلث والثلث كثير). وإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه. الأمر الثاني: أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار). وتحرم أيضاً لوارث بشيء. لقوله ﷺ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) رواه أبو داود. تكره: وصية فقير وورثته محتاجون، لأن هذا يضر بالورثة. لقوله ﷺ لسعد ( .. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). تجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة. تجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء. وهذا يفهم من حديث سعد، لأن النبي ﷺ منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فدل على أن من ليس له ورثة، فلا مانع أن يزيد على الثلث، بل لا مانع أن يوصي بماله كله، لزوال المانع. • الحث على المبادرة لكتابة الوصية لثلاثة أمور: بياناً لها، وامتثالاً لأمر الشرع، واستعداداً للموت. الحديث دليل على أن الكتابة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها ولا يحتاج إلى إشهاد. • مقدار ما يوصي به، اختلف العلماء في المستحب في الوصية، هل الثلث أو ما دون الثلث على قولين: القول الأول: أن المستحب في الوصية ما دون الثلث (بالربع أو بالخمس). وهذا قول ابن عباس.

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابن عباس (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، لأن النبي ﷺ قال: الثلث والثلث كثير). رواه البخاري وجاء عن أبي بكر أنه أوصى بالخمس وقال: (رضيت لنفسي ما رضيه الله لنفسه). يشير إلى قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه). وبه قال الإمام أحمد والشافعي وإسحاق. القول الثاني: أن المستحب هو الثلث. وهذا قول جماعة من الحنابلة. واستدلوا بحديث (إن الله تصدق بثلث أموالكم عند وفاتكم). والأول أرجح، لأن حديث سعد نص واضح على أن الأفضل ما دون الثلث لأمرين: الأمر الأول: لأنه قال: والثلث كثير. الأمر الثاني: لأنه قال: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). • الأفضل أن تصرف الوصية في أعمال البر، وأولاها القرابة الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء. • الوصية لا تنفذ إلا بعد موت الموصي. وللموصي الرجوع قبل الموت. ويجوز تغييرها لأنها لا تثبت إلا بعد الموت. • مبطلات الوصية: أولاً: برجوع الموصي. ثانياً: بموت الموصَى له، لأن حقه في الوصية ما يكون إلا بعد موت الموصي. ثالثاً: تلف العين الموصى بها. مثال: أوصيت لفلان بهذا البعير، ثم مات قبل موت الموصي، ثم مات الموصِي، فهنا الموصى له ليس له شيء. رابعاً: بقتل الموصَى له الموصِي. والقاعدة الفقهية تقول (من تعجل شيئاً قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه). خامساً: برد الموصَى له للوصية بعد موت الموصي. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً لأنه أسقط حقه. • إذا كانت الوصية على غير معين أو غير محصور فإنه لا يشترط القبول.

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتثبت الوصية بمجرد موت الموصي. مثال: أوصى بدراهم لبناء المساجد، فهنا لا يشترط قبول من مدير الأوقاف، لأن المساجد جهة وليست ذات ملك. وكذلك لو أوصى بدراهم للفقراء، لا يشترط قبول جميع الفقراء، لأنه لا يمكن حصرهم. أما إذا كانت الوصية على معين فإنه يشترط القبول. • ومن وصيَ بشيء لم يصر وصياً في غيره، مثال: أوصى لشخص بثلث ماله يصرفه إلى الفقراء. هذا الوصي لا يكون وصياً في تزويج بناته. • يخرج الواجب كله من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به. مثال: رجل لما مات وجدنا عنده ﴿٥﴾ آلاف، وعليه دين ﴿١٠٠٠﴾ ريال، وزكاة ﴿٢٠٠٠﴾ ريال، وحج ﴿٢٠٠﴾. فهنا تؤدى هذه الأشياء وتسقط الوصية، والورثة من باب أولى. • يشترط القبول من الموصَى له بعد الموت لا قبله، فقبْل الموت لا يصح، لأن سبب الملك متأخر، إذ أن سبب الملك لا يثبت إلا بعد موت الموصي. • الفرق بين الوصية والوقف: o أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، وللموصِي الرجوع قبل الموت، أما الوقف فيكون منجزاً. o أن الوصية لا تكون إلا في الثلث فأقل، أما الوقف فينفذ في المال كله. o أن الوصية لا يوصي بها للورثة، أما الوقف فيجوز على الورثة.

стр. 845

م/ وينبغي لمن ليس عنده شيء يحصل فيه إغناء ورثته أن لا يوصي، بل يدع التركة كلها لورثته، كما قال النبي ﷺ (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه. أي: ينبغي لمن كان ماله قليلاً لا يحصل به إغناء ورثته ألا يوصي، ويترك المال كله لورثته. وقد ذكر المصنف ﵀ الحديث الذي يدل على ذلك، وقد سبقت المسألة. عن سعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ قال (جَاءَنِي رسولُ الله ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّة الْوَداعِ مِنْ وَجعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يا رسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ بلغَ بِي مِن الْوجعِ مَا تَرى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرثُنِي إِلاَّ ابْنةٌ لِي، أَفأَتصَدَّق بثُلُثَيْ مالِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فالشَّطُر يَا رسوُلَ الله؟ فقالَ: لا، قُلْتُ فالثُّلُثُ يا رسول اللَّه؟ قال: الثُّلثُ والثُّلُثُ كثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذرَ وَرثتك أغنِياءَ خَيْرٌ مِن أَنْ تذرهُمْ عالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاس، وَإِنَّكَ لَنْ تُنفِق نَفَقةً تبْتغِي بِهَا وجْهَ الله إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى ما تَجْعلُ في في امْرَأَتكَ) متفق عليه. فتكره الوصية لمن كان ماله لا يكفي لورثته، وقد جاء في الحديث (ابدأ بمن تعول).
следующие страницы →