← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

باب الوصايا الوصايا جمع وصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت. قوله (بعد الموت) احترازاً من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة. مثال تبرع بمال: أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال. مثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان. م/ وعن ابن عمر مرفوعاً (ما حق امرئ مسلم له شيء يريدُ أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عمر (ما حق امرئ مسلم له شيء يريدُ أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده) ليستدل به على مشروعية الوصية، والمبادرة بكتابة الوصية. [ما حق امرئ] ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. [مسلم] هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فإن وصية الكافر جائزة عند أهل العلم. [له شيء] جاء في رواية في غير الصحيحين بلفظ (له مال). يتناول المال والقرض والكفارات والدين. [يبيت] جاء عند أحمد (حق على كل مسلم ألا يبيت .... ). [ليلتين] عند مسلم (يبيت ثلاث ليال). [مكتوبة] سواء كتبها بنفسه أو كتبها له غيره. • والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين). قال تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية). وعن ابن عمر - الذي ذكره المصنف - (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه. وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة]. • والحكمة من مشروعيتها: فلأمور جليلة، ومقاصد شريفة، تجمع بين مصالح العباد في الدنيا، ورجاء الثواب والدرجات العلى في الآخرة، ففي الوصية يصل الموصي رحمه وأقرباءه الذين لا يرثون، ويُدخل السعة على المحتاجين، ويخفف الكرب على اليتامى والمساكين. وفي الوصية مصلحة للموصي حيث جعل الإسلام له جزءاً من ماله يبقى ثوابه عليه بعد وفاته، وبهذا يتدارك ما فاته من أعمال البر والإحسان في حياته. • لكن اختلف العلماء هل هي واجبة أم مستحبة؟ القول الأول: أنها غير واجبة إلا من عليه حقوق للناس. وهذا قول أكثر العلماء. القول الثاني: أنها واجبة. وهو قول داود الظاهري وابن حزم. لقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ...... ). قالوا: معنى كتب يعني فرض. ولحديث الباب، وجه الدلالة: قالوا معناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، ويؤيد معنى الحديث رواية عند الدارقطني (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأرجح القول الأول. • الحديث دليل على استحباب الوصية لمن ترك مالاً كثيراً. لقوله ( ..... وله شيء يريد .. ). ولقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية .. )، والمراد بالخير المال الكثير. • والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة: تستحب: لمن ترك خيراً وهو المال الكثير، كما سبق. وتحرم: بأكثر من الثلث لغير وارث لحديث سعد (الثلث والثلث كثير). وإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه. الأمر الثاني: أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار). وتحرم أيضاً لوارث بشيء. لقوله ﷺ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) رواه أبو داود. تكره: وصية فقير وورثته محتاجون، لأن هذا يضر بالورثة. لقوله ﷺ لسعد ( .. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). تجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة. تجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء. وهذا يفهم من حديث سعد، لأن النبي ﷺ منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فدل على أن من ليس له ورثة، فلا مانع أن يزيد على الثلث، بل لا مانع أن يوصي بماله كله، لزوال المانع. • الحث على المبادرة لكتابة الوصية لثلاثة أمور: بياناً لها، وامتثالاً لأمر الشرع، واستعداداً للموت. الحديث دليل على أن الكتابة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها ولا يحتاج إلى إشهاد. • مقدار ما يوصي به، اختلف العلماء في المستحب في الوصية، هل الثلث أو ما دون الثلث على قولين: القول الأول: أن المستحب في الوصية ما دون الثلث (بالربع أو بالخمس). وهذا قول ابن عباس.

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابن عباس (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، لأن النبي ﷺ قال: الثلث والثلث كثير). رواه البخاري وجاء عن أبي بكر أنه أوصى بالخمس وقال: (رضيت لنفسي ما رضيه الله لنفسه). يشير إلى قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه). وبه قال الإمام أحمد والشافعي وإسحاق. القول الثاني: أن المستحب هو الثلث. وهذا قول جماعة من الحنابلة. واستدلوا بحديث (إن الله تصدق بثلث أموالكم عند وفاتكم). والأول أرجح، لأن حديث سعد نص واضح على أن الأفضل ما دون الثلث لأمرين: الأمر الأول: لأنه قال: والثلث كثير. الأمر الثاني: لأنه قال: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). • الأفضل أن تصرف الوصية في أعمال البر، وأولاها القرابة الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء. • الوصية لا تنفذ إلا بعد موت الموصي. وللموصي الرجوع قبل الموت. ويجوز تغييرها لأنها لا تثبت إلا بعد الموت. • مبطلات الوصية: أولاً: برجوع الموصي. ثانياً: بموت الموصَى له، لأن حقه في الوصية ما يكون إلا بعد موت الموصي. ثالثاً: تلف العين الموصى بها. مثال: أوصيت لفلان بهذا البعير، ثم مات قبل موت الموصي، ثم مات الموصِي، فهنا الموصى له ليس له شيء. رابعاً: بقتل الموصَى له الموصِي. والقاعدة الفقهية تقول (من تعجل شيئاً قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه). خامساً: برد الموصَى له للوصية بعد موت الموصي. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً لأنه أسقط حقه. • إذا كانت الوصية على غير معين أو غير محصور فإنه لا يشترط القبول.

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتثبت الوصية بمجرد موت الموصي. مثال: أوصى بدراهم لبناء المساجد، فهنا لا يشترط قبول من مدير الأوقاف، لأن المساجد جهة وليست ذات ملك. وكذلك لو أوصى بدراهم للفقراء، لا يشترط قبول جميع الفقراء، لأنه لا يمكن حصرهم. أما إذا كانت الوصية على معين فإنه يشترط القبول. • ومن وصيَ بشيء لم يصر وصياً في غيره، مثال: أوصى لشخص بثلث ماله يصرفه إلى الفقراء. هذا الوصي لا يكون وصياً في تزويج بناته. • يخرج الواجب كله من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به. مثال: رجل لما مات وجدنا عنده ﴿٥﴾ آلاف، وعليه دين ﴿١٠٠٠﴾ ريال، وزكاة ﴿٢٠٠٠﴾ ريال، وحج ﴿٢٠٠﴾. فهنا تؤدى هذه الأشياء وتسقط الوصية، والورثة من باب أولى. • يشترط القبول من الموصَى له بعد الموت لا قبله، فقبْل الموت لا يصح، لأن سبب الملك متأخر، إذ أن سبب الملك لا يثبت إلا بعد موت الموصي. • الفرق بين الوصية والوقف: o أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، وللموصِي الرجوع قبل الموت، أما الوقف فيكون منجزاً. o أن الوصية لا تكون إلا في الثلث فأقل، أما الوقف فينفذ في المال كله. o أن الوصية لا يوصي بها للورثة، أما الوقف فيجوز على الورثة.

стр. 845

م/ وينبغي لمن ليس عنده شيء يحصل فيه إغناء ورثته أن لا يوصي، بل يدع التركة كلها لورثته، كما قال النبي ﷺ (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه. أي: ينبغي لمن كان ماله قليلاً لا يحصل به إغناء ورثته ألا يوصي، ويترك المال كله لورثته. وقد ذكر المصنف ﵀ الحديث الذي يدل على ذلك، وقد سبقت المسألة. عن سعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ قال (جَاءَنِي رسولُ الله ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّة الْوَداعِ مِنْ وَجعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يا رسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ بلغَ بِي مِن الْوجعِ مَا تَرى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرثُنِي إِلاَّ ابْنةٌ لِي، أَفأَتصَدَّق بثُلُثَيْ مالِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فالشَّطُر يَا رسوُلَ الله؟ فقالَ: لا، قُلْتُ فالثُّلُثُ يا رسول اللَّه؟ قال: الثُّلثُ والثُّلُثُ كثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذرَ وَرثتك أغنِياءَ خَيْرٌ مِن أَنْ تذرهُمْ عالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاس، وَإِنَّكَ لَنْ تُنفِق نَفَقةً تبْتغِي بِهَا وجْهَ الله إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى ما تَجْعلُ في في امْرَأَتكَ) متفق عليه. فتكره الوصية لمن كان ماله لا يكفي لورثته، وقد جاء في الحديث (ابدأ بمن تعول).

стр. 846

كتاب العتق م/ وهو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق. العتق لغة: على معان منها الخلوص ومنه سمي البيت العتيق بهذا الاسم لخلوصه من أيدي الجبابرة. تخليص الرقبة من الرق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (فتحرير رقبة مؤمنة) وقال تعالى (أو فك رقبة) أي عتق رقبة. وأما السنة ففي العتق أحاديث كثيرة: منها ما هو في فضله والحث عليه، ومنها ما هو في أحكامه وما يتعلق به، وسيأتي الحديث في فضله. وقد أجمعت الأمة على حصول القربة بالعتق.

стр. 847

م/ وهو من أفضل العبادات لحديث (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِماً، اِسْتَنْقَذَ اَللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ") مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وسئل النبي ﷺ أَيُّ اَلرِّقَابِ أَفْضَلُ? قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ هذه الأحاديث ليستدل بها على فضل العتق. فذكر الحديث الأول وهو من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِماً، اِسْتَنْقَذَ اَللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّار) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ; عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ). وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ (وَأَيُّمَا اِمْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ اِمْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ اَلنَّارِ). [أيما أمرى مسلم] هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري (أيما رجل). [مسلم] يخرج الكافر، [أعتق امرءاً مسلماً] هذا قيد في الرقبة المعتقة، فهذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق الرقبة المسلمة. [استنقذ الله منه] أي وقى وأنقذ وخلص. [بكل عضو منه] أي من المعتَق [عضواً منه] أي من المعتِق. [فكاكه] أي: خلاصه. • الحديث دليل على فضل عتق الرقاب وتخليصها من الرق وأن ذلك من أجل الطاعات وأعظم القربات، لأنه من أسباب العتق من النار. وهذا الفضل - والله أعلم - لكون الرقيق قبل العتق كان في حكم المعدوم، إذ لا تصرف له في نفسه، بل هو يُتصرف فيه. • الحديث دليل على أن إعتاق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها، ليحصل الاستيعاب المستفاد من قوله ﷺ (استنقذ الله من كل عضو منه … ). • الحديث دليل على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى، لأنه جعل عتق الأنثى على النصف من عتق الذكر. فالرجل إذا اعتق الذكر أو اعتق امرأتين كان فكاكه من النار، وذلك لأن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولأن عتق الذكر فيه من المنافع ما ليس في عتق الأنثى من الجهاد وتولي القضاء وتولي الإمامة ونحو هذا. • والحديث الثاني الذي ذكره المصنف ﵀ حديث أبي ذر: عن أبي ذر. قال (سئل النبي ﷺ أَيُّ اَلرِّقَابِ أَفْضَلُ? قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) متفق عليه [أي الرقاب أفضل؟] المراد بالرقبة الرقيق، وسمي رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والمعنى: أي المماليك أحب في العتق إلى الله. [أعلاها ثمناً] أي: أكثرها ثمناً [وأنفسها عند أهلها] أي: أكرمها عند أهلها وأغلاها عندهم. • الحديث دليل على أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها ما كان أكثرها قيمة وأكثرها نفاسة عند أهلها لحسن أخلاقها وكثرة منافعها، والنفس إذا جادت بالنفيس دل هذا على قوة إيمانها لقوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).

стр. 848

م/ ويحصل العتق: بالقول: وهو لفظ العتق وما في معناه. أي: ويحصل العتق بالصيغة القولية، وهي نوعان: صريح وكناية. الصريح: ما لا يحتمل إلا العتق، مثل: أعتقتك، حررتك، أنت عتيق، أنت حر. الكناية: كل لفظ يحتمل المعنى وغيره. أي: يحتمل العتق ويحتمل غيره. والفرق بينهما: أن الصريح لا يحتاج إلى نية، والكناية يحتاج إلى نية، فإذا قال السيد لعبده: لا سبيل لي عليك، اذهب، فهذا يحتمل: أن المعنى لا سبيل لي عليك في هذا المذهب الذي قلت لك فيه: اذهب، ويحتمل: لا سبيل لي عليك مطلقاً، يعني فأنت حر.

стр. 849

م/ وبالملك، فمن ملك ذا رحِم محرَّمٍ من النسب عتق عليه. أي: ويحصل العتق بملك ذا رحم، لحديث سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوف. [من ملك] عام يدخل فيه من ملك ذا رحم بالشراء أو بالهبة أو بالغنيمة أو أي نوع من أنواع الملك [ذا رحِم] الرحم اسم لكل من بينك وبينه قرابة نسب توجب تحريم النكاح، ولهذا قال العلماء: ذو الرحم: هو القريب الذي يحرم نكاحه لو كان أحدهما رجلاً والآخر أنثى .. كالأخ والعم والخال وابن الأخ. [فهو حر] أي يعتق على مالكه بسبب ملكه له. • الحديث دليل على أن ملك من بينه وبينه رحِم محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه بمجرد ملكهِ له فيكون حراً، فإذا ملك أباه أو أمه أو أخته أو خالته، ملكها بشراء أو بهبة أو بغنيمة فإنه بمجرد دخوله في ملكه فإنه يعتق عليه، فيدخل في الحديث الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات لا أولادهم، لأنهم ليسوا من ذي الرحِم المحرّم.

стр. 850

م/ وبالتمثيل بعبده بقطع عضو من أعضائه أو تحريقه. أي: ويحصل بالتمثيل بعبده، كإنسان عنده عبد فحل، وخاف على أهله منه فخصاه، أي: قطع خصيتيه، فإنه يعتق عليه، وكذلك لو غضب على عبده فقطع شحمة أذنه فإنه يعتق.

стр. 851

م/ وبالسراية، لحديث (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ اَلْعَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ اَلْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَق). وفي لفظ (وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ). أي: ويحصل العتق بالسراية، وقد ذكر المصنف ﵀ الحديث الدال على ذلك وهو حديث ابن عمر. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ اَلْعَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ اَلْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَلَهُمَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه). اختلف في رواية (وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه) هل هي من كلام النبي ﷺ أو مدرجة من كلام أبي هريرة؟ وقد رجح البخاري ومسلم بأنها غير مدرجة حيث أدخلا الحديث في كتابيهما، وكذا ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي. [من أعتق شركاً له] الشِرْك: الحصة والنصيب. [في عبد] اسم للمملوك الذكر. [فكان له مال] الضمير يعود على من أعتق نصيبه. [يبلغ ثمن العبد] أي: قيمة بقية العبد، والمراد: مالاً يعتق منه، والمعنى: إذا كان شخص مشترك بين أربعة، فأعتق واحد منهم نصيبه وهو الربع [وكان العبد قيمته: ٤٠٠٠ مثلاً] وبقي ثلاثة أرباع، ولكن هذا المعتِق كان غنياً يملك ٣ آلاف وأكثر، فإن الشرع يلزمه بعتق الباقي، ويدفع [٣٠٠٠ ريال] لأصحاب الحصص. [قوِّم عليه قيمة عدل] أي: قدر هذا العبد تقديراً عادلاً لا زيادة فيه ولا نقصان، فيقدر العبد كاملاً لا عتق فيه، وتعرف قيمة حصص الذين لم يعتقوا نصيبهم. [وأعطى شركاءه] أي: المعتِق أعطى الشركاء نصيبهم ويعتق عليه العبد كاملاً. وهذا خبر بمعنى الأمر. [وعتَقَ عليه العبد] أي: صار جميع العبد حراً. [وإلا فقد عتق منه ما عتق] أي: وإن لم يكن للمعتِق نصيبه مالٌ يكفي بعتق باقي العبد، فإنه يعتق من العبد ما عتق، ويبقى الباقي على ما هو ويكون العبد مبعضاً. [واستسعي عليه] أي: ألزم العبد بالاكتساب وتحصيل ما يفك باقيه من الرق، وقيل معنى استسعي: أي أن يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ماله من الرق. [غير مشقوق عليه] أي: لا يكلف المملوك ما يشق عليه في الكسب والتحصيل وهذا على المعنى الأول، أو لا يكلف ما لا يستطيع من الخدمة على المعنى الثاني.

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • الحديث دليل على جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء، وأن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره، لزمه عتق باقيه وخلاصه كله من ماله إذا كان غنياً قادراً على دفع قيمة أنصباء الشركاء الذين لم يعتقوا نصيبهم، لان تبعيض العتق مع القدرة يضر بالعبد ولا تتم به المصلحة. • الحديث دليل على أنه إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيراً غير قادر على دفع أنصباء شركائه، فإنه يعتق من العبد ما قدر عليه، ويبقى رقيقاً فيما بقي من نصيب الشركاء. • اختلف العلماء فيما إذا أعتق الشريك نصيبه من عبد بينه وبين غيره وعجز عن عتق باقيه على قولين: القول الأول: أنه ينفذ العتق في نصيب المعتِق ولا يطالب المعتَق بالاستسعاء. وهذا قول مالك والشافعي وهو قول أبي عبيد. لرواية (فقد عَتَقَ منه ما عتق). وأما لفظ (واستسعي) أنها من كلام الراوي وليست من كلام النبي ﷺ . القول الثاني: أن الشريك إذا أعتق نصيبه استسعي العبد وطلب منه أن يعمل لتحصيل نصيب بقية الشركاء. وهذا مذهب أبي حنيفة، واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم، وهؤلاء أثبتوا لفظ (واستسعي .... ). وهذا القول هو الراجح.

стр. 853

م/ فإن علق عتقه بموته فهو المدبّر، يعتق بموته إذا خرج من الثلث، عَنْ جَابِر (أَنَّ رَجُلًا مِنْ اَلْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي? " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ (اِقْضِ دَيْنَكَ). ذكر المصنف ﵀ المدبر، وعرفه بقوله: إذا علق عتقه بالموت. أن يقول لرقيقه: أنت حر بعد موتي، فهذا هو المدبَّر، فعتقه معلق بالموت، فلا يعتق إلا إذا مات مدبِّرُه. وسمي تعليق العتق بالموت تدبيراً، لأمرين: أولاً: لأن الرقيق يعتق بعدما يُدْبِر سيده، أي يموت. ثانياً: أو لأن فاعله دبّر أمر دنياه (لأنه استفاد من هذا العبد في حال الحياة بالخدمة) ودبر أمر آخرته (لأنه لما جعل عتقه بعد موته حصل له ثواب العتق). ثم ذكر المصنف ﵀ حديث جابر، لأن فيه بعض أحكام المدبر: عَنْ جَابِر (أَنَّ رَجُلًا مِنْ اَلْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي? " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ (اِقْضِ دَيْنَكَ). [غلاماً له] أي عبداً رقيقاً له. [عن دبر] أعتقه بعد موته. • الحديث دليل على مشروعية التدبير وهو عتق العبد بالموت وعلى صحته. • اختلف العلماء في التدبير هل يكون من الثلث أو من رأس المال؟ الجمهور قالوا: يحسب عتقه من الثلث قياساً على الوصية، بجامع النفوذ بعد الموت. • الحديث دليل على جواز بيع العبد المدبر قبل موت سيده، لكن ظاهر الحديث أن النبي ﷺ باع هذا العبد لما علم حاجة صاحبه. والقول: أن العبد المدبر لا يباع إلا من حاجة هو قول الحسن وجماعة. وقيل: يجوز بيعه مطلقاً سواء كان لحاجة أو لغير حاجة وهذا قول الشافعي. لأنه شبيه بالوصية، ومن المعلوم أن الموصي يجوز له الرجوع بالوصية في حياته. وقيل: لا يجوز بيع المدبر، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن المسيب وهو قول أبي حنيفة ومالك. لعموم (أوفوا بالعقود) وهذا عقد بينه وبين رقيقه في أنه يعتق بعد موته. وقالوا: لأن المدبر استحق العتق بموت سيده فصار شبيهاً بأم الولد. والراجح القول بالجواز. • الحديث دليل على أنه ينبغي لمن ليس عنده سعة في الرزق وأموره ضيقة أن يهتم بنفسه أولاً وبمن يعول.

стр. 854

باب الكتابة م/ والكتابة: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر، قال تعالى (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) يعني: صلاحاً في دينهم وكسباً. ذكر المصنف ﵀ أحكام الكتابة، وقد عرفها بقوله: أن يشتري الرقيق نفسه … الخ. فالمكاتب: هو شراء العبد نفسه من سيده بأن يقع بين الرقيق وسيده عقد اتفاق على أن الرقيق يدفع لسيده مبلغاً من المال وتكون هذه المال نجوماً موزعة على مدد معينة. فإذا أداها العبد لسيده عتق العبد وصار حراً. والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). ومن السنة أحاديث، كحديث عائشة في قصة بريرة وغيرها. وأجمع العلماء على مشروعية الكتابة. فتستحب الكتابة إذا طلب العبد ذلك من رقيقه لقوله تعالى (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) لكن الله اشترط أن يعلم أسيادهم فيهم خيراً، وهو الصلاح في الدين والقدرة على الاكتساب، لأنه لو كان غير صالح في دينه ازداد بعد عتقه فساداً، ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، ولو كان غير قادر على الاكتساب كمريض صار كَلاًّ على الناس.

стр. 855

م/ فإن خيف منه الفساد بعتقه أو كتابته، أو ليس له كسب، فلا يشرع عتقه ولا كتابته. أي: أن المكاتب إذا كان في عتقه ضرر فإنه لا يشرع كتابته أو عتقه. لأن الله تعالى يقول (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) فشرط للكتابة أن يعلم أسيادهم فيه خيراً. • وقد اختلف العلماء في حكم مكاتبة العبد إذا طلب العبد ذلك وكان له قدرة على الكسب وفيه صلاح على قولين: القول الأول: أن يجب إجابته لذلك. وهذا قول جماعة من السلف والظاهرية، لظاهر الآية (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). القول الثاني: أنه لا يجب، وأن الأمر للاستحباب. وهذا مذهب جمهور العلماء، واستدلوا: بأن العبد مال السيد، وقد قال الرسول ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد. وهذا هو الصحيح.

стр. 856

م/ ولا يعتق المكاتَب إلا بالأداء لحديث (المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم) رواه أبو داود. أي: أن العبد الذي كاتب سيده لا يعتق ما دام بقي شيء من مال كتابته. واستدل المصنف ﵀ بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال ﷺ (المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم) رواه أبو داود. • فهذا الحديث يدل على أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء ولو قليلاً فهو عبد، تجري عليه أحكام الرقيق، وهذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 857

م/ وعن ابن عباس مرفوعاً وعن عمر موقوفاً (أيما أمَة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته) أخرجه ابن ماجه، والراجح الموقوف على عمر ﵁. ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عباس، ليستدل به على أحكام أم الولد. وأم الولد: هي التي ولدت لسيدها في ملكه (أن يطأ سيد أمته فتضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء وضعته حياً أو ميتاً) فإنها تعتق بموته من رأس ماله. والحديث الذي ذكره المصنف ﵀ لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، لكن صح موقوفاً من كلام عمر كما رواه البيهقي. الحديث دليل على أن السيد إذا وطئ أمته صارت أم ولد، بشرط أن تضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء ولدته حياً أو ميتاً، وتكون حرة بعد موت سيدها وتعتق عتقاً قهرياً من رأس المال.

стр. 858

كتاب النكاح. تعريفه: لغة: القران، فكل قران بين شيئين يسمى نكاحاً. واصطلاحاً: عقد يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلباً للنسل على الوجه المشروع. م/ وهو من سنن المرسلين. أي: أن الزواج من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً وجعلنا لهم أزواجاً وذرية). وقال تعالى عن زكريا (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء). وعن سعيد بن جبير. قال: قال لي ابن عباس (هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) رواه البخاري. • قوله (فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) قال الحافظ ابن حجر: قيل المعنى: خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ ، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحاً ما آثر النبي ﷺ غيره. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث عليه والترغيب فيه لما فيه من المصالح العظيمة: قال تعالى في عباد الرحمن (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً). وقال تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). وقال تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). وعن أنس. قال (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي؟ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، .. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، .. فقال ﷺ : ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه

стр. 859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • قوله (ليس مني) أي ليس على طريقتي وسنتي في هذا الجانب، وليس المراد به إخراجه من الإسلام. وعن معقل بن يسار. قال: قال رسول الله ﷺ (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) رواه أبوداود. وعند أحمد (إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ (حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد وعن أبي ذر (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، … الحديث وفيه: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم. • … (البضع) المراد به هنا الفرج ويراد به الجماع، فالجماع يكون عبادة ويثاب عليه المرء إذا قصد به إعفاف نفسه وغض بصره وإعفاف زوجته وطلب الذرية الصالحة. وعن عبد الله بن عمرو. أن رسول الله ﷺ قال (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن أنس (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة) رواه البخاري. وقال ابن مسعود (لو لم يبق من الدهر إلا ليلة لأحببت أن يكون لي في تلك الليلة امرأة). وقال أحمد بن حنبل (ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير التزوج فقد دعاك إلى غير الإسلام. • وللنكاح حكم عظيمة: الحكمة الأولى: طلب النسل، لأنه ليس المقصود من الزواج التلذذ قضاء الوطر وإنما من مقاصده العظيمة طلب النسل. الحكمة الثانية: الاستمتاع، استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر. الحكمة الثالثة: تحصيل النسل لتكثير الأمة ولا ريب أن تكثير الأمة هو مصدر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم فهذا مقصد عظيم من مقاصد الزواج وهو تكثير الأمة. الحكمة الرابعة: حفظ المرأة والإنفاق عليها لأن الزواج يهيئ للمرأة حياة سعيدة كريمة في ظل الزوج. الحكمة الخامسة: تحصين كل من الزوجين الآخر كما قال ﷺ : فإنه أغض للبصر وأحصن لفرج، فما حفظ الفرج وغض البصر بمثل الزواج.

стр. 861

م/ وفي الحديث (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء). ذكر المصنف ﵀ حديث ابن مسعود (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء). ليستدل به على استحباب النكاح والحث عليه. [الشباب] خص الشباب لأن الشباب هم مظنة الشهوة والرغبة في الزواج فلهذا خصهم بالذكر. [من استطاع] أي من قدر. [الباءة] اختلف في المراد بها هنا: فقيل: القدرة على الوطء. وقيل: القدرة على مؤن النكاح، وهو الصحيح لأمور ثلاثة: أولاً: أن الخطاب إنما جاء للقادر على الجماع وهم الشباب أصلاً. ثانياً: أن الرسول ﷺ قال في آخر الحديث (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لو فسرنا الباءة بالجماع يصير المعنى: ومن لم يستطع الجماع فعليه بالصوم ولا ريب أن الذي لا يستطيع الجماع لا معنى لكونه يؤمر بالصوم، ثالثاً: جاء في رواية عند النسائي (من كان ذا طول فليتزوج). [فإنه] أي الزواج. [أغض للبصر] أي أن المتزوج أغض بصراً وأحصن فرجاً ممن لم يتزوج. [وأحصن للفرج] يعني أدعى إلى إحصان الفرج وإحصان الفرج منعه من الوقع في المحظور. [ومن لم يستطع] أي الباءة المذكورة في أول الحديث. [له وجاء] له: يعني الصوم، والوجاء: هو رض الخصيتين، بحجر أو نحوه، لكنها إذا رضت العروق ضعفت الشهوة لأن الخصيتين هما اللتان تهيجان الشهوة لأنهما هما اللتان تصلحان المني فتزداد الشهوة وتقوى. • الحديث يدل على مشروعية النكاح والحث عليه، واختلف في وجوبه عندما تتوفر الدواعي وتنتفي الموانع على قولين: فقال بعض العلماء: إنه واجب. وهو قول أهل الظاهر، كابن حزم وداود الظاهري. قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) قالوا هذا أمر. وقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) هذا أمر. ولحديث الباب: (يا معشر الشباب .... فليتزوج) وهذا أمر ولا يوجد صارف يصرفه. القول الثاني: أنه سنة مؤكدة غير واجب. وهو مذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، قال في المغني: وهو قول عامة الفقهاء.

стр. 862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و استدلوا بحديث الباب. وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أقام الصوم مقام الزواج، ومعلوم أن الصوم ليس بواجب، فدل على أن الزواج غير واجب، لأن القاعدة أن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب، لأنه إذا قام مقام الواجب يصير واجباً. والقول الأول قول قوي. [لكن أصحاب القول الثاني - وهم الجمهور - يقولون: إذا خاف على نفسه الزنا فإنه يجب النكاح]. ولهذا قال بعض العلماء: أن النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة: أولاً: مستحب، وهذا هو الأصل. ثانياً: واجب، على من خاف الزنا بتركه، لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثالثاً: مكروه، إذا كان فقيراً لا شهوة له، لأنه سوف يرهق نفسه بالنفقات وليس لديه شهوة. رابعاً: مباح، إذا كان غنياً لا شهوة له، لأنه قادر على الإنفاق، فهو قد ينفع المرأة بالإنفاق عليها. خامساً: حرام، وذلك فيما إذا كان بدار حرب، لأنه قد يؤدي إلى أن يكون له أولاد، فيقتل أولاده أو يخطفون - ويحرم أيضاً إذا أراد أن يتزوج ثانية وهو يعلم أنه غير قادر على العدل. • استدل بحديث الباب على تحريم الاستمناء. هذه العادة قديمة معروفة في الجاهلية قبل الإسلام، فقد كانوا يجلدون عُمَيْرَة إذا خلوا بواد لا أنيس به. كما قال الشاعر: إذا ما خلوتَ بوادٍ لا أنيسَ به فاجْلدْ عُمَيْرةَ لا عيبٌ ولا حرجُ وعميرة كناية عن الذكر. ومعنى الاستمناء: هو استدعاء خروج المني بغير جماع، سواء كان باليد أو بغيرها. وقد اختلف العلماء في حكمه: القول الأول: أنه حرام. وهذا مذهب جماهير العلماء. لقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون). فأوجب الله على المسلم أن يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فإذا تجاوز زوجته وملك يمينه إلى غيرهما فإنه من العادين. ولحديث الباب، فالرسول ﷺ أمر بالصيام، ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ . ومن الأدلة: أن الله أباح للصحابة المتعة في أول الأمر، ثم نسخت بعد، وسبب إباحتها ما لقوه من شدة العزوبة في أسفارهم، وقد جعلها الله حلاً مؤقتاً لدفع حاجتهم، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه لهم، وهو أيسر وأقل مؤونة وأثراً.

стр. 863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثاني: أنه مباح. وهو قول لبعض أهل الظاهر. لعدم الدليل المانع. لكن يباح الاستمناء في حالتين: الحالة الأولى: خوف الوقوع بالزنا. الحالة الثانية: التضرر بحبس هذا الماء. • حث النبي ﷺ على الصيام لمن لا يستطيع على مؤن النكاح، لأمرين: أولاً: لأن الصيام يورث التقوى. كما قال تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿. ثانياً: لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوته وتضعف بضعفه. • استدل العلماء بهذا الحديث بأنه لا ينبغي أن يستقرض من أجل الزواج. فإن النبي ﷺ قال: من لم يستطع فعليه بالصوم، ولم يقل: فليستقرض. ويدل لذلك قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) فأمره الله بالتعفف حتى يغنيه الله، ولم يأمر بالاستدانة. [المراد بالتعفف: حفظ الفرج وغض البصر].

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • هل يجوز استعمال دواء لدفع الشهوة؟ المسألة تنقسم إلى حالتين: الحالة الأولى: أن يستعمل دواء لقطعها، فهذا حرام. لأنه قد يقدر بعدُ فيندم. الحالة الثانية: أن يستعمل دواء لتخفيفها. فقيل: لا يجوز. لأن النبي ﷺ أرشد إلى الصيام لمن عجز عن مؤن النكاح، فهو العلاج النبوي، فلا يجوز غيره. وقيل: يجوز. وهذا هو الصحيح. • الحث على غض البصر وتحصين الفرج بكل مستطاع. فائدة: وفي غض البصر فوائد: أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته. ثانيها: أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه. ثالثها: أنه يورث حجة الفراسة. فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق نور بصيرته. رابعها: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه. خامسها: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، وفي الأثر: أن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله. سادسها: أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر. سابعها: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة.

стр. 865

م/ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة (تنكح المرأة لأربع .... ) ليستدل به على استحباب نكاح المرأة ذات الدين. [تنكح [أي يُرغب بالنكاح بها. [لأربع] أي لأربع خصال، واللام للتعليل، والمعنى الناس يراعون هذه الخصال، بعضهم يختار كذا وبعضهم يختار كذا، فالحديث سيق لبيان مراعاة الناس. [ولحسبها] الحسب في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة. [لدينها] أي اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته. [فاظفر بذات الدين] احرص بالزواج بالمرأة ذات الدين، تكتسب بها مصالح الدنيا والآخرة [تربت يداك] لصقت يداك بالتراب، والعرب تعني به حصول الفقر - كلمة دعاء لا يراد معناها - يقصدون بها التحريض بها، واللوم من جهة أخرى. • الحديث دليل على أن الرجال يكون اختيارهم للمرأة إما لمالها أو جمالها أو حسبها وآخر ذلك الدين وهذا هو الواقع في هذا الزمان للأسف.

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • الحديث دليل على الحرص على الزواج بذات الدين، وحث النبي ﷺ على الزواج بذات الدين؛ لحكم: أولاً: فهي تعين على طاعة الله. ثانياً: تُصلح من يتربى علي يديها. ثالثاً: ويأمن أولاده عندها. رابعاً: تحفظ ماله وبيته في غيبته. • فإن اجتمعت الصفات الأربع بالمرأة فهذا نور على نور، لكن قد يتعسر اجتماعها. • كيفية العمل بهذا الحديث: يبدأ بالسؤال عن الصفات التي يرغب بها - يسأل مثلاً عن جمالها - فإذا تحقق سأل عن الدين، فان تحقق أقدم وإلا أحجم، بخلاف ما إذا سأل عن الدين أولاً وتحقق ثم سأل عن الجمال ولم يتحقق الجمال ثم أحجم، فيكون رد المرأة، مع أنها ذات دين والرسول ﷺ يقول فاظفر بذات الدين تربت يداك. • ينبغي للإنسان أن يحرص على قبول وصية النبي ﷺ في الحرص على ذات الدين، قال تعالى (وإن تطيعوه تهتدوا). • يستدل بهذا الحديث على أن مصاحبة أهل الدين والاستقامة خير وبركة لأنه يستفيد من أخلاقهم وطباعهم.

стр. 867

م/ وينبغي أن يتخير ذات الدين، والودود، الولود الحسيبة. ذكر المصنف ﵀ صفات المرأة التي يسن نكاحها. فقال: ذات الدين. وسبق دليل ذلك. والودود، الولود الحسيبة. لقوله ﷺ : (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة). رواه أبو داود (الودود) هي التي تحب زوجها. [قاله الخطابي] (الولود) هي التي تكثر ولادتها. [قاله الخطابي] • كيف يعرف كثرة ولادتها: ويعرف هذا الوصف في الأبكار من أقاربهن، إذ الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض. ومن الصفات: أن تكون بكراً. لقوله ﷺ لجابر: (هل تزوجت يا جابر؟ قال: نعم، قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك). [وسيأتي الحديث إن شاء الله].

стр. 868

م/ وإذا وقع في قلبه خطبة امرأة فله أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها. أي: إذا رغب أحدكم بامرأة فله رؤيتها. • قوله (فله) يحتمل أن تكون اللام للإباحة ويحتمل أن تكون للاستحباب، وهذا هو الراجح. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ إِنِّى تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ (هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِى عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئاً». قَالَ قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا) رواه مسلم. وفي رواية (فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِى أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئاً). [فإن في أعين الأنصار شيئاً] اختلف في المراد بقوله (شيئاً) فقيل: عمش، وقيل: صغر، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه، فهو المعتمد. ولحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها). رواه أبو داود وعن المغيرة بن شعبة قال: (أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة خطبتها، فقال: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما). رواه الترمذي. فهذه الأحاديث دليل على استحباب النظر إلى المخطوبة لقوله (فاذهب فانظر إليها). ولأن النبي ﷺ علل الحكم بعلة تدل على الطلب وهي قوله (فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما). قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء. • متى يكون النظر؟ يكون قبل الخِطبة، من أجل أن يُقدِمَ أو يحجِم، ولا يكون بعد الخطبة، لأنه لو خطب امرأة ثم نظر إليها ولم تعجبه وتركها، فهذا يؤثر عليه وعليها. • لكن اختلف العلماء ما الذي يباح للخاطب أن يرى من مخطوبته؟ فقيل: ينظر إلى الوجه والكفين فقط. وهذا مذهب الشافعي. قال النووي: ثم إنه يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها. وقيل: ينظر إلى جميع بدنها. وهو قول داود. وقيل: ينظر إلى ما يظهر غالباً، كالوجه واليدين والرأس والرقبة والقدمين. ورجح هذا القول الألباني، وهو الصحيح. • لا يشترط رضا المخطوبة في النظر، وهذا مذهب جمهور العلماء، ينظر إليها ولو لم ترض.

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لقوله ﷺ (إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم). رواه أحمد وحديث جابر - السابق وفيه ( … فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها). • شروط النظر إلى المخطوبة: أولاً: أن يغلب على ظنه الإجابة. ثانياً: أن لا يقصد التلذذ، لأن المقصود الاستعلام لا الاستمتاع. ثالثاً: أن لا يكون بخلوة، لأنها أجنبية عنه. رابعاً: أن يكون عازماً على الخطبة. خامساً: ألا تكون المرأة متجملة، لأمرين: الأمر الأول: أنه تدليس بالنسبة للرجل، والأمر الثاني: أنه فتنة. • الصورة لا تقوم مقام النظر، لأن التصوير حرام، ولأن الصورة لا تقوم مقام الحقيقة، فإن الصورة تجمل الإنسان أكثر مما هو عليه.

стр. 870

م/ ولا يحل للرجل أن يخطبَ على خِطبة أخيه المسلم حتى يأذن أو يترك. أي: لا يجوز للرجل أن يخطب امرأة خطبها رجل آخر. [لا يحل: نفي الحل يستلزم الحرمة]. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) رواه مسلم. ولحديث ابن عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) متفق عليه. ولحديث عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ) رواه مسلم. فهذه الأحاديث تدل على تحريم أن يخطب المسلم على خطبه أخيه. • دلت الأحاديث على أنه في حالتين يجوز أن يخطب الثاني وهما: أ- إذا أذِن له لرواية [إلا أن يأذن له] ب- إذا ترك الخاطب الأول الخطبة لرواية [حتى يذر]. • أجمع العلماء على أن المخطوبة إذا ردت خاطبها كان للآخر أن يخطبها. • اختلف العلماء إذا علم الخاطب الثاني أن فلاناً خطب من هؤلاء القوم، لكن لا يعلم هل ردوه أم قبلوه هل يخطب أم لا؟ قيل: يجوز أن يخطب، وقيل: لا يجوز، وهذا الصحيح لأمرين: الأول: لأن هذا يعتبر خطبة على خطبة أخيه. الثاني: لأنهم قد يكونون على وشك الموافقة. • الحكمة من تحريم الخطبة على خطبة المسلم: الحكمة الأولى: أن هذا التصرف من أسباب العداوة والبغضاء بين الناس. الحكمة الثانية: أن هذا التصرف فيه ظلم للخاطب الأول وفيه تعد عليه لأن الحق له ما دام أنه هو الخاطب. وفيه حكمة ثالثة ألمح إليها العلماء وهي: أن هذا التصرف فيه تزكية لنفس الإنسان إذا خطب علي خطبة أخيه كأنه يزكي نفسه بهذا التصرف ويذم غيره وكأن لسان حاله يقول أنا أولى من هذا الخاطب الأول ومعلوم أن تزكية النفس أمر مذموم. وحديث عقبة ابن عامر ﵁ إشارة إلى هذا المعني وهو قول النبي ﷺ (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع علي بيع أخيه ولا يخطب علي خطبة أخيه حتى يذر) هذا فيه إشارة إلي أن الأخوة الإيمانية تقتضي أن لا تكون سببًا في مثل هذا التصرف.

стр. 871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • اختلف العلماء هل يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم أم لا على قولين: مثال: أن يخطب يهودي يهودية، فهل يجوز للمسلم أن يذهب ويخطب هذه اليهودية؟ القول الأول: أنه يجوز. قال النووي: وبه قال الأوزاعي، ورجحه ابن المنذر والخطابي. لقوله (على خِطبة أخيه) والكافر ليس أخاً للمسلم. ويؤيده رواية (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ) قال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم. ولأن الكافر ليس له حرمة. القول الثاني: أنه لا يجوز. وبه قال جمهور العلماء. لرواية (ولا يخطب الرجل على خطبة الرجل). وأما التقييد (بأخيه) فيحمل على الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق). وهذا القول هو الصحيح. • يحرم أن تخطب المرأة على خطبة المرأة لنفس العلة. مثال: امرأة عرضت نفسها على رجل، فلا يحل لامرأة أخرى أن تأتي وتعرض نفسها عليه وتزهده في التي قبلها. • الجواب عن قصة فاطمة بنت قيس، أنها جاءت تستشير النبي ﷺ لما خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة، الجواب: أن تحمل هذه القصة على أن الواحد منهم لم يعلم بخطبة الآخر.

стр. 872

م/ ولا يجوز التصريح بخِطبة المعتدة مطلقاً، ويجوز التعريض في خطبة البائن بموت أو غيره، لقوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ). أي: يحرم ولا يجوز أن يصرح بخطبة المرأة المعتدة مطلقاً. [والخِطبة بكسر الخاء طلب المرأة للزواج]، [والمعتدة: من لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، وعلى طلاقها ثلاث حيضات إن لم تكن حاملاً. • قوله (مطلقاً) أي سواء معتدة من وفاة [كالمتوفى عنها زوجها] أو من حياة. [المطلقة طلاقا بائناً]. • والتصريح: هو وعد المرأة بالنكاح أو طلب التزوج بها باللفظ الصريح، نحو أريد أن أتزوجك، أو زوجيني نفسك، أو فإذا انقضت عدتك تزوجتك، ونحو ذلك مما لا يحتمل غير النكاح. • فيحرم التصريح بخطبة المعتدة لقوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) أي لا إثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفى عنهن أزواجهن في العدة بطريق التلميح لا التصريح. فخص التعريض بنفي الحرج، وذلك يدل على وجود الحرج في التصريح، فيكون ذلك دليلاً على عدم جوازه، ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها. • لكن يجوز التعريض بخطبة المعتدة البائن بموت زوجها، أو المطلقة ثلاثاً. والتعريض خلاف التصريح نحو: إني في مثلك لراغب، أو إني أريد الزواج، أو وددتُ أنه يُيَسر لي امرأة صالحة، أو إذا انقضت عدتك فأعلميني ونحوها. والدليل على جواز التعريض للبائن من زوجها بوفاته عنها: الآية السابقة (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ). • وقول المصنف (ويجوز التعريض في خطبة البائن بموت أو غيره) فيه أن المطلقة الرجعية [وهي من طلقت طلقة واحدة أو اثنتين] لا يجوز التعريض بخطبتها، لأنها زوجة حكمها حكم الزوجات.

стр. 873

م/ وينبغي أن يخطُبَ في عَقْدِ النكاح بخُطبة ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (عَلَّمَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلتَّشَهُّدَ فِي اَلْحَاجَةِ: إنَّ اَلْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومن يضلل فلا هادي له، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً). ﴿التشهد في الحاجة﴾ وفي رواية (علمنا رسول الله خطبة الحاجة في النكاح وغيرهِ). • الحديث دليل على استحباب تقديم هذه الخطبة على عقد النكاح. وهذه الخطبة سنة عند جماهير العلماء وليست واجبة، ومما يدل على عدم وجوبها: حديث الواهبة نفسها، فإن الرسول ﷺ قال: (زوجتكها بما معك من القرآن) ولم يذكر الخطبة. • وهذه الخطبة قصد بها: إظهار النكاح وإشهاره، وبيان خطر هذا العقد. • هذه الخطبة ليست خاصة بعقد النكاح بل هي عامة في النكاح وغيره. • لم يرد عن أحد من السلف أنه كان يزيد على هذه الخطبة بشيء مما يزيده بعض الناس من الخطب المطولة إما في فضل النكاح أو في الترغيب في الطاعات أو الترهيب من المعاصي عند عقد النكاح، وهذه بدعة وقد قال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد). • عقد النكاح يصح في أي مكان، ولا يستحب أن يكون في المسجد كما يظن بعض العوام، والحديث الوارد في ذلك ضعيف.

стр. 874

م/ ولا يجب إلا بالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: زوجتُك أو أنكحتك، والقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه كقوله: قبلت هذا الزواج، أو قبلت، ونحوه. أي: أن النكاح لا يجب ولا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول، فمن أركان النكاح الإيجاب والقبول. فالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: زوجتك أو أنكحتك. والقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه كقوله: قبلت هذا الزواج، أو قبلت، ونحوه. • وقد اختلف العلماء هل يشترط أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الإنكاح والتزويج أو لا يشترط على قولين: القول الأول: أنه يشترط أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الإنكاح أو التزويج. وهذا هو المذهب. لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن الكريم. قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا .. ). وقال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .... ). القول الثاني: أنه لا يشترط، وأنه يجوز بغير لفظ الإنكاح والتزويج، فأي لفظ يدل على النكاح فإنه يجوز وهذا قول جماهير العلماء، وهو اختيار ابن تيمية ﵀. لقول النبي ﷺ للذي طلب أن يزوجه الواهبة نفسها (ملكتكها بما معك من القرآن). ولحديث أنس (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها) متفق عليه. ولأن العبرة في العقود المعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظاً تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 875

باب شروط النكاح أي سيذكر المصنف ﵀ في هذا الباب شروط النكاح. الشروط جمع شرط وهو لغة العلامة، واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. والفرق بين شروط النكاح (التي سيذكرها المصنف في هذا الباب) وبين الشروط في النكاح التي ستأتي فيما بعد من وجهين: الأول: أن شروط النكاح من وضع الشرع لا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح شروط وضعها العاقد ويمكن إبطالها. الثاني: أن شروط النكاح يتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح يتوقف عليها لزومه. م/ ولا بد فيه من رضا الزوجين. أي يشترط لصحة النكاح رضا الزوجين، فإن أكره الزوج على التزويج بامرأة لم يصح النكاح، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله: كيف إذنها؟ قال: أن تسكت) متفق عليه. [الأيم] هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق، وقد تطلق على من لا زوج لها. وقياساً على البيع فإنه يشترط فيه الرضا فكذلك النكاح. • وعليه فلا يجوز للأب أن يجبر ابنته البالغة على النكاح. هذا القول هو الصحيح (وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم). لقوله ﷺ (لا تنكح البكر حتى تستأذن) وهذا عام، ولم يستثن منه الأب. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ ( .. والبكر يستأذنها أبوها) رواه مسلم. وعن خنساء بنت جذام (أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله ﷺ فردّ نكاحها). رواه البخاري قال ابن القيم (وهو الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم الرسول وأمره ونهيه، وقواعد شريعته ومصالح أمته). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للأب أن يجبر ابنته البالغة على النكاح وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. واستدلوا بالحديث السابق (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) بالمفهوم، لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها. وأما الاستئذان فهو تطييب لخاطرها. والراجح أنه لا يجوز أن يجبرها.

стр. 876

م/ إلا الصغيرةَ فيُجْبِرُهَا أبوها. ذكر المصنف ﵀ من لا يشترط رضاهم، فذكر الصغيرة، فإن للأب أن يجبرها. لقول عائشة (تزوجني النبي ﷺ وأنا ابنة ست، وبنى بي وأنا ابنة تسع) متفق عليه. ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها. قال القرطبي: هذا الحديث مستند الإجماع على أن الأب يجبر البكر الصغيرة على النكاح.

стр. 877

م/ والأمَة يجبِرُها سيدُها. أي: والسيد يجبر أمته على الزواج، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً، وذلك لأن منافعها مملوكة، والنكاح عقد على منفعتها، فأشبه عقد الإجارة، ولذلك ملك الاستمتاع بها.

стр. 878

م/ ولابد فيه من الولي، قال ﷺ (لا نكاح إلى بولي) حديث صحيح، رواه الخمسة. هذا الشرط الثاني من شروط النكاح وهو الولي (وهو من يتولى أمر المرأة)، وهذا مذهب جمهور العلماء، وأنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها. والأدلة على شرطية الولي كثيرة. قال تعالى (فَلا تَعْضُلُوهُن) فقد جاء في سبب نزولها ما رواه البخاري عن معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: (زوجت أختاً لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ( … فَلا تَعْضُلُوهُنّ) فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: (فزوجها إياه). قال الحافظ ابن حجر في شأن هذه الآية: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لرفضه معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها. وقال تعالى (ولا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. ) فالذي يُنكح هو الولي، فالخطاب للأولياء. وكذلك قول الشيخ الكبير لموسى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ). وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ (لا نكاح إلا بولي) رواه أبوداود. وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) رواه أبوداود وقال ﷺ (لا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه. وقول عمر لعثمان - بعد أن تأيمت حفصة - (إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري. • وذهب بعض العلماء وهو مذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط الولي، قالوا: قياساً على البيع. والصحيح مذهب الجمهور، ويرجح ذلك عدة أمور: أولاً: أن اشتراط الولي فيه صيانة للمرأة عما يشعر في وقاحتها وميلها إلى الرجال. ثانياً: أن الرجال أقدر من النساء على البحث عن أحوال الخاطب، فإن المرأة قاصرة في فعلها وفي اختيارها، فقد لا توفق للرجل الكفء. ثالثاً: أن اشتراط الولي فيه مزيد إعلان للنكاح. رابعاً: أن ارتباط المرأة بالرجل الذي تختاره، ليس شأناً خاصاً بها، وإنما يهم الموضوع أباها وأخاها بل والأسرة بأكملها.

стр. 879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما قياسهم على البيع فهذا قياس لا يصح لأمرين: أولاً: هذا قياس باطل، لأنه في مقابلة النص. ثانياً: لأن عقد النكاح أخطر من عقد البيع. • شروط الولي: أن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً): لأن غير المكلف يحتاج من يتولى أمره فكيف يتولى أمر غيره. قال ابن قدامة: وأما العقل فلا خلاف في اعتباره. أن يكون ذكراً: فالمرأة لا تكون ولية في النكاح، لأنها هي بحاجة إلى ولي فكيف تتولى أمر غيرها. أن يكون رشيداً: وهو معرفة الكفء ومصالح النكاح. الأمانة: أي ائتمان الولي على موليته، فلا يزوجها إلا بكفء. اتفاق الدين: فلا يكون الكافر ولياً في النكاح. كما قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). لكن لو كان الولي مسلماً وابنته كافرة فإنه يعقد لها، والسبب: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

стр. 880

م/ وأولى الناس بتزويج الحرة أبوها وإن علا، ثم ابنها وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها. شرع المصنف ﵀ بذكر الولاية في النكاح، فذكر أن أولى الناس بتزويج الحرة أبوها، لأنه أكثر الناس حنواً وشفقة، وأكمل نظراً ورأفة، ويليه الجد، فإنه كالأب في مزيد حنوه ورأفته على بنات ابنه. ثم ابنها: أي يلي الأب وإن علا في ولاية النكاح الابن وإن نزل، لأنه أولى بالميراث من غيره، فكذا في النكاح. ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها: أي يلي الابن في مرتبة الولاية الأقرب من العصبة، لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر، فيقدم الأخ من الأبوين، لكونه أقرب العصبات بعد عمودي النسب، ثم الأخ لأب، ثم بنو الإخوة لأبوين، ثم بنو الإخوة لأب، ثم الأعمام كذلك، ثم بنوهم. يقدم في جهة الولاية الأبوة، ثم البنوة، ثم الأخوة، ثم العمومة. أمثلة: لو كان للبنت ابن وأب، فالأب هو الذي يزوج، لو وجد ابن وأخ شقيق، فيقدم الابن.
следующие страницы →