Полный текст (762 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
التعرف على حالات يحدث فيها تسمم حاد أو متأصل ينسب للقصدير وحده عن طريق الأغذية المحفوظة في العلب غير المبطنة بمواد صمغية.
هـ- الزرنيخ:
هو معدن ذو أثر سمي شديد، وشكله السام هو ثالث أكسيد الزرنيخ أو أكسيد الزرنيخوز. وعلى الرغم من وجود الزرنيخ في الدم فلا يعرف له أثر في العمليات البيولوجية في الجسم. وأكثر كمية توجد منه في الجسم تكون في الشعر والأظافر، حيث يحتوي الشعر بين ٠.٣ و ٠.٧ جزء في المليون، والأظافر الداخل للجسم. وتستخدم هذه الظاهرة في تشخيص حالات التسمم بالزرنيخ. والزرنيخ الموجود طبيعيا في الجسم قد يكون مصدره الأسماك أو استنشاق التراب ودخان الفحم. والمقدار الأصغري من أكسيد الزرنيخوز اللازم لتسمم الإنسان يتراوح بين ٠.٨ و ٢.٤ مليغرام لكل كيلو غرام من وزن الجسم. وتستخدم زرنيخات الرصاص بكثرة في رش الفواكه لمقاومة الحشرات. ويبقى جزء من هذه المواد عالقة بأسطح الثمار، ولذلك كان لا بد من غسلها في تعفير الخضر. وتزيد نسبة الزرنيخ عادة في التربة حيث تستخدم الزرنيخات في الرش والتعفير، وبذلك قد تتلوث التربة ومواد غذائية أخرى فترفع نسبة الزرنيخ فيها.
و– الأنتيمون:
يصل الآنتيمون إلى الأغذية عن طريق: ١- الأوعية المطلية بالمينا، ٢- اللحام الورق المفضض ٣- حلقات وأنابيب المطاط، ٤ مركبات الأنتيمون التي تستخدم كمبيدات للحشرات.
وأهمها هي الأوعية المطلية بالمينا، وتتوقف سمية مركبات الأنتيمون على قابليتها للذوبان وعلى حالتها من حيث التأكسد، أي تتوقف على ما إذا كانت ثلاثية أو رباعية التكافؤ. وثالث أكسيد الانتيمون الذي يستخدم في صناعة المنيا لا يمتص في القناة الهضمية لعدم قابليته للذوبان، وفي صناعة المينا يتحول ثالث وخامس أكسيد الأنتيمون إلى ميتا أنتيمونات الصوديوم. ولا يذوب الأنتيمون في حمضو الغذاء إلا إذا تعرت الطبقة اللامعة للمينا التي تحمي أكسيد الأنتيمونز ويستخدم.
стр. 282
الأنتيمون في السبيكة التي تصنع منها الأوراق المعدنية القصديرية التي تستخدم في لف الجبن، وبذلك تكتسب تلك الصفائح مقاومة للتأكسد، وتساعدها على التلف وقد يظهر الأنتيمون كصبغة بيضاء أو بنية اللون على سطح الجبن من تأكسد وذوبان الصفائح القصديرية، وكذلك قد تحتوي سبيكة اللحام على الأنتيمون، فيكون ذلك سبيلا إلى وصوله إلى الغذاء. ويوجد خماسي سلفيد الأنتيمون كأحد مكونات أنابيب وحلقات المطاط.
ز- الكادميوم:
هو أحد المعادن التي تستخدم في طلاء الأواني والأدوات، ويدخل في تركيب مواد اللحام ومبيدات الآفات "الهوام" pesticids، وقد ينتقل إلى الغذاء عن أحد هذه الطرق. والكادميوم هو أحد المعادن ذات التأثير السمي الشديد، وأملاحه تحدث آلاما شديدة في المعدة مصحوبة بقييء وإسهال، وتشبه في تأثيرها أملاح الزنك، إلا أن تأثير الكادميوم يكون أشد. وتخفف الحدة بعد القي الذي يطرد.
الكادميوم خارج الجسم.
стр. 283
التلوث بالمضادات الحيوية والهرمونات:
بدأ استخدام المضادات الحيوية في حفظ غذاء الإنسان في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، نظرا لعدم وجود المواد الحافظة الآمنة والفعالة وقتذاك، فكانت المضادات الحيوية أكثر فاعلية ضد الأحياء الدقيقة، ويمكن استخدامها بتركيزات منخفضة جدًّا لا تؤثر على الصفات الفيزيائية للغذاء. إلا أن استخدام هذه المضادات الحيوية في الغذاء بقصد الحفظ قد قل لدرجة كبيرة في الوقت الحاضر، بعد أن تعددت وتنوعت المواد الحافظة، خاصة بعد أن عرف أن استخدام المضادات الحيوية في غذاء الإنسان أو في علاج الأمراض المختلفة يكسب الأحياء الدقيقة مناعة ضدها تقلل من فعاليتها عند استخدامها لعلاج الأمراض، علاوة على امكانية تأثيرها على النبيت المعوي intestinal flora في الإنسان وعادة لا ينصح باستخدام أي مركب كمادة حافظة في الغذاء إذا كانت له استطبابات "دواعي استعمال" indications طبية، وينطبق هذه على وجه الخصوص على بعض المضادات الحيوية كالبنسيلين penicillin والستربتوميسين streptomycin ويعتبر النيسين nicin والبيمارسين pimarcin من المضادات الحيوية المعروفة.
стр. 284
الاستخدام لحد ما في الأغذية حتى وقتنا الحاضر، في بعض الدول، بينما حظر استخدامها في كثير من الدول الأوروبية وفي أميركا ويستخدم النيسين كمادة حافظة لكثير من منتجات الألبان، فيستخدم في حفظ الجبن الجاف من الانتفاخ المتأخر، إلا أن أهم استخدام له في الجبن المطبوخ، حيث يتميز بفاعلية ضد الجراثيم الهوائية المكونة للأبواغ، حيث يثبط المطثيات والجراثيم المكونة لحمض البوتيريك بتركيز بين ٢- ٨ مليغرام لكل كيلو غرام فيضاف أثناء الطبخ أو انصهار الجبن. كما قد يستخدم النيسين كمادة ماسعدة في التعقيم عند حفظ الخضراوات، حيث تساعد إضافته على توفير ظروف تعقيم أقل شدة، وخاصة في منتجات الطماطم. ويبدأ تأثير النيسين بعد انتهاء المعاملة الحرارية حيث يثبط انتاش الأبواغ التي تحملت المعالجة الحرارية والتي تبدأ في الإنتاش بعد ذلك ويبقى النيسين ثابتا لبضع سنين في الصورة الجافة، وتزداد درجة ثباته في المحاليل كلما انخفضت درجة الباهاء ph، فيمكن للنيسين أن يحتفظ بفاعليته لمدة ٣٠ دقيقة في درجة حرارة ١٢١ مئوية عند درجة باهاء ٢، ويبدأ تقويض النيسين عند درجة باهاء ٤، وتزداد سرعة التقويض بارتفاع درجة الحرارة. وبصفة عامة فإن فاعلية النيسين ضد الأحياء الدقيقة تصل للذروة بين درجتي باهاء ٦.٥ و ٦.٨ إلا أن درجة ثباته في هذا المجال تكون قليلة.
أما البيمارسين فيستخدم كمادة حافظة لأسطح الجبن، وهو يتميز بتأثيره القوي ضد الفطريات، وخاصة المكونة للذيفانات الفطرية، وليس له تأثير مباشر على تكوين الذيفانات الفطرية. وعادة يغمر الجبن المراد حفظه في معلق يحتوي على ٠.٥ – ٠.٢٥ % بينما يرش أو يدهن سطح الجبن المراد حفظه بهذا المعلق ويستخدم البيمارسين كذلك بتركيز ٠٥ ٠% كمادة مضافة للأغلفة الصناعية وفي تغليف الجبن. كما يستخدم البيمارسين لتقليل نمو الفطريات على أسطح النقانق النيئة حيث يغمر في محلول يحتوي على ٠.٢ – ٢٥ % بيمارسين والبيمارسين ثابت في درجة باهاء pH بين ٤- ٧، وهو حساس للمواد المؤكسدة والمعادن الثقيلة والضوء والحرارة، وتزداد درجة تقويضه بانخفاض درجة الباهاء. ونظرا لقلة ذوبان البيمارسين في الماء فهو يتركز على السطح الخارجي للجبن، ولا ينفذ منه إلا القليل إلى داخل الجبن، ويكون النفوذ أسرع وأعمق في الجبن الطري منه في الجبن الجاف.
стр. 285
ويستخدم الأوكسي تتراسيكلين في إطالة فترة حفظ الأسماك والحيوانات البحرية على سفن الصيد، حيث يضاف بنسبة ٥ أجزاء في المليون إلى الثلج المستخدم في حفظ الأسماك فيطيل مدة حفظها بدرجة كبيرة. كما قد تغمر اللحوم الطازجة ولحم الدجاج الطازج في محلول من التتراسيكلين بتركيز ١٠ أجزاء في المليون، حيث يطيل مدة حفظها بالتبريد للضعفين أو ثلاثة أضعاف، كما قد تحقن الذبائح ببعض المضادات الحيوية مثل التتراسيكلين والبنسيلين والكلورامفينيكول قبل الذبح للمساعدة على حفظ اللحوم. والتتراسيكلينات ثابتة نسبيا، فتأثيرها فعال وطويل، إلا أن ذلك يضر بصحة المستهلك لعدم إمكانية إزالة المضاد الحيوي بطرق التصنيع الغذائي المختلفة. وتحظر معظم القوانين استخدام المضادات الحيوية في كل ما يتعلق بالغذاء، وتحدد بعض الدول المستويات القصوى لبقاياها في اللحوم أو الدواجن أو الأسماك.
أما بالنسبة للحيوان فقد بدأ استخدام المضادات الحيوية كمضافات للأعلاف الخاصة بالدواجن وبحيوانات التسمين، وقد لوحظ أنها تؤدي إلى زيادة الوزن مع توفير العلف، وخاصة إذا ما اقترن ذلك بإضافة الهرمونات. ولا تعرف بالضبط آلية عمل المضادات الحيوية في عملية التسمين، إلا أن البعض يفسر ذلك بأن المضاد الحيوي يحمي الحيوان من الأمراض المعروفة وغير المعروفة، وبهذا تتحسن الصحة العامة للحيوان أو الطائر، ويتيح ذلك الفرصة لأكبر نمو ممكن. وعلى هذا فإن أكثر المضادات الحيوية أهمية بفائدتها من هذه الناحية هو المضاد الحيوي الذي له طيف واسع لقوة تثبيط المكروبات، وقد وجد أن البنسيلين هو أحسنها في الة علف الدواجن، وأن الأوكسي تتراسيكلين أحسنها في حالة أعلاف حيوانات التسمين.
كما قد تقوى أعلاف الحيوانات والدواجن بالهرمونات أو مستحضراتها، أو تعطى بالحقن تحت الجلد فتزيد من سرعة التسمين بأكثر من ١٠%، فيوفر ذلك من الأعلاف بما يتراوح بين ٦- ١٢%.
والهرمونات التي تضاف عادة إلى الأعلاف هي الإستروجين estrogene والبروجسترون progesterone أو مستحضراتهما كالإستراديول estradiol B١٧ أو أسيتات الترامبولان trambolane acetate فقد ثبت أنها عوامل بناءة للبروتين، وتسرع من عملية النمو والتسمين بطريقة غير مباشرة تتوسطها عمليات تتحكم فيها الغدة الدرقية، ولهذا يضاف عادة هرمون الثيروكسين thyroxine لزيادة كفاءة
стр. 286
الهرمونات الأخرى المضافة في عملية التسمين.
ولم يثبت حتى الآن وجود بقايا لهذه الهرمونات في لحم الحيوان أو الدواجن، وربما كان السبب في ذلك عدم توفر الطرق المتناهية في الدقة لتقدير هذه البقايا المتناهية في الصغر في الأنسجة العضلية. إلا أنه من المعروف أن محتويات الدهن تحت الجلد في الدواجن ودهون الحيوانات وأنسجة الكبد تحوي بقايا لهذه الهرمونات، مما قد يكون له تأثير ضار بالصحة على المدى الطويل بالنسبة للإنسان وخاصة على الإناث. ولا يزال هذا الموضوع يفتقر إلى المزيد من المعلومات سواء من حيث وجود هذه البقايا أو تأثيراتها الضارة على الإنسان.
стр. 287
٣- التلوث الإشعاعي:
الطاقة وتلوث البيئة بالإشعاع:
للطاقة أهمية أساسية في الحياة ولكن استخداماتها تؤدي على تلوث البيئة وتسبب الضرر للإنسان بدرجات متفاوتة تتوقف على نوع المادة أو العنصر المولد للطاقة فاحتراق الفحم مثلا يلوث البيئة بغاز ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى ضارة كما أن احتراق اليورانيوم ينشأ عنه انبعاث إشعاعي وإنتاج مواد مشعة تلحق أشد الضرر والأذى بالإنسان خاصة والمخلوقات عامة.
والطاقة- وهي القوة المخزنة أو المنطلقة- لها صور مختلفة يمكن تحويل كل منها للآخر. فهناك الطاقة الكهربائية، وهي قوة ناتجة عن حركة بعض إلكترونات الذرة، والطاقة المغناطيسية، وهي قوة الجذب والتنافر بين بعض الأجسام، والطاقة الحرارية والصوتية والكيميائية والحركية والإشعاعية. وكلها صور من الطاقة يمكن تحويلها إلى بعضها البعض، وجميعها يمكن تحويلها إلى طاقة كهربائية مثلا، كما يمكن تحويل الكهرباء إلى جميع الصور الأخرى للطاقة.
ومن المعروف أن الجزيء هو أصغر جزء في المادة ويتركب من وحدات هي الذرات. وإذا تشابهت ذرات المادة سميت بالعنصر، وإذا اختلفت سميت بالمركب. ويوجد في الطبيعة ٩٢ عنصرا، أصغرها وزنا جزيئيا الهيدروجين وأكبرها وزنا جزيئيا اليورانيوم، ومن الممكن في العصر الحديث استحداث عناصر أخرى اصطناعيا.
ومن المعروف كذلك أن الذرة تتكون من بروتونات موجبة ونوترونات متعادلة
стр. 288
متجمعة في المركز الذي يسمى النواة. ويدور حول النواة عدد من الجسيمات السالبة، هي الإلكترونات، في مدارات معينة تعرف بمستويات الطاقة، يحتوي كل منها على عدد معين من الإلكترونات ذات طاقة معينة. وتشغل الألكترونات ذات الطاقة الأقل مستويات أقرب إلى النواة والعكس. وإذا اكتسب الإلكترون كمية من الطاقة ينتقل إلى مستوى طاقة أعلى، وإذا فقد هذه الكمية من الطاقة يعود إلى مستواه الداخلي ويشع الطاقة على هيئة إشعاعات يمكن تصويرها، تسمى الأشعة السينية التي تختلف في أطوال موجاتها وطاقاتها، كما تختلف في منشئها من ذرات عنصر إلى آخر.
وأغلب العناصر الموجودة في الطبيعة ثابتة، إلا أن بعض العناصر ذات الوزن الذري "عدد الاكترونات+ عدد البروتونات" العالي ٢٠٩ فما فوق، تتفكك نواتها تلقائيا وينبعث منها طاقة إشعاعية على شكل أنواع مختلفة من الإشعاعات ومن أمثلة العناصر المشعة الموجودة في الطبيعة اليورانيوم والراديوم والأكتينوم. وعندما تتطاير الجسيمات من نواة ما يتغير وزن تلك النواة تلك النواة حتى تستقر وينتج عنها عنصر ثابت غير مشع. فالراديوم مثلا بعد سلسلة من الإشعاعات لزمن معين يتحول إلى عنصر الرصاص. وجميع العناصر المشعة تتحطم نواتها بسرعة ثابتة حتى تستقر وبواسطة النوترونات البطيئة يمكن تحويل أي عنصر في الكون إلى عنصر آخر أو نظير مشع.
وعملية تحول النواة غير الثابتة غير الثابتة "المشعة" تلقائيا لعنصر ما إلى نواة لعنصر آخر مستقر تسمى النشاط الاشعاعي، وينبعث عنها نوع معين من أحد ثلاثة أنواع من الإشعاع هي ألفا (a) وبيتا (B) وغاما (y) ويختلف كل عنصر مشع عن الآخر، كما تختلف أنواع الإشعاعات التي تنطلق منه. وإشعاعات ألفا وبيتا هي عبارة عن جسيمات، أما إشعاعات غاما فهي موجات كهرمغناطيسية.
ومصادر أشعة ألفا الطبيعية هي الشمس والمواد المشعة الطبيعية كالراديوم واليورانيوم والمواد المشعة الصناعية ومصادر أشعة بيتا "الإلكترونات" الطبيعية هي الشمس والمواد المشعة الطبيعية كالراديوم. ومن المواد المشعة الصناعية مواد لا تعطي إلا أشعة بيتا كالسترونسيوم ٩٠ والفورسفور المشع ٣٣. ومصادر النوترونات الطبيعية هي الشمس والمواد المشعة كاليورانيوم ٢٣٥، ويمكن الحصول عليها كذلك من تفاعل أشعة ألفا مع معدن البيريليوم. وللبروتونات كذلك مصادر طبيعية
стр. 289
واصطناعية. أما الطاقة الإشعاعية الموجبة وهي أشعة غاما فلها مصادر طبيعية كالشمس والراديوم.
وأهم صفة في جميع المواد المشعة هي أن نشاطها الإشعاعي يقل تدريجيا بمرور الزمن. وتتميز المواد المشعة بما يعرف "بعمر النصف" Half – life، وهو الزمن اللازم لنقص النشاط الإشعاعي إلى النصف. وعند مرور ضعفي فترة عمر النصف يصل مستوى الإشعاع إلى ربع المستوى الأعلى، وعند مرور عشرة أضعاف عمر النصف يصل المستوى إلى واحد في الألف من المستوى الأعلى.
ويتراوح عمر النصف من جزء من الثانية إلى ملايين السنين، إلا أن معظم المواد المشعة تطلق أشعة شديدة الاختراق توجب تأمين ساتر ثقيل، وتتفكك بسرعة إلى مستويات منخفضة، ولها فترة عمر نصفي قصيرة. أما المواد المشعة التي لها عمر نصفي طويل، فإنها تطلق إشعاعات قليلة جدًّا بقوة اختراق ضعيفة، وهذه لا تضر الإنسان إلا إذا وصلت داخل الجسم.
وأول من اكشتف التأثيرات الضارة للإشعاعات هو العالم الفرنسي هنري بيكريل Bequerel عام ١٨٩٨، حيث أخذ قدرا من مادة الراديوم التي اكتشفتها مدام كوري Curie في نفس العام، ووضعه في أنبوبة اختبار تركها لفترة ما في جيب قميصه لحين دراسة خصائصها كمادة متألقة فأصابه ما يشبه الحروق. ومنذ ذلك التاريخ عكف على دراسة تأثير إشعاعات الراديوم على الخلية الحية، ومن هنا نشأ وتطور علم بيولوجيا الإشعاع، الذي يبحث في التأثيرات البيولوجية للإشعاعات المؤينة ذات النشاط الطبيعي أو الاصطناعي، أو من الأشعة السينية x- rays "الإشعاع الخارجي" التي اكتشفها العالم رونتجن Roentgen عام ١٨٩٥ والتي لها نفس خواص إشعاعات الراديوم.
وفي الحقيقة فإن البيئة تحتوي على نسبة دائمة من الإشعاع، فمنذ نشأة الحياة على الكرة الأرضية توجد إشعاعات متوازنة مع غيرها من العوامل البيئية وتسبب أحيانا طفرات بيولوجية تتوقف على قوة وشدة ونوع الإشعاع وبتقدم العلوم والتكنلوجيا بدأ مستوى الإشعاع في الزيادة بفعل الإنسان، بسب ابتكاراته ومحاولة تطويعه عناصر الطبيعة لخدمته، مما أثر على النظام الحيوي في البيئة، وهو نظام له سعة معينة في تعرضه للإشعاع الزائد لفترات طويلة. وكانت المحصلة زيادة تعرض الإنسان وغيره من المخلوقات، وكذلك الغذاء إلى إشعاع زائد ساهم في التأثير.
стр. 290
المباشر وغير المباشر على صحته
التأثير البيولوجي للإشعاع:
يؤدي الإشعاع إلى إحداث تغيرات كيميائية في الخلايا الحية تؤثر على سلوك الخلية، نتيجة لتأثيره على الحموض النووية التي تحمل جميع المعلومات المطلوبة للتطور، وانقسام الخلية، ونمو الأنسجة الحية عامة. وقد يؤدي التأثير إلى تلف الحمض النووي، وفي بعض الأحيان يمكن تعويض هذا التلف، إلا أنه في حالات أخرى يؤدي الإشعاع إلى موت الخلية أو تحويلها. وإذا قتل عدد كبير من خلايا العضو تتأثر وظيفته وربما يموت. وترتشف الخلايا الميتة عادة من قبل النسيج أو قد ترفض كما قد تؤدي تحولات الخلية إلى حدوث الأمراض الخبيثة.
والإشعاع يؤثر على كل الأفراد المتعرضين وهو ما يعبر عنه بالتاثير المباشر، وكذلك الأجيال فيما بعد، وهو ما يعبر عنه بالتأثير الوراثي. فالجرعات العالية جدًّا التي يتعرض لها الإنسان في فترة قصيرة، لا تتعدى دقائق، تؤدي إلى تلف واسع الانتشار لخلايا الدم وأنسجة العظام وتنتهي عادة بالموت خلال أسابيع قليلة، وهذه تسمى بالتأثيرات العاجلة early. ففي حالة قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، وكذلك في قليل من الحوادث التي حدثت في الأيام الاولى لأبحاث الأسلحة النووية، وتلك التي حدثت بين عمال الإطفاء الذين تابعوا حادث تشيرنوبل بروسيا، حدثت حروق في الجلد وسقوط الشعر وقلة الخصوبة. ولا تنتج مثل هذه التأثيرات العاجلة في حالة الجرعات الصغيرة، أو المحصورة في موضع واحد، أو المتراكمة خلال فترة زمنية طويلة نسبيا، فلم يحدث تلف معين لصحة أولئك الأفراد الذين تعرضوا لمثل هذه الجرعات طيلة العمر، كما لم يلاحظ أي تاثير على ذريتهم. إلا أن هناك احتمالا ولو قليلا لإصابتهم بالسرطان وهذه السرطانات الوراثية تختلف عن التأثيرات العاجلة فهي لا تظهر إلا بعد فترة تعرض مديدة، ولهذا فإنها تسمى بالتأثيرات الآجلة late.
تلوث البيئة بالنشاط الإشعاعي وتعرض الإنسان له:
يتعرض الإنسان منذ بداية الخليفة للأشعة من المصادر الطبيعية التي تأتية من خارج الأرض وهي الأشعة الكونية. ويتميز هذا النشاط الإشعاعي بضالته وقدرة الإنسان على تحمله دون أن يتعرض لأضرار صحية بالغة على مدى عمره. وفي
стр. 291
العصر الحديث أضاف الإنسان إلى هذه المصادر الطبيعية مصادر أخرى صناعية أصبحت تشكل في مجموعها أخطارا كبيرة على صحته. ويبين الشكل ١ مصادر ومقدار الإشعاع الذي يتعرض له الإنسان مقدرا بالملي سيفرت في السنة، ومنه يتضح أن هناك مصادر إشعاعية طبيعية وأخرى صناعية تلوث البيئة ويتعرض لها الإنسان كما يلي:
المصادر الطبيعية للإشعاع:
أ- الأشعة الكونية cosmic rays:
ومصدر هذه الأشعة هو الفضاء المحيط بالكرة الأرضية، ومن الزوابع والانفجارات التي تحدث على سطح الشمس التي يتشتت بعضها ويتفاعل مع ذرات الهواء القريبة من الأرض مكونا جسيمات أقل طاقة تتألف من إلكترونات وبروتونات ونوترونات وجسيمات ألفا ونوى مشعة ثقيلة. ويتمكن بعض هذه الأشعة من النفاذ داخل طبقات الهواء والوصول إلى مستوى الحياة على الأرض بكميات كبيرة يمكن قياسها والنوع الثاني يتجمع بقوة مغناطيسية الأرض ليشكل أحزمة حولها تبدأ على ارتفاع ألف كيلو متر من سطح الأرض. والنوع الثالث يكون بعيدًا جدًّا عن سطح الأرض.
وتتأثر كثافة هذه الأشعة الكونية بالمجال والمركز المغناطيسي للأرض، وبالارتفاع عن سطح البحر. فتزداد كثافة هذه الأشعة بزيادة الارتفاع عن سطح البحر وزيادة البعد عن خط الاستواء، أي زيادة خطوط العرض. ويزداد تعرض الإنسان لهذه الأشعة بسبب تواجده على سطح الأرض وركوبه الطائرات لارتفاعات عالية، ويكون تعرضه لهذه الأشعة أكبر في حالة الطائرات فوق الصوتية عنها في حالة الطائرات المدنية النفاثة. إلا أن صناعة الطائرات قد أدخلت في حساباتها هذه المؤثرات.
ب- الإشعاع الناجم عن البيئة الأرضية:
القشرة الأرضية. ينتشر بالقشرة الأرضية كثير من المواد المشعة انتشارا كبيرا، ويتعرض الإنسان إلى جرعات منها قد تزيد عن تلك الناجمة عن الأشعة الكونية. ويزداد تركيز هذه الأشعة في الصخور الغرنيتية عنها في الصخور البازلتية أو الرسوبية. كما يقل تركيزها في الصخور الجيرية والرملية. ويكثر احتواء الصخور
стр. 292
الرسوبية المحتوية على أصداف بحرية أو مواد عضوية على مواد مشعة. ومن أهم العناصر المشعة التي تحتويها القشرة الأرضية اليورانيوم والثوريوم، والأول موجود بكميات أكبر ولكنه أقل انتشارا من الثاني. وكذلك البوتاسيوم وهو كثير الانتشار ويكون نسبة ثابتة مع البوتاسيوم غير المشع.
الهواء القريب من سطح الأرض. يوجد قريبا من سطح الأرض مواد مشعة غازية منها الكربون ١٤ والرادون والثورون. والكربون هو العنصر الأساسي لكل أنواع الحياة على الأرض ويدخل في جميع العمليات البيولوجية والجيوكيميائية. أما الرادون والثورون فهما ناتجان عن تحلل اليورانيوم والثوريوم ويوجدان أصلا في صورة غازية بالتربة ويصعدان إلى الجو المحيط بها إلى ارتفاع أقصاه ٢٠ مترا، أي في مجال تنفس الإنسان.
المياه. تحتوي المياه على نسبة من العناصر المشعة تختلف باختلاف نوع ومصدر المياه. وتحوي مياه البحار على أعلى تركيز من البوتاسيوم ٤٠ وكذلك الثوريوم ٢٢٢ بينما تحتوي المياه الجوفية على أعلى نسبة من الراديوم، أما المياه المنزلية فهي خالية تقريبا من العناصر المشعة، حيث أن طرق معالجتها وترسيب الشوائب العادية منها كافية نسبيا لتخليصها من المواد الذائبة أو العالقة بها.
المصادر الصناعية للإشعاع:
أ- التفجيرات الذرية:
وهذه تجرى تحت ظروف مختلفة، إما في الجو وعلى ارتفاعات مختلفة، أو تحت الماء أو تحت الأرض، ويعتمد مدى تلويثها للبيئة على نوع التفجير وكمية المواد الانشطارية الناتجة. وتعتبر التفجيرات الذرية في الجو أكثر التفجيرات تلويثا للبيئة وهي تحدث إما عمدا كما في حالة الحروب والتجارب الذرية، أو مصادفة كما في حالة انفجار المفاعلات النووية في وندسكيل بالمملكة المتحدة وتشيرنوبل في روسيا.
وفيما يلي بعض التفجيرات والحوادث النووية المعروفة وآثارها على البيئة:
في منتصف عام ١٩٤٥ صنعت أميركا أول ثلاث قنابل ذرية في التاريخ واستخدمت إحداها في أول تجربة وأسقطت اثنتان في هيروشيما وناغازاكي باليابان في ٦ و ٩ أغسطس / آب من نفس العام، حيث قتل أكثر من مئة
стр. 293
ألف مواطن، ودمر تماما أكثر من ٧٥% من مباني البلدين، وجرح وأصيب أكثر من نصف مليون مواطن كانت إصابة ٢٠% منهم بالأمراض الإشعاعية المختلفة كبيرة، وما زالوا يعانون حتى الآن ولا زالت الوفيات منهم تتوالى.
في أول مارس/ آذار سنة ١٩٥٤ أجرت أميركا تجربة لتفجير نووي ضخم وسقطت كميات كبيرة من الغبار الذري على أحد مراكب الصيد اليابانية وبه ثلاثة وعشرون صيادا يابانيا، ظهرت عليهم جميعا الأمراض الإشعاعية المختلفة بعد ثلاثة شهور وتوفي بعضهم نتيجة ذلك.
في أكتوبر/ تشرين الأول سنة ١٩٥٧ وقع حادث تسرب كميات كبيرة من المواد المشعة من أحد مفاعلي وندسكيل windscale بالمملكة المتحدة، أدى إلى تلوث الهواء والتربة والنباتات والماء والألبان في مساحات كبيرة.
في أبريل/ نيسان سنة ١٩٦٨ حدث انفجار لمفاعل نووي في تشيرنوبل بروسيا ترتبت عليه آثار خطيرة على البيئة المجاورة وعلى بقاع مختلفة من العالم.
يؤدي التفجير النووي في الهواء القريب من سطح الأرض إلى انصهار جزيئات من تراب الأرض والغبار العالق في الهواء واندماجه في المواد الانشطارية وتكوينه ما يسمى بالغبار الذري "الهيال" fallout، وما يتساقط منه بالقرب من منطقة التفجير يسمى بالغبار الذي المحلي. أما الجزيئات الصغيرة فإنها تتصاعد في الجو بارتفاعات تتوقف على قوة التفجير والارتفاع الذي يتم فيه حركة الهواء. وتتبقى هذه الجزيئات الصغيرة في طبقات الجو العليا، مكونة خزانات هائلة من المواد المشعة، خاصة العناصر ذات العمر النصفي الطويل، ومشكلة بذلك خطورة كبيرة على الإنسان لسنوات عديدة، حيث تترسب كميات متفاوتة من المواد المشعة على الأرض تسمى بالغبار الذري "الهيال" المتأخر.
ويمثل الغبار الذي المتساقط من التفجيرات الذرية أهم مصادر تلوث البيئة بالمواد المشعة، وهو يسبب تلوثا خارجيا وداخليا للإنسان يفوق كثيرا التلوث من مصادر التلوث الأخرى. ومن أمثلة المواد التي تعطي إشعاعا خارجيا الزركونيوم ٩٥ "وعمر نصفه ٩ أسابيع" والنيوبيوم ٩٥ "وعمر نصفه ٥ أسابيع" والسيزيوم ١٣١ "وعمر نصفه ٣٠ سنة" وجميعها تبعث إشعاعات غاما. أما أخطر المواد التي تسبب تلوثا إشعاعيا داخليا للإنسان فهي السيزيوم ٩٠ "وعمر نصفه ٢٨ سنة" والسيزيوم ١٣٧
стр. 294
وعمر نصفه ٣٠ سنة" والكربون ١٤ "وعمر نصفه ٥٧٦٠ سنة" واليود وعمر نصفه ٨ أيام".
ويماثل عنصر السترونسيوم في صفاته الكيميائية والطبيعية عنصر الكالسيوم الضروري لبناء عظام الإنسان، وبالتالي فقد وجد أن السترونسيوم ٩٠ هو من أخطر العناصر المشعة على الإنسان حيث يتبع في مساره منذ أول سقوطه على سطح الأرض حتى ترسبه في العظام نفس مسار الكالسيوم.
ب- المفاعلات الذرية:
تشاد المفاعلات الذرية عادة بعيدا عن تجمع السكان وأماكن الزراعة ومجاري المياه السطحية والجوفية لتجنب تلوث البيئة خاصة في حالة وقوع حوادث لهذه المفاعلات إلا أنه قد تم مع ذلك تلوث البيئة بمقادير متفاوتة في الأحوال الآتية:
١- في الأبحاث الروتينية بالمفاعلات مثل تشعيع العناصر الثابتة للحصول على عناصر مشعة، وما يتبع ذلك من إذابة هذه العناصر وتنقيتها وتحضيرها للاستخدام المعملي أو الطبي، تجمع المخلفات السائلة والثقيلة الناتجة عن هذه العمليات في آبار خاصة. وهناك احتمال تسرب بعض من هذه المخلفات إلى البيئة، كما قد تحدث حادثة لهذه المفاعلات أثناء إجراء التجارب المختلفة تؤدي على تسرب العناصر المشعة وتلوث البيئة.
٢ استخدام المياه أو الهواء في عملية تبريد الوقود أثناء تشغيل المفاعلات.
٣ هناك احتمال تسرب قدر من العناصر المشعة أثناء عمليات الصيانة والنظافة وجمع المخلفات المشعة الناتجة وحفظها في آبار خاصة
٤ ينتج عن عمليات تصنيع وقود للمفاعلات من اليورانيوم، وكذلك عن إعادة تصنيع الوقود المستهلك، كميات هائلة من المخلفات الخطيرة التي قد تتسرب إلى البيئة.
ج- استخدام المصادر الإشعاعية للأغراض الطبية والصناعية:
ازداد في عصر الذرة استخدام المصادر المشعة في الطب في التشخيص والعلاج لكثير من الأمراض المستعصية والأمراض السرطانية المختلفة، واختلال وظائف الغدد وأمراض الدم، مما أدى إلى زيادة تعرض العاملين في هذه الميادين وكذلك المرضى أنفسهم لأخطار الأشعة خاصة الأشعة السينية. هذا بالإضافة على
стр. 295
التقدم الكبير والمتزايد لاستخدام المصادر المشعة في الصناعة، كتعقيم الأدوية والأطعمة بتشعيعها، وصنع البطاريات الذرية، ومختلف أنواع القياس والتحكم في الإنتاج للحصول على كثافة أو وزن أو ثخانة ثابتة، وكذلك للكشف عن تآكل جدران الأفران العالية، وفي صناعة الساعات ولوحات القيادة المضيئة، وغير ذلك من الاستخدامات التي قد تعرض العاملين أو البيئة لأخطار هذه المواد المشعة.
د- استخدام المواد المشعة في أغراض التعليم وفي الأجهزة والمعدات التعليمية والمنزلية:
تستخدم المواد المشعة في اغراض التعليم بالمدارس والجامعات، وكذلك في الأبحاث المختلفة. كما تستخدم في الأغراض المنزلية كالمصنوعات الزجاجية والخزفية المحتوية على اليورانيوم، وفي الساعات، وفي كواشف الدخان لتجنب الحريق، وفي الصمامات الإلكترونية وأجهزة التلفزيون.
هـ- تلوث السلسلة الغذائية بالمواد المشعة:
قد تتلوث التربة بالمواد المشعة نتيجة للتفجيرات النووية، وذلك عن طريق الهيال "الغبار" أو المخلفات المشعة لاستخدامات الذرة في النواحي المختلفة، كما قد تكون التربة نفسها ملوثة طبيعيا بمواد مشعة مثل البوتاسيوم ٤٠ والثورون والرادون التي تلوث الفواكه والخضراوات والمحاصيل الغذائية عامة. كما قد تتلوث الأسماك والحيوانات البحرين عن طريق التفجيرات الذرية التي تتم في الماء أو من الغبار الذي الناجم عن التفجيرات في الهواء أو إلقاء المخلفات المشعة في مياه المحيطات والبحار. كما قد تتلوث لحوم الحيوانات والدواجن التي ترعى أو تتغذى على أعلاف أو أعشاب ملوثة بالمواد المشعة، حيث تتجمع داخل أنسجتها وتسبب أضرارا جسيمة للإنسان الذي يتغذى على منتجات هذه الحيوانات أو الدواجن كاللحوم والألبان والبيض. ويبين الشكل٢ دورة انتقال النشاط الإشعاعي في المواد الغذائية.
تنتقل المواد المشعة عن طريق الهواء من مكان لآخر وتلوث التربة، إما مباشرة أو عن طريق الأمطار، وبهذا يمكن لكل من التربة والمزروعات أن تتلوث بالمواد المشعة. وعلى المدى الطويل فإن المواد المشعة الملوثة للتربة تنقل كميات كبيرة منها إلى المزروعات والحشائش والأعشاب عن طريق الجذور. فالنباتات.
стр. 296
تتغذى طبيعيا على العناصر النادرة، خاصة إذا كانت ضرورية في عملية الاستقلاب الغذائي. وإذا وجدت نظائرها المشعة فإنها تتفاعل معها كيميائيا. كما أن التربة الملوثة إشعاعيا تلتصق بالنبات وينتقل النشاط الأشعاعي إلى الإنسان والحيوان عن طريق الخضراوات أو النبات عامة والأعلاف.
وتتوقف نسبة تركيز المواد المشعة في لحوم الحيوانات أساسا على المنطقة التي يتغذى فيها الحيوان، وتظهر هذه النسبة على الحليب "اللبن" الذي يفرزه الحيوان. ويترتب على ذلك كله أن تصبح دورة الحياة ملوثة بنسبة عالية من الإشعاع. وبالطبع فإن المواد الغذائية المجففة تحوي نسبة عالية من تركيز المواد المشعة نتيجة لإزالة الرطوبة منها "منتجات الألبان مثلا"، كما أن المواد الغذائية المركزة كالعصائر يتركز فيها النشاط الإشعاعي.
النظائر المشعة التي قد توجد في الغذاء ودرجة تركيزها: ثبت أن النشاط الإشعاعي الأكثر وجودا وظهورا في المواد الغذائية بعد حادثتي تشيرنوبل في روسيا ووندسكيل في بريطانيا كان نتيجة لنظائر اليود ١٣١ والسيزيوم ١٣٧ ولليود ١٣١ فترة عمر نصفي تعادل ثمانية أيام فقط، وهو يدخل في العشب الأخضر، غذاء الأبقار الحلوب. ويعتبر الأكثر أهمية في الأيام الأولى التي تعقب الحوادث النووية. فبعد حادثة تشيرنوبل وجد أن لبن الأبقار يحوي ٥٠ بيكريل في اللتر، وارتفع في بعض الحالات التي كثرت فيها الأمطار إلى ٥٠٠ بيكريل في اللتر، كما ارتفعت نسبة التلوث في لبن الأغنام والماعز إلى ١٠٠٠ بيكريل في اللتر. حيث أن هذه الحيوانات كانت تتغذى على حشائش أكثر تلوثا من المناطق التي كانت ترعى فيها الأبقار.
ويعتبر النشاط الإشعاعي الناتج عن السيزيوم ١٣٧ أخطر من اليود ١٣١، لأن فترة عمره النصفي كبيرة وتبلغ ٣٠ سنة، وكذلك لأن السيزيوم يعلق على سطح التربة. وقد ثبت وجود السيزيوم في جسم الإنسان وفي العديد من المواد الغذائية منذ بداية اختبارات الأسلحة النووية. كما أن السيزيوم ١٣٧ كان هو أساس التلوث الإشعاعي الذي لوحظ بعد حادث حريق وندسكيل بريطانيا، وقد ثبت وجوده في الألبان ومنتجاتها لفترة طويلة. وقد ظهر بعد حادث تشيرنوبل تلوث واسع المدى بعنصر السيزيوم ١٣٧ في المواد الغذائية، أخذ في الاعتبار عند إعداد التشريعات الغذائية المتعلقة بالرقابة على الأغذية. وقد لعب النظير الثاني لعنصر السيزيوم ١٣٤
стр. 297
دورا كبيرا في النشاط الإشعاعي الناجم عن حادثة تشيرنوبل. وتبلغ فترة عمر النصف لهذا النظير المشع ٢.٣ سنة. وبعد حادثة تشيرنوبل زادت مستويات الإشعاع لعنصر السيزيوم في المواد الغذائية وتراوحت بين عشرة إلى مئات من البيكريل لكل كيلو غرام، كما سجلت في شرق آسيا في بعض المحاصيل الغذائية كالحبوب والمكسرات والنباتات المورقة وكذلك في لحوم الخراف. وفي حالات استثنائية سجلت مستويات أعلى من ألف بيكريل لكل كيلو غرام. كما سجلت بعص النشاطات الإشعاعية الأخرى في المواد الغذائية بعد هذا الحادث أهمها عنصر الروتينيوم ونظير عنصر الفضة.
وينتشر النشاط الإشعاعي الطبيعي لنظير البوتاسيوم "بوتاسيوم ٤٠" في جميع المواد الغذائية التي تتكون من الأنسجة الخلوية، وتتراوح مستوياته فيها بين عشرة إلى مئات البيكريل لكل كيلو غرام في اللحوم والألبان المجففة والمكسرات. كما أن بعض المستويات الإشعاعية القليلة لليورانيوم ونظائره وجدت في بعض المواد الغذائية. والشكل ٣ يبين تجمع بعض النظائر المشعة في الجسم.
ونتيجة لحادثة تشيرنوبل أصدرت هيئة الخبراء الدوليين المتخصصين في الملوثات الإشعاعية في منظمة الأغذية والزراعة FAO ومنظمة الصحة العالمية WHO التابعتين لمنظومة الأمم المتحدة توصياتها بخصوص الحدود القصوى لتركيز هذه المواد وكميات الأشعة الناتجة عنها المسموح بها في أغذية الإنسان على أن تراجع دوريا حسب الأحوال. ويبين الجدول ١ المستوى المؤقت الدولي للمواد المشعة في الأغذية حسب التوصيات الصادرة عام ١٩٨٩.
و العوامل المرتبطة بمستوى التلوث الإشعاعي داخل الجسم:
يؤدي ارتفاع نسبة الكالسيوم وغيره من الأيونات الثابتة في التربة إلى قلة امتصاص جذور النباتات للمواد المشعة، حيث يكون هناك تنافس بينها وبين نظائرها المشعة، ويرتبط ذلك بمدى عمق جذور النباتات في التربة. وقد لجات بعض الدول إلى إضافة بعض العناصر غير المشعة في الغذاء كإضافة الكالسيوم للخبز ليتنافس مع السترونسيوم المشع، ويمنع أو يقلل من امتصاص الرطوبة من جسم الإنسان في حالة استهلاك خبر مصنوع من طحين ملوث بالسترونسيوم المشع. كما يتوقف مستوى التلوث الإشعاعي داخل الجسم على نوع التلوث الإشعاعي للتربة، فتلوث التربة باليود ١٣١ "فترة عمر النصف ثمانية أيام" أو الباريوم "فترة عمر النصف
стр. 298
١٣ يوما" أو السترونسيوم ٨٩ "فترة عمر النصف ٥٣ يوما" يكون لها تأثير على مستوى التلوث الإشعاعي داخل الجسم إذا تناول الإنسان الخضراوات أو المحاصيل الغذائية بعد مرور فترة قصيرة لحدوث التفجير أو التلوث الإشعاعي. أما بعد مرور فترة طويلة فيقل أو ينعدم تأثيرها الإشعاعي الخطير، ويبدأ التأثير الدائم للعناصر ذات عمر النصف ٣٠ سنة". وعادة لا تستهلك مثل هذه المواد الغذائية بل تتلف بالحرق ويحفظ رمادها في مخازن خاصة. ويلعب المناخ دورا هاما في مستوى التلوث الإشعاعي داخل الجسم، حيث تساعد مناطق سقوط الأمطار والثلوج على سرعة وصول المواد المشعة إلى التربة عقب الإنفجارات النووية، كما أن التساقط على خط الاستواء يكون أقل منه على خطوط العرض التالية.
وللعادات الغذائية أيضا تأثير على مستوى التلوث الإشعاعي بالجسم، فبعض الشعوب تعتمد في غذائها على اللبان ومنتجاته أو على اللحوم أو على الأسماك أو على النباتات الورقية أو على الحبوب أكثر من غيرها.
الجدول ١- المستوى المؤقت الدولي للمواد المشعة في الأغذية "يراجع دوريا حسب توصيات هيئة الخبراء الدوليين المتخصصين في الملوثات الإشعاعية بالأغذية بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة"
ويتوقف بذلك مستوى التلوث الإشعاعي داخل الجسم على مدى تلوث هذه المنتجات بالعناصر المشعة والشكل ٣ بين بعض النظائر المشعة بالجسم وأماكن تجمعها.
стр. 299
٤- التلوث ببقايا مبيدات الهوام:
بدأ تنافس الإنسان والهواء "الآفات" على الغذاء منذ ظهور البشرية على وجه الأرض، إلا أنه كان تنافسا محدودا نظرا لاتساع الأرض ووفرة الغذاء. فكان الإنسان يزرع ويستهلك غذاءه بنفسه، وكان يعتمد على المقاومة اليدوية في تخليص غذائه من الإصابات المحدودة للآفات. ولكن بتقدم الزمن وزيادة عدد السكان وكثافتهم وبالتالي زيادة المحاصيل الغذائية، بدأ الإنسان يشعر بالمنافسة الحقيقية له في غذائه من قبل الهوام، ومنذ ذلك الحين والإنسان في صراع متزايد مع هذه الهوام، هدفه القضاء عليها أو الحد من أضرارها وانتشارها لصون غذائه منها، فاستنبط الوسائل المختلفة لمكافحة الهوام وتفنن في تطويرها. إلا أن التاريخ قد أثبت تزايد التالف من المحاصيل الزراعية والغذائية عاما بعد عام بفعل الهوام، رغم تطوير وسائل المكافحة. ويقدر التالف الحالي في الغذاء في بعض دول الشرق الأدنى بسبب الإصابات بالهوام المختلفة بأكثر من ٢٤ % رغم اتباع مختلف الطرق المتجددة لمقاومتها.
وقد بدأ الصراع المتزايد بين الإنسان والهوام فيما يتعلق بالغذاء منذ بداية الثورة الصناعية، وبالتالي نمو التجارة المحلية والدولية في الأغذية، إذ أدى تمركز إنتاج محاصيل الغذاء إلى خلق مخاطر كامنة بسبب الانتشار السريع لأمراض وهوام المحاصيل، مما أدى إلى استنباط طرق أكثر فاعلية للسيطرة الشاملة السريعة على هذه الأمراض والهوام، وهي استعمال المبيدات الكيميائية التي أصبحت الآن وسائل ضرورية لإنقاذ المحاصيل الزراعية الغذائية منها، وتقليل التالف أثناء التخزين أو النقل أو التسويق. وكانت الصين من أوائل الدول التي استخدمت المبيدات الكيميائية في مقاومة الهوام، وذلك في بداية القرن التاسع عشر. وكان كبريتيت الزرنيخ هو أول المبيدات المستخدمة في مكافحة الهوام حتى القرن العشرين ونشطت بعد ذلك الأبحاث المؤدية إلى استنباط مركبات أخرى غير عضوية لمقاومة الإصابات الفطرية والحشرية. وكانت أهم المجموعات الفعالة الأنتيمون والبورون والنحاس والفلورين والمنغنيز والزئبق والكبريت والزنك، وقد تبين ضعف هذه المركبات في الحد من تكاثر ونمو الحشرات بما يتناسب مع التوسع الزراعي الضخم في إنتاج محاصيل الغذاء، كما عرف عنها أنها تلوث التربة لمدة طويلة.
وقد نشطت الأبحاث بعد ذلك لاستنباط مركبات عضوية فعالة، وكان ظهور
стр. 300
مركب ال د. د. DDT في الأربعينات بمثابة إيذان ببدء عصر جديد للسيطرة الجماعية الفعالة على الحشرات، حيث تعددت أنواع المبيدات وتنوعت طرق استخدامها، بدءا بمعالجة البذور قبل الزرعة، إلى المقاومة بالمخازن، مرورا بمعالجة التربة والهوام مباشرة على الأشجار والمحاصيل. كما تطورت طرق المقاومة واستخدمت الطائرات في رش المحاصيل الزراعية، هذا بالإضافة إلى استخدام المبيدات في مقاومة الحشرات المنزلية.
وقد أدى هذا التطور في استخدام المبيدات الكيميائية العضوية في مقاومة الهوام إلى إدخال هذه المواد بطريقة غير مباشرة إلى البيئة التي نعيش فيها وتسرب بقاياها إلى جسم الإنسان، فزاد حمل الدم من بقاياها الموجودة في الأغذية والبيئة وانعكست آثار ذلك كله على الصحة العامة للمجتمع.
ومنذ اكتشاف علاقة بقايا المبيدات العضوية في الغذاء والبيئة بالأمراض الخبيثة في الستينات، وخاصة مركب د. د. ت DDT، أصبح شغل الإنسان الشاغل استنباط المركبات العضوية الفعالة في السيطرة الشاملة على الهوام مع ثبات تركيبها ومفعولها لمدة مناسبة، وعدم اكتساب الهوام مناعة ضدها، وعدم إضرارها بصحة الإنسان أو الحيوان.
ويوجد الآن ثلاث مجموعات من مبيدات الهوام المعروفة هي:
مجموعة المركبات غير العضوية وأهمها كبيرتات النحاس وأوكسي كلور النحاس.
مجموعة مركبات البيريثرينات، وأهمها ربيكود "Ruu ٩٦٢" ٩٦٢ وسوميسيدين "CCN ٥٢" ٥٢، وهي ذات تركيب معقد بمقارنتها بالمركبات غير العضوية، ولكنها شديدة الفعالية على كثير من الإناث، مما يستدعي استخدامها بتركيزات صغيرة جدا. ومن مميزاتها ضعف تأثيرها على الثدييات.
مجموعة المركبات العضوية وتنقسم إلى:
المركبات الكلورية كالأندرين والكارورديم والكالثين.
المركبات الفوسفورية كالنوفاكرون وميتيل براثيون وديموثويت ودور سبانه وسيولين وميتيل وإيثيل جوزاثيون وسترولين وكوراكرون وملاثيون.
المركبات الكربوهيدراتية مثل تميك وسيفين ولانيت.
وتتفاوت المبيدات المختلفة في مدى بقائها أو ثباتها فوق الأسطح المعاملة.
стр. 301
بها، فقد تكون سريعة الاختفاء أو التحلل بتأثير الرطوبة أو ضوء الشمس أو الهواء، أو تكون ثابتة نسبيا وذات أثر متبق "ثمالي" residual effect في النباتات يمتد لعدة أسابيع. وتختلف العوامل المؤثرة على ثبات المبيد بعوامل عدة أهمها:
١- خواص المبيد الطبيعية والكيميائية والبيولوجية ممثلة في ضغطه البخاري وبالتالي سرعة تبخره ومدى تحلله الكيميائي بفعل العوامل الجوية أو تحلله البيولوجي أثناء علميات الاستقلاب الغذائي للنبات.
٢- طريقة وعدد مرات استخدام المبيد لنفس النبات ومقدار الجرعة.
٣- نوع المحصول النباتي المعامل،٤- وحالته من حيث طبيعة السطح،٥- وعمر المحصول،٦- ومعدل النمو،٧- والمعاملات فيما بعد الحصاد من تنظيف أو تفسير أو غسيل وغيره.
٨- عوامل متعلقة بالمناخ من ضوء وحرارة ورياح.
وتشترك معظم المبيدات العضوية، والكلورية منها على الأخص، بقدرتها على التحرك تحت سطح النبات الذي تمت معاملته بالمبيد، وهو ما يسمى بالثمالة النافذة penetrated residue، وبعضها يمكنه الانتقال من مكان التطبيق إلى أماكن أخرى في النبات، وهو ما يسمى بالثمالة الجهازية systemic residue والبعض الآخر له القدرة على الارتباط بسطح التربة ومن ثم بالنبات ويصعب إزالته بطرق الاستخلاص العادية. وهناك مبيدات لها خاصية التراكم في أنسجة النبات. وبعض هذه المبيدات وخاصة الفوسفورية يمكن تحللها داخل أنسجة النبات. ويفضل دائما مقاومة الهوام بمحاصيل الخضر بالمبيدات التي تتحلل بسرعة في غضون أيام، ولا يبقى منها أي أثر في أنسجة النبات إلا ما قل. وبصفة عام ينصح بعدم جمع المحصول المعامل بالمبيدات العضوية إلا بعد أسبوعين على الأقل من آخر معاملة بالمبيدات العضوية.
وكما أن للمبيدات الكيميائية تاثير قاتل للهوام فإن بقاياها في الغذاء تلحق أكبر الضرر والأذى بالإنسان، حتى إن تناولها الإنسان بكميات ضئيلة ولكن على المدى الطويل.
وقد ثبت فعلا أن بعض هذه المتبقيات يؤدي إلى ظهور الأمراض الخبيثة، والتشوهات الخلقية للجنين إذا ما زادت بقاياها عن حدود معينة. ويتعرض الإنسان لتأثير هذه البقايا، إما مباشرة عن طريق تناول الغذاء الذي عومل مباشرة بالمبيد، أو
стр. 302
عن طريق غير مباشر بتناول الأغذية الحيوانية والدواجن ومنتجاتها الناتجة من حيوانات أو دواجن تغذت على أعلاف أو أعشاب ملوثة بالمبيدات، فالمبيدات تذوب في الدهون وتتركز فيها وفي الألبان والبيض ومنتجاتها.
ونظرا لخطورة هذه البقايا في غذاء الإنسان والحيوان، فقد اهتمت معظم الول المتقدمة بتحريم استخدام مبيدات معينة، وحددت التركيز المأمون المسموح بوجوده في الأنسجة النباتية والحيوانية الصالحة لتغذية الإنسان، وكذلك الأعلاف، بحيث لا يصرح بتداول أي غذاء إذا ما زاد المتبقي من المبيد عن النسب المسموح بها. وتعرف أكبر كمية للمتبقي من المبيد المسموح به في الغذاء بالحد المسموح tolerance، ويختلف هذا الحد باختلاف نوع الغذاء ونوع المبيد ودرجة سميته.
وعلى المستوى الدولي، تقوم اللجنة المشتركة لخبراء منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية لبقايا مبيدات الهوام في الأغذية المنبثقة عن هيئة مدونة الأغذية، بتحديد المبيدات التي يجوز استخدامها في مقاومة الهوام بالمحاصيل الغذائية وضع الحدود المسموحة لبقايايها في الأغذية المختلفة، بناء على نتائج الأبحاث الكيميائية والبيولوجية. وقد أصدرت اللجنة قائمة بجميع المبيدات التي يجوز استخدامها وحدود بقاياها في الأغذية المختلفة. وقد استبعدت من هذه القائمة جميع المبيدات التي كانت تستخدم في الماضي وأثبتت الأبحاث ضررها بالنسبة للإنسان، وأهمها D.D.T وتعتبر هذه القائمة مرشدا بالغ الأهمية لجميع الدول، خاصة تلك الدول التي ليس لها تشريعات في هذا المجال، والدول المهتمة بالتجارة الدولية في الأغذية.
стр. 303
٥- مضافات الأغذية: فوائدها ومضارها:
يقصد بالمواد المضافة للأغذية Food additives المادة أو مجموعة المواد غير المواد الغذائية الأساسية التي قد تضاف إلى الغذاء أثناء الإنتاج أو التصنيع أو التخزين أو التغليف وتبقى في الناتج النهائي. ولا يتضمن المعنى ما قد يضاف لتحسين القيمة الغذائية كالفيتامينات والأملاح المعدنية أو المواد الملوثة مثل بقايا مبيدات الهوام أثناء الإنتاج أو التخزين أو الملوثات المعدنية أثناء التصنيع.
فبجانب طرق الحفظ التقليدية المعروفة، وهي المعاملة بالحرارة العالية، أو بالتبريد أو التجميد أو بالتجفيف، ظهرت في العصر الحديث حتمية استخدام مضافات الأغذية الكيميائية أو الطبيعية، بغرض إطالة فترة قابلية الغذاء للحفظ،
ليتسنى نقله أو تسويقه أو تخزينه لحين استهلاكه، أو لتحسين مظهره أو طعمه أو رائحته، أو لكي يستعيض بعض خواصه المفقودة كليا أو جزئيا أو التي يحتمل فقدانها أثناء فترة التصنيع أو النقل أو التسويق أو التخزين ضمانا لتقبل المستهلك له.
وحيث أن مثل هذه المواد المضافة قد تضر بصحة المستهلك إذا زادت مستوياتها في الغذاء عن حدود معينة، أو كانت غير نقية وتحتوي على ملوثات معدنية ضارة، أو كانت تضاف إلى غذاء ما بقصد إخفاء عيب معين به، فهناك قواعد وضوابط مختلفة لاستخدام مضافات الأغذية تتضمنها تشريعات الرقابة على الأغذية لكثير من الدول، وهي في كثير من الأحيان لا تعتمد على تقييم معين يتعلق بالصحة العامة، علاوة على أنها غير متكاملة أو متطابقة مما يؤثر بصفة مباشرة على صحة المستهلك وعلى انسياب التجارة الدولية في الأغذية.
وعلى المستوى الدولي تقوم اللجنة المشتركة لخبراء منظمتي الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والصحة العالمية لمضافات الأغذية التابعة لهيئة مدونة الأغذية Codex Alimentarius Commission بتقييم سلامة مضافات الأغذية التي يجوز استخدامها في تصنيع الأغذية بناء على نتائج الأبحاث التي تكلف بها كثير من معاهد الأبحاث في دول العالم، وتوصي باستخدام مواد معينة دون غيرها، وتحدد الأغذية التي يجوز استخدام هذه المواد في تصنيعها ودرجة نقاوة هذه المواد. وتوجد الآن قائمة بجميع المواد التي يجوز إضافتها ومستوياتها القصوى في الأغذية المختلفة ودرجة نقاوتها. وقد استبعدت من هذه القائمة جميع المواد التي كانت تستخدم في الماضي وأثبتت الأبحاث ضررها بالنسبة للمستهلك، خاصة تلك المسببة للأمراض الخبيثة. وتراجع هذه القائمة دوريا كلما استدعت الظروف ذلك ولا يجوز استخدام أية مادة في أية عملية تحضير أو تصنيع أو توزيع أي غذاء معد للبيع أو الاستهلاك ما لم تكن هذه المادة مدرجة ضمن المواد المسموح بإضافتها. إلا أنه يجوز بناء على طلب الحكومات الأعضاء بحث إدراج أية مادة إضافية لهذه القوائم لضرورتها التكنولوجية. وتعتبر هذه القوائم مرشدا لجميع الدول، خاصة تلك الدول التي ليس لها تشريعات خاصة بها في هذا المجال أو الدول المهتمة بالتجارة الدولية في الأغذية.
وعادة ترسل إلى الحكومات الأعضاء المواصفات التي يتم إعدادها ومناقشاتها
стр. 304
والموافقة عليها في صورتها النهائية في اجتماعات المدونة، وعلى الحكومات الأعضاء قبولها بأحد طرق القبول المبينة سابقا تحت عنوان هيئة مدونة الأغذية.
وتقسم عادة مضافات الأغذية إلى مجموعات كما يلي:
أ- المواد الملونة:
لمعظم الأغذية في حالتها الخام ألوان مميزة طبيعية مقبولة أو مرغوبة لدى المستهلك، وإذا ما تغير أو تهدم هذا اللون أثناء عمليات التصنيع أو الحفظ أو التخزين، أو اكتسب الغذاء لونا غير مرغوب فيه، تضاف عادة للغذاء مواد ملونة معينة حتى يبدو وكأنه محتفظ بلونه الطبيعي الأصلي المرغوب.
كما قد تضاف المواد الملونة لتحسين مظهر الغذاء المحفوظ، مما يضمن تقبل المستهلك له، أو الحفاظ على لون متجانس على مدار السنة بالنسبة للأغذية التي تتغير فيها كثافة اللون بتغير المكان أو الموسم الزراعي، كما هو الحال في الزبدة الطبيعية التي تضاف إليها مادة ملونة طبيعية، لتجعل لونها متجانسا على مدار السنة، حيث يكون لون الزبدة الطبيعي باهتا في موسم الصيف بسبب نقص المواد الغذائية الخضراء. إلا أن المواد الملونة قد تستخدم كذلك لإظهار الغذاء في صورة طازجة تعود عليها المستهلك وربطها بنكهة الغذاء رغم مخالفة الحقيقة، فتعتبر بذلك وسيلة لخداع المشتري.
وقد ثبت أن لبعض المواد الملونة الصناعية تأثيرا ضارا بصحة الإنسان، إذا يؤدي إلى إحداث حالات سرطان على المدى الطويل، ولهذا فقد حرمت معظم التشريعات المتعلقة بالرقابة على الأغذية استخدام مثل هذه الملونات، ونصت على مواد ملونة معينة يسمح بإضافتها بتركيزات معينة وبدرجة نقاوة معينة لأغذية معينة وتعتبر المواصفات القياسية وملحقاتها من قوائم المواد الملونة المسموح بإضافتها إلى الأغذية مرشدا لجميع الدول في هذا الشأن، حيث أنها قد مرت بتقييم دقيق فيما يتعلق بذاتيتها ودرجة تفاوتها وتركيزاتها في الأغذية.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن المواد الملونة غير المخصصة لتلوين الأغذية كأصباغ الأقمشة مثلا، تحوي آثارا من المعادن السامة كالزرنيخ والنحاس والرصاص، فهي بذلك في غاية السمية إذا ما استخدمت في تلوين الأغذية. ولا يصرح عادة بإضافة المواد الملونة لمجموعات المواد الغذائية الآتية: اللحوم
стр. 305
الطازجة، الدواجن، السمك، القشدة، الخبز، الشاي أو خلاصته، البن، اللبن "الحليب" السائل أو المكثف أو المجفف.
ب- المواد الحافظة:
هناك العديد من المواد الحافظة التي تضاف إلى الأغذية بغرض تثبيط أو تأخير أو منع نمو الأحياء الدقيقة المسببة لفساد الأغذية، وعادة تنظم اللوائح طرق استخدامها في الغذاء، بما في ذلك درجة نقاوتها وتركيزاتها القصوى في الغذاء، كما تحرم استخدام مواد حافظة أخرى ثبت ضررها بصحة المستهلك. وتوجب معظم التشريعات الخاصة بالرقابة على الأغذية احتواء بطاقة العبوات إشارة إلى استخدام المواد الحافظة.
ويعتبر غاز ثاني أكسيد الكبريت والبنزوات والبروبيونات وحمض السوربيك وأملاحه من بين المواد الحافظة التي استخدمت ولا زالت تستخدم في حفظ الأغذية منذ مدة طويلة وثبت عدم إضرارها بصحة المستهلك، وقد سبق إيضاح الفعل الحافظ لهذه المواد تحت عنوان مكافحة التلوث الميكروبيولوجي. فثاني أكسيد الكبريت يتحول في الغذاء إلى حمض الكبريتوز الذي يثبط نمو الفطر والخميرة والجراثيم الهوائية، كما أنه يمنع اسوداد المادة الغذائية المحفوظة كالفواكه والخضر لفعله المضاد لعمل الإنزيمات، كما أنه يساعد على حماية فيتامين C من الأكسدة إلا أنه يؤثر على بعض أنواع فيتامينات B المركب وخاصة فيتامين B١ ولحمض البنزويك تأثير مثبط لنمو الخميرة والفطر عند درجة باهاء PH تتراوح بين ٢.٥ – ٤، وهو يستخدم عادة في حفظ المشروبات غير الكحولية إلا أنه أقل فاعلية إذا ما قورن بغاز ثاني أكسيد الكبريت. ويستخدم حمض البروبيونيك في الخبز ومنتجات الدقيق "الطحين" لمقاومة الفطر والفساد الخيطي. ولحمض السوربيك تأثير حافظ ضد الخميرة والفطر في الجبن، وفي نفس الوقت لا يؤثر على الجراثيم الملبنة النافعة.
وأملاح النترات والنتريت وكلوريد الصوديوم تستخدم خاصة في معالجة اللحوم، وللنتريت قوة حفظ كبيرة أكثر من النترات، وأهم خاصة لهما هو فعلهما المثبط لنمو بكتيريا المطثيات الوشيقية Clostridium botulinum في الأغذية المعالجة، كما أنهما يعطيان الأغذية "خاصة اللحوم" لونا وطعما مميزين. ولا تزال الدراسة جارية بخصوص استخدام هذين الملحين. فقد ثبت أنهما يكونان في الغذاء ملح النتروزامين السام، إما أثناء عملية المعالجة أو في الأمعاء.
стр. 306
والفورمالدهيد هو من المواد الحافظة الضارة، والتي لا يجوز مطلقا استخدامها كمادة حافظة، إلا أنه مع ذلك قد يستخدم في حفظ الألبان كغيره من المواد الضارة وذلك بمخالفة للتشريعات أو الممارسات الصحية السليمة. كما أن حموض الساليسيليك والبوريك وثنائي هيرو الأسيتيك كلها مواد تضر بصحة الإنسان ولا يجوز استخدامها كمادة حافظة لغذاء الإنسان.
ج- المواد المانعة للأكسدة:
وهي مواد لها القدرة على تأخير أو منع التزنخ أو فساد الطعم أو الرائحة في الأغذية والتأثير الناتج عن الأكسدة، وخاصة فيما يتعلق بالزيوت والدهون. وتتضمن المواد المانعة للأكسدة التي ثبت عدم إضرارها بصحة المستهلك الغالات "بروبيل، أوكتيل، دودسيل غالات"، وهيدروكسي الأنيسول البوتيلي – butylated hydroxy anisole "BHA" وهيدروكسي التولوين البوتيلي butylated hydroxytoluene "BHT" وبلميتات الأسكوربيل ascorbylepalmitate وحمض الأسكوربيك وملحيه الصوديومي والكالسيومي. ويسمح باستخدام BHT, BHA في منتجات البطاطس المجففة.
وكثيرا ما يستخدم مزيج من المواد المانعة للأكسدة، إذ يكون لها مجتمعة تأثير أكبر فاعلية. كما أن المواد المانعة للأكسدة يمكن أن تستخدم في مواد التعبئة أو التغليف بدلا من استخدامها في الغذاء نفسه مثل مواد التغليف المطلية بالشمع إلا أنه تجد ملاحظة أن هذه المواد يجب عدم استخدامها في أغذية الأطفال، وتحرم معظم التشريعات الغذائية استخدامها في هذا الغرض.
د- المذيبات:
تستخدم المذيبات في مزج المواد المنكهة في الأغذية وفي إذابة المواد الخام وفي تخفيف المركزات والمستخلصات الزيتية. ونظرا لاحتمال وجود التأثيرات السامة لبقاياها في الغذاء، فمعظم التشريعات الغذائية تتضمن الاحتياطات اللازمة المتعلقة باستخدامها. ومن بين المذيبات غير المسموح باستخدامها في الغذاء الغليكول ثنائي الأيثلين diethylene glycol وسترات الإيثيل ethyle citrate والأثير أحادي الإيثيل mono- ethyle ether ولا يسمح باستخدام كحول الإيثيل كمذيب أو غير ذلك في الدول العربية والإسلامية.
стр. 307
هـ- المواد المنكهة:
تشكل المواد المكسبة للنكهة أكبر وأقدم مجموعة من مضافات الأغذية، وهي لا تخضع لأية لوائح إلا فيما ندر، وتتضمن هذه المجموعة المنكهات الطبيعية والاصطناعية، ومن بين المنكهات غير المصرح باستخدامها لضررها بالنسبة للإنسان. فول التونكا tonca beans والسافرول safrole
و المضادات الحيوية:
وهي غير مسموح باستخدامها كمواد حافظة في معظم الدول، إلا في حالات استثنائية معينة. فمثلا يسمح بإضافة النيسين للجبن "وهو موجود طبيعيا في الجبن" كمادة كابحة لنمو الجراثيم المحبة للحراة والمكونة للأبواغ، وكذلك المطثيات التي تتكاثر في المعلبات وينتج عنها غازات تؤدي إلى انتفاخ العلب. ويتخرب النيسين في الجسم بواسطة العصارات المعوية ويصبح غير ضار للإنسان. ولهذا فإنه يسمح باستخدام هذا المضاد الحيوي في الجبن والكريما والمعلبات التي لا تتعدى درجة الباهاء ph بها عن ٤.٥ أو التي عولجت بالحرارة الكافية لهلاك المطثيات الوشيقية. ولا يسمح باستخدام البيمارسين pimarcin في معظم الدول بسبب استخدامه كمضاد حيوي في علاج الإنسان.
ز- المواد المستحلبة والمثبتة للقوام:
المواد المستحلبة عبارة عن مواد تساعد في عملية امتزاج مادتين أو أكثير غير قابلتين للامتزاج عن طريق توزيع إحداهما في الأخرى توزيعا متجانسا في صورة حبيبات مجهرية، في حين أن المواد المثبتة للقوام عبارة عن مواد تحافظ على التوزيع المتجانس لحبيبات المزيج. وهذه المواد كثيرة ولها استخدامات واسعة وتكون تقريبا ٢٥% من مضافات الأغذية عامة. فهي تثبت قوام المنتج الغذائي وتمنع انفصال مكوناته المختلفة. وتتضمن المواد المستحلبة والمثبتة للقوام مواد طبيعية كالصمغ والسليلوز والأغار وغيرها بالإضافة إلى بعض المركبات المصنعة.
ح- مواد مثبطة للفطريات بعد الحصاد:
ومن أمثلتها الأرثوفينيل فينول O-phenyle phenol وثنائي الفينيل diphenyle واستخدامهما الوحيد في الأغذية هو حفظ الموالد "الحمضيات" ويوجد ثلاثة مركبات أخرى تستخدم بصورة أقل هي الثيوبندازول thiobendazole والينوميل
стр. 308
Benomy١ والكربندازيم carbendazim ففي حالة الأول "الأرثوفينيل فينول" مثلا تغمر الثمار في محلول مائي منه يحتوي على ٠.٥ – ٢% في درجة حرارة ٣٠- ٣٥ مئوية لمدة ٣٠ – ٦٠ ثانية، وبسبب فاعلية الأرثوفينيل فينول في الوسط القلوي تضاف هيدرات الصوديوم بتركيز ٠.٤% إلى محلول النقع لضبط درجة الباهاء ph في ١١.٧ كما يضاف ١% سداسي المثيلين تترامين hexamethylene tetramin لمنع تلون قشرة الثمار باللون البني، وبعد المعاملة تغسل الثمار بالماء النقي. وبالرغم من ذلك يبقى فقط آثار تقدر بالمليغرامات من الأرثوفينول على القشرة التي قد تمتد على داخل اللب الأبيض للثمار، أما ثنائي الفينيل فغالبا ما تعامل به مواد التعبئة "كورق تغليف الثمار أو العلب الخشبية أو الكرتون" وذلك بنسبة ١- ٥ غرام في المتر المربع. ونظرا لارتفاع الضغط البخاري لمركب ثنائي الفينيل، فإنه يتبخر في الجو المحيط بالثمار وبين مواد التعبئة ويرتبط جزء منه بقشور الثمار، ونادرا ما تزيد الكمية المتبقية على أسطح الثمار عن ٥٠ مليغرام في الكيلو غرام. وتسمح معظم الدول في تشريعاتها الغذائية استخدام هذه المواد، وتحدد مستويات قصوى لبقاياها في الموالح "١٠ أجزاء من المليون حسب المدونة فيما عدا ثنائي الفينيل فقد كانت الحدود القصوى لبقاياه ١١٠ أجزاء في المليون".
ط- مضافات غذائية أخرى:
هناك مضافات غذائية أخرى لا زالت تحت الدراسة فيما يتعلق بتأثيرها على صحة الإنسان أو تأثيرها التكنولوجي، كما توجد مجموعات أخرى من المضافات لم تحدد معظم التشريعات مستويات قصوى لإضافاتها للغذاء، إما لأنها غير ضارة أو أن إضافتها بتركيزات عالية قد تؤدي إلى عكس التأثير التكنولوجي المقصود، وهذه تركت إلى الممارسة التصنيعية السليمة. ومن أمثلة هذه المضافات العوامل المانعة للرغوة، والعوامل المانعة للتكتل، ومنظمات الحموضة، والعوامل المزججة، وعوامل الترويق، والعوامل المساعدة للترشيح، وعوامل تبييض أو إنضاج أو تكييف العجين، وعوامل التحلية عديمة القيمة الغذائية، ومضافات الأغذية التي يجوز استعمالها كإنزيمات غذائية.
ومن الواضح أن مضافات الأغذية لها تأثيرات موجبة وأخرى سالبة، ومن هنا نشأت الحاجة إلى تشريعات تنص على الحدود القصوى لاستخداماتها، وإذا ما استخدمت بالمخالفة لهذه الحدود القصوى تنشأ بذلك المشاكل الصحية. وتعتبر الحدود القصوى لاستخدام مضافات الأغذية التي تصدرها هيئة مدونة الأغذية خير مرجع في هذا المجال.
стр. 309
٦- تلوث البحار:
مصادر تلوث البحار:
ينتج الإنسان أنواعا كثيرة من الملوثات، ويصل معظمها إلى البيئة المائية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وبعض هذه الملوثات "ومنها معظم المواد العضوية" يتحلل بواسطة العمليات البيولوجية العادية، إلا أن غيرها كالمواد الكيميائية الهيدروكربونية الكلورية، تكون مقاومة للانحلال وتستمر مدة طويلة في البيئة المائية، وتكون البحار والمحيطات المصب النهائي لها، حيث تتجمع إما في الماء أو في الاحياء المائية أو في المترسبات في القاع. وتصل هذه الملوثات إلى مياه البحار والمحيطات بعدة طرق: فبعضها يترشح من الأرض أو يحمل إلى البحر عن طريق الأنهار كرواسب من تآكل الأرض، وبعضها يحول عمدا إلى الأنهار أو مباشرة في المحيطات كنفايات صناعية ومنزلية، وبعضها يفرغ مباشرة في البحار من السفن كنتيجة مباشرة لعمليات الملاحة، كما أن بعضها يحمل إلى البحار لمسافات طويلة عن طريق الجو قبل أن ينقي بواسطة الأمطار المتساقطة على كل من الأرض والبحار. وتعتمد الأهمية النسبية لهذه الطرق الملوثة للبحار على خواص ومصدر الملوثات.
وللملوثات المختلفة تأثيرات مختلفة على الأحياء المائية والأسماك، فبعضها ينشط نمو النباتات المائية، ويمكن أن يكون ذا فائدة إذا ما أمكن السيطرة عليه بطرق صحيحة، وبعضها يعتبر ساما وقد يؤدي إلى قتل الأحياء المائية أو يحولها إلى مواد غير صالحة للاستهلاك الآدمي، كما أن بعضها قد يكون غير ضار وليس له إلا تأثير بسيط على الأحياء المائية.
أ- مياه الصرف الصحي والزراعي: لمياه الصرف الصحي وبعض الصرف الزراعي تأثير مُسَمِّد الماء، إذ تزيد من معدل الإنتاج للأحياء المائية، إلا أنه بزيادة التسميد يتكثف نمو الطحالب والنباتات المائية بطريقة مزعجة، كما يغير من طبيعتها، حيث تقل أو تزول الأنواع التي تكون غذاء الحيوانات آكلة الأعشاب والتي بدورها تغذي الأسماك في المنطقة، في حين تنمو بغزارة الأنواع غير المناسبة كغذاء
стр. 310
للحيوانات. فالتغير في الأنواع النباتية يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى تغيرات في النظم الحية جميعها. ففي الأسماك مثلا تختفي الأنواع ذات القيمة الاقتصادية وتسود الأنواع الأقل قيمة وتنمو بغزارة. وهذا ما يحدث الآن في معظم البحيرات عند مصبات الأنهار وشواطئ البحار والمحيطات إذا استمر معدل التلوث الحالي كما هو. فالبحيرات التي كانت مياهها صافية ونظيفة لآلاف السنين الماضية أصبحت في خلال عشرات السنين الماضية كثيفة الأنواع، وكريهة المنظر والرائحة، واختفى فيها سمك التروت trout والسلمون وسادت الشبوطيات cyprinids وذلك عندما استعملت كمصبات لنفايات الإنسان.
وعندما تصب في البيئة المائية مخلفات الإنسان غير المعاملة، والتي لا تحتوي مواد سامة، فإنها تتحلل بسرعة بواسطة الجراثيم إلى مكوناتها غير العضوية، وتمتص الأكسجين الذائب في الماء أثناء هذه العملية. وعندما يحدث ذلك في حيز ضيق من الماء كالبحيرات أو مصبات الأنهار أو الأماكن المحصورة في البحار التي يقل فيها جريان الماء، فإن الأكسجين اللازم لتقويض المخلفات قد يزيد عن الأكسجين الموجود فعلا في الماء فيصبح الماء خال من الأكسجين فيفنى معظم ما يحتويه من الأحياء المائية.
أما المخلفات المعاملة بطريقة تهتم عادة بالنواحي الجمالية والصحة العامة مع عدم الاهتمام بالنواحي المتعلقة بتلف البيئة وتوزيع الأحياء المائية بها، فمن شأنها إزالة نسبة كبيرة من المواد الصلبة من المخلفات ونسبة ضئيلة لا تتعدى ١٠% من محتوياتها من الفوسفور، وهو أحد أكبر العناصر المسمدة للمياه. وإذا كانت المعاملة مضاعفة فإنها تزيل على الأكثر ٣٠% من الفوسفور المتبقي. والمتبقي من الفوسفور هذا في النفايات يفوق المواد المغذية الموجودة طبيعيا بالبيئة المائية بضعة آلاف مرة. ونتيجة لذلك فقد تكون العوالق النباتية phytoplankton، عن طريق الاستقلاب، مواد عضوية أكثر مما تمت إزالته من مياه الصرف في مصانع المعالجة.
وطالما بقيت المواد المغذية والطحالب الناتجة عنها قريبا من سطح الماء، فإن النبات ينتج الأكسجين بنشاط أثناء النهار، ولا يشكل أي تهديد على ميزان الأكسجين في النظام المائي عامة. أما في الليل فتتنفس الطحالب، وقد تقلل من
стр. 311
مستوى الأكسجين إلى قيمة منخفضة غير مرغوبة حتى بالنسبة للمياه السطحية وعندما تموت الطحالب فإنها تغطس في طبقات الماء الأعمق وربما تستهلك عند انحلالها كل الأكسجين الذائب، وبذلك تقل أو تموت بعض الأسماء. وهذا ما يحدث حاليا في كثير من البحيرات في العالم، وكذلك في البحيرات الضحلة في المناطق الاستوائية، وفي البحر الأبيض المتوسط بالقرب من تونس، حيث أدت زيادة خصوبة الماء إلى زيادة النمو النباتي وتلف موارد جيدة للأسماك ذات القيمة الاقتصادية العالية. وبعض الأسماك التي تحتاج إلى مياه باردة في القاع لكي تتمكن من الحياة في فترات الصيف الحار تموت وتفنى عندما تصبح مياه القاع خالية من الأكسجين وبهذا يتغير التوزيع العام للأحياء في مثل هذه المياه.
ولتجنب هذه المخاطر هناك اتجاه لصرف القسم شبه الصلب من مياه الصرف المعالجة على مسافات بعيدة من الشواطئ وفي المياه العميقة. إلا أنه قد ثبت أن معدل تفكك هذه المتبقيات تحت الظروف السائدة في أعماق البحر من ضغط عال ودرجة حرارة منخفضة يكون بطيئا جدًّا إذا ما قورن بمعدل التفكك والتحلل عند نفس الدرجة من الحرارة، ولكن تحت الضغط الجوي العادي. ويصبح التخلص من الفضلات بهذه الطريقة هو عبارة عن تأجيل المشكلة للأجيال القادمة وليس تخلصا منها بكل ما في الكلمة من معنى.
وعلى ذلك فمنعا لتناقص الموارد السمكية وتغير توزيع أنماط الأحياء المائية في البحار والمجاري المائية عامة، لا يمكن إغفال ضرورة إعادة استعمال المواد العضوية والسمادية المتبقية من مياه الصرف الصحي والزراعي، وهذه الحلول لا زالت في مراحل التجارب ولكن يجب تشجيعها.
ب- المنظفات detergents: تحتوي عادة مياه الصرف الصحي على نسبة عالية من الفوسفور تعادل مرتين ونصف كمية النيتروجين الموجود فيها، وتشكل المنظفات بمحتواها من الفوسفور على حوالي ٦٠% منها، في حين يحتاج النمو النباتي العادي في البيئة المائية على كمية من الفوسفور أقل من النيتروجين، وعلى ذلك حتى لو أمكن استبعاد جميع الفوسفور الذي مصدره المنظفات، فإن الناتج سيكون غير متوازن وفقير في المركبات النيتروجينية. ويمكن في بعض المناطق تعويض ذلك عن طريق المخالفات الصناعية والزراعية الغنية بالنيتروجين. وتنمو العوالق النباتية عادة بدرجة محدودة عند مصبات الأنهار الساحلية بسبب فقر الماء بالنيتروجين.
стр. 312
ج- مبيدات الهوام pesticids: استخدمت مركبات الهيدروكربونات الكلورية بكثافة عالية كمبيدات للهوام منذ منتصف الأربيعينات، وبلغ الإنتاج العالمي من ما يزيد على ٨٥.٠٠٠ طن وبذلك فقد انتشرت متبقيات هذا التركيب والمركبات الناتجة عنه تحلله انتشارا واسعا في جميع أرجاء العالم، وكانت لها تأثيرات بيولوجية بالغة الضرر. وتختلف الهيدروكربونات الكلورية عن المركبات العضوية التي تتفكك بسهولة وبسرعة بفعل الجراثيم ولا يتبقى شيء من آثارها في الأنسجة الحية. ولا يوجد حتى الآن أية أنواع من الجراثيم القادرة على تحليل مركبات الهيدروكربونات الكلورية، ولهذا فهي تبقى في البيئة لمدة طويلة. وقد ساعد على الانتشار السريع لمتبقياتها في البيئة قدرة الهوام على تكوين سلالات مقاومة لها، مما أدى إلى الاستخدام المتزايد لجرعات أكبر من المبيد لبلوغ نفس الكفاءة في المقاومة.
ولا يمكن إنكار الفائدة العظمى التي نتجت عن استخدام هذه المركبات على المدى القصير كمبيدات للهوام المنزلية والزراعية. فقد تم استئصال الملاريا من كثير من المناطق في العالم باستخدام د. د. ت. لإبادة بعوضة الأنوفيل Anopheles mosquito وحققت مكافحة الحشرات في المحاصيل التجارية نتائج باهرة. فقد أدى استخدام د. د. ت. إلى زيادة الإنتاج بما يعادل أكثر من خمسة أضعاف القيمة التي تدفع ثمنا لهذا المبيد، ولكن وضح بعد ذلك ضخامة تكاليف التأثير الضار الجانبي الذي لم يكن متوقعا والذي فاق الفائدة العائدة من استخدامه. ومن الصعب عمل مسح شامل لتوزيع متبقيات د. د. ت. في البيئة، إلا أنه معروف أن البيئة البحرية هي المصب النهائي لـ د. د. ت. وغيره من المركبات الهيدروكربونية الكلورية والتي تدخل البحار والمحيطات إما بواسطة حملها بالجو أو بواسطة الأنهار التي يبدو أنها قليلة. وقد قدرت الكميات من هذه المركبات التي انتقلت إلى البيئة البحرية حتى نهاية الستينات بحوالي ٢٥% من الإنتاج الكلي. والكمية التي انتقلت إلى أنسجة النباتات والحيوانات البحرية بأقل من ٠.١% من الإنتاج الكلي، وهذه الكمية الأخيرة رغم صغرها ألحقت أشد الضرر بالبيئة البحرية. ولا يعرف حتى الآن المدة التي تبقى فيها هذه المتبقيات في البيئة البحرية دون تفكك، وبذلك لا يعرف ما إذا كانت البيئة البحرية قد بلغت حالة التوازن الثابت أو أن تركيز المتبقيات آخذ
стр. 313
في الزيادة، حتى بعد الحد من استخداماتها، وقصرها على أغراض الصحة العامة والتي فيها لا يتسرب كمتبقيات في البيئة إلا الكميات الضئيلة ويبدو أن المركبات الهيدروكربونية الكلورية الأخرى الآخذة في الاستخدام كمبيدات للهوام من حشرات وفطريات حشائش لها تأثيرات بيولوجية ضارة مثل د. د. ت. إلا أنها لم تقيم بعد. هذا بالإضافة إلى مركبات ثنائي الفينيل عديد الكلو polychlorinated biophenyls "PSBS" السامة جدًّا والمستخدمة بكثرة في الصناعة كعوامل تلدين Plasticizers في إنتاج البلاستيك والمطاط، وما تحدثه من متبقيات، والتي وجدت في كل ما أمكن من طرق معتمدة للتعرف عليها. وكلما درست الآثار الضارة لمتبقيات هذه المركبات غير القابلة للتحلل بيولوجيا اكتشفت تأثيراتها الضارة التي لم تكن متوقعة.
ونظرا للتأثير المتلف للبيئة الذي يحدثه د. د. ت.، فقد حرم استخدامه في العمليات الزراعية في كثير من الدول المتقدمة منذ السبعينات، إلا أن كثيرا من الدول النامية لا زالت تستخدمه نظرا لاحتياجها إلى إنقاد المحاصيل الغذائية، ويبدو أنها مستمرة في ذلك طالما لم يوجد البديل الفعال الذي يعادل د. د. ت. في رخصه. وتتوفر الآن بدائل من مبيدات الحشرات الأقل مقاومة في البيئة، والتي يمكنها التحلل بسرعة وتصبح غير ضارة. إلا أنه نظرا لسهولة وسرعة تفكهها، فلا بد من معاملة المحاصيل بها عدة مرات لبلوغ الدرجة المماثلة من المكافحة للهوام، وهي بصفة عامة أغلى ثمنا من د. د. ت. وتأثيراتها العامة على البيئة لا تظهر إلا بعد الاستخدام الطويل لها. كما أن كثيرا من المركبات الهيدروكربونية الفوسفورية أكثر سمية من د. د. ت. للثدييات والإنسان. وهناك العديد من المشاكل العلمية والاقتصادية التي يجب دراستها وإيجاد حلول لها قبل منع استخدام الـ د. د. ت. وغيره من المركبات الهيدروكربونية الكلورية في جميع أنحاء العالم.
وقد ثبت على مستوى الأبحاث العلمية أن التركيزات المثبطة من د. د. ت للعوالق النباتية هي في حدود ١٠ أجزاء من البليون "ppb" في حين أن قابلية ذويان د. د. ت تقدر بجزء من البليون أي عشر التركيزات المثبطة للعوالق النباتية إلا أن العوالق التي تنمو في المياه السطحية، وهي الناتج الأول ومصدر كل المواد العضوية التي تغذى الكائنات الحية الأخرى، تتعرض إلى تأثير مزدوج لكل من د. د. ت. الذائب في مياه البحار، وذلك الذي يذوب في الدهون ويتركز في صورة
стр. 314
أغشية زيتية. ويتجمع د. د. ت. في العوالق النباتية بتركيز أكبر مما يوجد في العوالق الحيوانية. ونظرا لأن الأنسجة الحية غير قادرة على استقلاب د. د. ت. فهو يتركز في البركة الدهنية lipid pool للكائنات الحية، ويميل إلى التجمع والتركيز العوالق الحيوانية يجمع تركيزات من د. د. ت. أعلى من الرعي على العوالق النباتية، وآكلات اللحوم من الطيور والأسماك البحرية تجمع أكبر الكميات من متبقيات د. د. ت وهي ضمن تلك التي لحقت بها أكبر التأثيرات الضارة. وعموما فقد ثبت أن جميع أسماك المياه الغذبة والمالحة ملوثة بالـ د. د. ت أو ناتجات تفككه، والتي لها تأثيرات فيزيولوجية مشابه لـ د. د. ت. كما وجد أن تركيز ٥ أجزاء من المليون في بيض سمك التروت trout يؤدي إلى فشل تام "١٠٠%" في تطور السمكة، وتموت الأسماك في الوقت الذي يبدأ استقلاب كيس الصفار. كما ثبت عدم تحمل الأنواع التجارية من القريدس والكابوريا لتركيزات أقل من ٠.٢ جزء في البليون من الـ د. د. ت. وماتت هذه الأسماك في أقل من ٢٠ يوما لتعرضها. كما يؤثر الـ د. د. ت. وماتت هذه الأسماك في أقل من ٢٠ يوما لتعرضها. كما يؤثر الـ د. د. ت. على نمو المحارات oysters في مستويات تبلغ ٠.١ جزء في البليون في الماء المحيط بها. وعلى العموم فهناك تأثير مباشر للـ د. د. ت أقل من درجة ذوبانه في الماء. وقد أعدمت كميات كبيرة من أسماك المكاريل macherel في مناطق كثيرة من العالم لاحتواء الأنسجة بها على أكثر من ٥ أجزاء في المليون، وهو الحد الأقصى المسموح به للجزء القابل للأكل في الأسماك. وهذا مثال للحالات التي تقاوم فيها الأسماك تأثيرات الـ د. د. ت.، ولكن يتأثر الإنتاج تأثيرا خطيرا بسبب التلوث.
وفيما يتعلق بالطيور، وخاصة الجارحة منها والتي تمضي معظم حياتها في البحار أو بالقرب منها، فقد قلت تجماعاتها وأنواعها بدرجة كبيرة، إذ يؤدي تراكم متبقيات الـ د. د. ت. إلى فشل البويضات في الفقس. ومن المتوقع أنه بتجمع متبقيات الـ د. د. ت. وغيره من المواد الكيميائية الهيدروكربونية الكلورية في نظم الكائنات الحية البحرية حول العالم يزيد الفشل التناسلي في أنواع الطيور البحرية.
د- البترول ونواتج تفككه ومخلفاته: البترول هو أحد ملوثات البحار والمحيطات الآخذة في الزيادة عاما بعد عام. وتقدر كمية البترول الملوثة للبحار والمحيطات من جميع المصادر بما يتراوح بين ١ و ١٠ ملايين طن سنويا. ويحدث
стр. 315
معظمها في المناطق الساحلية، كما توجد بعض البقع البترولية وكريات القطران في عرض المحيطات والبحار، مما يدل على أن تلوث البيئة المائية أصبح يشكل خطورة على الأسماك في شتى بقاع العالم.
والبترول الخام عبارة عن خليط من مركبات كثيرة، وقد يحتوي على آلاف من المركبات المختلفة، كما تختلف هذه المركبات من حيث ذاتيتها وخواصها الطبيعية والتركيبية باختلاف المصدر. وتهدف عملية التكرير إلى استبعاد مركبات معينة، ومع ذلك فالبترول المكرر مخلوط معقد من أنواع مختلفة من الهيدروكربونات.
وتحتوي جميع أنواع البترول الخام على مركبات سامة للأحياء المائية. وبعضها قابل للذوبان في الماء، وبعضها يتبخر على السطح، وبعضها يكون بقعا وجسيمات تنتشر بسرعة، وبعضها يرسب في قاع البحار والمحيطات وينفذ داخل رمال القاع. ويحتاج التقييم الكامل لمدى سمية وتوزيع الملوثات البترولية إلى دراية وافية لتأثير كل مكونة على حدة. لا تحتوي الدراسة التي أجريت حتى الآن إلا على القليل منها. إلا أنه قد عرف وشوهد من زمن أن تلوث البحار بالبترول يتبعه عادة انجراف الأحياء البحرية الميتة إلى الشواطئ، ومن بينها الأسماك ذات القيمة التجارية وكذلك الطيور وحتى السرطانات "الكركند" lobsters أو الأسماك التي تعيش في القاع. كما لوحظ أنه حتى بالنسبة للأحياء البحرية التي أمكنها مقاومة تأثير التلوث البترولي، أن أنسجتها تحتوي آثارا منه حتى بعد مرور أكثر من سنة على حدوث التلوث البترولي. وقد ثبت أن الهيدروكربونات يمكنها النفاذ من جدر الأمعاء والتجمع في الأجزاء الدهنية lipid pool حيث تذوب في الحموض الدهنية، وحتى بالنسبة للهيدروكربونات غير الثابتة فهي لا تتفكك بل تقاوم فعل الجراثيم ويمكنها أن تنتقل إلى الأحياء المفترسة ثم إلى الإنسان بعد تناوله الأغذية البحرية الملوثة.
وفي الحقيقة فإن الهيدروكربونات التي يتكون منها البترول الخام يمكنها التفكك بواسطة الأحياء الدقيقة البحرية، إلا أنه لا يعرف إلا القليل عن معدل التفكك، ولا يوجد مكروب واحد يمكنه تفكيك كل مكونات البترول الخام، حيث أن الجراثيم كائنات شديدة التخصص، ويحتاج الأمر إلى العديد من السلالات التي يمكنها تفكيك جميع أنواع الهيدروكربونات الموجودة في البترول الخام. ولسوء
стр. 316
الحظ فإن الفارافينات العادية، وهي الأقل سمية، هي التي تتفكك وتتحلل بسرعة، أما الهيدروكربونات الأروماتية السامة وبخاصة عديدة النوى الأروماتية منها polynuclear aromatics فهي لا تتفكك بسرعة.
وقد ثبت أن المياه الساحلية يمكنها تجديد نفسها من آثار التلوث بدليل أنها لا تخلو من الحياة البحرية رغم التلوثات التي تطرأ عليها، ولكن من البديهي أن زيادة التلوث عن قدرة البحار على تجديد نفسها قد يؤدي إلى كوارث كبيرة، فقدرة البحار والمحيطات على استيعاب التلوث البترولي غير معروفة.
ويشكل التلوث البترولي الناتج عن الحوادث حوالي ١٠% من مجموع التلوث البحري بالبترول، والباقي مصدره العمليات العادية لحركات البواخر وإنتاج البترول من مياه الشواطئ وعمليات التكرير وتصريف مخلفات البترول، وكذلك الهيدركربونات غير مكتملة الاحتراق بعد تفريغ البترول من الشاحنات تملأ بالماء لحفظ توازنها أثناء العودة وتفرغ هذه الكمية من المياه في البحر على بعد لا يقل عن ٥٠ كيلو مترا من الشاطئ، وتنظف الناقلات قبل دخولها ميناء الشحن. ولا تشكل عوادم زيت تزييت السيارات وغيرها من الماكينات إلا القليل من نسبة التلوث. فالبرغم من أن كمياتها تتراوح بين ٠.٥ – ١ مليون طن سنويا، فإن معظمها يصرف في الأرض.. وتمثل حوادث الناقلات أقل من ١٠% من مجموع التلوث للبحار والمحيطات.
هـ- مخلفات أخرى عضوية. بالإضافة إلى ما سبق: يوجد بضعة آلاف نوع من المركبات الكيميائية تنتجها المصانع كمخلفات للعمليات الصناعية المختلفة تصرف في البحار وتلوث مياهها، بالإضافة إلى أن صناعة البتروكيماويات المتنوعة ينتج عنها مخلفات عضوية ومعدنية، كالمعادن الثقيلة والحموض والكلور، وكلها تصب في المياه البحرية. وبعض هذه المخلفات يؤدي إلى تغير نكهة المنتجات البحرية، وبعضها يسبب الأمراض الخبيثة، وقد تتجمع في أنسجة الحيوانات البحرية وتنتقل إلى الإنسان كما توجد مخاطر أخرى لتلوث البحار والمحيطات عند نقل البتروكيماويات عبر البحار، سواء ما كان منها مذيبات عضوية، أو منتجات وسطية تحتاج إلى استكمال تصنيعها. وينتج عن صناعة العجائن الورقية والورق مخلفات أخرى، قد تسبب مشاكل كبيرة إذا ما تسربت إلى المياه البحرية. وكل هذه
стр. 317
المركبات إذا ما تم تفككها بواسطة الجراثيم المائية فإنها تحتاج إلى الأكسجين الذائب، شأنها شأن مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وتحول الماء إلى ماء خال من الأكسجين، قبال لإنتاج غازات كبريت الهيدروجين والميثاق التي تقتل كل الأحياء المائية في المنطقة وإذا ما تم تصريف مثل هذه المخلفات في المجاري المائية العذبة، تكونت مواد سامة عديمة الرائحة تشكل أخطارا جسيمة بالنسبة للإنسان إذا ما استعمل هذا المصدر كمياه للشرب. وعلى العموم فلا زالت الدراسات عن تأثير هذه المواد الكيميائية على الأحياء المائية غير مكتملة.
و المخلفات غير العضوية: يعرف عدد كبير من المواد الكيميائية المعدنية كمخلفات في البيئة المائية، تتراوح بين غير الضار وشديد السمية، ويختلف مدى ضررها باختلاف أماكن تصريفها، وعما إذا كانت في المياه العذبة أو في المياه المالحة. فالحموض والقلويات، وهي مخلفات لكثير من الصناعات المختلفة يكون لها تأثير بالغ القدر إذا ما صرفت في المياه العذبة التي تحتوي على أحياء دقيقة حساسة لحموضة أو قلوية البيئة المائية التي تعيش فيها، بخلاف مياه البحار التي تحتوي على أملاح معدنية تكون قادرة على معادلة الحموضة أو القلوية وتقليل تأثيرها على البيئة البحرية. ويوجد بالمياه البحرية عناصر أخرى بوفرة، فعندما تستقبل كميات إضافية منها كمخلفات يصبح لها تأثيرات ضئيلة، أما إذا دخلت إلى بيئة المياه العذبة فتكون تأثيراتها شديدة. وينتمي إلى هذه المجموعة من العناصر الصوديوم والبوتاسيوم والكلور والكالسيوم والمغنيزيوم وايونات الكبريتات. فإضافة مثل هذه العناصر إلى بيئة المياه المالحة تستحدث تغيرات نسبية بسيطة، وربما لا تؤثر بتاتا على النظم الحية بها، ولكن نفس التركيز قد يكون بالغ الأثر في حالة المياه العذبة.
ومن المتوقع أن جميع العناصر التي قد تكون موجودة في التربة أو الصخور بفعل العمليات الجيولوجية الطبيعية تكون في تآكل وذوبان مستمر ويكون مصبها النهائي هو البيئة المائية العذبة أو المالحة. ونتيجة للعمليات الصناعية المختلفة التي يقوم بها الإنسان تزداد هذه المخلفات الصناعية بنسب بسيطة أو كبيرة حسب أنشطة الإنسان الصناعية.
وأكبر المعادن التي تحتويها المخلفات غير العضوية هو الحديد، وليس له تأثير يذكر في البيئة المائية العذبة أو المالحة. ويليه من حيث الكمية النيتروجين
стр. 318
والفوسفور ولهما تأثير مسمد للمياه سبق الكلام عنه في مخلفات الصرف الصحي والزراعي أما بقية المعادن فهي سامة، ولها تأثيرات متفاوتة على الأحياء المائية، أهمها الزئبق والرصاص والنحاس والكادميوم والكروم والزنك والنيكل والزرنيخ وإنتاج هذه المعادن متزايد وبالتالي فإن مخلفاتها في البحار متزايدة، وحتى الآن لا يوجد لها تأثير على البيئة المائية فيما عدا الزئبق والرصاص، وفقط في مناطق محدودة يتميز فيها التلوث بكثافة عالية.
فالزئبق مادة سامة لكل من الإنسان والأحياء المائية، وأصبح الآن واسع الانتشار في البيئة، وهو كغيره من المعادن الشديدة السمية يتجمع في أجسام الكائنات الحية ويبقى فيها لمدة طويلة ويعمل كسم تراكمي. وهو يستعمل في كثير من العمليات الصناعية، ويمكن أن ينتقل إلى البيئة المائية كمخلفات أو عن طريق الهواء الجوي، إذ أن ضغطه البخاري عالي في درجة الحرارة العادية ويولد بخارا ينطلق باستمرار في الهواء المحيط. هذا بالإضافة إلى العمليات الصناعية التي تستخدم فيها الحرارة فيزداد انطلاق الزئبق في الجو كبخار. كما أن المركبات الزئبقية تستخدم كمبيدات للهوام خاصة في مقاومة الفطر في الزراعة، وكذلك في صناعة الورق لإزالة المواد الغروية. وكذلك كعامل مزيل للرغوة في صناعة الطلاء. ومخلفات هذه الصناعات المحتوية على نسب معينة من المعدن تصب مباشرة في البحار.
وأملاح الزئبق المعدنية سامة جدا، كما أن بعض أملاحه العضوية أشد سمية. ويتحول الزئبق في البيئة المائية إلى ميثيل الزئبق بفعل الجراثيم، ويتراكم في الأسماك والأصداف ويكون في غاية السمية بالنسبة للإنسان الذي يستهلك هذه الأسماك. وقد حدثت حالات وفاة كثيرة في اليابان بسبب التسمم بالزئبق نتيجة لاستهلاك أغذية بحرية ملوثة به. وهناك كثير من البحيرات في السويد ومناطق ساحلية في بحر البلطيق زاد فيها التلوث بالزئبق، ومنع صيد الأسماك بها. وهناك حالات أخرى كثيرة في دول كثيرة منع بها صيد الأسماك أو نوع معين من الأسماك بسبب التلوث الزائد بالزئبق. وتحتوي أسماك المحيطات، وبالذات التونة وأسماك سيف البحر sword fish على أكبر تلوث للزئبق في أنسجتها، ويؤثر ذلك على تجارة هذه الأسماك بدرجة كبيرة.
ونظرا لأن الزئبق معدن ثمين، فيمكن في كثير من الأحوال استخلاصه من
стр. 319
المخلفات وإعادة استعماله في الصناعة، إلا أنه في حالة استخدامه في الزراعة في معالجة البذور كمثبط لنمو الفطريات لا يمكن استخلاصه وإعادة استخدامه، ولهذا فقد حرمت بعض الدول استخدامه كمبيد للفطريات.
أما الرصاص فيلي الزئبق من حيث خطورته على البيئة المائية التي يتلوثها، وذلك بعدة طرق، أهمها هو إضافته في صورة رابع إيثيل الرصاص tetraethyle lead إلى البنزين لتحسن كفاءة محركات السيارات. وعند حرق البنزين ينتقل الرصاص إلى الجو ويعيق نمو النباتات. وقد لوحظ ذلك بوضوح في المناطق التي تتميز بحركة كثيفة للسيارات. وهو كغيره من الملوثات التي تنتقل عن طريق الجو، يمكن أن يحمله الجو لمسافات بعيدة عن المصدر ويرسب في البحار كجزيئات أو بعد ذوبانه في الأمطار وقد ثبت تركيز هذه الملوثات الزائد في المياه السطحية للبحار في بعض المناطق بالمقارنة بالمياه العميقة. وتوجد عادة التركيزات الكبيرة من الرصاص كرواسب في قاع البحار بالقرب من تجمعات الأحياء المائية أما بقية المعادن التي تلوث البحار فنظرا لوجودها كمعادن ملوثة في البحار بتركيزات بسيطة فيه لا تشكل خطورة كبيرة كما في حالة الزئبق والرصاص.
ز- المواد المشعة: يعتبر تلوث البيئة المائية بالمواد المشعة موضوعات ذا طابع خاص كثير التعقيد، فالنشاط الإشعاعي قد ينتج عنه مشاكل كثيرة، حيث أن النظائر المشعة لا تحدث فقط تأثيرا مباشرا وسريعا على الكائنات الحية، بل وأهم من ذلك فقد تؤدي إلى ظهور تحولات للحموض النووية التي تحمل كل المعلومات الخاصة بتطور الخلية، مما يكون له أبلغ الأثر في الأجيال التالية. وهناك سيطرة محكمة للاستخدام المدني للطاقة النووية لتقليل المخاطر التي قد تتعرض لها الصحة العامة أو تؤدي إلى تلف المواد المائية. إلا أن الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية سيؤدي حتما إلى زيادة استخدام الطاقة النووية مستقبلا، وسيتطلب تصريف المخلفات المشعة عناية شديدة. ومن الممكن أن تتلوث البيئة المائية بالمواد التي لها نشاط إشعاعي عن طريق عدة مصادر، بعضها يخضع لرقابة محكمة، إلا أن بعضها يحدث مصادفة ومن الصعب التنبؤ به أو مراقبته بإحكام، وينتج عن ذلك أضرار بالغة.
ومن المعروف أن النشاط الإشعاعي آخذ في الزيادة باطراد في البيئة الجوية والمائية منذ أن كانت التجارب النووية تجرى في الجو، مما أجبر الدول على
стр. 320
تحريم التفجيرات في الجو، فبدأ بعد ذلك النشاط الإشعاعي يقل تدريجيا في البيئة الجوية والمائية:
فعندما تنفجر الأسلحة النووية في الجو، يرتفع الغبار الذري في الطبقات العليا ويتوزع بسرعة في كل أنحاء الكرة الأرضية. إلا أن الجزيئات الكبيرة تعود ثانية إلى الأرض على بعد كيلو مترات قليلة في صورة تساقط ذري "هيال"، أما الجزيئات الدقيقة فإنها تبقى في طبقات الجو العليا، وتدور حول الأرض وتعتبر مصدر تلوث إشعاعي لسنوات عديدية، يتوقف على نوع العناصر المشعة المنبثقة وقد أدت الاختبارات الخاصة بالأسلحة النووية في البداية إلى تلوث البيئة الجوية والمائية، وكان من الممكن صدها بسهولة في كل أنحاء العالم.
وقد روعي في تصميم وبناء السفن والغواصات النووية الاحتياطات اللازمة لعدم تلوث البيئة بالعناصر المشعة. ولا توجد أية مخاطر للتلوث الإشعاعي عن طريق هذا المصدر، ما دام تشغيل هذه المعدات يخضع لرقابة محكمة.
إلا أن الزيادة المتوقعة في إنتاج الطاقة النووية يترتب عليه زيادة لا يمكن تجنبها في المخلفات النووية التي يجب التخلص منها بطريقة لا تعرض البيئة الجوية أو المائية للخطر.
وتنتج هذه المخلفات في مفاعلات تصنيع الوقود الذري، التي تتحول المخلفات الانشطارية فيها من اليورانيوم غير المنشطر الذي يمكن إعادة استخدامه وتخزن عادة هذه المخلفات السائلة المشعة في حاويات كبيرة من الإسمنت أو الصلب في أماكن إ نتاجها بطريقة تمنع تسربها إلى البيئة الجوية. وبمرور الوقت تستقر هذه العناصر المشعة وتتحول إلى عناصر ثابتة غير مشعة. ويكون التخزين بهذه الطريقة مأمونا لبضعة أجيال لمنع أي تلوث إشعاعي للبيئة، حيث أن العمر النصفي للعناصر الخطرة الموجودة في مخلوط انشطاري معين يقاس عادة بعشرات السنين، فمثلا نصف العمر للسترونسيوم ٩٠ المشع هو ٢٧.٧ سنة وللتريتيوم ١٢.٣ سنة.
وتوجد مصادر أخرى لتلوث البيئة المائية بالإشعاع، مثل التجارب العلمية والاستخدام الطبي للنظائر المشعة. وتمارس عمليات الرقابة بإحكام لحماية البيئة والأشخاص المعرضين. وعادة تكون المخلفات السائلة عن هذا الطريق منخفضة التركيز ويمكن صرفها في مياه الصرف الصحي دون أخطار تذكر. أما المواد الصلبة.
следующие страницы →