← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"ثم وصلني بعد ذلك أنكم أخرتم عن الإمامة بموضعكم وتقديم غيركم. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعملون"١. وقد حث الشاطبي صاحبه على الاستمرار في إعلان الحق وأداء أمانة العلم ما دام يجد له قابلا، ويرى لذلك أثرًا، فقال: "وقد ظهر لكلامكم في كثر من هذه الأمور أثر٢ صالح، فكيف لنا بالسكوت عن الحق! هذا لا يسمع حتى لا تجد أحدًا يقبل الحق، عياذًا بالله من ذلك الزمان أن نصل إليه"٣. وبلغه عن بعض أصحابه أنه ترك السنة بعد أن كان التزمها، وعاد إلى مسايرة الجمهور في بدعته، فكتب إليه في ذلك كتابًا جاء فيه "فإن كان ذلك لأنكم ظهر لكم الصواب فيه، فما بالكم لم تعرفوا محبكم بوجه صوابه، فيكون تعاونًا على البر والتقوى. وإن كان ذلك لأجل المعيشة، فقد اتهمتم الرب سبحانه في ضمان الرزق، أو لغير ذلك، فعرفوني به"٤. ثم قال الونشريسي: "وكان ﵀ يحمل أصحابه على الصبر على البلاء في بث الحق، ويقوي عزيمتهم: كتب إليه بعض أصحابه متشكيًا بما لقيه في هذا الغرض، فأجابه: فلا عليكم، فإن الله معكم ما قصدتم وجه الله بأعمالكم، وثابرتم على اتباع الحق والمشي على طريق الصواب. ورضي المخلوق لا يغني من الله شيئًا. والله سبحانه يتولاني وإياكم بما تولى به عباده الصالحين"٥.

стр. 107

٣- مراسلات الشاطبي: ومراسلات الشاطبي، ظاهرة تستلفت قارئ "الموافقات" و"الاعتصام". فهو مرارًا يذكر أنه راسل بعض الشيوخ، أو راسل شيوخ المغرب وإفريقية "تونس" في مسألة كذا، أو مسألة كذا. ورغم أن التنبكتي قد ذكر محاورة الشاطبي لعدد من علماء وقته، فإنه لم يصرح بأن ذلك كان -أو كان كثير منه على الأقل- عن طريق المكاتبة. بل إن عبارته توحي أن الحوار كان مباشرًا، فهو يقول: "وتكلم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل، من شيوخه وغيرهم، كالقباب، وقاضي الجماعة الفشتالي، والإمام ابن عرفة، والولي الكبير أبي عبد الله بن عباد. وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته"١. وبالمتابعة والتحقيق يتبين أن التكلم مع هؤلاء وغيرهم -من أهل المغرب وإفريقية- قد تم عن طريق المراسلة، كما سيتضح ذلك من خلال الصفحات التالية. وقد استفزني أمر هذه المراسلات، لمتابعته والنظر فيه، خصوصًا وأنها -كما يشير التنبكتي- تناولت مشكلات المسائل، وجرت فيها أبحاث ومراجعات، وكل هذا مع أئمة المذهب في زمانهم. ومما أصفى على الموضوع أهمية خاصة، هو كون الشاطبي -كما قدمت- يتعرض كثيرًا لهذه المكاتبات، ويؤسس عليها قواعد وآراء في غاية الأهمية. ولكنه -مع هذا- لا يذكر منها أو عنها، إلا لقطات وإشارات! ومن هنا وجدتني مدفوعًا إلى متابعة هذه المراسلات، وجمع ما تيسر من خيوطها.

стр. 108

وقد استفدت الفائدة العظمى -في هذا الموضوع- من كتاب "المعيار"١، لأبي العباس الونشريسي. ولنبدأ من جزئه السادس، حيث نجد ما يلي: "هذه أسئلة كتب فيها بعض فقهاء غرناطة بمدينة تونس للسيد الفقيه الإمام العالم العلامة المفتي الخطيب المدرس المقرئ المحقق الأكمل أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة ﵁"٢. غير أن هذا التقديم، قد ترك -كما هو واضح- عدة تساؤلات: هل هذه الأسئلة كتبها واحد أو أكثر؟ ومن هو أو من هم؟ وهل الأسئلة كتبت "بمدينة تونس"؟ أم أن هذا مجرد خطأ؟ ٣ وتبدأ الأسئلة -أو المسائل- الثمانية وتنتهي، وتبدأ أجوبة ابن عرفة عليها٤، ثم تنتهي، دون ذكر صاحب الأسئلة. ولكن، بعد قراءة الأسئلة، وإعادة قراءتها، ومقارنتها بغيرها، تجمع لي من الأدلة والقرائن ما جعلني أجزم -بكل اطمئنان- أن صاحب الأسئلة، هو أبو إسحاق الشاطبي٥. ونظرًا لأهمية الأسئلة، فيما تكشفه لنا من اهتمامات الشاطبي، ومن شخصيته العلمية، ولأهميتها الذاتية، لأنها ليست أسئلة فحسب، بل هي وجهات نظر، مدعمة بأقوى الأدلة، في مسائل علمية هامة، "وإن كان بعضها قد نقصت أهميته اليوم" نظرًا لهذه الأهمية، أقدم فيما يلي خلاصة لها:

стр. 109

- المسألة الأولى: أن فقهاء المذهب المالكي، يجدون في المسألة الواحدة أقوالًا متعارضة، كلها مروي عن إمام المذهب، وقد تصل هذه الأقوال إلى ثلاثة أو أربعة، وهم يفتون بجميع هذه الأقوال، ويعتمدونها على ما بينها من تعارض يقتضي أن بعضها مرجوع عنه، فلا عمل به، فهو كالدليل الشرعي المنسوخ، مع أن أهل الأصول متفقون على أنه إذا ورد من العالم قولان متضادان، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، لم يؤخذ له بواحد منهما، لاحتمال أن يكون المأخوذ به هو المرجوع عنه. - المسألة الثانية: وهي شبيهة بالأولى، ومبنية عليها، وهي: إذا اختلفت الروايات في المذهب، فهل يصح للقائل أن يقول: هذا مذهب مالك في المسألة، وهو إنما يعني إحدى تلك الروايات فقط؟ وهل يكون في ذلك بريء الذمة، في نسبة ما نسب إلى مالك، وهو غير متأكد منه؟ - المسألة الثالثة: كثيرًا ما يعمد الفقهاء إلى أقوال "المدونة" أو غيرها، فيستنبطون من ألفاظها ما تحتمله، ويأخذون بمفهوماتها، بل كثيرًا ما يستدلون بمفهوم كلام ابن القاسم وغيره، فضلا عن مالك. مع العلم أن الأخذ بالمفهوم -في كلام الشارع- فيه ما هو معلوم من الخلاف، فكيف بكلام البشر وفيه ما فيه من القصور والغفلة والحشو؟ - المسألة الرابعة: اشتهر عن مالك ومذهبه، مراعاة الخلاف، وأن ذلك من الأصول التي قد تبنى عليها بعض الفتاوي المالكية. ومراعاة الخلاف، هي أن يكون المذهب في المسألة: كذا وكذا. فإذا وقعت على خلاف ما في المذهب، ولكن على وفق ما في مذهب آخر، أو قول آخر من أقوال أهل العلم، فإن الفتوى في المذهب -بعد الوقوع- تكون بتصحيح ما وقع وإمضائه١، عملا بالمذهب المخالف الذي يصحح ذلك أصلًا.

стр. 110

والإشكال الوارد هنا -من الشاطبي طبعًا- هو أن المالكي -في هذه الحالة- يتنازل عن الدليل الذي يعتقد صحته -أو رجحانه على الأقل- ويعمل بدليل يعتقد بطلانه -أو مرجوحيته على الأقل- ويجوز -بعد الوقوع- ما لم يكن جائزًا قبله! - المسألة الخامسة: أن الغزالي وابن رشد، وغيرهما كالقرافي، جعلوا من الورع، الخروج من الخلاف، بناء على أن الأمور المختلف فيها "أي في جوازها وعدمه" هي نوع من الشبهات التي جاء في الحديث الحث على اتقائها، فيكون من الورع واتقاء الشبهات: الخروج من الخلاف، بترك ما اختلف فيه. وهذا الرأي يؤدي إلى إشكالات وصعوبات: منها أننا سنجعل قسمًا كبيرًا من الشريعة، من المتشابهات، مع العلم أن المتشابهات إنما هي استثناءات في الشريعة؟ ومنها الحرج الكبير الذي سيقع فيه المكلفون من أجل أن يكونوا ورعين، والحرج الكبير العسير منفي عن الشريعة قطعًا؟ - المسألة السادسة: قد يعمل المكلف عملًا، بالجهل، ومجرد التخمين، من غير علم بالحكم الشرعي فيما عمل -سواء كان ذلك في العبادات أو في غيرها- ويجبيء عمله على صورة يصححها بعض العلماء، ويبطلها بعضهم. فهل يكون عمله ذاك مجزئًا تبرأ به ذمته أم لا؟، علمًا بأن ذمته مشغولة -يقينًا- بذلك العمل. - المسألة السابعة: أن إمامًا -بغرناطة١- ترك الدعاء الجماعي في أعقاب الصلوات، على أساس أن تلك الهيئة بدعة مخالفة لما هو معروف من فعل النبي

стр. 111

صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، وأن الأستاذ أبا سعيد بن لب قد رد على ذلك الإمام بكتاب سماه: "لسان الأذكار والدعوات مما شرع في أدبار الصلوات" ذهب فيه إلى اعتبار الدعاء الجماعي عقب الصلوات ما له أصل على الجملة، وأن عدم وجوده في عمل السلف لا يدل على منعه، وإن كان يدل على جواز تركه، وذهب إلى أنه من البدع المستحسنة المفيدة للناس. والإشكال في هذا: أن أي بدعة تحدث في الدين يمكن أن يحتج لها صاحبها بمثل هذه الاحتجاجات، وأن يجعلها بدعة مستحسنة. وهكذا يصبح هذا التأليف حجة لكل مبتدع، وينعدم كل ضابط للتمييز بين الأفعال المشروعة والبدع المحرمة! - المسألة الثامنة: أن خطيبًا ترك ذكر الصحابة والدعاء لهم في آخر الخطبة كما هو معتاد، واقتصر على ذكرهم حين يروي عنهم الأحاديث. كما ترك -أيضًا- ذكر السلطان في الخطبة، زاعمًا أن ذلك كله بدعة، واستشهد بكلام لابن عبد السلام الشافعي يرى فيه أن ذلك بدعة. وقد قام الطلبة يبحثون في ذلك، فتحققوا أن النبي ﷺ والخلفاء الأربعة لم يأتوا بشيء من ذلك، ولا أحد من ولاتهم في خلافتهم. ولكنهم قالوا: العمل مستمر على هذا، فلعل له أصلًا، وأن المسألة بلغت الأستاذ أبا سعيد بن لب، فأنكر أشد الإنكار على ذلك الإمام، ورماه بالرفض، وانتصر لما عليه الناس، وأنه يكفي إجماع المسلمين على استحسانه. والإشكال في هذا هو: هل في كل مرة وجدنا ما عليه الناس بخلاف ما جاء في الشريعة وما جاء عن السلف الصالحين والعلماء المجتهدين صححنا ما عليه الناس، وتركنا الشريعة وعمل المتقدمين؟ فكيف يبقى للسنة -مع هذا- أثر؟ وهل الإجماع الخالي من المجتهدين -كما هو شأن الأزمان المتأخرة- يعتبر حجة؟ وحتى ولو خالف إجماع الأولين من الصحابة وغيرهم؟ هذه سؤالات الشاطبي أو مسائلة١، وهي -في الحقيقة- أجوبة أكثر منها

стр. 112

أسئلة. وهي تظهر مدى تمسكه ووفائه لمقتضيات الأدلة الشرعية والمقررات الأصولية. وبعد انتهاء أجوبة الإمام ابن عرفة١، قال المصنف: "قلت: وسئل الشيخ أبو القاسم السيوري عن ذكر السلاطين في الخطب، والدعاء لهم: هل يبطلها فأجاب"٢، وبعد انتهاء جوابه قال: "وكتب بعضهم٣ للشيخ أبي العباس سيدي أحمد القباب سؤالًا في مسألة مراعاة الخلاف المتقدمة الذكر"٤. ومرة أخرى لم يسم السائل، ولكنه ساق السؤال مختصرا عن السؤال الرابع "المسألة الرابعة" من الأسئلة الثمانية السابقة الموجهة لابن عرفة. بل بين السؤالين عبارات متطابقة، وهي العبارات الرئيسية في السؤالين، ومنها: "فإن الذي يظهر أن الدليل هو المتبع، فحيثما صار صير إليه، ومتى ترجح للمجتهد أحد الدليلين على الآخر -ولو بأدنى وجه من وجوه الترجيح- وجب التعويل عليه، وإلغاء ما سواه، على ما هو مقرر في الأصول. فإذا، رجوعه -أعني المجتهد- إلى قوله الغير، إعمال لدليله المرجوع عنده، وإهمال للدليل الراجح عنده، الواجب عليه اتباعه"٥. ولم يورد مباشرة جواب الشيخ المسئول هنا -وهو القباب- ولكنه قال قبل ذلك: "قلت: وقد اعتمد هذه المسألة بالتحقيق، واعتنى بالسؤال عنها الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀، فكتب فيها -ابتداء ومراجعة- لمن عاصره من علماء فاس وإفريقية بما ضمن البحث فيه كل سديد من الرأي، وأصيل من النظر.

стр. 113

فأجاب الإمام أبو عبد الله بن عرفة ﵀ بما تقدم نصه. وأجاب الفقيه أبو العباس القباب بما نصه١. فها قد ظهر إذًا أن الذي اعتنى بهذه المسألة، وكاتب فيها، هو أبو إسحاق الشاطبي، وأن المسألة هي المسألة نفسها التي وردت في الأسئلة الثمانية. فهذا دليل أول على أن صاحب السؤالين "أو السؤال" هو الشاطبي. وأقوى من هذا دلالة: تطابق السؤالين هنا وهناك، تطابقًا لفظيا، في أهم الفقرات، كما مر. وأصرح من هذا وذاك، قول الونشريسي: "فأجاب الإمام أبو عبد الله بن عرفة ﵀ بما تقدم نصه" والذي تقدم نصه هو جوابه لصاحب الأسئلة الثمانية وإذًا فصاحب الأسئلة الثمانية، هو نفسه صاحب هذه المسألة الموجهة لعلماء فاس "القباب" وإفريقية "ابن عرفة". والشاطبي نفسه يذكر أنه راسل في مسألة: مراعاة الخلاف٢ جماعة من الشيوخ. ففي الموافقات: ذكر الإشكال الوارد في المسألة، ثم قال: "وقد سألت عنها جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم"٣. وفي "الاعتصام" قال: "ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف إلى بلاد المغرب، وإلى بلاد إفريقية، لإشكال عرض فيها من وجهين"٤. ثم أورد استشكاله، بنفس الصيغة التي أوردت نصها عن المعيار في الموضعين. ثم قال: "فأجابني بعضهم بأجوبة منها الأقرب والأبعد"٥ إلا أني راجعت بعضهم بالبحث، وهو أخي ومفيدي أبو العباس ابن القباب رحمة الله عليه، فكتب إليَّ بما نصه"٦.

стр. 114

ويمكن أن يفهم من كلامه هذا، ومما ذكره في "الموافقات" من كونه كتب إلى جماعة من الشيوخ، أنه لم يقتصر في مراسلته على ابن عرفة والقباب، وإنما كاتب غيرهم، من علماء فاس وتونس خاصة١. وأرجع إلى مسألة كون الشاطبي هو صاحب الأسئلة الثمانية الموجهة لابن عرفة. وبالذات إلى السؤال الخامس "المسألة الخامسة"، حيث نجد صاحب الأسئلة في استشكاله قول الغزالي وابن رشد والقرافي بأن من الورع: الخروج من الخلاف، باجتناب ما اختلف فيه نجده يقول: "أن جمهور مسائل الفقه مختلف فيه اختلافًا مقتدي به٢ فالمسائل المجتمع عليها بالنسبة إلى المختلف فيها قليلة، فلذا إذًا، قد صار جمهور مسائل الشريعة من المتشابهات، وهو خلاف وضع الشريعة. وأيضًا فقد صار الورع من أشد الحرج الذي جاءت به الشريعة، من حيث لا تخلو لأحد عبادة ولا معاملة، ولا أمر من أمور التكليف، من خلاف يطلب الخروج عنه. وفي هذا ما فيه"٣. وفي "الموافقات" نجد الشاطبي يورد ما يلي: "فإن كثيرًا من المتأخرين يعدون الخروج عنه٤ -في الأعمال التكليفية- مطلوبًا، وأدخلوا في المتشابهات المسائل المختلف فيها. ولا زالت منذ زمان أستشكله، حتى كتبت فيها إلى المغرب وإلى إفريقية، فلم يأتني جواب بما يشفي الصدر. بل كان من جملة الإشكالات الواردة٥: أن

стр. 115

جمهور مسائل مختلف فيها اختلافًا يعتد به. فيصير إذا أكثر مسائل الشريعة من المتشابهات، وهو خلاف وضع الشريعة. وأيضًا، فقد صار الورع من أشد الحرج، إذ لا يخلو لأحد -في الغالب- عبادة، ولا معاملة، ولا أمر من أمور التكليف، من خلاف يطلب الخروج عنه. وفي هذا ما فيه١. وأما الجواب الذي لم يشف صدره فقد أورد نصه وهو: "فأجاب بعضهم بأن المراد بأن المختلف فيه من المتشابه: المختلف فيه اختلافا دلائل أقواله متساوية أو متقاربة. وليس أكثر مسائل الفقه هكذا، بل الموصوف بذلك أقلها، لمن تأمل من محصلي مواد التأمل. وحنيئذ لا يكون المتشابه منها إلا الأقل. وأما الورع من حيث ذاته، ولو في هذا النوع فقط، فشديد مشق، لا يصلحه إلا من وفقه الله إلى كثرة استحضار لوازم فعل المنهي عنه. وقد قال ﵇ "حفت الجنة بالمكاره" هذا ما أجاب به. فكتبت إليه"٢. وبالرجوع إلى جواب ابن عرفة -في المعيار- على السؤال الخامس من الأئمة الثمانية، ومقارنته مع هذا الجواب الذي أورده الشاطبي، يتضح يقينًا أن الجواب هنا هو نفسه الجواب الوارد هناك. مثلما اتضح -بمقارنة السؤالين- أن صاحبهما واحد؛ فالسائل الشاطبي. والمجيب ابن عرفة. ولتسهيل المقارنة أورد فيما يلي الفقرة المعنية من جواب ابن عرفة: "مرادهم٣ بأن المختلف فيه من المتشابهات: هو المختلف فيه اختلافًا دلائل أقواله متساوية أو متقاربة. وليس أكثر مسائل الفقه هكذا. بل الموصوف بذلك أقلها لمن تأمل من محصلي مواد التأمل. فحينئذ يكون٤ المتشابه منها إلا أقل الأقل.

стр. 116

وقوله١ أيضًا: صار الورع من أشد الحرج. جوابه: أن هذا من عيب بنائه على أن أكثر مسائل الفقه من المتشابه، وقد بينا بطلانه. وأما الورع من حيث ذاته، ولو في هذا النوع فقط، فشديد مشق، لا يحصله إلا من وفقه الله إلى كثرة استحصال لوازم فعل المنهي عنه. وقد قال ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره" ٢. وقد ورد في ترجمة أحمد بابا التنبكتي للإمام ابن عرفة أنه -أي ابن عرفة- سئل من غرناطة عن قول الإمام المرجوع عنه٣. ولم يذكر صاحب هذا السؤال. وبالمقارنة يظهر أن هذا السؤال الوارد لابن عرفة من غرناطة: هو نفسه السؤال الأول من الأسئلة الثمانية. أي أن الأمر يتعلق بسؤال الشاطبي. غير أن الجواب الذي أورده التنبكتي -لابن عرفة- فيه زيادات على الجواب الذي أورده صاحب المعيار. وهذا السؤال نفسه وجه -ومن غرناطة أيضًا- إلى الإمام أبي عبد الله الشريف التلمساني، "نيل الابتهاج: ٢٦٢"، ولم يذكر صاحب السؤال، ومعلوم أن الشريف التلمساني هو أحد كبار شيوخ الشاطبي، الذين زاروا غرناطة. وفي الجزء الأول من "المعيار" أيضًا، ما يلي: "وسئل الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن قاسم القباب، من أئمة فاس، عن حكم الدعاء إثر الصلاة"٤.

стр. 117

ورغم أن السائل مبهم تمامًا. بل حتى السؤال نفسه مبهم. فليس هناك لا نص السؤال- مثلما في الأسئلة السابقة- ولا شيء من تفاصيله. ورغم أن الجواب لا يكشف عن شيء مما يتعلق بالسائل أو حاله، أو جهته، رغم هذا وذاك، فقد استوقفني تصديره للجواب بهذا الحكم الحاسم: "الذي عندي: ما عند أهل العلم في ذلك من أن ذلك بدعة قبيحة"١ مع أن ظاهر السؤال يتعلق بمطلق الدعاء عقب الصلاة، وهو أمر مشروع ومندوب لا شك في ذلك. فلا يمكن أن يكون هذا الحكم في مطلق الدعاء إثر الصلاة. ويساعد على هذا أن أدلة الجواب جاءت متعلقة بدعاء الإمام. ولما كنت أعلم أن للشاطبي انشغالا كثيرًا بهذه المسألة، خصوصًا وأنه قد وقع فيها بنفسه عندما دخل "في بعض خطط الجمهور، من الخطابة والإمامة ونحوها"، وكنت أعلم أيضًا ماله من مكاتبات مع "أخيه ومفيده" أبي العباس القباب، فقد خطر لي -مجرد خطور- أن يكون صاحب هذا السؤال هو الشاطبي. ثم ساقني الله لأقف على ذلك يقينًا. ففي بعض مراجعاتي "للاعتصام" وجدت الشاطبي يستشهد بنفس الأدلة الواردة في جواب الشيخ القباب، ويستعمل نفس عباراته٢. وبعد أن أورد معظم ذلك قال: "قال بعض شيوخنا الذين استفدنا منهم"٣. ثم أورد ما بقي من جواب القباب وأدلته، ثم قال: "هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع، دائمًا٤ بدعة قبيحة"٥.

стр. 118

وفي الجزء الحادي عشر من "المعيار" أيضًا، نجد سؤالًا آخر "مجهول المصدر" أيضًا، حيث قال المصنف: "وسئل أبو العباس القباب عن مسألة تظهر من جوابه. فأجاب: الحمد لله. وبعد، يا أخي حفظ الله ودك، وأدام بمنه جدك، فقد وصلني مكتوبكم متضمنًا ما جرى عندكم من المناظرة في شأن سلوك طرق الصوفية من غير شيخ، وما احتج به الفريقان من ذلك. وطلبتم مني آخر ذلك كله أن أكتب لكم بما هو الحق عندي في ذلك، مفصلًا على فصول المناظرة المذكورة، ملخصًا آخرًا، ليرجع جميعكم إلى ما أرسمه في ذلك كله، وأكدتم الطلب بالسؤال بالله تعالى، ولا يخفى عليكم ما في السؤال بالله"١. وإذا كان واضحًا مقدار ما يكنه هذا "السائل المجهول" من تعظيم وتسليم للشيخ القباب، في حدود ما كشفه ولخصه الشيخ المسئول فقط، فقد أظهر هو أيضًا، من تعظيم السائل وتقديره ما لا مزيد عليه. قال الشيخ القباب في ديباجة جوابه: "ولو أن غيركم كان المخاطب بهذا الخطاب، لقطعت قطعًا أنه في٢ ساخر، وبما ضمنه من علوم القوم علي فاخر، لكن حسن٣ بأخوتكم يصرف عندي هذا التأويل، ويجعله من قبيل المستحيل. لقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم. أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشيخ فيمن شحمه ورم وبحسب ما لي في جهتكم من الحب وحسن الاعتقاد، وعلمي أن مثلكم يقيل العثرة، ويستر من أخيه الزلة. أرجع إليكم بما عندي في هذه القضية -لأنه علم لا ينشر، بل إنه شيء يقصر ويستر- لما وجب علي من إجابة عظيم القسم بالله تعالى، الذي لا يحل إهماله، ثم توفية لحق أخوتكم٤.

стр. 119

وتمهيدا للوصول إلى المقصود، أذكر خلاصة جواب الشيخ القباب، وهي أن من أراد سلوك طريق الصوفية، ومعرفة المقامات والأحوال، وأخذ النفس بتلك الصفات، وملاحظة الخواطر ومدافعة العوارض. لا بد له من شيخ في ذلك، ولا تكفيه كتب القوم، فإن في هذا الطريق مخاوف ومهالك. على أن سلوك هذا الطريق ليس محتمًا، وإنما هو تطلب لمزيد من الربح "وليس شأن العقلاء المخاطرة في طلب ربح، بسلوك طريق مخوفة بغير دليل إلا وصفًا من كتب١. وأما الخوض في طريق معرفة ما فيه قوام المعاملة وتصفيتها من الشوائب المفسدة، ومعرفة عيوب النفس ومداواة عللها، فهو خوض متأكد لا غنى لأحد عنه. فمن وجد فيه مرشدًا فليلزمه ومن لم يجد فعليه بالكتب. لأنه فرض على كل واحد، ومن اشتغل به لم يسعه -غالبًا- التفرغ لسواه "ويا عجبا كيف يفني عمره في البحث عن المقامات والأحوال، قبل مطالبة النفس بالتخلص من التباعات المالية والعرضية، وقبل البحث عما يلزمه فرضا مجمعًا عليه، وهو ألا يقدم على فعل ولا قول ولا حركة ولا سكون، حتى يعرف حكم الله تعالى عليه في ذلك. ثم إذا أحاط به علمًا، طالب نفسه باتباع الواجب منه حتمًا، والانكفاف عن المحرم في الاعتقادات والضمائر والحركات والسكنات، وسائر الأحوال. ويقوم بالواجب عليه من قول الحق، حيث وجب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث ما تعين، ويتفقد جوارحه في كل لحظة. ويحاسب نفسه صباح٢ ومساء"٣ إلى أن قال -هو بيت القصيد-: "وإذا شغله شاغل عن لحظة في صلاته فرغ سره منه، بالخروج عنه، ولو كان يساوي خمسين ألفًا، كما فعله المتقدمون٤. ثم استمر صفحات أخرى، انتهى فيها إلى الاعتذار للسائل عن تتبع فصول المسألة واحدًا واحدًا كما طلب منه ذلك، ومعترفًا -في تواضع مدهش غريب

стр. 120

"بالتقصير حالا ومآلا اعترافًا حقيقا، وأنا أحض الناس على الحق، ولا أقوم بواجبه، وأدعو إليه وأنا أبعد الناس منه. أسأل الله العفو بمنه"١. وهكذا يمر السؤال والجواب، دون أي ذكر للسائل، رغم ما هو واضح من مكانته المرموقة، حتى لكأن السائل أعلم من المسئول، كما أشار إلى ذلك الشيخ القباب في أول جوابه، كما تقدم، مما كان يقتضي من المصنف ﵀ أن يحرص على معرفة السائل وتعريفه ما أمكن ولعله قد فعل٢. والمهم أني -بتوفيق محض من الله- قد وقفت على أن السائل هو إمامنا أبو إسحاق الشاطبي. وذلك أنه قد تعرض للفقرة التي قلت إنها بيت القصيد، من جواب الشيخ القباب، فقال: "كتب إلى بعض شيوخ المغرب٣ -في فصل يتضمن ما يجب على طالب الآخرة النظر فيه، والشغل به- فقال فيه:٤ وإذا شغله شاغل عن لحظة في صلاته، فرغ سره منه، بالخروج عنه، ولو كان يساوي خمسين ألفًا، كما فعله المتقون٥. وقد رد الشاطبي على القباب -في هذه المسألة- بمراسلة ثانية أورد نصها في "الموافقات"، وذكر أنه لما وصله الرد كتب إليه "أي القباب" بما يقتضي التسليم٦. ورد الشاطبي في المسألة، رد طريف مفحم٧، خلاصته: أن القول بأن

стр. 121

من شغله شيء في صلاته، فعليه أن يتخلص منه ويتخلى عنه، قول لا يستقيم لا في قواعد الشرع ولا في الواقع. لأنه إذا كان الأمر كذلك، فإن على جميع الناس أن يخرجوا عن جميع ممتلكاتهم وأهليهم! وقد يكون أشد من الأول! ثم ماذا نقول فيمن كان شاغله في صلاته، هو الفقر وعدم وجدان شيء؟! وهذا مع التسليم طبعًا أن المكلف مطالب بأن يجاهد الوساوس التي تنتابه في صلاته ما أمكنه، وأن يتخذ لذلك ما يمكنه، من الأسباب١. وقد بني الشاطبي على هذه المسألة، وعلى مسألة الخروج عن الخلاف ورعا، وجواب ابن عرفة فيها، بنى على ذلك كله قاعدة علمية في غاية الأهمية والمتانة، وهي: "أن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه، إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعًا أو عقلا، فهو غير جار على استقامة ولا اطراد. فلا يستمر الإطلاق٢. ثم قال: "فاحتفظ بهذا الأصل، فهو مفيد جدا، وعليه ينبني كثير من مسائل الورع وتمييز المتشابهات، وما يعتبر من وجوه الاشتباه وما لا يعتبر٣. ومن مراسلات الشاطبي التي تسعفنا بها موسوعة الونشريسي "المعيار"، مكاتبته لابن عباد، وهي أيضًا تتعلق بمسألة سلوك طريق التصوف، ومدى ضرورة الشيخ في ذلك٤، يقول صاحب المعيار: "سؤال في علم التصوف كتب من غرناطة -قاعدة الأندلس- الشيخ العالم العارف المحقق سيدي أبو إسحاق الشاطبي ﵀ للشيخ المحقق العالم الصالح الرباني، أبي عبد الله، سيدي محمد بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفري الرندي٥.

стр. 122

فهذه المرة، نجد الونشريسي قد سمى السائل١، وحلاه بالشيخ العالم العارف، المحقق، سيدي. كما أنه ترجم على السؤال بقوله: سؤال في علم التصوف. إلا أن ترجمته هذه تحتاج إلى تنبيهين: الأول: أن الأمر لا يتعلق بسؤال واحد، ومراسلة واحدة، بل إن ابن عباد -صاحب الجواب- يشير إلى مراسلتين في الموضوع. حيث يقول في أول جوابه: "قد قرأت كتابيكم، وفهمت مضمنهما، ولا يمكنني أن أتكلم على جميع فصولها بتصحيح أو إبطال، لأن الكلام فيها قد طال وتشعب، وذهب كل مذهب٢. والثاني: يظهر -أيضًا- من قول ابن عباد هذا -كما يظهر من قبل في جواب القباب- وهو أن مراسلة الشاطبي، ليست -فحسب- عبارة عن "سؤال"، وإنما هي مراسلة مطولة، ذات مسائل وفوصل، وأنها تعرض مناظرات كانت جارية بغرناطة، وتعرض حجج الفريقين وآراءهما، وضمنهم الشابطي طبعًا. وأن هذه المراسلة -وهما اثنتان لابن عباد- قد تشعبت قضاياها إلى حد اعتذار المجيبين معًا عن متابعة فصولها، وحتى قال القباب: "فأعرضت عن تتبع الفصول، معترفًا بالتقصير حالا ومالا، اعترافًا حقيقيا٣. فمن المؤسف، غاية الأسف، أن تكون رسائل لها كل هذه القيمة العلمية والتاريخية قد ضيعت. وبعد هذه الوقفة مع الشاطبي، وبعض معالم شخصيته وحياته واهتماماته، أنتقل إلى صميم هذا البحث، وهو: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي.

стр. 123

والمدخل الطبيعي إلى هذه النظرية، هو تقديم خلاصة ميسرة لها، وهو ما خصصت له الفصل التالي، قبل أن أدخل في الدراسة والمناقشة والتتميم لبعض جوانبها وقضاياها، خلال الفصول اللاحقة.

стр. 124

الفصل الثاني: عرض النظرية مدخل ... الفصل الثاني: عرض النظرية غير خاف أن المكان الرئيسي الذي بسط فيه الشاطبي نظرية المقاصد، هو القسم الثالث من أقسام "الموافقات" الخمسة أو هو الجزء الثاني من الأجزاء الأربعة، حسب التقسيم الذي يطبع عليه الكتاب. وهذه الخلاصة التي أقدمها في هذا الفصل، إنما هي أساسًا لهذا الجزء من "الموافقات". على أن سأخصص -بحول الله- فصلًا آخر، لرصد امتدادات نظرية المقاصد في بقية الأجزاء، وفي سائر كتابات الشاطبي، المنشورة طبعًا. وسأعمل، في هذه الخلاصة، على إبراز معالم نظرية الشاطبي أكثر من العمل على إبراز المباحث والمعلومات التفصيلية. كما أني سأحرص على الجمع والتوفيق بين ما يقتضيه التلخيص من الإيجاز والتكثيف، وما يتطلبه الوضوح من البيان والتفصيل. وهي مهمة لا تخفى صعوبتها. فأرجو أن أكون بين ذلك قوامًا. وسأتحاشى -في هذه الخلاصة- التعقيبات والمناقشات إلا ما جاء خفيفًا لا يعكر الغرض، لأن لمناقشة والتعليق على نظرية الشاطبي، مجالا آخر سيأتي في حينه. فإلى نظرية المقاصد، في: كتاب المقاصد، من "الموافقات".

стр. 125

تعليل الشريعة ١: قبل أن يشرع الشاطبي في تناول موضوع المقاصد وتفصيل الكلام فيه، قدم له بمقدمة وصفها بأنها "كلامية". تعرض فيها -باقتضاب- لمسألة تعليل الشريعة وأحكامها. ونص فيها على "أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا" وأن هذا هو قول المعتزلة قاطبة، وهو اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، خلافًا للرازي الذي "زعم أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك". ثم نص على أن استقراء الشريعة يفيد علمًا قطعيا بأن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد، وأن هذا التعليل "مستمر في جميع تفاصيل الشريعة" موردًا بين هذا وذاك طرفًا من النصوص المتضمنة لتعليل الشريعة، تعليلًا عاما، أو تعليلًا جزئيا لبعض أحكامها. فمن الأولى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ ومن الثانية قوله سبحانه بعد آية الوضوء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣. تقسيمه للمقاصد: قسم الشاطبي المقاصد إلى قسمين: قصد الشارع، وقصد المكلف. وقسم القسم الأول إلى أربعة أنواع هي: النوع الأول: قصد الشارع في وضع الشريعة. النوع الثاني: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام. النوع الثالث: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها. النوع الرابع: قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.

стр. 126

وأما القسم الثاني المتعلق بمقاصد المكلف، فلم يقسمه إلى أنواع، وإنما بحثه في مسائل فقط. وفيما يلي عرض مركز لأهم محتويات القسمين، أو الأنواع الخمسة، من المقاصد، تبعًا لتقسيمها وترتيبها المذكورين، لكون دوام الالتزام بترتيب المسائل والأفكار المندرجة تحتها، قاصدًا من هذا وذاك "أي التزام ترتيب المؤلف من جهة، وعدم التزامه من جهة أخرى" حسن إبراز نظرية الشاطبي في المقاصد.

стр. 127

القسم الأول: مقاصد الشارع النوع الأول: قصد الشارع في وضع الشريعة هكذا سماه في العنوان، ولكنه عندما كان -في المقدمة- يذكر تقسيمه للمقاصد قال عنه: "قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء" وهذه الكلمة الأخيرة لها أهميتها في توضيح ما يعنيه بهذا النوع، وتمييزه عن الأنواع الثلاثة الأخرى. ومن هنا بني عليها الشيخ عبد الله دراز توضيحًا مهمًا قال فيه: "أي بالقصد الذي يعتبر في المرتبة الأولى، ويكون ما عداه كالتفصيل له. وهذا القصد الأول. هو أنها وضعت لمصالح العباد في الدارين١. وأما الشاطبي فيفتتح بيانه لهذا النوع، أو لهذا القصد الأول لأحكام الشريعة بقوله: "تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية" ثم شرع في تعريف هذه المراتب الثلاث: فالضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، ويترتب على فقدانها اختلال وفساد كبير في الدنيا والآخرة. وبقدر ما يكون من فقدانها، بقدر ما يكون من الفساد والتعطل في نظام الحياة.

стр. 128

وأما المقاصد الحاجية -أو المصالح الحاجية- فهي التي يتحقق بها رفع الضيق والحرج عن حياة المكلفين، والتوسعة فيها. وأما التحسينية، فهي المصالح التي لا ترقى أهميتها إلى مستوى المرتبتين السابقتين، وإنما شأنها، أن تتم وتحسن تحصيلهما، ويجمع ذلك: محاسن العادات ومكارم الأخلاق والآداب. والمقاصد الضرورية، أو المصالح الضرورية، ثبت بالاستقراء أنها خمسة هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل١، وهي التي جاء حفظها في كل ملة. وحفظ الشريعة للمصالح، الضرورية وغيرها، يتم على وجهين، يكمل أحدهما الآخر، وهما: ١- حفظها من جانب الوجود، أي بشرع ما يحقق وجودها وتثبيتها، ويرعاه. ٢- حفظها من جانب العدم، أي بإبعاد ما يؤدي إلى إزالتها، أو إفسادها، أو تعطيلها، سواء كان واقعًا أو متوقعًا. فحفظ الدين مثلًا، تحققه من جانب الوجود العقائد الأساسية، والعبادات الرئيسية، من صلاة وزكاة. ويحفظ من جانب العدم بالجهاد، وقتل المرتدين، ومنع الابتداع. وأحكام العادات والمعاملات تؤدي إلى حفظ بقية الضروريات من جانب الوجود، وأحكام الجنايات تؤدي إلى حفظها في جانب العدم. والمصالح الضرورية الخمس المذكورة، تعتبر أصول المصالح وأسسها. والمصالح الحاجية إنما هي خادمة ومكملة للضرورية، مثلما أن التحسينية خادمة

стр. 129

ومكملة للحاجية. فالكل إذن، حائم حول الضروريات، يقويها ويكملها ويحسنها. وتنبني على هذا الترتيب مبادئ مهمة جدا، في الأولوليات وفي الترجيح بين المصالح عند تعارضها. فمن ذلك أن: "كل تكملة، فلها -من حيث هي تكلمة- شرط، وهو ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال١. وبيان ذلك، أن الصلاة -مثلًا- لها شروط ومكملات، كالطهارة واستقبال القبلة. فإذا تعذرت هذه الشروط أو بعضها، وبقينا -مع ذلك- مصرين على توفير هذه المكملات، فإن الأصل نفسه سيضيع ونبقى بغير صلاة، فيكون اعتبار المكمل قد عاد على أصله بالإبطال. وهذا ما لا يجوز. ولهذا يجب -في هذه الحالة- التمسك بالأصل، ولو بتضييع مكملة، أو مكملاته. ومن أمثلة ذلك في المعاملات: البيع، فمن شروطه انتفاء الغرر. لكن توفير هذا الشرط، قد يكون -في بعض البيوع- متعذرًا أو عسيرًا، ولا سيما إزالة الغرر بصفة تامة. فنكون بين أن نعطل هذه البيوع -التي لا بد فيها من قدر من الغرر- وبين أن نمضيها مع تقليل الغرر ما أمكن. ولا شك أن الثاني هو الصواب، بناء على القاعدة المتقدمة، وهي قاعدة مستقرأة من أدلة الشرع. فالشارع -سبحانه- جعل المصالح يكمل بعضها بعضًا، ويخدم بعضها بعضًا، وجعل الأدنى تابعًا للأعلى ومتأخرًا عنه في الاعتبار، فلا ينبغي أن تستعمل في تعطيل بعضها بعضًا، وخاصة تعطيل الأعلى بالأدنى. بل هي موضوعة ليقوي بعضها البعض، ويجلب بعضها البعض، ويحمي بعضها البعض.

стр. 130

وعلى هذا الأساس بنى الشاطبي المسألة الرابعة من هذا النوع. فبعد أن قرر أن "المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية" فصل ذلك في خمسة قواعد، هذه تراجمها: ١- الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميي. ٢- اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق١. ٣- لا يلزم من اختلال الباقيين اختلال الضروري. ٤- قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق، أو الحاجي بإطلاق، اختلال الضروري بوجه ما. ٥- ينبغي المحافظ على الحاجي والتحسيني للضروري. ومرماه من تقرير هذه القواعد وترتيبها، وهو الوصول إلى النتيجة المقررة في القاعد الخامسة، والمبنية بدورها على القاعدة الرابعة. وذلك أنه -لأجل حفظ الضروريات- لا بد من المحافظة على الحاجيات والتحسينيات "بصفة عامة"، لأن: "في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد منه، ومدخلًا للإخلال به. فصار الأخف كأنه حمى للآكد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فالمجترئ على الأخف بالإبطال معرض للتجرؤ على ما سواه. فإذا، قد يكون في إبطال الكمالات بإطلاق، إبطال الضروريات بوجه ما٢. وأكتفي -الآن- بتلخيص هذا القدر من مسائل النوع الأول من مقاصد الشارع. وأما بقية المسائل، فمنها ما سيأتي في فصل: المصالح والمفاسد "كالمسألتين الخامسة والثامنة" ومنها ما سيدمج في فصل: بماذا تعرف مقاصد الشارع؟ "كالمسألة التاسعة". وإنما أرجأت هذه المسائل، لأني مضطر للتعرض لها في المباحث المشار إليها، وسيكون لذكرها هناك ما يناسب أهميتها من التفصيل والبيان والتعليق.

стр. 131

النوع الثاني: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام هذا النوع هو أقصر الأنواع الخمسة، حيث لم تزد مسائله على خمس، ويمكن إرجاعها إلى مسألتين هما حسب تعبيره: - هذه الشريعة المباركة عربية١. - هذه الشرعية المباركة أمية٢. وعلاقة المسألتين بموضوع المقاصد، هي أن الفهم السليم للشريعة ومقاصدها، لا يكون إلا من خلال هاتين المسلمتين، أما الأولى، فلأن "القرآن نزل بلسان العرب فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة. وهذا هو المقصود من المسألة. أما كون الشريعة أمية "فلأن أهلها كذلك، هو أجرى على اعتبار المصالح" "أي فإن تنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم٣. ورغم أن المسائل الخمس تحتوي على مبادئ قيمة وضرورية في فهم القرآن والسنة وتحصيل مقاصدها، فإني لا أرى أن هذا هو مكان التعرض لها، بل لا أستسيغ جعله لهذه المسائل نوعًا من مقاصد الشارع. وإنما هي ضوابط لفهم مقاصد الشارع. وقد سماها في كتابه "الاعتصام" "بالأدوات التي بها تفهم المقاصد٤. وعلى هذا أرجئ عرضها وتوضيحها إلى حين التعرض لكيفية فهم المقاصد، في الفصل المخصص لذلك "وهو الفصل الثالث من الباب الثالث".

стр. 132

النوع الثالث: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها في هذا النوع تناول الشاطبي مقاصد الشارع في التكليف، وحدود ما قصده مما لم يقصده في تكاليفه للعباد. وقد وزع أبحاثه على اثنتي عشرة مسألة، تمثيل المسألة السابعة نصف حجمها. ويمكن جمع مباحث هذا النوع في موضوعين هما: ١- التكليف بما لا يطاق. ٢- التكليف بما فيه مشقة. فأما الأول فمنفي عن الشريعة إجماعًا، ومن هنا، لم يطل فيه، وإنما أنصب بحثه على الحالات المشتبهة، في التكليف نفسه، أي في دخولها وعدم دخولها في مقدور المكلفين. ففيما يخص التكاليف الشرعية، فإنه "إذا ظهر في بادئ الرأي، القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد، فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه، أو لواحقه، أو قرائنه". فإذا أمر الشارع المؤمنين بالتحابب -مثلًا- فإن المقصود ما يؤدي إلى الحب من أسباب سابقة، أو مقارنة ولاحقة، تقويه وترسخه، وليس المقصود بالتكليف حصول الحب ذاته. فإن هذا خارج عن قدرة الناس، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل. وأما مشتبهات الأفعال "أي التي لا يدرى هل هي داخلة في التكليف أم أنها مما لا يطاق، فينصرف التكليف إلى سوابقها ولواحقها" فتتمثل خاصة في الصفات الباطنة كالكبر والحسد وحب الدنيا، والحلم والأناة والشجاعة والجبن.

стр. 133

وقد بحثها بحثًا عميقًا مفصلًا، في المسألة الثالثة، والمسألة الرابعة. وهي بحث -على نفاسته- جاء على هامش موضوع المقاصد. وكأنما أحس الشاطبي بهذا، فقال بعد إثارته لإشكال من إشكالات الموضوع "ويحتمل تحقيقه بسطًا أوسع من هذا، ولا حاجة إليه في هذا الموضع١. وأما الموضوع الثاني "التكليف بما فيه مشقة"، فهو الموضوع الأهم في هذا النوع. لأنه إذا كان موضوع التكليف بما لا يطاق واضحًا مسلمًا، فإن مسائل المشقة في التكليف مما يكثر فيه الغموض والالتباس والحيرة. وبقدر ما للموضوع من أهمية، وما فيه من صعوبة، بقدر ما كان الشابطي متحكمًا فيه، موفقًا في تجليه قضاياه. فبعد أن مهد بتعريف المشقة، وذكر أنواعها ودرجاتها، بدأ يقرر أحكامها، ومقاصد الشارع فيها: وأول ذلك "أن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقة والإعنات فيه٢ يدل على هذا: النصوص الكثيرة النافية للحرج، والمصرحة باليسر والسماحة، في أحكام الشريعة ومقاصدها. كما يدل عليه: الرخص الكثيرة الواردة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقة لما وضع الرخص، والأمر -بعد هذا وذاك- محل الإجماع. ثم انتقل إلى المسألة السابعة -أطول مسائل النوع- ليقرر في مطلعها "أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكن لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة، طلب المعاش بالتحرف وسائر الصنائع، لأنه ممكن معتاد، لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك "فكذلك المعتاد في التكاليف". ورغم أن معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقة وأن الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإن الشارع غير قاصد نفسه المشقة التي

стр. 134

فيها. فهي جميع الحالات، الشارع لا يقصد المشقة، بل يقصد "ما في ذلك من المصالح العائدة للمكلف". ويترتب على هذا أصل آخر: وهو أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل". ولهذا كان قصد المشقة قصدا باطلًا، ومضادًا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به. وكلما كانت المشقة عير عادية وفادحة، كان القصد إليها أبلغ في البطلان ومضادة قصد الشارع "لأن الله لم يضع تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده" وهذا طبعًا فيما إذا كان المكلف هو الذي سعى إلى المشقة وقصد الدخول فيها، أما إذا كانت من لوازم العمل فيصح الدخول فيها، وحكمها حكم ذلك العمل، كما في مشقة الجهاد مثلًا. وحيث إن السياق اقتضى كثيرة الحديث عن قصد الشرعية إلى رفع الحرج والمشقة -إلا فيما لا بد منها فيه - فإن الشاطبي تطرق في أحد الفصول الملحقة بالمسألة السابعة إلى علة هذا الحرص الشرعي على رفع الحرج، وقد أجاد وأفاد، وعلة ذلك تتلخص في أمرين: "أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى، الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله. والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد، المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف آخر تأتي في الطريق. فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلًا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما".

стр. 135

فإذا كان مقصود الشارع رفع الإحراج والمشقة عن تكاليفه، فإن مقصود مقصوده هنا، هو المداومة على العمل، والتوازن في أداء الواجبات دون إفراط في بعض والتفريط في بعض آخر. وقد أطال النفس في بيان هاتين العلتين، في ترتيب منطقي بديع، مع دفع الشبهات والاعتراضات المفترضة. كل ذلك مع النصوص المكثفة الحاسمة في الموضوع. ثم انتقل في -المسألة الثامنة- إلى حكم نوع آخر من "المشقة"، وهي مشقة مخالفة الهوى: "ذلك أن مخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها، وصعب خروجها عنه" فقرر أن الشرع لا يقيم وزنا، ولا يعطي اعتبارًا لهذه المشقة لأن "الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه، حتى يكون عبد الله. فإذا مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في التكليف، وإن كانت شاقة في مجاري العادات". ثم عاد ليفصل القول -في المسألة الحادية عشرة- في المشقة التي يقصد الشارع رفعها عن المكلفين، والتي لا يقصد إلى رفعها، وإن كان أيضًا لا يقصد حصولها؟ وضابط ذلك هو أنه: "حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية، حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي، فمقصود الشرع فيها: الرفع على الجملة. وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها، فليس بقاصد لرفعها أيضًا، والدليل على ذلك أنه لو كان قاصدًا لرفعها لم يمكن بقاء التكليف معها، لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعبًا وتكليفًا على قدره، قل أو جل". ثم نبه على أمر هام في المسألة، وهو أن المشقة التي تستحق أو لا تستحق التخفيف، إنما تقاس وتقدر بالنظر إلى العمل الذي يستلزمها ومدى ضرورته ومدى أهميته. فلا نقيس -مثلًا- المشقة في ركعتي الضحى "وهي نافلة" كما نقيسها في صلاة الصبح "وهي من آكد الصلوات"، ولا مشقة هاتين "وهي خفيفة غالبًا"

стр. 136

بالمشقة اللازمة في الحد. ولا تقاس هذه المشاق الثلاث بمشقة الجهاد. فمشقة الصلاة والصوم، قد لا يعد مثلها في الحج مشقة. ومشاق الحج قد لا تعتبر شيئًا في الجهاد. فقياس المشاق أمر نسبي، ينظر فيه غلى طبيعة العمل، وضرورته ومصلحته، وإلى حال المكلف، وبناء على هذا كله يكون الترخيص أو لا يكون. وختامًا لمباحث المشقة والتيسير، أتى بالمسألة الثانية عشرة، وهي إحدى نوادره، ومظهر من مظاهر عبقريته، وسمو فقهه للشريعة. ومضمونها: أن التشريع في الإسلام، ينزل -في الأصل- "على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ بين الطرفين١ بقسط لا ميل فيه" وعلى هذا جاءت معظم التكاليف، كتكاليف الصلاة، والصيام، والزكاة, وكتحريم معظم المحرمات، فقد جاء كل هذا في اعتدال يناسب عامة المكلفين. ولكن إذا جاء التشريع لمواجهة ومعالجة انحراف في المكلفين فإنه يتسم بميل مضاد لانحراف المكلفين. فإذا كان انحرافهم قد وقع في اتجاه الانحلال والتفسخ واتباع الأهواء والشهوات. فإن التشريع يأتي مائلًا إلى جهة الزجر والتشديد لإرجاع الناس إلى الاعتدال. وإذا كان الانحراف إلى جهة الإفراط والغلو في الدين، والمبالغة في الزهد وتطلب الشداد. فإن التشريع يأتي مائلا إلى جهة التيسير والتخفيف والترخيص، والترغيب في متع الحياة ونعمها. وقد صاغ ﵀ هذه القضية في عبارات محكمة ناصعة فقال: "فإذا نظرت في كلية الشريعة، فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر.

стр. 137

فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه".

стр. 138

النوع الرابع: قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة هذا النوع هو أطول أنواع القسم الأول "مقاصد الشارع". بل هو يعدل في طوله -تقريبًا- الأنواع الثلاثة المتقدمة مجتمعة، ولعل ما أسهم في إطالة هذا النوع هو الاستطرادات الطويلة الخارجة عن موضوع المقاصد، وإن كانت لا تعدم صلة بمباحث هذا النوع. وأعني بهذه الاستطرادات خاصة المسائل من التاسعة إلى السادسة عشرة. وأهم ما يربط أبحاث هذه المسائل الثمانية، يقصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة هو أنه لا يستثنى أحد ولا تستثنى حالة، ولا يخرج شيء أبدًا عن أحكام الشريعة. فالناس عامتهم وخاصتهم، والوقائع معهودها وغريبها، والأحوال ظاهرها وباطنها، كل ذلك يجب إخضاعه لأحكام الشريعة، وإدخاله في الامتثال لها. ففي رأي المسألة التاسعة يقول: "الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة: بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة". وفي رأس المسألة الثانية عشرة يضيف: "إن الشريعة كما أنها عامة في جميع المكلفين، وجارية على مختلفات أحوالهم، فهي عامة أيضًا بالنسبة إلى عالم الغيب

стр. 139

والشهادة من جهة كل مكلف، وإليها نرد كل ما جاءنا من جهة الباطن، كما نرد إليها كل ما في الظاهر". كما أن المسائل السابعة عشرة، والثامنة عشرة، والتاسعة عشرة وإن كانت ذات صلة وثيقة بقصد الشارع في دخول المكلفين تحت التكليف، إلا أن صلتها بمواضع أخرى أوثق وربطها بها أنسب. فالمسألة السابعة عشرة تدخل في باب المصالح والمفاسد، وكيفية الترجيح بينها، وهو الموضوع الذي أرجأت التعرض له لكثرة تشعباته. وأما المسألتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة فتتعلقان، بموضوع تعليل الشريعة وأحكامها، وهو الموضوع الذي تعرض له باقتضاب "في المقدمة، كما سبق"، وقد وعدت بالتفصيل فيه، في سياق التعليقات والمناقشات. فإلى هناك بحول الله. فهذه عشر مسائل هي نصف مسائل هذا النوع. وبقيت عشر أخرى، هي التي تمثل صميم الموضوع. فلنعد إليها: مسائل هذا النوع الرابع من مقاصد الشارع جعل لها -كما مر- عنوان "قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة". وعند افتتاح المسألة الأولى غير في العبارة ليوضح مراده أكثر فقال: "المقصد الشرعي من وضع الشريعة" وتعبيره هذا يدعونا للمقارنة مع تسميته للنوع الأول، حيث قال هناك: قصد الشارع في وضع الشريعة. وقد تنبه الشيخ عبد الله دراز لهذا التماثل في العبارتين، وما قد يثيره من تساؤل عن العلاقة والفرق بين النوعين الأول والرابع، فعلق بقوله: "فالنوع الأول معناه وضع نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، والرابع أن الشارع يطلب من العبد الدخول تحت هذا النظام والانقياد له، لا لهواه"١.

стр. 140

ويتضح الفرق جليا بين النوعين من النظر في مباحث كل منهما. ولكن العبارات التي افتتح بها الكلام في كل من النوعين كافية أيضًا في التفريق بينهما أما عبارة الافتتاح للنوع الأول فقد تقدمت في مكانها. وأما تتمة افتتاحه لهذا النوع، فهي: "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارًا" ثم قال بعد سرده لعدد من النصوص الدالة على ذم الهوى، وأهل الأهواء: "فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى". وهو -كعادته في تقريبر المقاصد- يحشر من الأدلة النقلية والعقلية، ويرد من الاعتراضات الواردة أو المفترضة، ما يجعل تقريره قطعيًا لا غبار عليه. وكذلك فعل في إثبات قصد الشارع إلى إخراج المكلفين عن هيمنة أهوائهم، وإدخالهم تحت هيمنة الشريعة وأحكامها. وهذا لا ينافي ما تقرر في النوع الأول من كون الشارع قاصدا إلى حفظ مصالح المكلفين. لأن مصالحهم -وإن كانت تنال إلى حد ما مع اتباع الأهواء- فإنها لا تنال على أكمل وجه، إلا من خلال أحكام الشرع، وهذا لا يتحقق إلا بالتحرر من الأهواء والنزوات، وطلب المصالح الحقيقية وفق ما قرر الشارع. ثم قال: "فإذا تقرر هذا انبنى عليه قواعد: منها: أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق، من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير، فهو باطل بإطلاق، لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه، وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل، فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق. وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق: الأمر أو النهي أو التخيير، فهو صحيح وحق. وأما إن امتزج فيه الأمران، فكان معمولًا بهما، فالحكم للغالب والسابق". ومنها: أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وإن جاء في ضمن المحمود ذلك أن الاسترسال في إرضاء هوى النفس، ولو كان في فعل

стр. 141

الخيرات والمباحات، من شأنه أن يؤجج في الإنسان هواه، ويعوده العمل في إرضاء نفسه، دون التقيد بقيود الشرع. فإذا حصل هذا جره هواه إلى تجاوز أحكام الشريعة، والدخول في المحظورات. هذه خلاصة المسألة الأساسية في هذا النوع، وهي المسألة الأولى وما بناه عليها من فصول. أما المسائل الخمس الموالية لها "أي من الثانية إلى السادسة"، فهي امتداد لموضوع المسألة الأولى، وتعميق للبحث فيه. وينطلق ذلك من تقسيمه للمقاصد الشرعية إلى مقاصد أصلية ومقاصد تبعية: "فأما المقاصد الأصلية فهي التي لا حظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة". والضروريات المعتبرة في كل ملة هي -كما تقدم- حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وإنما اعتبر أنها لا حظ فيها للمكلف، لكونه ملزمًا بحفظها رضي بذلك أو لم يرض، بل إنه إذ فرط فيها، يحجر عليه ويكره على حفظها، ويعاقب على تضييعها في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فإن حفظ الضروريات لا يرجع فيه إلى رغبة المكلف واختياره وميله. وهذا هو معنى كونها لم يراع فيها حظ المكلف. وأما المقاصد التابعة، فهي التي روعي فيها حظ المكلف، فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نبيل الشهوات، والاستمتاع بالمباحث، وسد الخلات" ويتمثل هذا في أوجه الاستمتاع المباحة، وفي التوسع في الاستمتاع والتنعم، في حدود ما رسمه الشرع من حدود وقيود١.

стр. 142

وواضح أن هذه المقاصد التبعية -إلى جانب ما فيها من تمتيع وتنعيم للمكلفين، وهو ما يعبر عنه بالحظ- تعتبر "خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها". كما أن المقاصد الأصلية -وإن كانت في الأصل مفروضة على المكلف دون اعتبار لقبوله أو رفضه- فهي تفضي إلى نتائج فيها حظوظ ومنافع له. وقد قال بعد بيان تداخل وتكامل المقاصد الأصلية مع المقاصد التبعية "فقد تحصل من هذا أن ما ليس فيه للمكلف حظ بالقصد الأول، يحصل له فيه حظه بالقصد الثاني من الشارع. وما فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل فيه العمل المبرأ من الحظ". ومن أمثلة ذلك أن المكلف حين يعمل على حفظ نفسه ونسله "وهما من المقاصد الأصلية التي لم يراع في حفظها حظه"، يجني في نفس الوقت متعًا وحظوظًا تعتبر من قبيل المقاصد التبعية. بل حتى العبادات -وهي أبعد التكاليف عن مراعاة الحظوظ- فإنها تحقق-إلى جانب المقصد الأصلي منها- فوائد تبعية من قبيل الحظوظ، كاحترام الناس وثقتهم. وفي الجانب الآخر، فإن جميع الحظوظ والنعم والمتع التي أذن فيه االشارع، داخلة في حفظ الضروريات، أي المقاصد الأصلية: "فأكل المستلذات، ولباس اللينات، وركوب الفارهات، ونكاح الجميلات، قد تضمن سد الخلات، والقيام بضرورة الحياة. وقد مر إن إقامة الحياة -من حيث هو ضروري- لا حظ فيه". ورغم هذا، أي زعم أن عمل المكلفين بمقتضى المقاصد الأصلية يجلب لهم ويحقق المقاصد التبعية، وعملهم بمقتضى المقاصد التبعية يخدم المقاصد الأصلية، فإن الأفضل أن العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، ولأجلها. ووجوه هذا التفضيل كثيرة١، ويمكن تلخيصها فيما يلي: ١- لأنه أكثر انسجامًا مع ما سبق تقريره في أول هذا النوع من أن قصد الشارع بالتشريع: إخراج المكلف عن داعية هواه.

стр. 143

٢- ولأن المقاصد الأصلية إذا روعيت أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورته عبادة، وأبعد عن مشاركة الحظوظ التي تغبر في وجه محض العبودية. ٣- ولأن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات. ٤- ولأن المقصد الأول "أي المقصد الأصلي" إذا تحراه المكلف يتضمن تحقيق المقاصد التبعية، بشكل تلقائي. لأنه أعم وأهم. ٥- ولأن العمل على المقاصد الأصلية يصير الطاعة أعظم، وإذا خولفت كانت معصيتها أعظم ومن هنا تظهر قاعدة أخرى، وهي: أن أصول الطاعات وجوامعها إذا تتبعت وجدت راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية، وكبائر الذنوب إذا اعتبرت وجدت في مخالفتها١. ٦- كما أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب، من حيث كانت حفظًا للأمور الضرورية في الدين. والعمل في إطار الواجبات خير من العمل في غيرها. ورغم هذه الوجوه -المهمة جدا- التي ترجح العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، فإن هذا لا ينفي مشروعية العمل بدافع من المقاصد التبعية وما فيها من قصد لنيل الحظوظ والتمتع بها، ولكن بشرط أن يكون العمل لأجل المقاصد التبعية مصحوبًا -ولو بالدرجة الثانية- بقصد تحقيق المقاصد الأصلية، وأما إذا كان العمل -فقط- لأجل نيل الشهوات وتلبية النزوات، فهو عمل بمجرد الحظ والهوى. فلا قيمة له ولا ثواب فيه عند الله. ومن هنا أنجر الشاطبي -في المسألة السادسة- إلى استطراد طويل، في غاية العمق والدقة، عالج في مسائل الإخلاص والتشريك في الأعمال، عبادات وعادات. وهو من المباحث النفيسة التي أبان فيها ﵀ عن نظر فلسفي قوي، وعن نفس طويل في الحوار العلمي الرفيع، وخصوصًا عندما تعرض

стр. 144

للخلاف بين نظرة الغزالي للإخلاص -وهي نظرة بطبعها التشدد الوصفي- ونظرة تلميذه ابن العربي، وهي نظرة يطبعها التدقيق الفقهي. ولئن كان متعذرًا على تقديم خلاصة للقضية بكل تشعباتها وآثارها١، فلا يفوتني أن أقدم إحدى أهم النتائج التي قررها بعد تمهيد طويل من النقاشات الرصينة. وهي النتيجة التي توج بها ترجيحاته الخفية لموقف ابن العربي على موقف الغزالي حيث قال: "فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان٢ لا يمنع اجتماعها مع العبادات. غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى، ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد العبادة كان الحكم للغالب، فلم يعتد بالعبادة، فإن غلب قصد العبادة فالحكم له". بقيت المسألتان السابعة والثامنة. أما السابعة، فقد خصصها لموضوع النيابة في الأعمال وهو موضوع داخل في صميم قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام التكليف: فالأعمال التي هي من قبيل المعاملات، كعقد العقود، وتنفيذها وحلها، وأداء الالتزامات المالية، تصح النيابة فيها شرعًا، "لأن الحكمة التي يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواه". وإذن، فصحة النيابة في الأعمال رهينة بتحقيق حكمتها، أو مقصودها، فحيثما تحققت الحكمة من النائب صحت النيابة. وحيثما توقف تحقيق الحكمة على المكلف الأصلي لم تصح النيابة.

стр. 145

وعلى هذا الأساس نفسه قرر بطلان النيابة في العبادات، بحيث "لا يقوم فيها أحد عن أحد، ولا يغني فيها عن المكلف غيره" واعتبر أن هذا الأصل قطعي نقلا وتعليلًا: فأما أدلتة النقلية فعدد كثير من الآيات، مثل ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ . وأما أدلته النظرية١، فيأتي في مقدمتها تحكيم المقاصد، وذلك "أن مقصود العبادات الخضوع لله والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه حسب طاقته. والنهاية تنافي هذا المقصود وتضاده. ثم أورد -كعادته- الاعتراضات الممكنة على منع النيابة في العبادات٢، وأهملها الأحاديث التي تفيد صحة النيابة في الحج والصيام. فناقش الاستدلال بها جملة وتفصيلًا، ثبوتًا ودلالة. وختم ردوده على المستدلين بها بقوله: "هذه الأحاديث-على قلتها- معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي. كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة. وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه. وأما المسألة الثامنة، فقد قرر فيها وحرر مقصودًا آخر من مقاصد الشارع في دخول المكلفين تحت التكليف، وهو أن "من مقصود الشارع في الأعمال: دوام المكلف عليها، والدليل على ذلك واضح. "فقد مدح الله "المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون" وفي الحديث "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" إلى غيرها من النصوص.
следующие страницы →