← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8343

نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي

أحمد الريسوني

Полный текст (403 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الخيرات والمباحات، من شأنه أن يؤجج في الإنسان هواه، ويعوده العمل في إرضاء نفسه، دون التقيد بقيود الشرع. فإذا حصل هذا جره هواه إلى تجاوز أحكام الشريعة، والدخول في المحظورات. هذه خلاصة المسألة الأساسية في هذا النوع، وهي المسألة الأولى وما بناه عليها من فصول. أما المسائل الخمس الموالية لها "أي من الثانية إلى السادسة"، فهي امتداد لموضوع المسألة الأولى، وتعميق للبحث فيه. وينطلق ذلك من تقسيمه للمقاصد الشرعية إلى مقاصد أصلية ومقاصد تبعية: "فأما المقاصد الأصلية فهي التي لا حظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة". والضروريات المعتبرة في كل ملة هي -كما تقدم- حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وإنما اعتبر أنها لا حظ فيها للمكلف، لكونه ملزمًا بحفظها رضي بذلك أو لم يرض، بل إنه إذ فرط فيها، يحجر عليه ويكره على حفظها، ويعاقب على تضييعها في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فإن حفظ الضروريات لا يرجع فيه إلى رغبة المكلف واختياره وميله. وهذا هو معنى كونها لم يراع فيها حظ المكلف. وأما المقاصد التابعة، فهي التي روعي فيها حظ المكلف، فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نبيل الشهوات، والاستمتاع بالمباحث، وسد الخلات" ويتمثل هذا في أوجه الاستمتاع المباحة، وفي التوسع في الاستمتاع والتنعم، في حدود ما رسمه الشرع من حدود وقيود١.

стр. 142

وواضح أن هذه المقاصد التبعية -إلى جانب ما فيها من تمتيع وتنعيم للمكلفين، وهو ما يعبر عنه بالحظ- تعتبر "خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها". كما أن المقاصد الأصلية -وإن كانت في الأصل مفروضة على المكلف دون اعتبار لقبوله أو رفضه- فهي تفضي إلى نتائج فيها حظوظ ومنافع له. وقد قال بعد بيان تداخل وتكامل المقاصد الأصلية مع المقاصد التبعية "فقد تحصل من هذا أن ما ليس فيه للمكلف حظ بالقصد الأول، يحصل له فيه حظه بالقصد الثاني من الشارع. وما فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل فيه العمل المبرأ من الحظ". ومن أمثلة ذلك أن المكلف حين يعمل على حفظ نفسه ونسله "وهما من المقاصد الأصلية التي لم يراع في حفظها حظه"، يجني في نفس الوقت متعًا وحظوظًا تعتبر من قبيل المقاصد التبعية. بل حتى العبادات -وهي أبعد التكاليف عن مراعاة الحظوظ- فإنها تحقق-إلى جانب المقصد الأصلي منها- فوائد تبعية من قبيل الحظوظ، كاحترام الناس وثقتهم. وفي الجانب الآخر، فإن جميع الحظوظ والنعم والمتع التي أذن فيه االشارع، داخلة في حفظ الضروريات، أي المقاصد الأصلية: "فأكل المستلذات، ولباس اللينات، وركوب الفارهات، ونكاح الجميلات، قد تضمن سد الخلات، والقيام بضرورة الحياة. وقد مر إن إقامة الحياة -من حيث هو ضروري- لا حظ فيه". ورغم هذا، أي زعم أن عمل المكلفين بمقتضى المقاصد الأصلية يجلب لهم ويحقق المقاصد التبعية، وعملهم بمقتضى المقاصد التبعية يخدم المقاصد الأصلية، فإن الأفضل أن العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، ولأجلها. ووجوه هذا التفضيل كثيرة١، ويمكن تلخيصها فيما يلي: ١- لأنه أكثر انسجامًا مع ما سبق تقريره في أول هذا النوع من أن قصد الشارع بالتشريع: إخراج المكلف عن داعية هواه.

стр. 143

٢- ولأن المقاصد الأصلية إذا روعيت أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورته عبادة، وأبعد عن مشاركة الحظوظ التي تغبر في وجه محض العبودية. ٣- ولأن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات. ٤- ولأن المقصد الأول "أي المقصد الأصلي" إذا تحراه المكلف يتضمن تحقيق المقاصد التبعية، بشكل تلقائي. لأنه أعم وأهم. ٥- ولأن العمل على المقاصد الأصلية يصير الطاعة أعظم، وإذا خولفت كانت معصيتها أعظم ومن هنا تظهر قاعدة أخرى، وهي: أن أصول الطاعات وجوامعها إذا تتبعت وجدت راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية، وكبائر الذنوب إذا اعتبرت وجدت في مخالفتها١. ٦- كما أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب، من حيث كانت حفظًا للأمور الضرورية في الدين. والعمل في إطار الواجبات خير من العمل في غيرها. ورغم هذه الوجوه -المهمة جدا- التي ترجح العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، فإن هذا لا ينفي مشروعية العمل بدافع من المقاصد التبعية وما فيها من قصد لنيل الحظوظ والتمتع بها، ولكن بشرط أن يكون العمل لأجل المقاصد التبعية مصحوبًا -ولو بالدرجة الثانية- بقصد تحقيق المقاصد الأصلية، وأما إذا كان العمل -فقط- لأجل نيل الشهوات وتلبية النزوات، فهو عمل بمجرد الحظ والهوى. فلا قيمة له ولا ثواب فيه عند الله. ومن هنا أنجر الشاطبي -في المسألة السادسة- إلى استطراد طويل، في غاية العمق والدقة، عالج في مسائل الإخلاص والتشريك في الأعمال، عبادات وعادات. وهو من المباحث النفيسة التي أبان فيها ﵀ عن نظر فلسفي قوي، وعن نفس طويل في الحوار العلمي الرفيع، وخصوصًا عندما تعرض

стр. 144

للخلاف بين نظرة الغزالي للإخلاص -وهي نظرة بطبعها التشدد الوصفي- ونظرة تلميذه ابن العربي، وهي نظرة يطبعها التدقيق الفقهي. ولئن كان متعذرًا على تقديم خلاصة للقضية بكل تشعباتها وآثارها١، فلا يفوتني أن أقدم إحدى أهم النتائج التي قررها بعد تمهيد طويل من النقاشات الرصينة. وهي النتيجة التي توج بها ترجيحاته الخفية لموقف ابن العربي على موقف الغزالي حيث قال: "فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان٢ لا يمنع اجتماعها مع العبادات. غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى، ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد العبادة كان الحكم للغالب، فلم يعتد بالعبادة، فإن غلب قصد العبادة فالحكم له". بقيت المسألتان السابعة والثامنة. أما السابعة، فقد خصصها لموضوع النيابة في الأعمال وهو موضوع داخل في صميم قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام التكليف: فالأعمال التي هي من قبيل المعاملات، كعقد العقود، وتنفيذها وحلها، وأداء الالتزامات المالية، تصح النيابة فيها شرعًا، "لأن الحكمة التي يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواه". وإذن، فصحة النيابة في الأعمال رهينة بتحقيق حكمتها، أو مقصودها، فحيثما تحققت الحكمة من النائب صحت النيابة. وحيثما توقف تحقيق الحكمة على المكلف الأصلي لم تصح النيابة.

стр. 145

وعلى هذا الأساس نفسه قرر بطلان النيابة في العبادات، بحيث "لا يقوم فيها أحد عن أحد، ولا يغني فيها عن المكلف غيره" واعتبر أن هذا الأصل قطعي نقلا وتعليلًا: فأما أدلتة النقلية فعدد كثير من الآيات، مثل ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ . وأما أدلته النظرية١، فيأتي في مقدمتها تحكيم المقاصد، وذلك "أن مقصود العبادات الخضوع لله والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه حسب طاقته. والنهاية تنافي هذا المقصود وتضاده. ثم أورد -كعادته- الاعتراضات الممكنة على منع النيابة في العبادات٢، وأهملها الأحاديث التي تفيد صحة النيابة في الحج والصيام. فناقش الاستدلال بها جملة وتفصيلًا، ثبوتًا ودلالة. وختم ردوده على المستدلين بها بقوله: "هذه الأحاديث-على قلتها- معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي. كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة. وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه. وأما المسألة الثامنة، فقد قرر فيها وحرر مقصودًا آخر من مقاصد الشارع في دخول المكلفين تحت التكليف، وهو أن "من مقصود الشارع في الأعمال: دوام المكلف عليها، والدليل على ذلك واضح. "فقد مدح الله "المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون" وفي الحديث "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" إلى غيرها من النصوص.

стр. 146

ولأجل التمكين من المداومة على الأعمال "وضعت التكاليف على التوسط، وأسقط الحرج، ونهي عن التشديد"، وهو معنى سبق التعرض له في مباحث المشقة من النوع الثالث. ملاحظة أخيرة حول مسائل هذا النوع -الذي هو آخر أنواع مقاصد الشارع- وهي: أن مباحثه -أبو بعضها على الأقل١- ذات تشابه وتقارب، مع مباحث القسم الثاني "مقاصد المكلف". وفيها نوع من التمهيد لها. وسيتجلى هذا بعد استعراض مباحث "مقاصد المكلف". فيما يلي:

стр. 147

القسم الثاني: مقاصد المكلف في التكليف تطرق الشاطبي -وهو يتناول مقاصد الشريعة- إلى مقاصد المكلف، هو مظهر آخر من مظاهر تعمقه وتمكنه في موضوع المقاصد. ذلك أنه ما لم تتم العناية بمقاصد المكلف، فستظل مقاصد الشارع جبرا على ورق، أو فكرة في أذهان العلماء. فلا بد من تحرير القول في مقاصد المكلف وعلاقتها -إيجابًا وسلبًا- مع مقاصد الشارع. وذلك ما فعله إمامنا في القسم الثاني من قسمي المقاصد. هذا القسم تناوله من خلال اثنتي عشرة مسألة، ولم يخل هو أيضًا من الاستطرادات الخارجة عن صميم الموضوع، ويتمثل هذا خاصة في المسائل: السادسة، والسابعة، والتاسعة. المسألة الأولى -من مسائل القسم- جاءت بمثابة تمهيد للقواعد التي ستعقبها. ففيها قرر أمرًا بدهيا في الدين، قرره -كما قلت- على سبيل التذكير والتمهيد، وهو: "أن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات، من العبادات والعادات".

стр. 148

فقصد الفاعل في فعله، يجعل عمله صحيحًا أو باطلا، ويجعله عبادة أو رياء، ويجعله فرضا أو نافلة، بل يجعله إيمانًا أو كفرًا -وهو نفس العمل- كالسجود لله، أو لغير الله. و"أيضًا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها، كفعل النائم والغافل والمجنون". وبعد هذا التمهيد، يأتي تقريره لصلب الموضوع -وذلك في المسألتين: الثانية والثالثة- وهو: ١- "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل، موافقًا لقصده في التشريع". فإذا كانت الشريعة -كما مر- موضوعة لمصالح العباد، فالمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك من أفعاله، "وأيضًا فقد مر أن قصد الشارع: المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد. فلا بد أن يكون مطلوبًا بالقصد إلى ذلك، لأن الأعمال بالنيات" ثم، لما كان الإنسان مستخلفًا عن الله -في نفسه وأهله وماله وكل ما وضع تحت يده- "كان المطلوب منه أن يكون قائمًا مقام من استخلفه: يجري أحكامه ومقاصده مجاريها". والوجه الآخر لهذه القضية هو: ٢- "كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها، فعمله -في المناقضة- باطل. فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له، فعمله باطل. ولئن كان المطلوب من المكلف -بصفة إجمالية- أن يجعل قصده في العمل موافقًا لقصد الشارع من التشريع، فإن عامة المكلفين قد لا يعرفون -بالتفصيل- مقاصد الشارع في كثير من أحكامه وتكاليفه. فكيف يفعلون حتى يكون قصدهم -في كل عمل- موافقًا -غير مخالف- لقصد الشارع في ذلك العمل، ويكونوا على اطمئنان من ذلك.

стр. 149

والجواب على هذا السؤال نجده في المسألة الثامنة، حيث وضع أمام المكلف ثلاثة خيارات، مشروعة كلها: ١- أن يقصد بعمله ما فهمه من قصد الشارع فيه، غير أنه لا ينبغي أن يخلي عمله هذا عن قصد التعبد، حتى لا يغفل عن الله، وحتى لا يخرج عن قصده ما قد يكون جهله من مقاصد ذلك التكليف. ٢- أن يقصد ما عسى أن يكون الشارع قصده، من غير تحديد وهذا أشمل وأكمل من سابقه. ٣- أن يقصد مجرد امتثال أمر الشارع، والخضوع لحكمه. وهذا أكمل وأسلم. وهو في هذه الحالات كلها، موافق لقصد الشارع، وفي مأمن من مناقضته. وأما بقية المسائل١ فهي عبارة عن قواعد تطبيقية، وتطبيقات لما تقدم. ففي المسألة الرابعة حصر لحالات الموافقة والمخالفة بين المكلف والشارع، وحكم كل حالة. وهي منحصرة في ست: الحالة الأولى٢: أن يكون المكلف موافقا٣ للشارع: قصدا وفعلا، والعمل على هذه الحالة لا إشكال في صحته. الحالة الثانية: أن يكون مخالفًا للشارع: قصدا وفعلًا والعمل على هذه الحالة لا إشكال في بطلانه. الحالة الثالثة: أن يكون موافقًا للشارع في الفعل، مخالفًا له في القصد، وهو لا يعلم بالموافقة الفعلية، فهو آثم في حق الله بسوء قصده، وغير آثم في حق الخلق لعدم إتيانه مفسدة ولا تفويته مصلحة.

стр. 150

الحالة الرابعة: مثل السابقة، إلا أنه يكون عالمًا بالموافقة، فهذا أشد من سابقه، لأنه داخل تحت الرياء والنفاق والتحايل على أحكام الله. الحالة الخامسة: أن يكون مخالفًا للشارع في الفعل، موافقًا له في القصد، مع علمه بالمخالفة الفعلية، وصاحب هذه الحالة غالبا ما يكون متأولًا لعمله، معتمدًا على حسن قصده. وهذا شأن المبتدعين "والذي يتحصل هنا أن جميع البدع مذمومة، لعموم الأدلة في ذلك". الحالة السادسة: مثل سابقتها، غير أنه هنا غير عالم بالمخالفة. وفي هذه الحالة وجهتان من النظر: - الوجه الأولى: النظر إلى كونه موافقًا في نيته وقصده، وإنما الأعمال بالنيات، وأما مخالفته فجاءت عن غير قصد، وعن غير علم منه. - الوجهة الثانية: النظر إلى كونه مخالفًا -عمليا- للشارع، ولهذا فإن قصده لم يحقق قصد الشارع، الذي لا يتحقق بمجرد النيات، وإنما يتحقق بالفعل، والفعل هنا مخالف. ومن هنا "صار هذا المحل غامضًا في الشريعة. وكانت المسمألة مشكلة جدا". وقد انتهى به الأمر -بعد تقليب المسألة طويلًا- إلى الميل نحو اعتبار الوجهين معًا، بحيث يكون لكل من الموافقة القصدية، والمخالفة الفعلية أثره في الحكم على الفعل وما يترتب عنه١. وأما المسألة الخامسة فقد تضمن قواعد أخرى أكثر تفصيلًا ضبط بها وجوه التعارض -وعدمه- بين مصالح ومفاسد المكلف الفرد، ومصالح غيره ومفاسده، مع مراعاة القصد وعدمه، ويمكن تسمية هذه المسألة: قانون التعارض والترجيح بين مصالح الناس ومضارهم.

стр. 151

وفيما يلي، يعرض علينا الشاطبي الحالات الثمانية التي حصر فيها التعارضات بين مصالح الناس، والتي تولي -بعد ذلك- تفصيلها، وتقعيد قواعدها، ورسم ضوابطها: "جلب المصلحة ودفع المفسدة إذا كان مأذونًا فيه على ضربين: "أحدهما" أن لا يلزم عنه إضرار بالغير و"الثاني" أن يلزم عنه ذلك، وهذا الثاني ضربان: "أحدهما" أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار كالمرخص في سلعته قصدا لطلب معاشه، وصحبه قصد الإضرار بالغير. و"الثاني" أن لا يقصد إضرار بأحد. وهو قسمان "أحدهما" أن يكون الإضرار عاما، كتلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، والامتناع من بيع داره أو فدانه وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع أو غيره. و"الثاني" أن يكون خاصا، وهو نوعان: "أحدهما" أن يلحق الجالب أو الدافع -بمنعه من ذلك- ضرر، فهو محتاج إلى فعله، كالدافع عن نفسه مظلمة يعلم أنها تقع بغيره، أو يسبق إلى شراء طعام. عالمًا أنه إذا حازه استضر غيره بعدمه، ولو أخذ من يده استضر. و"الثاني" أن لا يلحقه بذلك ضرر. وهي على ثلاثة أنواع: "أحدها" ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيا أعني القطع العادي١، كحفر بئر خلف باب الدار في الظلام، بحيث يقع الداخل فيه بلا بد، وشبه ذلك. "والثاني" ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا، كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه، وأكل الأغذية التي غلبها أن لا تضر أحدا، وما أشبه ذلك. "والثالث" ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا نادرًا، وهو على وجهين: "أحدهما" أن يكون غالبًا، كبيع السلاح من أهل الحرب، والعنب من الخمار وما يغش به ممن شأنه الغش، ونحو ذلك. "والثاني" أن يكون كثيرًا لا غالبًا، كمسائل بيوع الآجال. فهذه ثمانية أقسام". ثم شرع في تفصيل أحكامها وقواعدها واحدًا بعد الآخر، بعقلية تشريعية مدهشة. وقد ترددت كثيرًا في تقديم -أو عدم تقديم- تلخيص لذلك. وبعد أن

стр. 152

هممت بهذا العمل وجدت أن فيه إخلالًا لا يحتمل، ذلك أن ما أردت تلخيصه يحتاج إلى مزيد من الشروح والتوضيحات، لا إلى حذف وتلخيص، فانظر المسألة الخامسة برمتها. وقد ختم هذا القسم بالتطرق إلى موضوع الحيل، أو التحايل على الأحكام الشرعية، حيث يقصد به -عادة- إسقاط الأحكام الشرعية، أو قلبها من حكم إلى حكم، أو التهرب من آثارها. هذا الموضوع تناوله في المسائل الثلاث الأخيرة. فمهد له في المسألة العاشرة بتعريف التحيل. وقرر في الحادية عشرة أن "الحيل في الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة في الجملة١ ثم أورد آيات وأحاديث كثيرة، يستفاد من مضمونها العام إبطال الحيل والنهي عنها، ثم قال "وعليه عامة الأمة من الصحابة والتابعين". وأما المسألة الثانية فهي جوهر الموضوع، حيث تضمنت ربط الحيل وحكمها بمقاصد الشارع، ذلك "أن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر، هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع٢، فليس على وضع المشروعات. "وعلى هذا نقول في الزكاة -مثلًا-: أن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح، ومصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرضة للتلف. فمن وهب في آخر الحول ماله هروبًا من وجوب الزكاة عليه، ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه، فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له، ورفع لمصلحة إرفاق المساكين. فمعلوم أن صورة هذه الهبة، وليست هي الهبة التي ندب الشرع إليها، ولأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له، وتوسيع عليه، غنيا كان أو فقيرًا، وجلب لمودته ومآلفته. وهذه الهبة على الضد من ذلك. ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقًا لمصلحة الإرفاق والتوسعة، ورفعًا لرذيلة الشح، فلم يكن هروبًا عن أداء الزكاة. فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصدًا شرعيا، والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي".

стр. 153

خاتمة الكتاب: بماذا يعرف مقصود الشارع ختم الشاطبي كتاب المقاصد بـ "فصل" قال فيه: "ولكن لا بد من خاتمة تكر على كتاب المقاصد بالبيان، وتعرف بتمام المقصود فيه بحول الله. فإن للقائل أن يقول: إن ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبني على المعرفة بمقصود الشارع، فبماذا يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس بمقصود؟ ". وقبل أن يذكر وبين "الجهات الأربع" التي يعرف منها مقصود الشارع، قسم الناس -في موقفهم من المقاصد وكيفية تعرفها- إلى ثلاثة أصناف١. ١- صنف يرى أن لا سبيل إلى معرفة مقاصد الشارع إلا من خلال التنصيص عليها صراحة، من الشارع نفسه. وهذا مذهب الظاهرية. ٢- صنف على النقيض من هذا، وهو على ضربين: أ- من لا يعتدون -نهائيا- بظواهر النصوص، بل يعتبرون أن مقاصد النصوص، هي -دائمًا- شيء آخر، وهو الباطن، "وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة، وهم الباطنية". ب- المبالغون في القياس، المقدمون له على النصوص. ولم يسم من هؤلاء أحد ولا مذهبا. ٣- صنف يرى الجمع بين اعتبار النصوص وظواهرها، وبين النظر إلى

стр. 154

معانيها وعللها، "وهو الذي أمَّه أكثر العلماء الراسخين، فعليه الاعتماد في الضابط الذي به يعرف مقصد الشارع". وبناء على هذا المبدأ العام، حدد الجهات التي يعرف منها مقصود الشارع في أربع هي: ١- مجرد الأمر والنهي، الابتدائي التصريحي. ٢- اعتبار علل الأمر والنهي. ٣- اعتبار المقاصد التابعة "الخادمة للمقاصد الأصلية". ٤- سكوت الشارع مع توفر داعي البيان والتشريع. ونظرا لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى، باعتباره مفتاح علم المقاصد وميزانه. ونظرًا لحاجة الموضوع إلى عرض يكون أكثر بيانًا وتوضيحًا مما سرت عليه في هذه الخلاصة، وحاجته -أيضًا- إلى جمع ما نثره الشاطبي من متفرقات لا تقل أهمية عن هذا الفصل الختامي، وذلك في أجزاء الموافقات والاعتصام. ونظرًا لما يتطلبه من مناقشة وتتميم، فإني أرجئ هذا كله إلى فصل قادم، خاص بهذا الموضوع: "بماذا تعرف مقاصد الشارع" وهو الفصل الثالث من الباب الثالث.

стр. 155

الفصل الثالث: أبعاد النظرية مدخل ... الفصل الثالث: أبعاد النظرية نظرية المقاصد عند الشاطبي، ليست منحصرة في الجزء المخصص لها في "الموافقات"، وهو "كتاب المقاصد" الذي قدمت خلاصته في الفصل السابق. ولكنها تمتد وتوجد في جل كتابات الشاطبي١. ومن هنا فكتاب المقاصد، غير كاف وحده في بيان حقيقة نظرية المقاصد. وبيان أبعادها وآثارها. فالشاطبي، حيثما تكلم، نجد المقاصد مرافقة له، حاضرة في كلامه، ومؤثرة على آرائه، تزيده عمقًا وسدادًا، ويزيدها تجلية وتوضيحًا، حتى ليكاد دارس الشاطبي، يزعم أنه لم يكتب إلا في المقاصد وآثارها. ولبيان امتدادات نظرية المقاصد في كتابات الشاطبي، كان هذا الفصل، الذي هو -في الحقيقة- تتميم لسابقه. فنحن -إذًا- ما زلنا في "عرض النظرية". وسأتناول فيه آثار المقاصد -بشيء من التفصيل والاستقصاء- من خلال ثلاثة مواضيع نموذجية هي: ١- الضروريات الخمس "في غير كتاب المقاصد"٢. ٢- مسائل المباح "من الأحكام التكليفية". ٣- الأسباب والمسببات "من الأحكام الوضعية".

стр. 156

١- الضروريات الخمس: منذ المقدمات الأولى لكتاب "الموافقات"١ بدأ الشاطبي يثير مسائل المقاصد، ويتكئ عليها في تدعيم وتوضيح آرائه الأصولية. ففي المقدمة الأولى، التي خصصها للقول بأن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية٢، جعل أقوى حججه على هذا القول، هو كون أصول الفقه راجعة إلى كليات الشريعة. وكليات الشريعة لا يمكن أن تكون إلا قطعية. قال: "وأعني بالكليات هنا: الضروريات، والحاجيات والتحسينيات٣. وقطعية هذه الكليات مسألة لا يرقى إليها جدال، بل هي في أعلى درجات القطع: "فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري٤. ومن المقدمات ننتقل إلى كتاب الأدلة "الجزء الثالث حسب تقسيم الطبعات"، حيث نجده يضع القواعد العامة للنظر في الأدلة الشرعية. ومن ذلك

стр. 157

ما قرره في المسألة الثامنة بقوله: "إذا رأيت في المدينات١ أصلًا كليات فتأمله تجده جزئيا بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلًا لأصل كلي، وبيان ذلك أن الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال٢. ومراده من هذا الكلام أن التشريعات التي جاءت بالمدينة، وإن وجد فيها ما يعتبر أصلًا كليا، وقاعدة عامة، فإنها تعتبر فروعًا للكليات الأعم والأهم، وهي التي نزلت -لأهميتها- بمكة. فمقاصد التشريع العليا، وأسسه الكبرى، تم إرساؤه في القرآن المكي، جنبا إلى جنب مع أصول العقيدة وأسسها. ثم بين ذلك ﵀، بإرجاع الأصول الخمسة إلى أدلتها من القرآن المكي: أما حفظ الدين وتصحيح الإيمان وتثبيته في القرآن المكي، فمسألة أشهر وأوضح من أن تحتاج إلى دليل أو مثال، حتى لقد شاع -خطأ- أن القرآن المكي لا يحتوي إلا على هذا. وهي الفكرة التي يصححها الإمام الشاطبي من خلال بيان ما اشتمل عليه القرآن المكي لا يحتوي إلا على هذا. وهي الفكرة التي يصححها الإمام الشاطبي من خلال بيان ما اشتمل عليه القرآن المكي من قواعد وكليات تشريعية من قبيل ما يلي: وأما حفظ النفس، فقد نص عليه في كثير من الآيات المكية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٤، وغيرهما. وحفظ النفس يتضمن حفظ العقل. وأما "تكميل" حفظ العقل، فقد جاء في المدينة بتحريم المسكرات، وإقامة الحد عليها. فالحفظ الأول أساس الحفظ الثاني، وهذا هو المراد بيانه في هذا السياق.

стр. 158

وحفظ النسل، أيضًا، جاء بمكة، بتحريم الزنى، والأمر بحفظ الفروج عن الحرام. وكذلك حفظ المال، يحققه ما جاء في المكي من تحريم الظلم، وأكل مال اليتيم والإسراف، والبغي، ونقص المكيال والميزان، والفساد في الأرض. ومن هذا الباب أيضًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما ضروريان لحفظ الأصول المتقدمة، قد جاء النص عليهما بمكة، كما في الآية: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١. وما الجهاد الذي شرع بالمدينة إلا فروع من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٢. وعندما انتقل إمامنا أبو إسحاق، إلى موضوع "النسخ"، استصحب معه مقاصده وكلياته: فأعاد التذكير -في المسألة الأولى من مسائل النسخ- بأن "القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبي ﷺ بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها القواعد التي وضع أصلها بمكة٣. وليس هذا من الشاطبي مجرد تكرار لفكرته عن التشريع بين المكي والمدني، على أهميتها، وإنما أعاد الفكرة هنا، وفصل فيها أكثر، لما يريد أنه يبينه عليها في موضوع النسخ، وذلك قوله -في المسألة الثانية-: "لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية، والقواعد الأصولية في الدين، على غالب الأمر، اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير٤. لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعًا، وإن أمكن عقلًا. ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبينة على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء، بل إنما أتى بالمدينة ما

стр. 159

يقويها ويحكمها ويحصنها. وإذا كان كذلك. لم يثبت نسخ لكلي البتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى. فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها، والجزئيات المكية قليلة١. وعند تطرقه إلى الحديث عن السنة -بعد الحديث عن القرآن- وقف وقفة أخرى، استخدم فيها النظرة "المقاصدية"٢، في الربط بين أدلة الشريعة، قرآنا وسنة، وفي الربط بين مناحي البناء التشريعي بكلياته وجزئياته. فكما أنه ﵀ لاحظ أن القرآن المدني بتفصيلاته، قد بني على القرآن المكي وكلياته، لاحظ أيضًا -وبين- أن السنة قد بنيت -بشكل تام- على القرآن الكريم، لأن مدارهما واحد، هو مقاصد الشريعة في إقامة المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية. ورغم أني أتحاشى النقول الطويلة، فإني الآن لا أجد بدا من نقل هذا النص الطويل الرابع المفصل، وهو تفصيل لا نجده حتى موضعه الطبيعي، وهو كتاب المقاصد. ومنطلق النص: بيان أوجه الترابط والتكامل بين القرآن والسنة، وكيف أن القرآن هو أصل السنة، وأن السنة نابعة منه، ومنبنية عليه، ففي سياق تعداد هذه الأوجه وبيانها، قال: "ومنها: النظر إلى ما دل عليه الكتاب في الجملة، وأنه موجود في السنة على الكمال، زيادة إلى ما فيها من البيان والشرح، وذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبًا لها، والتعريف بمفاسدهما دفعًا لها. وقد مر أن المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام، وهي: الضروريات، ويلحق بها مكملاتها.

стр. 160

والحاجيات، ويضاف إليها مكملاتها. والتحسينيات، ويليها مكملاتها. ولا زائد على هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد. وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور. فالكتاب أتى بها أصولًا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعًا على الكتاب وبيانًا لما فيه منها. فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام. فالضروريات الخمس كما تأصلت في القرآن تفصلت في السنة: - فإن حفظ الدين: حاصلة في ثلاثة معان، وهي: الإسلام، الإيمان، والإحسان، فأصلها في الكتاب، وبيانها في السنة. ومكملة ثلاثة أشياء، وهي: الدعاء١ إليه بالترغيب والترهيب، وجهاد من عانده أو رام إفساده، وتلاقى النقصان الطارئ في أصله. وأصل هذه في الكتاب. وبيانها في السنة على الكمال. - وحفظ النفس: حاصلة في ثلاثة معان، وهي: إقامة أصله بشعرية التناسل. وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود، من جهة المأكل والمشرب -"وذلك ما يحفظه من داخل"- والملبس والمسكن، "وذلك ما يحفظه من خارج"٢. وجميع هذا مذكور أصله في القرآن ومبين في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء: وذلك حفظه عن وضعه في حرام كالزنى، وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح، ويلحق به كل ما هو من متعلقاته كالطلاق والخلع واللعان وغيرهما، وحفظ ما يتغذى به أن يكون مما لا يضر أو يقتل أو يفسد، وإقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به، من الذبائح والصيد، وشرعية الحد والقصاص، ومرعاة العوارض اللاحقة، وأشباه ذلك. - وقد دخل حفظ النسل في هذا القسم، وأصوله في القرآن، والسنة بينتها. - وحفظ المال راجع إلى مراعاة دخوله في الأملاك وتنميته أن لا يفي.

стр. 161

ومكمله: دفع العوارض، وتلافي الأصل بالزجر والحد والضمان، وهو في القرآن والسنة. - وحفظ العقل يتناول ما لا يفسده، وهو في القرآن. ومكمله: شرعية الحد، أو الزجر، وليس في القرآن له أصل على الخصوص، فلم يكن له في السنة حكم على الخصوص أيضًا. فبقي الحكم فيه إلى اجتهاد الأمة. - وإن ألحق بالضروريات حفظ العرض، فله في الكتاب أصل، شرحته السنة في اللعان والقذف. وإذا نظرت إلى الحاجيات: اطرد النظر أيضًا فيها على ذلك الترتيب أو نحوه. فإن الحاجيات دائرة على الضروريات. وكذلك التحسينيات. وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن وفي السنة، فلم يتخلف عنها شيء، والاستقرار يبين ذلك ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة. ولما كان السلف الصالح كذلك قالوا به، ونصوا عليه حسبما تقدم عن بعضهم فيه. ومن تشوف إلى مزيد، فإن دوران الحاجيات: على التوسعة والتيسير، ورفع الحرج، والرفق: فبالنسبة إلى الدين: يظهر في مواضع شرعية الرخص في الطهارة: كالتيمم، ورفع حكم النجاسة فيما إذا عسر إزالتها. وفي الصلاة بالقصر، ورفع القضاء في الإغماء، والجمع، والصلاة قاعدًا وعلى جنب. وفي الصوم بالفطر في السفر والمرض. وكذلك سائر العبادات. فالقرآن إن نص على بعض التفاصيل كالتيمم والقصر والفطر، فذاك. وإلا، فالنصوص على رفع الحرج فيه كافية ولمجتهد إجراء القاعدة، والترخص بحسبها. والسنة أول قائم بذلك. وبالنسبة إلى النفس أيضًا، يظهر في مواضع منها مواضع الرخص: كالميتة للمضطر، وشرعية المواساة بالزكاة وغيرها، وإباحة الصيد وإن لم يتأت فيه من إراقة الدم المحرم ما يتأتي بالذكاة الأصلية.

стр. 162

وفي التناسل، من العقد على البضع من غير تسمية صداق، وإجازة بعض الجهالات فيه بناء على تركه المشاحة كما في البيوع، وجعل الطلاق ثلاثًا دون ما هو أكثر، وإباحة الطلاق من أصله، والخلع، وأشباه ذلك. وبالنسبة إلى المال أيضًا، في الترخيص في الغرر اليسير، والجهالة التي لا انفكاك عنها في الغالب، ورخصة السلم والعرايا، والقرض، والشفعة، والقراض، والمساقاة ونحوها. ومنه التوسعة في ادخار الأموال وإمساك ما هو فوق الحاجة منها، والتمتع بالطيبات من الحلال على جهة القصد، من غير إسراف ولا إقتار. وبالنسبة إلى العقل، في رفع الحرج عن المكره، وعن المضطر١ على قول من قال به في الخوف على النفس عند الجوع والعطش والمرض وما أشبه ذلك. وكل ذلك داخل تحت قاعدة رفع الحرج، لأن أكثره اجتهادي، وبينت السنة ما يحتذى حذوه، فرجع إلى تفسير ما أجمل من الكتاب. وما فسر من ذلك في الكتاب فالسنة لا تعدوه ولا تخرج عنه. وقسم التحسينيات جار أيضًا كجريان الحاجيات. فجميع هذا له أصل في القرآن، بينه الكتاب على إجمال، أو تفصيل، أو على الوجهين معًا. وجاءت السنة قاضية على ذلك بما هو أوضح في الفهم، وأشفى في الشرح. وإنما المقصود هنا التنبيه، والعاقل يتهدى منه لما لم يذكر، مما أشير إليه. وبالله التوفيق٢. وعندما تناول مباحث الأمر والنهي، اعتمد كثيرًا، كعادته على المقاصد، ورجح بها آراءه الأصولية في الموضوع. من ذلك اعتماده على ما هو مسلم عند العلماء من تقسيم المصالح والأحكام الشرعية إلى: ضروريات، وحاجيات،

стр. 163

وتحسينيات، للقول بأن الأوامر والنواهي الشرعية، ليست ذات درجة واحدة، وليست في الأهمية سواء: "فإن الأوامر المتعلقة بالأمور الضرورية ليست كالأوامر المتعلقة بالأمور الحاجية، ولا التحسينية، ولا الأمور المكملة للضروريات كالضروريات أنفسها، بل بينهما تفاوت معلوم، بل الأمور الضرورية ليست في الطلب على وزان واحد١ ومثل لهذا بما هو معلوم من تقديم الدين على النفس، وتقديم النفس على العقل. ونتيجة هذا، أن على المكلف في نفسه، وعلى المجتهد في اجتهاده، أن يراعي هذا الترتيب، وهذا التفاوت، في فهم الأوامر والنواهي الشرعية، قصد إنزال كل شيء منزلته، وتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير، وإعطاء الأولوية لما يستحقها. وأما إذا أهملنا هذا النظر -وقد اعتبره الشارع- فإننا سنقع في أغلاط جسيمة وحرج كثير، فضلا عن مخالفة هدي الشارع بإهمال مفاضلته وترتيبه فليست الأوامر الشرعية بنفس الدرجة وتعطي نفس الحكم، وكذلك الشأن في النواهي. وحتى بالنسبة للأوامر التي تفيد الوجوب، والنواهي التي تفيد التحريم، ليست على درجة واحدة. فالواجبات الشرعية درجات، والمحرمات كذلك. وقد استصحب الشاطبي هذه الفكرة وهو يعالج موضوع البدع في كتابه الاعتصام، حيث قال: "إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر. ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات. فإذا كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا إشكال. وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن في المكمل أن يكون في رتبة المكمل. فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع القصد. ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والمخالفات.

стр. 164

وأيضًا، فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه. فليست مرتبة كمرتبة الدين. أو ليس تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين، قبيح الكفر الدم؟ والمحافظة على الدين، مبيحة لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين. ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس"١. ثم ينتقل من هذا التمهيد "المقاصدي"، إلى موضوعه الأصلي -وهو البدع- ليطبق عليه ما تقرره مقاصد الشريعة فيقول: "وإذا كان كذلك، فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع. فمنها ما يقع في الضروريات "أي أنه إخلال بها" ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات. وما يقع في رتبة الضروريات: منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل، أو العقل، أو المال"٢. وبناء على هذا التفاوت في المصالح والمفاسد، وفي الأوامر والنواهي الشرعية -تبعًا لذلك- يقرر أن: "الفعل يعتبر شرعًا بما يكون عنه٣ من المصالح أو المفاسد. وقد بين الشرع ذلك، وميز بين ما يعظم من الأفعال مصلحته فجعله ركنا، أو مفسدته فجعله كبيرة. وبين ما ليس كذلك سماه في المصالح إحسانًا، وفي المفاسد صغيرة. وبهذه الطريقة يتميز ما هو من أركان الدين وأصوله، وما هو من فروعه وفصوله، ويعرف ما هو من الذنوب كبائر، وما هو منها صغائر، فما عظمه الشرع في المأمورات فهو من أصول الدين، وما جعله دون ذلك، فمن فروعه وتكميلاته. وما عظم أمره في المنهيات، فهو من الكبائر، وما كان دون ذلك، فهو من الصغائر، وذلك على مقدار المصلحة أو المفسدة"٤.

стр. 165

٢- مسائل المباح: من الأبواب الثابتة في المؤلفات الأصولية -وخاصة من القرن الخامس فما بعده- باب الحكم الشرعي، أو الأحكام الشرعية، يحيث تقسم هذه الأحكام -كما هو معروف- إلى: الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية. والمباح -أو الإباحة- هو أحد الأحكام التكليفية الخمسة "حسب تقسيم الجمهور". ومعنى هذا أن عامة الأصوليين المتأخرين على الخصوص١ يتطرقون في مؤلفاتهم إلى مباحث المباح. غير أن تناول الشاطبي للموضوع -كشأنه في سائر المواضيع- يختلف اختلافًا كبيرا عن تناول غيره. وأساس ذلك هو "تأثره" بنظرية المقاصد, وهيمنتها على تفكيره. وقد افتتح الشاطبي "كتاب الأحكام" بالكلام على المباح، وتناوله في خمس مسائل، ومعها ستة "فصول"، أولها ملحق بالمسألة الأولى، والخمسة الأخرى ملحقة بالمسألة الثانية. وقبل عرض محتوى المسائل الخمس الأولى، المتعلقة بالمباح، أقف قليلا عند المسألة السادسة، حيث بدا لي أنها كان ينبغي أن تكون هي المسألة الأولى من مسائل الأحكام التكليفية، لأنها عامة فيها، وأن تكون هي المسألة الأولى من مسائل المباح خاصة، لأن ما قرره فيها -وإن كان يعم الأحكام التكليفية كلها- قد اعترض عليه من جانب المباح خاصة٢. فلو بدأ بها لجمع بين الأمرين، ما دام قد بدأ بالمباح. وأما ما قرره فيها، فهو أن: "الأحكام الخمسة٣ إنما تتعلق بالأفعال

стр. 166

والتروك، بالمقاصد١ أي أن أفعال المكلفين وتروكهم، إنما تتعلق بها الأحكام الشرعية التكليفية، إذا توفر فيها "القصد" وأما ما وقع من غير قصد ولا عمد ولا نية ولا وعي، فهو "بمثابة حركات العجماوات والجمادات"٢. وكأن هذا منه استدراك على التعريف الذي استقر عند الأصوليين للحكم الشرعي بأنه: "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين" فخطاب الله تعالى -حسب الشاطبي- لا يتعلق بأفعال المكلفين إذا كانت خالية من القصد٣. وملاحظة أخرى، تتعلق أيضًا بترتيب مسائل المباح؛ وهي أن الشاطبي بعد أن خصص له المسائل الخمس الأولى، ثم تطرق بعدها إلى الأحكام التكليفية الأخرى، عاد في آخر حديثه عن الأحكام التلكيفية، ليخصص المسألتين الثانية عشرة والثالثة عشرة، لجانب آخر من المباح٤. وعلى كل حال، فمهما تفرقت مسائل الشاطبي وتباعدت، فإن "خيط المقاصد" يجمعها ويقرب بينها، ويذكرك بأولها وأنت في آخرها. فأول ما قرره في مسائل المباح هو أن: "المباح -من حيث هو مباح- لا يكون مطلوب الفعل ولا مطلوب الاجتناب٥ ثم عبر عن هذا المعنى بلغة المقاصد فقال: "وأن فعله وتركه في قصد الشارع بمثابة واحدة"٦. والكلام هنا إنما هو في حقيقة المباح، وهو الذي يوصف عند العلماء بأنه مستوي الطرفين، أي استوى فيه طرف الفعل وطرف الترك، وأن حكمه التخيير. فهذا هو معنى المباح المجرد عن الملابسات والمؤثرات. وهذا لا يكون للشارع قصد في فعله ولا في تركه. فليس مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك. لأنه إذا اعتبر

стр. 167

مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، فقد ألحق بأحد الأحكام الأربعة الأخرى، ولم يبق مباحًا. والشاطبي بتقريره هذا يرد على رأيين، هما: ١- الرأي القائل بأن المباح مطلوب الترك، وأن تركه أولى من فعله، وأن على المكلف أن يتقلل منه ما أمكن. ٢- الرأي القائل بأن المباح مطلوب الفعل، وأنه مطلوب طلب وجوب. لأن كل مباح، ما فعله ترك محرم. وترك المحرم واجب. ففعل المباح واجب، لما فيه من ترك المحرم. وهذا الرأي الأخير، هو رأي أبي القاسم الكعبي من المعتزلة. وهو رأي مردود عليه منذ القديم، ولهذا لم يحفل به الشاطبي كثيرًا، ولم يتجاوز رده عليه صفحتين١. وأما الرأي الأول فقد اعتنى الشاطبي ببسط أدلته ومناقشتها بتفصيل تام٢، مما يدل على "وجاهته" وسعة انتشاره. ومن مستندات هذا الرأي: أن الاشتغال بالمباحات يلهي عما هو أهم من فعل الطاعات والنوافل، وقد يلهي حتى عن الواجبات، وقد يوقع في بعض الممنوعات، ومن هنا جاء ذم الدنيا ومتاعها وفتنتها. وقد نقل عن السلف الصالح تورعهم عن كثير من المباحات وزهدهم فيها، حتى أصبح الزهد في الدنيا شعار الصالحين، ومنهج المتقين. وجواب الشاطبي على هذه المستندات، هو أن الكلام إنما هو في "المباح" في حد ذاته. وأما المباح الذي يلهي عما هو خير منه، أو يوقع في بعض المحاذير الشرعية، فهذا موضوع آخر؛ وهو المباح الذي لابسته عوامل خارجية، واتخذ ذريعة ووسيلة إلى غيره، ومعلوم أن الوسائل تعطي حكم المقاصد.

стр. 168

فالاشتغال بالمباحات، والتمتع بها، عمل مباح في أصله. فإذا ألهى صاحبه عن واجب، أو أوقعه في محرم، تغير حكمه تبعًا لهذا الطارئ. ولكن الطوارئ التي تدخل على المباح، كما تكون مذمومة، فتصيره مذمومًا، كذلك قد تكون محمودة فتصيره محمودًا. فليس ترجيح الترك بأولى من ترجيح الفعل مطلقًا. فتكثير من المباحات تكون عونًا لصاحبها على فعل الواجبات، واجتنبات المحرمات، والاستكثار من الخيرات. بل هذا هو الأصل فيها. وفي الحديث: "نعم المال الصالح للرجل الصالح١ وأيضًا: "ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، والنعيم المقيم"٢. وأما أن ترك المباحات، هو طريق الزهاد والصالحين، فغير مسلم: من جهة، لأن حقيقة الزهد ترك ما طلب تركه. والمباح المحض ليس من هذا القبيل. ومن جهة أخرى، فإن ترك بعض المباحات، إذا اعتبرناه زهدًا، فلأجل ما في ذلك من قصد حسن، واشتغال بما هو أولى فقد آل إلى اتخاذه وسيلة فخرج عن دائرة الإباحة: "فهو فضيلة من جهة ذلك المطلوب، لا من جهة مجرد الترك. ولا نزاع في هذا"٣. وهذا يجرنا إلى جانب آخر من مباحث المباح -فيه توضيح وتفصيل لما سبق- وهو: "أن المباح يصير غير مباح بالمقاصد والأمور الخارجة"٤. فقد يصير محبوبًا ومطلوبًا فعله: إذا كان "خادمًا لأصل ضروري أو حاجي أو تكميلي٥ كالتمتع بما أحل الله من المأكل والمشرب والملبس، ونحو هذا: فهذه

стр. 169

النعم والمتع مباحات باعتبارها نعمًا ومتعا، وباعتبارها جزئيات معينة يختار منها الإنسان ما شاء، ويدع منها ما شاء، وكيف شاء. ولكنها، بصفتها العامة -أو بصفتها الكلية- تعتبر خادمة لأصل ضروري، هو إقامة الحياة. فهي من هذه الناحية، مأمول بها، فخرجت عن الإباحة إلى الطلب. وقد يصير المباح مكروهًا مطلوب الترك: إذا صار فيه ضرر على أصل من الأصول الثلاثة. كالطلاق لغير موجب، فالطلاق مباح ومشروع لما يناسبه من الحالات. فإذا صار يستعمل لغير ما شرع له، فقد صار مضرا بعدة ضروريات وحاجيات. ومن هنا صار مبغضًا. وهكذا الشأن -أيضًا- في اللهو واللعب والراحة، هي أمور مباحة، إذا لم يكن شيء منها محظورًا بعينه. ولكنها إذا كثرت، صارت مذمومة، وقد كان العلماء والسلف يكرهون أن لا يرى الرجل في إصلاح معاش، ولا في إصلاح معاد. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فهو المباح الباقي على أصل الإباحة. وقد أدى هذا النظر بالشاطبي إلى أن يقسم المباح تقسيمًا رباعيًا، أي أنه -رغم إباحته الأصلية- قد تعتريه الأحكام الأربعة الأخرى. وذلك بحسب الجزئية أو الكلية، أي بحسب الحالات الجزئية المعينة لاستعمال المباحات في الحياة اليومية للأفراد، أو بحسب النظر إلى هذه المباحات في عمومها وشمولها، للفرد والمجتمع، ودورها العام في ذلك، ويتضح هذا -أكثر- من خلال تقسيمه وتمثله للأقسام الأربعة التي قد يؤول إليها المباح، وهي: ١- مباح بالجزء، مندوب بالكل وذلك كالتمتع بالطيبات من المآكل والمشارب والملابس، فيما زاد عن حد الضرورة١. فالتوسع في هذه النعم والتمتع بها أمر مباح، بحسب الجزئية؛ أي هو في حق الأفراد، وفي مختلف الحالات، وبالنسبة لنماذج معينة من هذه النعم، يمكن أن يفعل وألا يفعل. لا حرج في هذا ولا ذاك. ولكنه بالنسبة لمجموع الناس، في مجموع حياتهم، أمر مطلوب، مرغوب لهم فعله. فهو بحسب الكلية مندوب، وبحسب الجزئية مباح.

стр. 170

٢- مباح بالجزء، واجب بالكل: كالأكل والشرب، ووطء الزوجات، والبيع والشراء، وسائر الحرف والمهن. فهي من الناحية الجزئية مباحات: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ٢ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ٣ فالإنسان إذا أكل أو شرب في هذه الحالة، أو لم يفعل، وإذا لبس كذا، أو كذا من الثياب، كل ذلك تصرفات مباحة، لا مانع من فعلها كما لا مانع من تركها. هذا بحسب الجزئية. ولكن: "لو فرضنا ترك الناس كلهم ذلك، لكان تركا لما هو من الضروريات المأمور بها، فكان الدخول فيها واجبًا بالكل٤ وكذلك اختيار حرفة معينة، وأداؤها في هذا الوقت أو ذاك، وعلى هذه الكيفية أو تلك، كل هذا يدخل في دائرة الإباحة، لا بأس في فعله ولا في تركه. لكن، إذا ترك ذلك جملة، كان تاركًا لواجب، فالإباحة بمقتضى الجزئية، والوجوب بمقتضى الكلية. ٣- مباح بالجزء، مكروه بالكل: وقد مثله بالتنزه في البساتين وسماع الغناء المباح وتغريد الحمام، وسائر أنواع اللعب المباحة، "فمثل هذا مباح بالجزء فإذ فعل يومًا أو في حالة ما، فلا حرج فيه. فإن فعل دائمًا، كان مكروهًا"٥. ٤- مباح بالجزء، محرم بالكل: كالمباحات التي تقدح في العدالة المداومة عليها. فلولا أن العلماء اعتبروا المداومة عليها مما يدخل في التحريم، لما جرحوا صاحبها وأجروه مجرى الفساق. والشاطبي لم يمثل لهذا النوع بأي مثال، كما لم يستدل عليه بشيء، إلا ما كان من قول الغزالي "إن المداومة على المباح قد تصيره صغيرة، كما أن المداومة على الصغيرة تصيرها كبيرة"٦.

стр. 171

وهذا النوع الأخير، قد يصعب التسليم به، خاصة وأنه أورده بلا أمثله ولا أدلة. كما يصعب التفريق بينه وبين سابقيه، ففي كل منهما: "المداومة على بعض المباحات"، إلا أن نقول: إنها "أي تلك المباحات" تصير محرمة بالإدمان عليها والإفراط فيها. لأنها -حينئذ- تصير هوى متبعًا، وآفة مستحكمة، ومضيعة للعمر. وفي هذا من موجبات التحريم ما لا يخفى. ومن الأمثلة الجلية على هذا: احتراف بعض الناس -اليوم- لبعض أنواع اللعب، فيصير الإنسان، حرفته، "لاعب" وتصير حياته لعبًا في لعب! وقريب من هذا، ما يداوم عليه بعض الناس من قطع الساعات الطوال -من كل أيامهم أو معظمها- في المقاهي، وما أشبهها من توافه الأمور وسفاسفها. وهذا التفريق الذي اعتمده الشاطبي بين الأفعال والتروك، بحسب الكلية والجزئية فيها، إنما هو نظر مصلحي مقاصدي. وقد استدل على صحة هذا التفريق بعدة أدلة، ولكن أهمها وجوهرها هو: "أن الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق. وتقرر في هذه المسائل أن المصالح المعتبرة هي الكليات دون الجزئيات. إذ مجاري العادات كذلك جرت الأحكام فيها. ولولا أن الجزئيات أضعف شأنا في الاعتبار لما صح ذلك"١. وأنتقل إلى الجانب الآخر -الذي سبقت الإشارة إليه- من جوانب المباح، وهو الذي أخره حتى ختم به مسائل الأحكام التكليفية. وهذا الجانب، هو المباح الذي يكون طلبه من قبيل الضروريات أو الحاجيات، وتعترض تحصيله عوارض مضادة لأصل الإباحة. أو بتعبير أوضح: إذا كان المكلف، في طريقه لتحصيل ما أحل الله له، أو أثناء تحصيله لذلك، يضطر للوقوع في بضع المحرمات، فهل تبقى تلك المبحات على أصل الإباحة بحيث يستمر المكلف في السعي إليها وتحصيلها رغم ما يقع فيه بسببها من آثام، أم أن هذه العوارض تؤثر في حكمها، فيصبح هو التحريم؟

стр. 172

ومن أمثلتها: المرور في الطرقات والأسواق إذا كان فيه سماع محرم أو رؤيته. ومخالطة الناس إذا كانت توقع في سماع الغيبة والكذب والفحش. والمساكنة إذا كانت تعرض لبعض المحرمات، والزواج إذا كان سيجر إلى بعض الشبهات أو المحرمات، وطلب العلم إذا كان محفوفًا ببعض المنكرات. وهذه المسألة تعرض لها غير ما مرة، في غير سياقنا الذي نحن فيه١. وعالجها -كعادته- بناء على ما تقرر عنده في المقاصد، فجعل حكم هذه المباحات مع عوارضها المحرمة، يختلف باختلاف مرتبتها في سلم المقاصد: ١- فإذا كانت من قبيل الضروريات -التي تقدم أنها مباحة بالجزء وواجبة بالكل- صح للمكلف السعي في تحصيها، ولم تؤثر فيه العوارض. لأن "إقامة الضرورة معتبرة، وما يطرأ عليها من عارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتبلة"٢. ثم إنه قد تقرر في المقاصد أن المكمل إذا عاد على أصله بالإبطال أهمل، وحوفظ على الأصل بدون ذلك المكمل. وما نحن فيه يدخل في هذا الباب أيضًا. فإن السلامة من العوارض، هي مكملة بالنسبة إلى طلب الضروريات فلا يصح إبطال هذه الضروريات وتعطيلها لأجل هذه العوارض. ٢- وإذا لم تكن من قبيل الضروريات، ولكن يلحق المكلف إذا تركها حرج في حياته: "فالنظر يقتضي الرجوع إلى أصل الإباحة، وترك اعتبار الطوارئ، إذ الممنوعات قد أبيحت رفعًا للحرج كما سيأتي لابن العربي في دخول الحمام، وكما إذا كثرت المناكر في الطرق والأسواق، فلا يمنع ذلك التصرف في الحاجات، إذ كان الامتناع من التصرف حرجا بينا ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣، ٤.

стр. 173

وأما قول ابن العربي الذي أشار إلى أنه سيأتي، فقد أتى به في الجزء الثالث، في نفس الموضوع، لكن في سياق آخر، حيث قال الشاطبي هناك: "القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر، كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة، إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر، بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجته، وتصرفه في أحواله، لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته، فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا. ولكن الحق يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجته، كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل، وهي إما مطلوب بالأصل، وما خادم المطلوب بالأصل. لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج، أو تكليف ما لا يطاق. وذلك مرفوع عن هذه الأمة. فلا بد للإنسان من ذلك، لكن مع الكف عما يستطيع الكف عنه. وما سواه فمعفو عنه لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل. وقد قال ابن العربي في مسألة دخول الحمام بعدما ذكر جوازه: فإن قيل: فالحمام دار يغلب فيه المنكر، فدخولها، إلى أن يكون حرامًا أقرب منه إلى أن يكون مكروهًا، فكيف أن يكون جائزًا؟ قلنا: الحمام موضع تداو وتطهر، فصار بمنزلة النهر، فإن المنكر قد غلب فيه بكشف العورات، وتظاهر المنكرات، فإذا احتاج إليه المرء دخله، ودفع المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه. والمنكر اليوم في المساجد والبلدان، فالحمام كالبلد عمومًا، وكالنهر خصوصًا. هذا ما قاله، وهو ظاهر في هذا المعنى"١. ٣- وأما إذا كانت هذه المباحات التي تعترضها عوارض المنع، لا ترقى إلى مرتبة الضروريات، ولا يحصل بتركها حرج، فهي في محل الاجتهاد. ومرجعها إلى الخلاف في "تعارض الأصل الغالب" فالتمسك بالأصل يؤدي إلى إبقائها على الإباحة. والتمسك بالغالب يؤدي إلى ترجيح جانب العوارض، والحكم بالمنع. وقد ساق حجج الوجهتين من النظر، ثم انتهى إلى القول: "وأوجه الاحتجاج من الجانبين كثيرة، والقصد التنبيه على أنها اجتهادية، والله أعلم"٢.

стр. 174

وهذا ما قرره -أيضًا- في الجزء الثالث، حيث قال: "ففي المسألة نظر، ويتجاذبها طرفان"١. ولكنه في الجزء الرابع لم يلتفت إلى هذا التفريق بين المراتب، وتمسك بأصل الإباحة في المراتب الثلاث، حيث قال: "الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية. إذا اكتنفها من خارج، أمور لا ترضى شرعًا، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح، على شرط التحفظ، بحسب الاستطاعة من غير حرج٢. وقد ذكر أمثلة مختلطة، منها ما هو ضروري، ومنها ما هو حاجي، ومنها ما قد يكون من المرتبة الثالثة، كشهود الجنائز٣. غير أنه -في الجزء الثالث- أخرج عن أصل الإباحة، ما كان مباحًا بالجزء، مطلوب الترك بالكل٤، فإنه إذا اعترضه أو لابسه منكر، لم يجز الإقدام عليه، وذلك كالغناء المباح، أو أنواع اللهو المباحة، فلا يجوز الإقدام عليها بدعوى الإباحة، بينما يكتنفها شيء من الحرام.

стр. 175

٣- الأسباب والمسببات: مباحث السبب عند الشاطبي هي أطول مباحث الأحكام الوضعية، بل هي أطول مباحث الأحكام عمومًا، تكليفية ووضعية. كما أنها الأكثر تأثرًا واصطباغا بصبغة المقاصد. وتكاد هذه المباحث تنحصر في علاقة الأسباب بمسبباتها. ومن هنا جاءت تسميتي لهذه الفقرة.

стр. 176

وأما ارتباطها بالمقاصد، فهو من حيث قصد الشارع، وقد المكلف، في الأسباب والمسببات، غير أن ارتباطها بمقاصد المكلف أكثر. وقيل التطرق إلى ما يهمنا من الموضوع، أشير إلى أن الشاطبي، وإن كان قد قسم الأسباب -وسائر الأحكام الوضعية- إلى ما هو مقدور للمكلف، وإلى ما ليس في مقدوره، فإنه ركز في "مسائله" الثلاث عشرة -المخصصة للأسباب- على الأسباب المقدورة للمكلفين. ومن هذه الأسباب التي تتركز حولها مسائله وتقريراته: الكسب "من بيع وشراء، وزراعة، واحتراف" باعتباره سببًا في إقامة الحياة، وسببًا في صحة الأملاك، وسببًا في حلية الاستمتاع. النكاح، باعتباره سببًا في حلية استمتاع الزوجين أحدهما بالآخر، وسببًا في التناسل، وسببًا للتوارث بينهما، وسببًا في حرمة المصاهرة. وكما بنى تقريراته وقواعده على مثل هذه الأسباب المشروعة، فإنه بنى ذلك أيضًا على الأسباب الممنوعة، مثل القتل، والزنى، والغصب. فكل هذه أسباب يترتب عنها كثير من الأحكام والآثار، أي: المسببات. وأنتقل إلى القواعد والأحكام، التي قررها بمقتضى النظر المقاصدي: فمن ذلك أن الشارع بوضعه للأسباب، يكون قاصدًا إلى مسبباتها، وبتعبيره هو: "وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات، أعني الشارع١ وذلك لأنه لا يعقل أن يضع الأسباب، دون أن يقصد نتائجها. وقد تقرر في المقاصد "أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، وهي مسبباتها قطعًا. فإذا كنا نعلم أن الأسباب إنما شرعت لأجل المسببات، لزم من القصد إلى الأسباب، القصد إلى المسببات"٢. فمشروعية الأسباب تدلنا على قصد الشارع إلى مسبباتها "نتائجها".

стр. 177

وهذه القاعدة تفيدنا جدا، في موضوع سيأتي التفصيل فيه، إن شاء الله، وهو "بماذا تعرف مقاصد الشارع؟ "١. غير أنه -ونحن في مسائل الأسباب- من الضروري أن نصل بين هذه المسألة "الرابعة"، وبين مسألتين أخريين تأخرتا عنها كثيرًا، وكان ينبغي اتباعها بهما، وهما المسألتان الثانية عشرة والثالثة عشرة٢. لأن مضمونهما فيه تفصيل وتقييد لما اتسمت به هذه المسألة من إجمال وإطلاق. فالذي قد يفهم من المسألة الرابعة، هو أن كل ما يترتب عن الأسباب من مسببات، فهو مقصود لواضع الأسباب، وهو الله سبحانه. وهذا تعميم خطيرًا. وأما في المسألتين المشار إليهما، فنجد أن: "المسببات -بالنظر إلى أسبابها- ضربان: أحدهما: ما شرعت الأسباب لها، إما بالقصد الأول -وهي متعلق المقاصد الأصلية، أو المقاصد الأول أيضًا- وإما بالقصد الثاني، وهي متعلق المقاصد التابعة، وكلا الضربين٣ مبين في كتاب المقاصد٤. والثاني: ما سوى ذلك، مما يعلم أو يظن أن الأسباب لم تشرع لها، أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لنم تشرع لها. فتجيء الأقسام ثلاثة٥. فلأقسام الثلاثة إذًا هي: ١- المسببات التي عرفنا أن الأسباب شرعت لأجلها. ٢- المسببات التي عرفنا أن الأسباب لم تشرع لها. ٣- المسببات التي لم نعرف إن كانت الأسباب شرعت لها أم لا.

стр. 178

وظاهر أن ما قرره وأطلقه في المسألة الرابعة إنما يصدق على القسم الأول من هذه الأقسام الثلاثة. أما القسمان الآخران من المسببات، فلهما شأن آخر. فالقسم الأول من المسببات غير مقصود للشارع، والقسم الثالث ينبغي فيه التوقف والبحث. فإما أن يظهر قصد الشارع فيه، وإما أن نبقى على التوقف١. وكون الشارع قاصدًا بالأسباب إلى المسببات، لا يعني أن هذه المسببات داخلة تحت التكليف. فالمكلف مطالب بالأسباب لا بالمسببات. ولهذا فهو حين يتعاطى الأسباب "المشروعة طبعًا"، ليس ملزمًا بالقصد إلى مسباباتها. وهذا ما قرره في المسألة الثالثة: "وهي أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف، الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها، بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير، أسبابًا كانت أو غير أسباب، معللة كانت أو غير معللة٢، أي أن المكلف يكفيه أن يأتي بالأسباب على وجهها الصحيح المشروع، وليس مكلفًا بالقصد إلى مسبباتها، لأنه غير مكلف بالمسببات "النتائج". فالله تعالى هو الذي يتولى أمر المسببات، ويرتبها على أسبابها. "فإذا: قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط له بالقصد التكليفي، فلا يلزم قصد المكلف إليه، إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه٣ "فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب"٤. ومرة أخرى فإن هذا الإطلاق، يدعو إلى التوقف والتأمل، فقد قرر في كتاب المقاصد "مقاصد المكلف" أن "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع"٥ فهذا يقتضي أن يقصد المكلف بالأسباب، ما

стр. 179

شرعت لأجله من المسببات. فالقصد إلى المسببات، وعلى وفق ما قصده الشارع بها، مطلوب -إذًا- من فاعل الأسباب، بينما الذي سبق تقريره أن المكلف غير ملزم بهذا؟! والشاطبي لم يكن غافلا عن هذا "التناقض" بين ما قرره في كتاب الأحكام وما قرره في كتاب المقاصد. ولهذا نجده في كتاب الأحكام يرود على نفسه الاعتراض بما في كتاب المقاصد "على طريقة الفنفلة: فإن قيل"، كما نجده، بعد أن قرر ما قرره في كتاب المقاصد يقول: "فصل: وإذا حققنا تفصيل المقاصد بالنسبة إلى المكلف، وجدناها ترجع إلى ما ذكر في كتاب الأحكام، وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب١، إذ مر هنالك خمسة أوجه منها يؤخذ القصد الموافق والمخالف. فعلى الناظر هنا مراجعة ذلك الموضع، حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله٢. والمسألة التي يحيلنا عليها -وهي المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية- مبنية على التي قبلها، وهي التي افتتحها بقوله: "إذا ثبت أنه لا يلزم القصد إلى المسبب، فللمكلف ترك القصد إليه بإطلاق، وله القصد إليه٣ فلما انتهى من إثبات الخيرة للمكلف، في القصد أو عدمه إلى المسببات، انتقل إلى المسألة التي أحالنا عليها، حيث قال في مطلعها: "إذا تقرر ما تقدم٤، فلدخول في الأسباب مراتب تتفرع على القسمين. فالالتفات إلى المسببات له ثلاث مراتب٥.

стр. 180

وملخصها ما يلي: ١- أن يدخل في الأسباب، وفي اعتقاده أنه الفاعل المؤثر، وأنه صانع المسببات، أو أن المسببات لازمة من أسبابها ضرورة لزومًا ذاتيا "وهذا شرك، أو مضاه"١ فهذا -بطبيعة الحال- لا يجوز اعتقاده أبدًا. ٢- أن يدخل في الأسباب على أساس أنها عادة تفضي إلى مسببات معينة، وإن هذه طبيعة الأشياء التي عليها خلقت. وهذه المرتبة، عليها عامة الناس، ولا بأس بها، وإن كانت مفضولة بالمرتبة الثالثة، هي: ٣- أن يدخل في الأسباب، على أساس أن الله تعالى هو الذي ينتج عنها مسبباتها إن شاء، ويعطلها إن شاء. وهذه المرتبة أفضل من سابقتها، لأن السابقة يغلب فيها اعتبار العادة، والركون إليها مما ينتج، الغفلة عن المسبب الحقيقي وهو الله تعالى. فهذه مراتب الالتفات والقصد إلى المسببات. وأما ترك ذلك، فله أيضًا ثلاث مراتب٢. ١- أن يدخل في الأسباب على أنها ابتلاء للعباد. فهو مكلف بها ابتلاء من الله وامتحانًا له كيف يعمل، ولا يهمه أكثر من هذا. ٢- أن يدخل في الأسباب ويتصرف فيها على أساس أنه عبد الله، فهو قائم بمقتضى العبودية، لا يهمه سبب، ولا مسبب، ولا سببية. فهو عبد لله، يجري على ما أراد مولاه. ٣- الدخول في الأسباب، على أنها أسباب مشروعة ومأذون فيها شرعًا، وعلى أن لها مسببات يجريها خالقها، سبحانه، إن شاء. وعلى أنها ابتلاء وتمحيص
следующие страницы →