Полный текст (257 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ويرعاهم وَألا يقوى على إصدار الْأَوَامِر اللَّازِمَة فِي كل مَسْأَلَة وامر قد يكون من الأصوب تنصيب أخي الْأَمِير
ثمَّ اتبع الرسَالَة بِأُخْرَى فِي الْمَوْضُوع عينه فِي الْيَوْم التَّالِي غير أَنه وصل بعد خَمْسَة أَيَّام رَسُول بِبِشَارَة تَقول لقد تمّ تنصيب ابْن الْأَمِير فاعترى البتكين الخجل لرسالتيه اللَّتَيْنِ كَانَ أرسلهما قَالَ فلماذا استشارني أُولَئِكَ الأوغاد اللئام إِذن وَقد أَرَادوا الاستئثار بِالْأَمر وحدهم إِن الِاثْنَيْنِ كليهمَا مني بِمَنْزِلَة النُّور من الْعين لكنني أخْشَى أَن تسوء الابْن رسالتي حِين وصولها فيظن أَن هواي كَانَ مَعَ عَمه للَّذي أَشرت إِلَيْهِ فِيهَا فَيَقَع فِي قلبه شَيْء مني ويغضب عَليّ ويحقد حِينَئِذٍ يستغل الْأَمر ذَوُو الأطماع الدنيئة الَّذين سيجدون المجال متاحا أمامهم لِأَن يلوكوني بألسنتهم وتأليب الصَّبِي عَليّ
وَأرْسل البتكين فِي الْحَال خَمْسَة رجال كل مِنْهُم على جماز فِي إِثْر الرسولين وَقَالَ لَهُم حاولوا مَا وسعكم الْجهد أَن تلحقوا بهما قبل أَن يعبرا نهر جيحون وتعيدوهما وَانْطَلق المجمزون فِي سرعَة فأدركوا أحد الرسولين فِي صحراء اموي فِي حِين كَانَ الاخر قد عبر جيحون وَلما وصلت رِسَالَة البتكين إِلَى بُخَارى استاء ابْن الْأَمِير واتباعه الَّذين قَالُوا لم يحسن البتكين صنعا حِين أَشَارَ بتنصيب أخي الْأَمِير أما درى أَن مِيرَاث الْأَب يصير إِلَى الابْن لَا إِلَى الْأَخ وظلوا يرددون هَذَا النغم وضغن الصَّبِي على البتكين يتزايد يوميا وَالْتمس البتكين الْأَعْذَار الْكَثِيرَة وَبعث بالهدايا الجمة غير أَن هَذَا لم يجد فتيلا فِي نفض غُبَار الحقد وَالْغَضَب عَن قلب ابْن الْأَمِير وظل المفسدون وذوو الأطماع الْخَاصَّة فِي يوغرون صدر الْأَمِير الصَّغِير الَّذِي اضطرمت نَار حقده وغضبه ونقمته
وَكَانَ أَحْمد بن اسماعيل فِي أخريات حَيَاته اشْترى البتكين الَّذِي خدم نصر بن أَحْمد عدَّة سنوات وَلما مَاتَ نصر خدم نوح بن نصر وتقلد على عَهده القيادة الْعليا لجيش خُرَاسَان وَلما مَاتَ نوح خَلفه ابْنه مَنْصُور وَانْقَضَت سِتّ سِنِين من عهد مَنْصُور والبتكين ينقده الْأَمْوَال وَيسْعَى مَا أمكنه الْجهد لوضع الْأُمُور فِي نصابها دون أَن يَسْتَطِيع المغرضون أَن ينالوا مِنْهُ شَيْئا لَدَى مَنْصُور بن نوح أَو يوغروا عَلَيْهِ قلبه وَكَانَ وكلاء البلاط يَكْتُبُونَ إِلَى
стр. 107
البتكين عَن كل مَا يَدُور فِي بُخَارى العاصمة
لَكِن المفسدين لم يتْركُوا مَنْصُور بن نوح بل أوحوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لن تكون أَمِيرا وحاكما حَقِيقِيًّا مَا لم تقتل البتكين إِنَّه يحكم خُرَاسَان من ثَلَاث وَخمسين سنة ويكدس الْأَمْوَال والثروات وَإِن الْجَيْش كُله يأتمر بامره ويطيعه ان تقبض عَلَيْهِ تفرغ مِنْهُ بَالا وتملأ الخزينة من أَمْوَاله وَلَيْسَ من حِيلَة لهَذَا سوى أَن تستدعيه إِلَى البلاط وَتظهر لَهُ انك مذ تولينا الْإِمَارَة لم تأت إِلَى البلاط وَلم تجدّد الْعَهْد وَالْوَلَاء إِنَّك محط امالنا وَقد اتخذناك بِمَثَابَة الْأَب إِن قَوَاعِد ملكنا راسخة بك فَأَنت مدَار مَا وَرَاء النَّهر وخراسان أما مَا يَدُور على الألسن من قيل وَقَالَ فَلَيْسَ إِلَّا لِأَنَّك لم تأت إِلَيْنَا قطّ عَلَيْك الْحُضُور إِلَى البلاط بأسرع وَقت مُمكن لإعادة كل مَا خرج عَن قَاعِدَته وأصوله فِي بلاطنا وقصرنا سيرته الأولى لِيَزْدَادَ اعتمادنا عَلَيْك وثقتنا بك وتخرس أَلْسِنَة ذَوي المارب الخبيثة وتكف عَن الْكَلَام وَحين يَأْتِي إِلَى هُنَا ادْعُه وحيدا وَمر بِضَرْب عُنُقه
وَنفذ الْأَمِير السديد مَنْصُور هَذَا واستدعى البتكين إِلَى البلاط لَكِن منهو الْأَخْبَار كتبُوا إِلَى البتكين يخبرونه بِالَّذِي يُريدهُ مَنْصُور من أَجله فأعلن النفير وَأمر رِجَاله بِأَن يستعدوا للتوجه إِلَى بُخَارى ثمَّ توجه وَمَعَهُ حوالي ثَلَاثِينَ ألف خيال من نيسابور إِلَى سرخس وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام من نُزُوله بهَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَرَاء الْجند وَقَالَ لَهُم أود أَن أَقُول لكم شَيْئا واريدكم أَن تجيبوا عَنهُ بِمَا تَرَوْنَهُ صَوَابا وَفِيه فائدتنا ونفعنا جَمِيعًا قَالُوا سمعا وَطَاعَة قَالَ أَتَدْرُونَ السَّبَب الَّذِي يطلبنا أَمِير خُرَاسَان من أَجله أم لَا قَالُوا يُرِيد أَن يراك لتجديد الْعَهْد لِأَنَّك بِمَثَابَة الْأَب لَهُ ولابائه من قبل قَالَ لَيْسَ الْأَمر على مَا تظمون ان الْأَمِير يستدعيني لقتلي وَفصل راسي عَن جَسَدِي فَهُوَ طِفْل لَا يعرف أقدار الرِّجَال إِنَّكُم تعلمُونَ أنني أَنا الَّذِي حفظت للسامانيين ملكهم سنوات عديدة وَمَا أَزَال وَلَقَد هزمت أُمَرَاء تركستان مِمَّن كَانُوا يطمعون فِي ملكهم مَرَّات كَمَا قهرت الخارجين عَلَيْهِم من كل صوب وَلم أعصهم قطّ وَلَو طرفَة عين لقد حافظت على هَذَا الْملك لجده وَأَبِيهِ وَله وَمَا أَزَال لكنه يُرِيد أَن يكافئني فِي النِّهَايَة بِقطع رَأْسِي دون أَن يدْرك أَن ملكه جَسَد أَنا رَأسه فَهَل من بَقَاء للجسد بعد الرَّأْس والان مَا الَّذِي تَرَوْنَهُ صَوَابا مَا الْحِيلَة إِلَى دفع هَذَا الْبلَاء قَالَ الْأُمَرَاء جَمِيعًا حيلته السَّيْف مَاذَا نَنْتَظِر مِنْهُ مَا دَامَ يكن لَك هَذَا وَيُرِيد أَن يكافئك بأعمالك هَذِه المكافئة لَو كَانَ ثمَّة شخص غَيْرك لنزع الْملك من أَيْديهم
стр. 108
مُنْذُ خمسين سنة نَحن جَمِيعًا نعرفك أَنْت وَلَا نعترف بِهِ وبأبيه ان مَا نملك نَحن وكل الرِّجَال فِي دولة السامانيين من عَيْش وجاه وحشمة ونعمة وَولَايَة وزينة لَيْسَ إِلَّا مِنْك أَنْت فِيك وَحدك صرنا رجَالًا نَحن مَعَك وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز مَعَك أَيْضا ادْع إِلَى خلع مَنْصُور بن نوح ثمَّ نصب نَفسك أَمِيرا وهبه بُخَارى وسمرقند إِن شِئْت والا ضمهما إِلَيْك أَيْضا
وَلِأَن الْأُمَرَاء قَالُوا هَذَا الْكَلَام عَن رَغْبَة أكيدة وتامة قَالَ البتكين عَفا الله عَنْكُم لقد كَانَ كلامكم عَن إِيمَان واتحاد وَهَذَا مَا أتوقعه مِنْكُم جزاكم الله عني خير الْجَزَاء دَائِما انصرفوا الْيَوْم حَتَّى نرى مَا يحمل إِلَيْنَا غَد
لقد كَانَ مَعَ البتكين فِي هَذَا الْوَقْت ثَلَاثُونَ ألف فَارس وَكَانَ فِي استطاعته تجهيز مائَة ألف وَفِي الْيَوْم التَّالِي جَاءَ الْأُمَرَاء للقاء البتكين فَخرج إِلَيْهِم وَاتخذ مَكَانَهُ وَبعد مُدَّة وجيزة الْتفت نحوهم وَقَالَ لقد أردْت من حَدِيثي مَعكُمْ أمس أَن أختبركم لأرى فِيمَا إِذا كُنْتُم تؤازرونني وتقفون معي وتحمون ظَهْري إِذا مَا وَقع لي شَيْء أم لَا إِن مَا سمعته مِنْكُم جَمِيعًا لدَلِيل على أصالتكم ونقائكم وَحسن عهدكم ووفائكم ورعايتكم حق نعمتي إِنَّنِي لراض عَنْكُم لَكِن اعلموا أنني لَا أَسْتَطِيع بعد مَا حدث أَن أكف شَرّ مَنْصُور وأذاه عني بِغَيْر السَّيْف فَهُوَ طِفْل لَا يعرف لأحد حَقًا بل يلقِي أذنا صاغية إِلَى ثلة من الأشرار الأوباش الأرذال دون أَن يعرف مَا يضرّهُ مِمَّا يَنْفَعهُ انه يعدني وَأَنا الَّذِي أحمي سلالته عدوا وَيطْلب عنقِي فِي حِين أَنه يعد من لَا يَبْغُونَ سوى فَسَاد المملكة ودمارها وَمن لَا يَسْتَطِيعُونَ رأب أقل صدع فِيهَا أصدقاء إِنَّنِي لقادر على نزع الْملك مِنْهُ وتنصيب عَمه مَكَانَهُ أَو الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ بنفسي لكنني أخْشَى أَن تَقول الدُّنْيَا كلهَا ان البتكين الَّذِي حمى للسامانيين ملكهم سِتِّينَ سنة يخرج عَلَيْهِم فِي النِّهَايَة وَقد بلغ الثَّمَانِينَ وَينْزع الْملك مِنْهُم بِالسَّيْفِ ويتربع على عرش أسياده كَافِرًا نعمتهم جاحدا لَهَا
اعلموا أنني قضيت عمري كُله حسن السمعة والفعال فعلي أَلا أفعل مَا يشوه سمعتي ويسييء إِلَيّ وَأَنا على شفا حُفْرَة من الْقَبْر على الرغم من أَن منصورا هُوَ الاثم المذنب وَالنَّاس لَا يعلمُونَ هَذَا فَإِن بَعضهم سَيَقُولُ لقد كَانَ مَنْصُور هُوَ
стр. 109
المخطىء وسيقول اخرون لَا لقد كَانَ الذَّنب كُله ذَنْب البتكين وَمَعَ أنني لَا طمع لي فِي ملك مَنْصُور وَلَا رَغْبَة فِي إِلْحَاق الضَّرَر بِهِ فَأن قالة السوء فِي خُرَاسَان لن تَنْقَطِع مَا دمت فِيهَا وَأَن المغرضين سيؤججون عَدَاوَة الصَّبِي وحقده عَليّ يَوْمًا بعد يَوْم لكنه لن يبْقى لَهُم مَا يَقُولُونَ إِذا مَا تركت خُرَاسَان وَخرجت من حوزة هَذَا الصَّبِي هَذِه وَاحِدَة وَالْأُخْرَى أَنه إِن كَانَ لَا بُد من شرع السيوف من أجل لقْمَة الْعَيْش وَقَضَاء مَا تبقى من الْعُمر فَمن الْأَفْضَل أَن تشرع فِي وَجه الْكفَّار ابْتِغَاء ثَوَاب الاخرة لِتَعْلَمُوا الان يَا أُمَرَاء جَيش خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز أَن منصورا هُوَ أَمِير خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَأَنْتُم جميعكم جَيْشه وقادته وَبِه كُنْتُم تَحت لِوَائِي انهضوا وامضوا إِلَى بلاطه وقابلوه وجددوا لَهُ الْعَهْد وابقوا على مَا انتم فِيهِ من مَرَاتِب فِي الْخدمَة فإنني قد عقدت الْعَزْم على الْمُضِيّ إِلَى الْهِنْد للغزو وَالْجهَاد إِن أقتل تكْتب لي الشَّهَادَة وَإِن يحالفني التَّوْفِيق والنجاح فِي نصْرَة الْإِسْلَام وعزته فسأرد الْقَوْم الْكَافرين إِلَى حَظِيرَة الْإِسْلَام أملا فِي الْجنَّة ورضى الله وَرَسُوله
ثمَّ إِن أَمِير خُرَاسَان سيرتاح مني وتنقطع قالة السوء عني حسنا كنت أم سَيِّئًا وعندئذ تكون خُرَاسَان وجيشها وَأَهْلهَا فِي عُهْدَة مَنْصُور وَحده
وَلما أنهى كَلمه نَهَضَ وَقَالَ لأمراء الْجَيْش تقدمُوا إِلَيّ وَاحِدًا وَاحِدًا لأودعكم وعبثا حاول الْأُمَرَاء ثنيه عَن عزمه فَأخذُوا بالبكاء وتقدموا مِنْهُ وعيونهم تترغرغ بالدموع وَجعلُوا يعانقونه الْوَاحِد تلو الاخر إِلَى أَن ودعهم جَمِيعًا وَلما انصرفوا كلهم دخل خيمته الْخَاصَّة فِي حِين أَن أحدا لم يصدق أَن البتكين سيترك خُرَاسَان إِلَى الْهِنْد لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي مملكة السامانيين خَمْسمِائَة ضَيْعَة فِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَلم تكن ثمَّة مَدِينَة إِلَّا وَكَانَ لَهُ فِيهَا قصر وبساتين ومحطات قوافل وحمامات ومستغلات كَثِيرَة فضلا عَن مائَة مائَة ألف رَأس غنم وَمِائَة ألف حصان وبغل وجمل
وَفِي الْيَوْم التَّالِي سمع الْأُمَرَاء صَوت النفير فَتحَرك البتكين وَمَعَهُ غلمانه وحاشيته إِلَى بَلخ تَارِكًا وَرَاءه تِلْكَ النعم جَمِيعهَا أما أُمَرَاء خُرَاسَان فصاروا جَمِيعًا إِلَى بُخَارى
لما وصل البتكين إِلَى بَلخ قرر أَن يمْكث بهَا شهرا أَو شَهْرَيْن ليمكن الَّذين يُرِيدُونَ الْغَزْو من وَرَاء النَّهر وختلان وطخارستان وأطراف بَلخ من تجميع أنفسهم وَمن ثمَّ تقدم نَحْو الْهِنْد غازيا
стр. 110
غير ان المفسدين والمغرضين أوحوا إِلَى مَنْصُور بن نوح أَمِير خُرَاسَان بِأَن البتكين ذِئْب عَجُوز لن تكون فِي أَمن مِنْهُ وَسَلام مَا لم تقض عَلَيْهِ يَنْبَغِي إرْسَال جَيش فِي إثره للقبض عَلَيْهِ وإتيانك بِهِ فَأرْسل مَنْصُور فِي إثره أَمِيرا بِسِتَّة عشر ألف فَارس إِلَى بَلخ فَلَمَّا وصل هَذَا الْجَيْش إِلَى ترمذ وَعبر جيحون كَانَ البتكين قد أتجه من بَلخ إِلَى خلم وَكَانَ يَقع على بعد أَرْبَعَة فراسخ بَين بَلخ وخلم وَاد ضيق محاط بالوديان والقرى من عَن يَمِينه وشماله يعرف ب مضيق خلم نزل بِهِ البتكين وَوضع فِي أَعْلَاهُ مِائَتي خيال من غلمانه للمراقبة والاستطلاع وَكَانَ يملك فِي هَذَا الْوَقْت أَلفَيْنِ ومائتي مولي تركي من أفضل الرِّجَال فضلا عَن ثَمَانمِائَة ألف فَارس غاز كَانُوا قد التحقوا بِهِ من شَتَّى النواحي
وَلما وصل جَيش أَمِير خُرَاسَان عَسْكَر فِي الصَّحرَاء أَمَام الْمضيق لعدم تمكنه من الْوُصُول إِلَى الْمضيق نَفسه وظل على هَذِه الْحَال شَهْرَيْن وَبعد مُضِيّ الشَّهْرَيْنِ جَاءَ دور سبكتكين فِي المراقبة والاستطلاع فَلَمَّا وصل إِلَى قمة الْمضيق وَرَأى الْجَيْش منتشرا فِي الصَّحرَاء وطلائعه متحفزة متوثبة فكر فِي نَفسه لقد ترك مَوْلَانَا خُرَاسَان وَمَا لَهُ فِيهَا من نعم وثروة وَمضى غازيا فطمع هَؤُلَاءِ بِرُوحِهِ وأرواحنا جَمِيعًا انني أخْشَى لشدَّة وَفَاء مولائي بعهوده ومراعاته لَهُم أَن يلقِي بِنَفسِهِ وأنفسنا الى التَّهْلُكَة لَا مندوحة لهَذَا الْأَمر من السَّيْف لِأَن جَيش مَنْصُور لن يكف عَن ملاحقتنا مَا دمنا صامتين هَكَذَا كَانَ الله تَعَالَى فِي عون ذَلِك الرجل الَّذِي ألْحقُوا بِهِ الظُّلم فهم الظَّالِمُونَ وَنحن المظلومون ثمَّ الْتفت نَحْو الغلمان الَّذين كَانُوا مَعَه وَقَالَ إِن عبء هَذَا الْأَمر يَقع علينا نَحن إِن يظفروا بِنَا فَلَنْ يبقوا منا على قيد الْحَيَاة أحدا ساحمل عَلَيْهِم الْيَوْم لأرى مَا سَيكون سَوَاء لآقى الْأَمر قبولا لَدَى مَوْلَانَا أم لَا وَليكن مَا يكون قَالَ هَذَا ثمَّ ألْقى بِنَفسِهِ وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَارس من الغلمان على طَلِيعَة جَيش خُرَاسَان فكسرهم حَالا ودلف إِلَى معسكرهم وَمَا إِن تمكنوا من استلام السِّلَاح وامتطاء الْجِيَاد كَانَ سبكتكين ورهطه قد قتلوا أَكثر من ألف مِنْهُم وعادوا فِي سرعَة إِلَى مكانهم على قمة الْمضيق وَلما أخبر البتكين بِمَا فعل سبكتكين وَقَتله كثيرا من
стр. 111
الْأَعْدَاء استدعاه وَقَالَ لماذا تسرعت كَانَ يَنْبَغِي أَن تتحلى بِالصبرِ قَالَ البتكين يَا مولَايَ إلام نصبر لقد عيل صَبرنَا علينا أَن نسعى لإنقاذ أَرْوَاحنَا وَلَا سَبِيل إِلَى هَذَا إِلَّا بِالسَّيْفِ لَا الصَّبْر سنحارب من أجل مَوْلَانَا حَتَّى اخر رَمق إِلَى أَن يجد فِي الْأَمر شَيْء قَالَ البتكين أما وَقد أثرت ثائرة الْعَدو فَمن الْوَاجِب اتِّخَاذ خطة أنجع ضِدّه قل لرجالنا أَن يقوضوا الْخيام ويحزموا الْأَمْتِعَة اسْتِعْدَادًا للرحيل والتحرك بعد صَلَاة الْعشَاء وَإِخْرَاج الْأَمْتِعَة والمؤن من الْمضيق على أَن يسير طغان بِأَلف غُلَام سرا إِلَى النَّاحِيَة الْيُمْنَى من وَادي كَذَا وتمضي أَنْت بالف غُلَام أَيْضا إِلَى الْجَانِب الْأَيْسَر من وَادي كَذَا وَأخرج أَنا وَمَعِي ألف فَارس بالمؤن من الْمضيق إِلَى الصَّحرَاء ونحط الرّحال هُنَا فسيقول الْأَعْدَاء حِين لَا يرَوْنَ أحد على قمة الْمضيق فِي الْيَوْم التَّالِي بَان البتكين قد فر فيركبون ويسرعون للحاق بِنَا مارين بالمضيق وَحين يخرج أَكثر من نصفهم مِنْهُ ويرونني فِي الصَّحرَاء اطبقوا عَلَيْهِم بسيوفكم من مكامنكم من الْيَمين واليسار وَحين يدق ناقوس الْقِتَال سيتراجع الْقسم الْمُقَابل لي من جيشهم الَّذِي خرج من الْمضيق للإنضمام إِلَى الَّذين مَا زَالُوا فِيهِ ليفروا جَمِيعهم مَعًا وسيبتلى قسم مِنْهُم بشر سُيُوفكُمْ سأحمل من الْأَمَام وتخرجون انتم من الْمضيق فنحاصر الخارجين مِنْهُ مِنْهُم ونعمل فيهم السَّيْف ونستمر فِي ضَربهمْ مَا قاوموا وَإِذا مَا ولوا الأدبار نفسح لَهُم مجَال الْهَرَب ونوسع عَلَيْهِم أَبْوَاب الْهَزِيمَة حِينَئِذٍ نعود وَنخرج من الْمضيق ونقع على معسكرهم للغنائم فنفذوا هَذَا وَتركُوا الْمضيق
وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي الباكر كَانَ جَيش أَمِير خُرَاسَان يقف بسلاحه على أهبة الاستعداد للحرب وَلما لم يرَوا على قمة الْمضيق أحدا توغلوا فِيهِ فرسخا وَاحِدًا فَرَأَوْا اثار معسكر البتكين صَحَّ يقينهم بفراره انذاك نُودي على الْجَيْش ان أَسْرعُوا فِي إثرهم فَبعد أَن يعبر الْمضيق وَنخرج مِنْهُ سنطبق عَلَيْهِم فِي الصَّحرَاء بِمدَّة وجيزة ونقبض على البتكين
فَتقدم الْجَيْش فِي سرعَة تتقدمه الصفوة الممتازة وَلما أطلوا من الْمضيق رَأَوْا البتكين وَمَعَهُ ثَلَاثَة الاف من الخيالة وَعدد من المشاة فِي السهل الممتد هُنَاكَ وَلما خرج نصف الْجَيْش المعادي من الْمضيق انقض عَلَيْهِ طغان بِأَلف غُلَام من الْجَانِب الْأَيْسَر للوادي وعاثوا فيهم بسيوفهم وردوا من كَانُوا خَرجُوا من الْمضيق على أَعْقَابهم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا أما سبكتكين فانقض عَلَيْهِم بِأَلف غُلَام من الْجَانِب الْأَيْمن وأعمل فيهم السَّيْف ثمَّ التقى بطغان وأخذا يلاحقانهم مَعًا وَأما البتكين فَحمل عَلَيْهِم من الْأَمَام واستطاعوا بِمدَّة يسيرَة أَن يجندلوا عددا كَبِيرا مِنْهُم أما أَمِير جيشهم فاصيب بطعنة رمح فِي ظَهره خرجت من صَدره فَخر على الأَرْض وَانْهَزَمَ الْجَيْش الَّذِي لَاذَ أَفْرَاده بالفرار إِلَى كل نَاحيَة
стр. 112
وجدوا إِلَيْهَا منفذا لَهُم ومهربا
بعد ذَلِك عبر غلْمَان البتكين الْمضيق إِلَى معسكر الْجَيْش المنهزم فغنموا مَا عثروا عَلَيْهِ من جِيَاد وبغال وَفِضة وَذهب وديباج فَقَط أما الْخيام والسجاد وَمَا إِلَيْهِمَا من أَمْتعَة ومؤن ووسائل أُخْرَى فتركوها وقفلوا رَاجِعين حَتَّى إِن أهالي قرى بَلخ ظلوا يغنمون مِنْهَا شهرا كَامِلا وَلما احصي عدد الْقَتْلَى كَانُوا أَرْبَعَة الاف وَسَبْعمائة وَخمسين من غير الْجَرْحى
ثمَّ سَار البتكين من خلم إِلَى باميان حَيْثُ تصدى أميرها لقتاله فَقبض عَلَيْهِ لبتكين وأسره لكنه عذره لفعلته تِلْكَ وَعَفا عَنهُ وخلع عَلَيْهِ خلعة وَدعَاهُ ابْنه وَكَانَ هَذَا الْأَمِير هُوَ الَّذِي لقب من أُمَرَاء باميان ب شيرباربك
وَمن هُنَاكَ توجه البتكين إِلَى كابل وَهزمَ أميرها وَأخذ ابْنه أَيْضا لكنه أحسن مُعَامَلَته ورده إِلَى أَبِيه ثمَّ مضى إِلَى غزنين ففر ابْن أَمِير كابل لَا بُد أَنه كَانَ فِي غزنين انذاك الَّذِي كَانَ صهر لوبك أَمِير غزنين إِلَى سرخس وَلما وصل البتكين إِلَى مشارف غزنين خرج إِلَيْهِ لوبك واشتبك فِي قتال مَعَه فَأسر ابْن أَمِير كابل ثَانِيَة وَهزمَ لويك وحوصرت الْمَدِينَة وَأقَام البتكين على مشارف الْمَدِينَة ضَارِبًا عَلَيْهَا نطاقا من الْحصار فخافه أهل زابل لكنه أَمر مناديا يُنَادي فِي أَتْبَاعه أَن يجب أَلا يَأْخُذ أحدكُم من أَي شخص شَيْئا دون أَن ينقده ثمنه وكل من يُخَالف هَذَا يُعَاقب
وَذَات يَوْم وَقعت عين البتكين على غُلَام تركي من غلمانه كَانَ قادما وَهُوَ يعلق مخلاة تبن ودجاجة على طوق سرج حصانه فَقَالَ إِلَيّ بذلك الْغُلَام فَأتى بِهِ وَسَأَلَهُ البتكين أَنى لَك مخلاة التِّبْن هَذِه والدجاجة قَالَ أخذتهما من فلاح قروي قَالَ البتكين هلا تتقاضى راتبا شهريا قَالَ الْغُلَام أجل قَالَ البتكين فَلم لم تشترهما بنقود إِذن فإنني أدفَع لَك أجرا شهريا لِئَلَّا تَأْخُذ من فَقير شَيْئا دونما حق فضلا
стр. 113
عَن أنني أمرت مناديا يُنَادي عَلَيْكُم بِهَذَا وَأمر فِي الْحَال بشق الْغُلَام نِصْفَيْنِ وتعليقه والمخلاة مَعَه على قَارِعَة الطَّرِيق ثمَّ أَمر بِأَن يُنَادى ثَلَاثَة أَيَّام إِذا مَا بلغنَا أَن أحدا أَخذ من شخص شَيْئا سنجازيه بِمَا جازينا بِهِ هَذَا الْغُلَام من خَواص غلماننا فخاف الْجَيْش وَأمن النَّاس وَأخذت النعم والخيرات الَّتِي لَا يعلم مقدارها سوى الله تترى على المعسكر يوميا لتباع ثمَّة وَلم يدع البتكين أحدا من الغلمان يَأْتِي وَلَو بتفاحة وَاحِدَة من الْمَدِينَة
لما رأى أهل غزنين مَا هم عَلَيْهِ من أَمن وَعدل ونعمة قَالُوا إننا فِي حَاجَة إِلَى ملك عَادل نَكُون فِي ظله امنين على أَرْوَاحنَا وَأَمْوَالنَا وأبنائنا تركيا كَانَ أم فارسيا واخترقوا بوابة الْمَدِينَة ومضوا إِلَى البتكين وَلما رأى لويك هَذَا فر إِلَى القلعة لكنه خرج مِنْهَا بعد عشْرين يَوْمًا وَصَارَ إِلَى البتكين الَّذِي أظهر لَهُ رزقا وأملاكا يعِيش مِنْهَا وَلم يلْحق أَذَى بِأحد وعد غزنين موطنا لَهُ وَمن هُنَاكَ قصد الْهِنْد وَكَانَت الْمسَافَة بَين غزنين وديار الْكفْر مسيرَة يَوْمَيْنِ فاصاب غَنَائِم وفيرة
وشاعت الْأَخْبَار فِي خُرَاسَان ونيمروز وَمَا وَرَاء النَّهر بِأَن البتكين اقتحم أَبْوَاب الْهِنْد وأغار عَلَيْهَا وظفر بغنائم كَثِيرَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة والأنعام وَالْعَبِيد والتحف الطريفة النادرة الَّتِي لَا يعلم مقدارها سوى الله وَحده وانضم إِلَيْهِ النَّاس من شَتَّى الْأَطْرَاف حَتَّى وصل عدد أَتْبَاعه إِلَى سِتَّة الاف خيال وَاسْتولى البتكين على عدد من الولايات وأخضعها إِلَى برشاوور وتصدى لَهُ ملك الْهِنْد بِمِائَة ألف خيال وَخمسين ألف راجل وَألف وَخَمْسمِائة فيل لإخراجه مِنْهَا وَمن الطّرف الاخر أرسل أَمِير خُرَاسَان شخصا يدعى أَبَا جَعْفَر بِخَمْسَة وَعشْرين ألف فَارس لِحَرْب البتكين أَيْضا وليثأر لهزيمة جَيْشه النكراء وقتلاه على مشارف بَلخ وَفِي مضيق خلم وَترك البتكين أَبَا جَعْفَر يتَقَدَّم بجيشه حَتَّى صَار على بعد منزلَة وَاحِدَة من غزنين فَخرج حينذاك بِرِجَالِهِ السِّتَّة الاف من غزنين وأطبق على جَيش أبي جَعْفَر واستطاع أَن يتغلب على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين ألفا فِي مُدَّة قَليلَة ويهزمهم هزيمَة شنعاء أَسْوَأ ألف مرّة مِمَّا مني بِهِ الْجَيْش السَّابِق على مشارف خلم أما أَبُو جَعْفَر فولى الأدبار وحيدا بعد أَن وجد نَفسه دون رجال غير أَن الْقرَوِيين قبضوا عَلَيْهِ وَلم يعرفوه فسلبوه جَوَاده وكل مَا كَانَ مَعَه وأطلقوه فَمضى إِلَى بَلخ رَاجِلا متواريا ودخلها متنكرا أما انعامهم وعددهم
стр. 114
وغنائمهم فالت إِلَى البتكين جَمِيعًا وَلم يعد أَمِير خُرَاسَان بعد هَذِه الْمرة إِلَى التصدي لالبتكين أَو التَّعَرُّض لَهُ لِأَن ضعف السامانيين بعد البتكين بلغ مداه إِذْ صَارا هدف أُمَرَاء تركستان ونهبأ لحملاتهم وَلما فرغ البتكين من قتال أبي جَعْفَر تفرغ لملك الْهِنْد فَبعث برسائل إِلَى خُرَاسَان وشتى الأنحاء يطْلب مدَدا فَجَاءَتْهُ أعداد غفيرة طَمَعا فِي الْغَنَائِم وطلبا للغزو وصل عَددهمْ إِلَى أحد عشر ألفا وَخَمْسمِائة خيال وراجل كلهم من الشَّبَاب المدججين بكامل أسلحتهم وَتقدم بهم نَحْو ملك الْهِنْد ثمَّ حمل على طلائع جَيْشه بغته فَقتل أَكثر من عشرَة الاف هندي وَلم يلته بالغنائم بل خف منسحبا إِلَى الْخلف فَلَمَّا حمل عَلَيْهِ جَيش الْملك لم يجده
لقد كَانَ ثمَّة جبل شَاهِق وَشعب كَانَت طَرِيق جَيش ملك الْهِنْد مِنْهُ فَمَا كَانَ من البتكين إِلَّا أَن تمركز فِي أول الشّعب وَاسْتولى عَلَيْهِ وَلما وصل الْملك إِلَى هُنَاكَ لم يسْتَطع أَن يمر مِنْهُ بل عَسْكَر حَيْثُ وقف بِهِ الْمسير وَأقَام على تِلْكَ الْحَال شَهْرَيْن فِي حِين كَانَ البتكين يُغير عَلَيْهِم ليل نَهَار بَغْتَة باستمرار وَيقتل مِنْهُم
وَقد أبلى سبكتكين فِي هَذِه الْحَرْب بلَاء حسنا وتمت على يَدَيْهِ أَعمال جليلة كَثِيرَة أما ملك الْهِنْد فَبَقيَ على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذْ لم يسْتَطع أَن يتَقَدَّم إِلَى الْأَمَام أَكثر وَلم يكن فِي استطاعته أَن يعود دون بُلُوغ الهدف وَتَحْقِيق الِاسْتِقْرَار
وَفِي نِهَايَة الْأَمر اقترح ملك الْهِنْد على البتكين لقد جِئْت من خُرَاسَان طلبا للرزق فَمَا بالك فِي أَن أهبك من الْأَرَاضِي مَا تعيش مِنْهَا على أَن تنظم بِمن مَعَك إِلَى جيشي وتصبحوا جَزَاء مِنْهُ تَأْكُلُونَ وتقيمون بِسَلام امنين فَرضِي البتكين بِهَذَا وَقَبله وَأَعْطَاهُ الْملك عددا من المدن والنواحي وَخمْس قلاع ثمَّ عَاد لَكِن الْملك كَانَ قد أوعز إِلَى حامية القلاع سرا لَا تسلموه القلاع بعد عودتي وَلما عَاد امْتَنعُوا عَن تَسْلِيمهَا لَهُ فَقَالَ لقد نقضوا الان عَهدهم وأغار من جَدِيد فَفتح الْمَدّ وَاسْتولى على القلاع عنْوَة لكنه توفّي فِي هَذِه الْأَثْنَاء فَوَقع جَيْشه وغلمانه فِي حيرة من أَمرهم لِأَن الهنود وَالْكفَّار كَانُوا يحيطون بهم من كل جَانب وجلسوا يتداولون الْأَمر ويتدبرونه فَقَالُوا لم يتْرك البتكين ولدا نجعله خَليفَة لَهُ ونسوده علينا أما نخن فقد حزنا فِي الْهِنْد كثيرا من الاحترام والرفعة والشرف وَلنَا فِي قُلُوب الهنود هَيْبَة جد عَظِيمَة ان نشغل أَنْفُسنَا بِأَن يَقُول أَحَدنَا أَنا أَكثر احتراما وحشمة وَيَقُول اخر أَنا الأول ويعصى كل شخص وَيُخَالف من جَانِبه فسيتبدد كل مالنا من رفْعَة وهيبة ويتغلب أعداؤنا علينا وَإِذا مَا دب الْخلاف بَيْننَا فَإِن السيوف الَّتِي نحارب الْكفَّار بهَا سنصوبها إِلَى نحورنا وتفلت من أَيْدِينَا
стр. 115
هَذِه الْولَايَة الَّتِي استولينا عَلَيْهَا لَا حِيلَة لنا سوى أَن نَخْتَار من بَيْننَا أليقنا واكفأنا ونجعله أَمِيرا علينا نأتمر بأَمْره على أَنه البتكين فَقَالُوا جَمِيعًا لَا علاج لأمرنا سوى هَذَا ثمَّ أخذُوا يستعرضون الغلمان المقدمين مبينين مَا على كل مِنْهُم من مَأْخَذ وعيوب إِلَى أَن وصلوا إِلَى سبكتكين فَوَجَمَ الْجَمِيع حِين ذكر اسْمه لكنه نَهَضَ من بَينهم من قَالَ لَا عيب فِي سبكتكين سوى أَن فِي الغلمان الاخرين من اشْترِي قبله وَأكْثر مِنْهُ خدمَة وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَا ينقصهُ شَيْء من حَيْثُ الفطنة والذكاء والنزال والشجاعة والمروءة والسخاء والبذل ومراعاة النَّاس وَحسن الصُّحْبَة وَالْعشرَة والدماثة وَالْخَوْف من الله وَالْوَفَاء بالعهد والصدق والاستقامة لقد رباه مَوْلَانَا البتكين فَكَانَت أَفعاله تلقى من لَدنه كل رضى وَقبُول دَائِما ثمَّ إِنَّه يجمع سيرة مَوْلَانَا وخصاله جَمِيعهَا وَيعرف لكل منا قدره ومكانته جيدا هَذَا مَا أعرفهُ عَنهُ والرأي مَا تَرَوْنَهُ
وتشعبوا فِي حَدِيثهمْ ثمَّ اتَّفقُوا أخيرا على تنصيب سبكتكين أَمِيرا عَلَيْهِم ورد سبكتكين تنصيبهم لَهُ لكِنهمْ أجبروه على ذَلِك وَحِينَئِذٍ قَالَ إِن لم يكن ثمَّة مناص فإنني أقبل هَذَا العبء على أَن تهبوا معي هبة رجل وَاحِد على كل من يخالفني أَو يشق عَصا طَاعَتي أَو ينْبذ أوامري ظهريا ويتوانى فِي تنفيذها مِنْكُم وتقتلوه فعاهدوه أوثق عهد وأقسموا على ذَلِك ثمَّ أَخَذُوهُ وأجلسوه مَكَان البتكين وسلموا عَلَيْهِ بِسَلام الْأَمِير ونثروا الذَّهَب وَالْفِضَّة من حوله وتكللت كل تدابير سبكتكين وحملاته بالسداد والنجاح ثمَّ تزوج من إبنة رَئِيس زابل زابلستان الَّتِي ولدت لَهُ مَحْمُودًا وَلِهَذَا قيل لَهُ مَحْمُود الزابلي وَلما كبر مَحْمُود شَارك وَالِده فِي حملات وأسفار كَثِيرَة
وأنعم خَليفَة بَغْدَاد بلقب نَاصِر الدّين على سبكتكين لما قَامَ بِهِ من أَعمال جليلة وأحرز من انتصارات عَظِيمَة فِي ديار الْهِنْد
وَلما توفّي سبكتكين خَلفه ابْنه السُّلْطَان مَحْمُود الَّذِي كَانَ قد ثقف عَن وَالِده تَدْبِير شؤون الْملك وإدارتها وَكَانَ مَحْمُود كَاتبا وقارئا يهوى الاصغاء إِلَى أَخْبَار الْمُلُوك دَائِما وَلَقَد حَاز كل الصِّفَات وَالسير الحميدة
وَمضى مَحْمُود فِي طَرِيق الْفَتْح فَفتح ولَايَة نيمروز وَاسْتولى على خُرَاسَان أما الْهِنْد فتوغل فِيهَا كثيرا وَاسْتولى على سومنات وجلب مَنَاة وتغلب على مُلُوكهَا وَهَزَمَهُمْ وَوصل أمره إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ
لقد هدفت من وَرَاء هَذِه الْحِكَايَة أَن يعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه كَيفَ يكون
стр. 116
العَبْد الْجيد الَّذِي إِذا مَا قَامَ بخدمات نافعة مَقْبُولَة وَلم تبدر مِنْهُ أَيَّة خِيَانَة أَو ينْكث عهدا قطّ بل كَانَ الْملك بِهِ ثَابت الأساس مستحكما فَكَانَ بركَة على المملكة ونفعا لَهَا فَيَنْبَغِي أَلا يكلم فِي فُؤَاده أَو يصغى إِلَى أقاويل النَّاس المغرضة فِيهِ بل يجب الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ كثيرا فالأسرات الحاكمة والمدن والممالك فِي حَاجَة إِلَى رجال تستند إِلَيْهِم وتعتمد عَلَيْهِم دَائِما فَإِذا مَا نحي أحدهم عَن مَكَانَهُ أَو أطيح بِهِ تنقرض تِلْكَ الأسرة ويمحي ملكهَا وتؤول مدنها إِلَى دمار مِثَال هَذَا ان البتكين كَانَ غُلَاما جيدا وَبِه استحكم ملك السامانيين الَّذين لم يعرفوا لَهُ قدره بل تألبوا عَلَيْهِ فدالت بذهابه من خُرَاسَان دولة السامانيين والت بفضله هُوَ إِلَى أسرته من بعده
يَنْبَغِي الْحفاظ على العبيد والغلمان الَّذين يربون مُنْذُ صغرهم ويترعرعون وَيُكَبِّرُونَ لِأَنَّهُ قَلما يجود زمَان بِغُلَام لَائِق متمرس فقد قَالَت الْحُكَمَاء الْخَادِم وَالْعَبْد الْكُفْء المتمرس خير من الابْن وَفِي الْمَعْنى نَفسه يَقُول الشَّاعِر
عبد وَاحِد مطواع خير من ثَلَاثمِائَة ولد لِأَن هَؤُلَاءِ يَبْغُونَ موت الْأَب وَالْعَبْد ينشد عزه
стр. 117
الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
فِي تنظيم المقابلات الْخَاصَّة والعامة
لَا بُد للمقابلات السامية من نظام معِين بِحَيْثُ يدْخل ذَوُو الْقُرْبَى أَولا فالمعروفون من الحشم فَالنَّاس من الطَّبَقَات الْأُخْرَى كَافَّة وعندما يَجْتَمعُونَ فِي مَكَان وَاحِد هُوَ القضر لَا يكون ثمَّة فرق بَين شريفهم والوضيع
من إمارات الْمُقَابلَة رفع الستارة أما إسدالها فيعني أَنه لَا يسمح لأحد بِالدُّخُولِ مالم يستدع وَمَا كَانَ هَذَا إِلَّا عَلامَة يسْتَدلّ بهَا رسل كبراء الدولة وقادة الْجَيْش على وجود مُقَابلَة فِي ذَلِك الْيَوْم أم لَا فَإِن يكن مثولهم بَين يَدي السُّلْطَان وَاجِبا يذهبوا وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَشد وَطْأَة عَلَيْهِم من حضورهم إِلَى الْقصر وعودتهم دون أَن يرَوا السُّلْطَان فَأن يتَكَرَّر الْأَمر بِأَن يحضروا مَرَّات ويعودوا وَلم يقابلوه فَإِنَّهُم سيظنون بِهِ الظنون ويشرعون فِي التَّدْبِير لَهُ وَالْمَكْر بِهِ ان تضيق النطاق على النَّاس فِي الْوُصُول إِلَى الْملك ومقابلته يُؤَدِّي إِلَى تردي أَحْوَالهم وبقائها خافية عَلَيْهِ ثمَّ إِلَى تفاقم أَمر المفسدين وتماديهم وَسُوء حَال الْجَيْش ومعاناته وشقاء الرّعية
لَيْسَ ثمَّة أفضل من أَن يُوسع الْملك نطاق مقابلاته وَيفتح أبوابه على مصاريعها وَفِي أثْنَاء جُلُوسه للمقابلة على وُلَاة الثغور والأمراء والسادات وَالْأَئِمَّة بعد دُخُولهمْ ومثولهم بَين يَدَيْهِ أَن يعودوا وَمن مَعَهم حَالا وَإِذا مَا بَقِي الْخَاصَّة هُنَاكَ فعلى غلمانهم الَّذين جَاءُوا مَعَهم للمثول بَين يَدي السُّلْطَان ان يعودوا أما الغلمان الَّذين لَا يسْتَغْنى عَنْهُم من مثل الموكلين بِالسِّلَاحِ والسقاية وذوق الطَّعَام وامثالهم فَلَا بُد من بقائهم مَا أَقَامَ الْخَاصَّة
وَإِذا مَا تكَرر الْأَمر على هَذَا النَّحْو مَرَّات عدَّة يصير عَادَة تؤول إِلَى قَاعِدَة تتبع فتتلاشى هَذِه المشاق والمتاعب وَلنْ تعود ثمَّة حَاجَة إِلَى رفع الستارة وإسدالها إِن أَي تَرْتِيب لَا يتمشى مَعَ هَذَا لن يلقى رضى وقبولا
стр. 118
الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ
فِي تنظيم مجْلِس الشَّرَاب وشروط ذَلِك
يَنْبَغِي تَخْصِيص يَوْم أَو يَوْمَيْنِ أسبوعيا للمقابلات الْعَامَّة بِحَيْثُ يكون الْملك فيهمَا فِي أوج انبساطه ونشاطه ليتَمَكَّن من حُضُورهَا كل من اعْتَادَ ذَلِك وَلَا يمْنَع مِنْهَا أحد وَيجب أَن يخبر الْعَامَّة بَان هَذَا الْيَوْم يومهم وَأَن لَا يَأْتُوا فِي الْأَيَّام الَّتِي تكون المقابلات فِيهَا للخاصة فَقَط لِئَلَّا تكون ثمَّة حَاجَة فِي أَن يُؤذن لشخص وَيرد اخر
وَيَنْبَغِي أَن تكون أَسمَاء من هم أهل لحضور الْمجَالِس الْخَاصَّة مَعْرُوفَة وعددهم معينا وَيشْتَرط أَن يكون برفقة كل مِنْهُم غُلَام وَاحِد فَقَط وَلَيْسَ من اللياقة أَن ياتوا بِالْخمرِ وسقاتهم مَعَهم لِأَن الْعَادة لم تجر قطّ بِشَيْء من هَذَا الْعَمَل غير المقبول بل جرت الْعَادة فِي كل الْأَعْصَار أَن تحمل الأغذية وَالنَّقْل والأشربة من قُصُور الْمُلُوك إِلَى بيُوت الاخرين وَلَيْسَ الْعَكْس فالسلطان هُوَ سيد الْبِلَاد وَالنَّاس كلهم عِيَال عَلَيْهِ فَلَيْسَ صَحِيحا إِذن أَن يحمل الطَّعَام وَالشرَاب من بيُوت من يعولهم السُّلْطَان ويؤمن لَهُم أَرْزَاقهم إِلَى قصره ومجالسه وَمن الْمُسلم بِهِ أَن تَدْبِير شؤون السُّلْطَان المنزلية وتجهيزاتها أَكثر وَأحسن وأجمل وأنظف مِمَّا لكل أكَابِر الدولة وعظمائها
إِن تكن عِلّة إحضارهم الشَّرَاب أَن الْمُوكل الْخَاص بِهِ يقدم ضربا رديئا تجب معاقبته لِأَن كل الاشربه الَّتِي يُوكل بهَا من الْأَصْنَاف الجيدة فلماذا يقدم شرابًا رديئا فبذا يبتفي عذرهمْ وَيَقْضِي على جسارتهم فِي إِحْضَار الشَّرَاب إِلَى مجْلِس الْملك
وَلَا مندوحة للْملك من ندامى لائقين لَان مُجَالَسَته للعبيد والخدم بِكَثْرَة تزيد من جرأتهم عَلَيْهِ وتسيء إِلَى عَظمته وجلاله وتنال من حرمته وتصدع أَرْكَانهَا وَتُؤَدِّي إِلَى ركة فِي طبعه فَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا يليقون للْخدمَة حسب أما معاشرة الْملك لكبراء الدولة وقادة الْجَيْش ورؤساء الْقَوْم العظماء المحترمين ومخالطته لَهُم كثيرا أَيْضا فتسىء إِلَى أبهته وجلاله من
стр. 119
حَيْثُ تُؤدِّي بهم الى التواني والتقاعس عَن إطاعة أوامره وتنفيذها فيتجرأون عَلَيْهِ ويضربون بالخوف والرهبة مِنْهُ عرض الْحَائِط
إِن من وَاجِب الْملك أَن يبْحَث مَعَ الْوَزير فِي الْأُمُور الْخَاصَّة بالولايات والجيش وعائدات أَمْلَاك الدولة وأراضيها والنفقات والعمران والتدابير اللَّازِمَة لصد الْخُصُوم وَغير هَذَا من شؤون المملكة
كل هَذِه هِيَ الَّتِي تبْعَث على الملالة وَزِيَادَة التفكير وَعَذَاب النَّفس لِأَن الْعقل وَالنَّفس لَا يبيحان المزاح والانفتاح مَعَ تِلْكَ الفئات حرصا على مصلحَة الْملك ان طبع الْملك لَا ينْفَرد إِلَّا بالنديم فَإِذا مَا أَرَادَ أَن ينبسط أَكثر فِي عيشه وحياته بِأَن يخلط الْهزْل بالمزاح ويتبادل الحكايات المضحكة والنوادر مَعَ الندماء فَإِن هَذَا لَا يضير عَظمته فِي شَيْء لِأَنَّهُ إِنَّمَا يدخرهم لمثل هَذِه الْأُمُور وَقد تكلمنا على هَذَا المضوع فِي فصل سَابق
стр. 120
الْفَصْل الثَّلَاثُونَ
فِي تَرْتِيب وقُوف العبيد والخدم
يَنْبَغِي تنظيم وقُوف الكبراء وَغير الكبراء وَالْعَبِيد والخدم وَتَعْيِين مَكَان كل مِنْهُم لِأَن الْوُقُوف وَالْجُلُوس بَين يَدي الْمُلُوك سَوَاء وَيجب ان يُرَاعى نظام الْوُقُوف مِثْلَمَا هُوَ الْأَمر فِي الْجُلُوس فيقف خَاصَّة الْملك من مثل حَملَة السِّلَاح والسقاة واضرابهم بِالْقربِ من سَرِير الْملك ويلتفون حوله فاذا مَا أَرَادَ شخص أَن يندس بَينهم أبعده حَاجِب البلاط وَإِذا مَا دلف شخص غَرِيب وسط أَي جمَاعَة مِنْهُم يصْرخ فِي وَجهه وَيمْنَع من ذَلِك
стр. 121
الْفَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
فِي احتياجات الْجَيْش ومطالبه
إِن تكن للجند حَاجَة مَا يَنْبَغِي أَن تطلب بألسنة قادتهم وَرُؤَسَائِهِمْ لأَنهم ان أجِيبُوا إِلَى ذَلِك إِجَابَة حَسَنَة يَكُونُوا توصلوا إِلَى احتياجاتهم بِأَنْفسِهِم ويكسبوا احترام أفرادهم لأَنهم طلبُوا مَا يَحْتَاجُونَ بِأَنْفسِهِم فنالوه دون مَا حَاجَة إِلَى وساطة تذْهب باحترامهم لَو لجأوا إِلَيْهَا
وَإِذا مَا تطاول جندي على قائده وَلم يحترمه أَو يرع حرمته بل تجَاوز حَده يجب أَن يُعَاقب كَيْمَا يمتاز الرئيس عَن المرؤوس
стр. 122
الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
فِي معرفَة قدر الجاه وَالسِّلَاح ومعدات الْحَرْب وَالسّفر
يَنْبَغِي حث العظماء والمشهورين مِمَّن يمتلكون الألبسة الْقيمَة الثمينة على امتلاك الأسلحة والات الْحَرْب وَشِرَاء الغلمان لِأَن مظَاهر أبهتهم وعظمتهم إِنَّمَا تكون بِهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا بزينة مَنَازِلهمْ وأثاثها ووسائل تجملها ان من تتوفر لَهُ إمكانات أَكثر فِي هَذَا المجال يكون أقرب حظوة لَدَى الْملك واكثر عَظمَة وهيبة وجلالة بَين أقرانه وأمام الْجَيْش
стр. 123
الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ
فِي عتاب المقربين وَذَوي المقامات الرفيعة حِين ارْتِكَاب الأخطاء والذنُوب
على من ينشدون العظمة الْوُصُول إِلَى المقامات الْعَالِيَة الرفيعة أَن يتحملوا الصعاب ويتجملوا بِالصبرِ فِي أزمانهم فَإِذا مَا بَدَت من هَؤُلَاءِ هَنَات وأخطاء وعوتبوا جهارا فَإِن مَاء وُجُوههم يراق وَلَا يرد لَهُم اعتبارهم وحرمتهم إِلَّا بِقدر كَبِير من الاحسان والمكافئة وَالتَّقْدِير إِنَّه لمن الأولى إِذا مَا ارْتكب أحدهم خطأ أَن يغض الطّرف عَنهُ فِي حِينه ثمَّ يستدعى سرا وَيُقَال لَهُ لقد فعلت كَذَا وكذ لكننا رَغْبَة منا فِي عدم الاطاحة بِمن قربناهم واوصلناهم إِلَى هَذِه الْمنزلَة قد تجاوزنا عَن ذَلِك عَلَيْهِ أَن يتَجَنَّب الْوُقُوع فِي الْخَطَأ وَألا يَجْرُؤ على ارْتِكَاب شَيْء من هَذَا الْقَبِيل فِيمَا بعد لكنه إِذا مَا أعَاد الكرة فسيخرج من كنفنا وخدمتنا وحشمنا فَيكون حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي اخْتَار هَذَا لَا نَحن
سُئِلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ أَي الرِّجَال أَشْجَع فَأجَاب من يَتَمَالَك نَفسه عِنْد الْغَضَب وَلَا ياتي بِعَمَل ينْدَم على فعله بعد أَن يسكن غَضَبه فلات سَاعَة مندم
ان كَمَال عقل الْمَرْء فِي أَلا يغْضب فَأن غضب يجب أَن تكون الْغَلَبَة لعقله على غَضَبه وَلَيْسَ الْعَكْس إِن من يستولي هوى نَفسه على على عقله فَإِن غَضَبه حِين يثور يطغى على عقله فيتصرف تصرف المجانين فِي أَقْوَاله وأفعاله لَكِن من يكبح عقله جماح نَفسه إبان عضبها فَإِن عقله يَسْتَطِيع طرد أهواء نَفسه وميولها والانتصار عَلَيْهَا فَتلقى أَقْوَاله وأعماله قبولا لَدَى الْعُقَلَاء وَلَا يدْرِي النَّاس أغاضب هُوَ أم لَا
стр. 124
حلم الْحُسَيْن بن عَليّ ﵇
جلس الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَمَعَهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة ووجهاء الْعَرَب إِلَى الخوان يَأْكُلُون الطَّعَام وَكَانَ يرتدي جُبَّة جَدِيدَة ثمينة من الديباج الرُّومِي وعمامة فِي غَايَة الْحسن وَلما أَرَادَ الْغُلَام الَّذِي كَانَ يقف على رَأسه أَن يضع انية طَعَام أُمَامَة شَاءَ الْقدر أَن تسْقط من يَده على راس الْحُسَيْن وكتفه فتتلطخ عمَامَته وجبته بِالطَّعَامِ فثارت ثائرة الْحُسَيْن واحمرت وجنتاه خجلا فَرفع رَأسه وَنظر فِي الْغُلَام لما راى الْغُلَام الْأَمر على هَذِه الْحَال خشِي أَن يَأْمر الْحُسَيْن بتأديبه فَقَالَ ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ فَالْتَفت الْحُسَيْن ﵁ إِلَيْهِ مبتهجا وَقَالَ يَا غُلَام لقد عَفَوْت عَنْك لتَكون فِي أَمَان تَامّ من غَضَبي وعقوبتي فَعجب الْحَاضِرُونَ من حلم الْحُسَيْن وعلو همته فِي حَال كتلك وأكبروهما
حلم مُعَاوِيَة
يُقَال ان مُعَاوِيَة كَانَ وَاسع الصَّدْر وحليما جدا فَفِي حِين كَانَ يجلس للنَّاس يَوْمًا والعظماء جُلُوس امامه ووقوف دخل عَلَيْهِ شَاب فِي ثِيَاب رثَّة فَسلم وَجلسَ قبالته بِكُل جسارة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قصدتك الْيَوْم فِي حَاجَة لَا أذكرها مَا لم تعد بتلبيتها فَقَالَ مُعَاوِيَة سألبي مَا يُمكن تلبيته قَالَ الشَّاب اعْلَم أنني رجل عزب لَا زوج لي وَأَن والدتك دون بعل أَيْضا فزوجنيها ليُصبح لكل منا زوج وتثاب أَنْت على صنيعك قَالَ مُعَاوِيَة أَنْت شَاب وَهِي عَجُوز لَا سنّ فِي فمها فَمَا الَّذِي يرغبك فِيهَا قَالَ لقد سَمِعت أَنَّهَا ذَات أرداف عَظِيمَة وَهُوَ مَا أميل إِلَيْهِ قَالَ مُعَاوِيَة وَالله ان وَالِدي تزَوجهَا لهَذَا السَّبَب لَيْسَ إِلَّا لكنني مَعَ هَذَا سأتحدث إِلَيْهَا فِي الْأَمر فَإِن رغبت فِيهِ فَلَيْسَ من هُوَ أولى مني بِالْقيامِ بِهَذِهِ المهمة وَلم يبد عَلَيْهِ أَي تغير أَو أَنه تحول من مَكَانَهُ
стр. 125
فَأدْرك النَّاس أَن أحدا لن يَسْتَطِيع أَن يكون أحلم مِنْهُ
وَقَالَت الْحُكَمَاء الصَّبْر جميل لكنه عِنْد الْمقدرَة أجمل وَالْعلم جميل لكنه مَعَ المهارة والتفنن أجمل وَالنعْمَة جميلَة لَكِنَّهَا بالشكر والسعادة أجمل وَالطَّاعَة جميلَة لَكِنَّهَا بِالْعلمِ وخشية الله أجمل
стр. 126
الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
فِي الحرس والخفر والبوابين
تجب الحيطة التَّامَّة فِيمَا يتَعَلَّق بالحرس والخفر والبوابين الخاصين وعَلى الموكلين بهم معرفتهم جَمِيعًا والاستفسار عَن أَحْوَالهم سرا وَعَلَانِيَة لأَنهم أفقر وأطمع وأسرع انخداعا بِالْمَالِ والاغراء وَإِذا مَا شوهد بَينهم غَرِيب فَيَنْبَغِي السُّؤَال عَنهُ والتأكد مِنْهُ وَيجب ان يراقبوا ويتأكد مِنْهُم ويوضعوا تَحت الاشراف الْمُبَاشر كل لَيْلَة عِنْدَمَا يتسلمون واجباتهم وَيَنْبَغِي عدم إغفال هَذَا الْأَمر لَيْلًا أَو نَهَارا لِأَنَّهُ دَقِيق جدا
стр. 127
الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ
فِي إعداد الخوان وتنظيمه جيدا
كَانَ الْمُلُوك دَائِما يعيرون إهتماما كَبِيرا لإعداد الخوان فِي الصَّباح الباكر ليجد من يمثلون بَين أَيْديهم مَا يَأْكُلُون هُنَاكَ وَلَا تَثْرِيب على الْخَاصَّة إِذا لم يتناولوا الطَّعَام فِي هَذَا الْوَقْت بل تناولوه قي وقته الْمَضْرُوب غير أَنه لم تكن مندوحة من تهيئة الخوان بكرَة
كَانَ السُّلْطَان طغرل ﵀ يحرص على اعداد الخوان جيدا ويامر بتهيئة ضروب الطَّعَام الْمُخْتَلفَة على أكمل وَجه حَتَّى حِين كَانَ يركب مبكرا طلبا للتنزة أَو الصَّيْد كَانَ يحمل فِي موكبه عشرُون وسْقا من الْأَطْعِمَة لزاده فِي الصَّحرَاء وَقد كَانَت كثرتها تثير عجب الْأُمَرَاء والأتراك فِي أثْنَاء تناولهم الطَّعَام ثمَّة
وَكَانَ من عَادَة خانات تركستان توفير الْأَطْعِمَة لخدمهم وَفِي مطابخهم فَلَمَّا ذَهَبْنَا إِلَى سَمَرْقَنْد وأوزكند سمعنَا مَا كَانَ يَدُور على أَلْسِنَة الفضوليين من أَن الجكليين وسكان مَا وَرَاء النَّهر كَانُوا يَقُولُونَ دَائِما إننا لم نَأْكُل لقْمَة وَاحِدَة على خوان السُّلْطَان فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة الَّتِي كَانَ يتَرَدَّد فِيهَا
إِن همة كل شخص ومروءته بِقدر عَظمته وسيادته وَلِأَن السُّلْطَان سيد الْعَالم كُله والملوك جَمِيعًا منصاعون إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَن تكون عَظمته وهمته ومروءته وخوانه وَصلَاته منتاسبة مَعَ قدره وجلاله وَأفضل من سَائِر الْمُلُوك وَأكْثر وَفِي الْخَبَر أَن إغداق الْخبز وَالطَّعَام على
стр. 128
خلق الله يزِيد فِي دوَام الْعُمر وَالْملك والدولة
قصَّة مُوسَى وَفرْعَوْن
جَاءَ فِي تواريخ الْأَنْبِيَاء ﵈ أَن مُوسَى ﵇ أرسل إِلَى فِرْعَوْن بالمعجزات والكرامات والمنازل الرفيعة لقد كَانَ قوام خوان فِرْعَوْن أَرْبَعَة الاف خروف وَأَرْبَعمِائَة بقرة ومئتي بعير يوميا مَعَ مَا يُنَاسِبهَا من الدَّجَاج والسمك والمشهيات والمقالي والحلوى وَغَيرهَا وَكَانَ أهل مصر وجيشها يتناولون الطَّعَام على خوانه كل يَوْم وظل يَدعِي الألوهية وَيُقِيم الخوان أَرْبَعمِائَة سنة
وَلما دَعَا مُوسَى ﵇ يَا رب أهلك فِرْعَوْن اسْتَجَابَ الله لدعائه وَقَالَ سَوف أهلكه فِي المَاء يَوْمًا فأجعل ثروته وجيشه رزقا لَك ولقومك وَمَضَت على هَذَا الْوَعْد سنوات وَفرْعَوْن يرتع فِي ضلاله ويطوي الْأَيَّام بِتِلْكَ العظمة والجلاله أما مُوسَى ﵇ فَأخذ يتمن على الله أَن يعجل فِي هَلَاك فِرْعَوْن
ونفد صَبر مُوسَى وَصَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ مضى إِلَى الطّور وناجى الله قَائِلا يَا رب لقد وعدت أَن تهْلك فِرْعَوْن انه لم يُخَفف من غلوائه ودعواه وكفره شَيْئا فَمَتَى ستودي بِهِ فَجَاءَهُ نِدَاء الْحق تَعَالَى يَا مُوسَى إِنَّك تريدني أَن أهلك فِرْعَوْن فِي أقرب وَقت فِي حِين أَن مائَة مائَة ألف من عبَادي لَا يُرِيدُونَ ذَلِك لأَنهم يَأْكُلُون من نعمه يوميا وينعمون يالراحة فِي عَهده وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أهلكه مَا أَسْبغ على النَّاس نعْمَته وَطَعَامه تامين قَالَ مُوسَى فَمَتَى تنجز وَعدك إِذن قَالَ تَعَالَى سأنفذ وعدي مَتى أمسك عَن إطْعَام النَّاس فَإِذا مَا بَدَأَ فِي تقليل طَعَامه فَاعْلَم أَن أَجله أَخذ يدنو من نهايته وَحدث أَن قَالَ فِرْعَوْن لهامان يَوْمًا لقد جمع مُوسَى بني إِسْرَائِيل حوله وَهُوَ يعْمل على إيذائنا لست أَدْرِي إلام ستنتهي عَاقِبَة أمره مَعنا علينا أَن نملأ خزائننا لِئَلَّا نقعد دون ثروة أبدا وَأَن نقلل النَّفَقَات اليومية إِلَى النّصْف يجب أَن يقل عدد الذَّبَائِح ألف خروف ومئتي بقرة وَمِائَة بعير حبا فِي الادخار
وَهَكَذَا أخذت تقل تدريجيا كل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَكَانَ مُوسَى ﵇ يعلم أَن وعد الْحق تَعَالَى اخذ فِي الاقتراب وان زِيَادَة التوفير لم تكن سوى عَلامَة الزَّوَال والشؤم وَيَقُول الاخباريون إِنَّه لم يذبح فِي مطبخ فِرْعَوْن فِي الْيَوْم الَّذِي غرق فِيهِ سوى شَاتين
стр. 129
لقد امتدح الله تَعَالَى إِبْرَاهِيم ﵇ لاطعامه الطَّعَام وحبه الضَّيْف وَحرم النَّار على بدن حَاتِم الطَّائِي لسخاءه وَحسن ضيافته وسيظل النَّاس يذكرُونَ كرمه ومروءته مدى الْحَيَاة
وَذكر الله تَعَالَى الامام عليا ﵁ فِي الْقرَان الْكَرِيم وَأثْنى عَلَيْهِ غير مرّة لاعطائه فِي الصَّلَاة سَائِلًا خَاتمًا سد بِهِ رَمق عدد من الجياع وسوف يظل النَّاس يلهجون بشجاعته وعلو همته وشهامته إِلَى يَوْم الدّين
لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أفضل من الشهامة والاحسان وإطعام الطَّعَام فَهُوَ رَأس كل المروءات يَقُول العنصري
الْكَرم أجل الاعمال إِنَّه من شمائل النَّبِي
الدُّنْيَا والأخرة للكريم فَكُن كَرِيمًا تفز بهما
فَإِن تكن لأحد نعْمَة ابْتغى أَن تكون لَهُ دون عهد من الْملك بذلك العظمة والسيادة وان يتواضع لَهُ النَّاس ويحترموه ويقدروه ويلقبوه سيدا وعظيما فَقل لَهُ أَن أبسط سفرتك يوميا فَإِن شهرة أَكثر من اشتهرت أَسمَاؤُهُم فِي الورى لم تكن إِلَّا بإطعام الطَّعَام
أما البخلاء والممسكون فمذممون فِي الدُّنْيَا والأخرة جَاءَ فِي الْأَخْبَار الْبَخِيل لَا يدْخل الْجنَّة وَلم تكن فِي كل أعصار الْكفْر والاسلام خصْلَة أحسن من إطْعَام الطَّعَام
стр. 130
الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ
فِي معرفَة حق الخدم وَالْعَبِيد الْأَكفاء
تجب مُكَافَأَة كل من يقوم من الخدم بِعَمَل مرض حَالا ليجني ثمار مَا قدمت يَدَاهُ أما من يرتكب مِنْهُم خطأ فِي عمله سَهوا ودونما قصد فتنبغي معاقبته بِقدر ذَنبه لتقوى رَغْبَة العبيد فِي الْخدمَة وَيكثر إقبالهم عَلَيْهَا وتزداد خشيَة المذنبين وتستقيم الْأُمُور
عُقُوبَة الذَّنب
عربد فَتى هاشمي لسكره على فريق من النَّاس فَمَضَوْا إِلَى وَالِده وَشَكوا إِلَيْهِ ابْنه وَلما هم الْأَب قَالَ لَهُ يَا أَبَت لقد أذنبت وانا فَاقِد وعيي فَلَا تعاقبني وَأَنت تملك صوابك فسر الْأَب لقَوْله وَأَعْجَبهُ فَعَفَا عَنهُ
كسْرَى أبرويز وباربد
قَالَ ابْن خرداذبة غضب أبرويز على أحد خاصته فحبسه وَلم يَجْرُؤ أحد على الدنو مِنْهُ سوى باربد الْمُغنِي الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ وَالشرَاب يوميا فَلَمَّا أخبر الْملك أبرويز بذلك قَالَ لباربد كَيفَ تجرؤ على الاعتناء بشخص فِي حبسنا ومساعدته هلا علمت أَنه لَا يجوز الإهتمام بِمن نغضب عَلَيْهِ ونسجنه قَالَ باربد يَا مولَايَ إِن مَا وهبته أَنْت إِيَّاه أهم مِمَّا أَفعلهُ من أَجله قَالَ أبرويز وماذا وهبته قَالَ حَيَاته فَهِيَ أحسن مِمَّا كنت أرْسلهُ إِلَيْهِ قَالَ الْملك أَحْسَنت لقد قلت شَيْئا حسنا اذْهَبْ فإنني عَفَوْت عَنهُ إِكْرَاما لَك
стр. 131
أنو شرْوَان والعجوز الَّذِي كَانَ يغْرس جوزا
كَانَ من عَادَة سلالة الساسانيين إِذا مَا فَاه أحد أمامهم بِكَلَام جميل يروقهم أَو أبدى مهارة مَا أَن تَنْطَلِق ألسنتهم بِلَفْظَة أَحْسَنت وعندئذ يُعْطي الْمُوكل بالخزانة ذَلِك الشَّخْص ألف دِينَار حَالا وَكَانَ مُلُوك الأكاسرة وانوشروان الْعَادِل خَاصَّة أَكثر من غَيرهم من الْمُلُوك الاخرين عدلا وهمة ومروءة
حينما كَانَ أنوشروان خَارِجا للصَّيْد يَوْمًا وخاصته مَعَه مر بأطراف قَرْيَة فَرَأى عجوزا فِي التسعين من عمره يغْرس جوزا فتملكه الْعجب لِأَن هَذِه الْغِرَاس لَا تؤتي أكلهَا قبل عشر سنوات أَو عشْرين قَالَ أنوشروان لَهُ يَا شيخ اتغرس جوزا قَالَ أجل يَا مولَايَ قَالَ أنوشروان أفستعيش حَتَّى تَأْكُل من ثماره قَالَ غرسوا فأكلنا ونغرس فَيَأْكُلُونَ فسر أنوشروان لجوابه وَقَالَ أحسننت فناول الْمُوكل بالخزانة الْعَجُوز ألف دِينَار حَالا فَقَالَ الشَّيْخ يَا مولَايَ لم يسبقني أحد إِلَى جني ثمار هَذَا الشّجر قَالَ أنوشروان كَيفَ قَالَ الشَّيْخ لَو لم أكن أغرس جوزا وَلم يمر مولَايَ من هُنَا فيسألني مَا سَأَلَ واجبه بِمَا أجبْت فَأنى لي هَذِه الْألف دِينَار فَقَالَ أنوشروان أَحْسَنت أَحْسَنت فَأعْطى الْمُوكل بالخزانة الرجل أَلفَيْنِ اخرين لجَرَيَان أَحْسَنت على لِسَان أنوشروان مرَّتَيْنِ
إِحْسَان الْمَأْمُون
كَانَ الْمَأْمُون يجلس للمظالم يَوْمًا فَسلمت إِلَيْهِ رسالى فِي حَاجَة مَا فناولها إِلَى الْفضل بن سهل وزيره وَقَالَ لَهُ اقْضِ حَاجَة هَذَا الرجل بِسُرْعَة فعجلة الزَّمن أسْرع من أَن تثبت على حَال وَهَذِه الدُّنْيَا تمْضِي سرَاعًا بِحَيْثُ لَا تمكن الْمَرْء من الْوَفَاء لصديقة نستطيع أَن نَفْعل الْيَوْم خيرا لَكِن رُبمَا ياتي يَوْم لَا نستطيع مَعَه لعجزنا فعل الْخَيْر لأحد
стр. 132
الْفَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
فِي الحيطة فِي إقطاع الإقطاعيين وأحوال الرّعية
إِذا مَا انهيت أَخْبَار تنبىء عَن الخراب والدمار فِي نَاحيَة مَا وَعَن بروز الْفرْقَة بَين أَهلهَا وَظن فِي أَن لِلْقَائِلين مارب خَاصَّة فَلَا بُد من ندب أحد الْخَاصَّة وإرساله إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة دون أَن يدْرِي أحد بالمهمة الْمُرْسل بهَا ليقيم شهرا ثمَّة يستطلع فِيهِ أَحْوَال الْمَدِينَة والريف وَيرى مظَاهر الْعمرَان والخراب ويستمع إِلَى مَا يَقُول النَّاس فِي المقطع وَالْعَامِل ثمَّ يعود بِالْحَقِيقَةِ لِأَن لَيْسَ لأولي الْأَمر هُنَاكَ من عذر وَحجَّة سوى لنا خصوم يَنْبَغِي عدم الإصغاء إِلَى كَلَامهم لِئَلَّا يتمادوا فِي التجرؤ فيفعلوا ويقولوا مَا يشاؤون
وَقد يمْتَنع المخبرون والمعتمدون عَن قَول الْحَقِيقَة ونقلها لكيلا يتَطَرَّق إِلَى ذهن الْملك واصحاب الإقطاع أَنهم من ذَوي الْأَغْرَاض والمآرب أَيْضا فتؤول المملكة الى دمار والرعية إِلَى فقر وشتات وَتُؤْخَذ الْأَمْوَال بِالْبَاطِلِ
стр. 133
الْفَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ
فِي التريث فِي الْأُمُور
يَنْبَغِي عدم التسرع فِي الْأُمُور فَإِذا مَا سمع خبر مَا أَو طَرَأَ شَيْء فَيجب تدبره بتأن وهدوء إِلَى أَن تنجلي حَقِيقَته ويتبين الْكَذِب من الصدْق فالتسرع من شَأْن الضُّعَفَاء لَا الأقوياء
وَإِذا مَا تحاج خصمان بَين يَدي الْملك فَيَنْبَغِي عدم إشعارهما بالجانب الَّذِي يُؤَيّدهُ الْملك ويميل إِلَيْهِ لِئَلَّا يخَاف صَاحب الْحق انذاك فَلَا يَسْتَطِيع بَيَان حجَّته ويزداد الَّذِي على الْبَاطِل جرْأَة فيوغل فِي كذبه وافترائه يَقُول الْحق تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه الْعَزِيز ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾
فراسة ألب أرسلان
كَانَ فِي مَدِينَة هراة عَالم مَعْرُوف هُوَ ذَلِك الشَّيْخ الَّذِي قدم لمولانا مرّة وَحدث أَن ذهب السُّلْطَان الشَّهِيد أنار الله برهانه إِلَى هراة وَأقَام فِيهَا مُدَّة وَفِي هَذِه الْأَثْنَاء نزل عبد الرَّحْمَن الْخَال فِي سراي ذَلِك الشَّيْخ الْعَالم وَذَات يَوْم قَالَ عبد الرَّحْمَن أَمَام السُّلْطَان على الشَّرَاب لهَذَا الشَّيْخ حجرَة يأوي إِلَيْهَا لَيْلًا وَيُقَال إِنَّه يُصَلِّي فِيهَا
стр. 134
اللَّيْل كُله لكنني رَأَيْت الْيَوْم وَأَنا أفتح بَاب الْحُجْرَة زق خمر وصنما نحاسيا ان الرجل يقْضِي ليله فِي الشَّرَاب وَعبادَة الصَّنَم وَكَانَ عبد الرَّحْمَن الَّذِي أحضر الزق والصنم مَعَه يدْرك أَنه حينما يطلع السُّلْطَان على هَذَا الْأَمر سيأمر بقتل الشَّيْخ حَالا
وَأرْسل السُّلْطَان غُلَاما وشخصا فِي طلب الشَّيْخ كَمَا أرسل إِلَيّ من يَقُول ابْعَثْ شخصا فِي طلب ذَلِك الشَّيْخ دون أَن أَدْرِي عِلّة استدعائه ثمَّ جَاءَ فِي الْوَقْت نَفسه شخص اخر وَقَالَ لَا ترسل أحدا وَلَا تستدع الشَّيْخ
وَفِي الْيَوْم التَّالِي سَأَلت السُّلْطَان مَاذَا كَانَ سَبَب استدعاء الشَّيْخ الْعَالم أمس والعزوف عَنهُ بعد ذَلِك أجَاب جسارة عبد الرَّحْمَن الْخَال وصفاقته وقص عَليّ الْحِكَايَة ثمَّ قَالَ قلت لعبد الرَّحْمَن الْخَال على الرغم مِمَّا قلت وَمن إحضارك الزق والصنم فَلَنْ امْر بِشَيْء ضد الشَّيْخ الْعَالم قبل أَن أتثبت من حَقِيقَة أمره عَلَيْك بيَدي وَأقسم بحياتي ورأسي أصدق مَا تَقول أم كذب فَقَالَ عبد الرَّحْمَن كذب قلت يَا نذل فَلم افتريت على الشَّيْخ الْعَالم الْكَذِب إِذن وَأَرَدْت هدر دَمه قَالَ لِأَن لَهُ بَيْتا جميلا هُوَ الَّذِي أنزل فِيهِ الان وَقد ظَنَنْت أَنَّك ستهبني إِيَّاه بعد أَن تقتله
قَالَ عُلَمَاء الدّين العجلة من الشَّيْطَان والتأني من الرَّحْمَن من الْمُمكن الْقيام بِعَمَل لم يقم بِهِ بعد وَلَكِن لَيْسَ بالإمكان فعل أَي شَيْء فِيمَا تمّ إنجازه
يَقُول بزرجمهر العجلة من التهور والطيش والعجول الَّذِي لَا يعرف التأني يظل حَزينًا ندمان دَائِما والمتهورون مبتذلون فِي أعين النَّاس
لقد رَأَيْت كثيرا من الْمسَائِل والأمور على وَشك أَن تنجز بِنَحْوِ حسن غير أَن التسرع أفسدها واحبطها العجول فِي صراع دَائِم مَعَ نَفسه يقْضِي عمره فِي التَّوْبَة والاعتذار وتلقي اللوم وَالْغُرْم يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ التأني مَحْمُود فِي كل شَيْء إِلَّا فِي فعل الْخَيْر
стр. 135
الْفَصْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ
فِي أَمِير الحرس وَحَملَة الدبابيس
كَانَت إِمَارَة الحرس فِيمَا تقدم من أهم الْوَظَائِف والمناصب وأجلها فِي كل الْأَعْصَار إِذْ لم يكن فِي البلاظ أعظم وَأكْثر أبهة بعد الْأَمِير الْحَاجِب الْعَظِيم من أَمِير الحرس لِأَن عمله مُخْتَصّ بالعقوبات والجميع يَخْشونَ غضب الْملك وعقابه فَإِذا مَا غضب الْملك على شخص مَا فَإِنَّهُ يَأْمر أَمِير الحرس بِأحد الْأَشْيَاء التالية ضرب الْعُنُق قطع الْيَد وَالرجل الشنق الْجلد الزج فِي السجْن الْإِلْقَاء فِي الْبِئْر وَلم يكن النَّاس يَتَرَدَّدُونَ فِي افتداء أنفسهم وأرواحهم بِالْمَالِ لقد كَانَ اللِّوَاء والطبل والدف لأمير الحرس دَائِما وَكَانَ النَّاس يخافونه أَكثر من الْملك غير أَن هَذَا المنصب أضحى خلقا بَالِيًا فِي هَذِه الْأَيَّام وَلم يعد لَهُ بهاء ورونق
يَنْبَغِي أَن يكن فِي البلاط دَائِما خَمْسُونَ فِي الْأَقَل من حَملَة الدبابيس عشرُون بدبابيس ذهبية الرَّأْس وَمثلهمْ بدبابيس فضية الرَّأْس وَالْعشرَة الاخرون بدبابيس كَبِيرَة وَأَن تكون لأمير الحرس أحسن الْوَسَائِل وأدوات الزِّينَة والتجمل وأبهاها وَأتم احترام وأكمله فَإِن يَسْتَطِيع أَن يوطن نَفسه على كل هَذَا فبها وَإِلَّا فليستبدل باخر
الْمَأْمُون وتسيير دفة الْأُمُور
فِي حِين كَانَ الْخَلِيفَة الْمَأْمُون يُجَالس ندمائه يَوْمًا قَالَ لي أَمِيرا حرس لَا عمل لَهما من الصَّباح الباكر إِلَى اللَّيْل سوى ضرب الرّقاب والشنق وَقطع الْأَيْدِي والأرجل وَالْجَلد والزج فِي السجْن النَّاس يمتدحون أَحدهمَا ويثنون عَلَيْهِ ويعرفون لَهُ حَقه باستمرار وهم عَنهُ راضون وَبِه مسرورون فِي حِين انهم يسبون الآخر ويذكرونه بِالشَّرِّ
стр. 136
وَالسوء وهم دائمو الشكوى والتذمر مِنْهُ يلعنونه وَيدعونَ عَلَيْهِ مَا ذكر اسْمه وَلست ادري سببأ لهَذَا لَيْت احدأ يَسْتَطِيع ان يتَبَيَّن لي حَقِيقَة الْآمِر ان عمل الرجلَيْن وَاحِد فَلم يثني النَّاس على احدهما ويتذمرون من الآخر قَالَ اُحْدُ الندماء ان يتفضل مولَايَ بندبي لهَذَا الامر وامهالي ثَلَاثَة ايام آته بحقيقته قَالَ الْمَأْمُون لَك هَذَا
وَمضى النديم إِلَى منزله وَقَالَ لأحد خدمه الْأَكفاء لقد ندبتك للمهمة التالية فِي بَغْدَاد فِي هَذِه الْأَيَّام أَمِيرا حرس أَحدهمَا مسن والاخر كهل عَلَيْك أَن تنهض صباح غَد الباكر وتمضي إِلَى بَيت الأول فحين يخرج من حجرته إِلَى السراي راقب سلوكه كَيْفيَّة جُلُوسه وأقواله وأعماله وأنعم النّظر فِي تصرفه واوامره حِين يدْخل النَّاس عَلَيْهِ ويساق المجرمون إِلَيْهِ انتبه لكل هَذِه الْأَشْيَاء وأحط بهَا جيدا ثمَّ أطلعني عَلَيْهَا وَبعد غَد امْضِ باكرا إِلَى سراي الْأَمِير الاخر وراقب كل مَا يجْرِي هُنَاكَ من أَحَادِيثه وتصرفاته من أَولهَا إِلَى اخرها ثمَّ عد لي بخبرها أَيْضا فَقَالَ الْخَادِم سمعا وَطَاعَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي نَهَضَ الْخَادِم باكرا وَمضى إِلَى سراي أَمِير الحرس المسن وَجلسَ وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَة حَتَّى جَاءَ فرَاش وَوضع شمعا على الصّفة وفرش الْمُصَلِّي وَوضع عَلَيْهِ بضعَة مصاحف وأدعية وسبحات وَحِينَئِذٍ ظهر رجل مسن فصلى عدَّة رَكْعَات ثمَّ أقبل النَّاس جَمِيعًا وَجَاء الإِمَام فاقام الصَّلَاة وَصليت الْجَمَاعَة وَقَرَأَ الرجل مَا تيَسّر لَهُ من الْقرَان الْكَرِيم والأدعية وَلما فرغ من أوراده تنَاول السبحة وَأخذ يسبح ويهلل وَالنَّاس يتواردون ويلقون السَّلَام بَعضهم يذهب وَبَعْضهمْ يجلس إِلَى بعيد شروق الشَّمْس عندئذ سَأَلَ الْأَمِير هَل من مذنب فَأُجِيب فَتى ارْتكب جريمة قتل قَالَ امن أحد يشْهد عَلَيْهِ فَقيل لَهُ لَا هُوَ نَفسه مقرّ بجرمه قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم أدخلوه لأراه فَأدْخل الشَّاب وَلما وَقعت عين الامير عَلَيْهِ قَالَ أَهَذا هُوَ قيل لَهُ أجل قَالَ لَا تبدو على هَذَا الْفَتى سِيمَا الْمُجْرمين بل إِن نور الْإِسْلَام والأصالة والإنسانية يشع مِنْهُ إِنَّه لَيْسَ مِمَّن يرتكبون مثل هَذَا الاثم أَحسب أَنهم يكذبُون لن أستمع الى قَول أحد فِيهِ مَا هَذَا الْكَلَام ان هَذَا الجرم لَا يصدر عَن
стр. 137
هَذَا الْفَتى انْظُرُوا كَيفَ ان سيماه وملامحه تشهد لَهُ وَفِي حِين كَانَ الْفَتى ينصت مصغيا قَالَ أحدهم أَيهَا الْأَمِير إِنَّه هُوَ نَفسه مقرّ بجرمه فصاح بِهِ الْأَمِير اخرس فَمن ذَا الَّذِي يَسْأَلك أَلا تخَاف الله اتحمل نَفسك وزر دم فَتى مُسلم عَبَثا إِن هَذَا الْفَتى أَعقل من أَن يفعل أَو يَقُول شَيْئا يكون فِيهِ هَلَاكه وحتفه وَكَانَ هدف الْأَمِير من ذَلِك أَن يُنكر الْفَتى أَقْوَاله ويتراجع عَنْهَا
ثمَّ الْتفت الْأَمِير نَحْو الْفَتى مَا تَقول قَالَ الْفَتى لقد شَاءَ قَضَاء الله وَقدره أَن يتم الْأَمر على يَدي خطأ إِن بعد هَذِه الدَّار دَار أُخْرَى لَا طَاقَة لي فِيهَا على عَذَاب الله نفذ حكم الله فِي غير أَن أَمِير الحرس تصامم والتقت نَحْو النَّاس وَقَالَ إِنَّنِي لَا أسمع مَا يَقُول أيقر هُوَ أم لَا قَالُوا أجل انه يعْتَرف قَالَ الْأَمِير يَا بني لَا تبدو عَلَيْك سِيمَا الْمُجْرمين فلربما أَن خصما لَك مِمَّن يَبْغُونَ هلاكك حملك على أَن تَقول هَذَا فكر جيدا قَالَ الْفَتى أَيهَا الْأَمِير لم يحملني على هَذَا أحد إِنَّنِي مذنب فنفذ حكم الله فِي لما أَيقَن أَمِير الحرس ان الْفَتى لن يتراجع عَن قَوْله وَأَن لَا جدوى لتلقينه إِيَّاه وَإنَّهُ إِنَّمَا يعرض نَفسه للْمَوْت قَالَ لَهُ أَحَق مَا تَقول قَالَ أجل قَالَ الْأَمِير أأنفذ فِيك حكم الله قَالَ نفذه والتفت الْأَمِير إِلَى النَّاس وَقَالَ أَرَأَيْتُم فِي حَيَاتكُم فَتى يخَاف الله مُسلما بَصيرًا بالعواقب من مثل هَذَا الْفَتى إِنَّنِي لم أر قطّ ان نور السَّعَادَة وَالْإِسْلَام وإمارات الْأَصَالَة تشع مِنْهُ مِثْلَمَا ينبعث الضياء من الشَّمْس إِنَّه يعْتَرف خوفًا من الله وَيعلم أَنه يجب أَن يَمُوت إِنَّه يرغب فِي أَن يمْضِي إِلَى الله نقيا شَهِيدا فَلم يبْق بَينه وَبَين الْجنَّة حَيْثُ الْحور والقصور إِلَّا خطوَات هَؤُلَاءِ هم أهل السَّعَادَة وَالْمَغْفِرَة وَالْجنَّة ثمَّ قَالَ للفتى اذْهَبْ واغتسل ثمَّ عد وصل رَكْعَتَيْنِ وسل الله وَتب إِلَيْهِ وَاسْتَغْفرهُ كي أنفذ فِيك حكمه وقضاءه فَذهب الْفَتى واغتسل ثمَّ عَاد وامر الْأَمِير بمصلى فصلى الْفَتى رَكْعَتَيْنِ وَتَابَ إِلَى الله وَاسْتَغْفرهُ ثمَّ عَاد ووقف بَين يَدي الْأَمِير الَّذِي قَالَ كأنني أرى الان أَن هَذَا الْفَتى سيرى الْمُصْطَفى ﷺ فِي الْجنَّة وسيكون مَعَ الشُّهَدَاء من مثل حَمْزَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وأمثالهم وَهَكَذَا جعل الْأَمِير يُدْلِي بِأَحَادِيث الْمَوْت بِهَذِهِ الْحَلَاوَة والعذوبة فِي قلب الْفَتى حَتَّى حبب إِلَيْهِ الْإِسْرَاع فِي قَتله ثمَّ أَمر بتعريته وتعصيب عَيْنَيْهِ وَهُوَ مَاض فِي أَحَادِيثه عَن الْمَوْت على النَّحْو نَفسه وَجِيء بسياف ماهر سَيْفه هُوَ المَاء فِي صفاءه ووقف على راس الْفَتى دون أَن يشْعر بِهِ وَأَشَارَ الْأَمِير بِعَيْنِه بَغْتَة فَضرب السياف عنق الْفَتى فِي سرعَة خاطفة وَقطع رَأسه بضربة وَاحِدَة
стр. 138
ثمَّ أَمر الْأَمِير بإيداع اخرين قبض عَلَيْهِم بجرائم مُخْتَلفَة السجْن للبت فِي أُمُورهم والتثبت مِنْهَا ونهض وَمضى إِلَى حجرته ثمَّ تفرق النَّاس وَعَاد الْخَادِم إِلَى النديم وحدثه بِكُل مَا رأى
وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي الباكر مضى الْخَادِم إِلَى سراي أَمِير الحرس الكهل وَجلسَ ينْتَظر فَأخذ النَّاس وأعوانه يتوافدون وَاحِدًا تلو اخر حَتَّى غص السراي بهم وَلما طلعت الشَّمْس وَارْتَفَعت فِي السَّمَاء خرج الْأَمِير من حجرته وَجلسَ للنَّاس مقطب الحاجبين متهدل الْعَينَيْنِ وَكَأَنَّهُ كَانَ يقتل ملاكا طوال ليله ووقف أعوانه امامه وَلم يكن يرد التَّحِيَّة على من يحييه وَإِذا مَا اتّفق ورد على أحدهم فَكَأَنَّهُ فِي حنق عَلَيْهِ
وَانْقَضَت فَتْرَة ثمَّ سَأَلَ أأحضر أحد فَقيل لَهُ فَتى قبض عَلَيْهِ سَكرَان فَاقِد الوعي لَيْلَة أمس قَالَ إِلَيّ بِهِ فَأتي بِهِ وَلما وَقعت عَيناهُ عَلَيْهِ قَالَ أَهَذا هُوَ قَالُوا أجل قَالَ كنت أبحث عَنهُ مُنْذُ مُدَّة طَوِيلَة انه ابْن حرَام مُفسد شرير لص قَاطع طَرِيق عربيد لَا يخْشَى الله مثير للفتنة وَلَا مثيل لَهُ بِبَغْدَاد يَنْبَغِي أَلا يَكْتَفِي بِإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ إِنَّمَا يجب ضرب عُنُقه لم يكن لَهُ من عمل ليل نَهَار سوى مطاردة ابناء النَّاس يسيء إِلَى سمعة الصّبيان حينا ويلطخ سمعة النِّسَاء حينا اخر وَلم يكن يمر يَوْم دون أَن يَأْتِي إِلَيّ عشرَة مِنْهُم يشكونه ويتذمرون من شَره إِنَّنِي لفي طلبه مُنْذُ وَقت طَوِيل لقد قَالَ الْأَمِير كثيرا من هَذَا حَتَّى ان القتى رغب فِي أَن يضْربُوا عُنُقه تخلصا من كام لِسَانه ثمَّ أَمر الْأَمِير بإحضار بضعَة سياط جَيِّدَة وَقَالَ ألقوه على الأَرْض وأجلسوا على رَأسه وَرجلَيْهِ واجلدوه أَرْبَعِينَ سَوْطًا بِنَحْوِ يعَض فِيهِ الأَرْض باسنانه
وَلما كَانُوا يرغبون فِي إِيدَاع الْفَتى السجْن بعد جلده حضر مَا يَرْبُو على خمسين رجلا من الوجهاء المعروفين فَشَهِدُوا لَهُ بالصلاح والستر والمروءة وكرم الضِّيَافَة وَحسن السِّيرَة والاعتقاد وتشفعوا لَهُ بالإفراج عَنهُ بعد جلده على أَن يقدم هَدِيَّة أَيْضا تغير أَن الْأَمِير لم يحفظ لَهُم حُرْمَة وَلم يعرهم اهتماما وأودعه السجْن فعادوا وهم عَلَيْهِ ساخطون حاقدون وَالنَّاس يدعونَ عَلَيْهِ ويلعنونه ونهض وَصَارَ إِلَى حجرته وَعَاد الْخَادِم النديم فَأطلع سَيّده على كل مَا جرى
стр. 139
وَفِي الْيَوْم الثَّالِث مضى النديم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون وتلا عَلَيْهِ مَا سمع من سيرة أَمِيري الحرس وسلوكهما فتملك الْمَأْمُون الْعجب وَقَالَ عَفا الله عَن هَذَا الشَّيْخ المسن وعَلى ذَلِك الْكَلْب اللَّعْنَة فَلَقَد ارْتكب سفاهة بِحَق رجل شرِيف سَكرَان فَمَا ترَاهُ وَالْعِيَاذ بِاللَّه يفعل بالقاتل وَأمر بتنحيته عَن إِمَارَة الحرس وعزله مِنْهَا وَإِخْرَاج الْفَتى من السجْن أما الْأَمِير المسن فأبقاه فِي منصبه وخلع عَلَيْهِ خلعة من جَدِيد وارتاح باله من شَتَّى الْوُجُوه
стр. 140
الْفَصْل الْأَرْبَعُونَ
فِي ترفق الْملك بِخلق الله ورد كل مَا يحيد من الْأُمُور وَالْقَوَاعِد عَن نصابه إِلَيْهِ
إِن المملكة أَيَّة مملكة معرضة للابتلاء فِي اي وَقت بنازلة سَمَاوِيَّة وطالع سوء ونحس كَأَن يتَحَوَّل الحكم فِيهَا من اسرة الى اخرى اَوْ تضطرب امورها فتشتعل نَار الْفِتَن والاضطرابات وتسل السيوف فيكثر الْقَتْل والحرق والغارة وَالظُّلم وَفِي اوقات الْفِتَن وَالِاضْطِرَاب هَذِه يُعَاقب الشرفاء وينحون ويتولى الارذال مقاليد الْأُمُور فَيعْمل الْقوي مِنْهُم مَا يحلو لَهُ وتسوء حَال المصلحين ويضعف امرهم وتقوى شوكتة المفسدين ويصل الأدنون الى الامارة ويسود المنحطون والسفلة وينحى الاصلاء والفضلاء ويحرمون وَلَا يتورع الاذلاء من ان يطلقوا على انفسهم القاب الْملك والوزير فيتقلب الاتراك بالخواجات وَهَؤُلَاء بِالتّرْكِ ويتخذ التّرْك وَالْفرس مَعًا ألقاب الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة وتتصدى نسَاء البلاط للْحكم والسلطة وتضعف أُمُور الشَّرْع وَيُصْبِح النَّاس فوضى ويتطاول الْجند ويمحى التمايز بَين النَّاس فَلَا يبْقى للأمور من يتداركها فَلَيْسَ بَعيدا أَن يتَّخذ التركي عشرَة موَالٍ وَلَيْسَ عَيْبا أَن يكون للفارسي عشرَة موَالٍ من التّرْك والأمراء بذا تخرج أُمُور المملكة عَن أنظمتها وقواعدها وتنهار أما الْملك فَلَا تتاح لَهُ لقلقه وتحيره وانشغاله بالحروب فرْصَة التفرغ لتِلْك الْأُمُور أَو التفكير فِيهَا
وَمَعَ أول طالع سعد سماوي وأفول أَيَّام النحس والتعاسة وإقبال زمن الْأَمْن والرخاء يظْهر الله تَعَالَى فِي النَّاس ملكا عادلا عَاقِلا مَا أحفاد الْمُلُوك ويهبه ملكا يُمكنهُ من قهر الْخُصُوم وإذلالهم جَمِيعًا ويمنحه علما وعقلا للتمييز بَين الْأُمُور والاستفسار والتحري عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ تقاليد الْمُلُوك السالفين وقواعدهم فِي شَتَّى الْأُمُور والموضوعات ولاستنطاق الْكتب والأسفار ومطالعتها وَلنْ يمر طَوِيل وَقت حَتَّى يُعِيد نظام الْملك وقواعدة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وَيظْهر للنَّاس أقدارهم فَينزل ذَوي الجدارة مَنَازِلهمْ الْحَقِيقَة بهم
стр. 141
وَيحد من سلطة اللائقين والمتسللين ويحيلهم إِلَى أَعْمَالهم وحرفهم ويمحو كفرة النعم من على وَجه الأَرْض ويؤازر أنصار الدّين وأعداء الظُّلم ويقمع الْبدع والأهواء بِإِذن الله وَحسن توفيقه وتذكر الان نماذج لغيض من فيض مَا قد يَقع من أَحْدَاث لتَكون أَدِلَّة على خُرُوج الْأُمُور عَن أُصُولهَا وقواعدها وليتأملها سُلْطَان الْعَالم خلد الله ملكه فِي كل مايصدر من أوَامِر وَأَحْكَام إِن شَاءَ الله
فَمن الْأُمُور الَّتِي أبقى عَلَيْهَا الْمُلُوك فِي مُخْتَلف الأعصر إكرام أَبنَاء الْمُلُوك وَعدم تَركهم نهبا للضياع والحرمان إِذْ جعلُوا لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لكفاف عيشهم حَتَّى تظل بيوتاتهم على مَا كنت عَلَيْهِ من قبل وَجعلُوا للسادة والعظماء والمستحقين وَالْعُلَمَاء والعلويين والمصلحين والمستورين والغزاة والمرابطين فِي الثغور وَأهل الْقرَان نَصِيبا من بَيت المَال حَتَّى إِن أحدا لم يبْق محروما على عَهدهم فكسبوا بذلك دُعَاء النَّاس لَهُم بِالْخَيرِ وثواب الدُّنْيَا والاخرة
أَفعَال خير الرشيد وزبيدة
يُقَال أَن جمَاعَة من الْمُسْتَحقّين رفعوا إِلَى هَارُون الرشيد مظْلمَة فِيهَا نَحن عباد الله وَأَبْنَاء هَذَا الْعَصْر بَعْضنَا أهل قرَان وَعلم وبعضنا أهل شرف ورفعة وبعضنا من لاباءهم حُقُوق على هَذِه الدولة لما قدموه لَهَا من خدمات حميدة نافعة وَقد عنينا نَحن المشاق والأتعاب ايضا إننا مُسلمُونَ أنقياء لنا نصيب فِي بَيت المَال الَّذِي فِي حوزتك لِأَنَّك خَليفَة الأَرْض وأمير الْمُؤمنِينَ ان يكن المَال للعباد فأتفق علينا مِنْهُ فَنحْن مُؤمنُونَ ومستحقون أما أَنْت حَافِظًا لِلْمَالِ وَخَلِيفَة فَلَا يصيبك مِنْهُ أَكثر من عشر وَفِي هَذَا كفافك فِي حِين أَنَّك تنْفق الالاف يوميا على الشَّهَوَات والأرزاق والأطعمة وَنحن لَا نجد الْخبز وَمن عجب انه يظنّ أَي الرشيد أَن مَا فِي بَيت المَال مَاله ان يستقطع لنا نصيبنا فبها وَإِلَّا فسنلوذ بِهِ إِلَى الله متظلمين وملتمسين نزع بَيت المَال مِنْهُ وَوَضعه فِي يَد ذِي شَفَقَة وَرَحْمَة على الْمُسلمين مِمَّن يدخرون الذَّهَب وَالنعَم من أجل الْعباد لَا الْعباد من أجلهَا لما قَرَأَ الرشيد الرسَالَة تغير لَونه وَلم يجب عَنْهَا فِي يَوْمه ذَاك وَعَاد من البلاط إِلَى قصره الْخَاص قلقا مضطربا وَلَا رَأَتْ زبيدة الرشيد على غير عَادَته وطبعه سَأَلته مَاذَا جرى لأمير المؤنين فَقَالَ لَهَا لقد كتبُوا إِلَيّ كَذَا وَكَذَا لَو لم يخوفوني بِاللَّه لعاقبتهم قَالَ زبيدة لقد أَحْسَنت فِي عدم إيذائك إيَّاهُم فقد ورثت الْخلَافَة كَابِرًا
стр. 142
عَن كَابر وورثت مَعهَا سيرهم وشمائلهم وطباعهم وأفعالهم أَيْضا انْظُر مَا فعل الْخُلَفَاء قبلك مَعَ عباد الله وانح نحوهم فالسيادة وَالْعَظَمَة وَالْملك لَا تزهو بِغَيْر الْعدْل والبذل فَذا يجْرِي فِي مُسْتَقر ذَاك لَيْسَ من شكّ فِي أَن مَا فِي بَيت المَال للْمُسلمين وَأَنت تنْفق مِنْهُ شَيْئا كثيرا أنْفق من أَمْوَال الْمُسلمين بِالْقدرِ الَّذِي تريدهم أَن ينفقوا من أموالك وَإِلَّا فهم معذورون فِي تضجرهم وتشكيهم مِنْك
وَحدث ان رأى كل مِنْهُمَا فِي منامة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن السَّاعَة قَامَت وأحضر الْخَلَائق يساقون وَاحِدًا وَاحِدًا لِلْحسابِ والمصطفى صلى الله عَلَيْهِ واله يتشفع لَهُم فيمضون إِلَى الْجنَّة وامسك أحد الملائك بيديهما الرشيد وزبيدة ليأخذهما إِلَى مَكَان الْحساب فاعترضه ملك اخر وَقَالَ إِلَى أَيْن أَنْت مَاض بهما لقد أَرْسلنِي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ واله وَقَالَ لَا تدعهما يتقدمان مَا دمت حَاضرا لِئَلَّا يَعْتَرِينِي فيهمَا الخجل وَلَا استطيع ان أَقُول بشانهما شَيْئا لِأَنَّهُمَا حسبا أَن أَمْوَال الْمُسلمين أموالهما فحرما الْمُسْتَحقّين ونصبا نفسيهما مَكَاني وأفاقا من نومهما حيرانين ذاهلين فَقَالَ هَارُون لزبيدة مَا دهاك قَالَت رَأَيْت فِي مَنَامِي كَذَا وَكَذَا فاعتراني الْفَزع قَالَ هَارُون وَرَأَيْت مثل هَذَا فِي الْمَنَام أَيْضا ثمَّ شكر الله تَعَالَى على أَن الْبَعْث كَانَ رُؤْيا لَا حَقِيقَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي فتحا بَاب الخزانة وأمرا مناديا يُنَادي فِي النَّاس على الْمُسْتَحقّين أَن يحضروا لنعطي كلا من بَيت المَال نصيبة ونوفيه حَاجته وَمرَاده
فتدافع النَّاس بِكَثْرَة حَتَّى بلغ مَا قسم الرشيد من أعطيات وجرايات ثَلَاثَة الاف ألف دِينَار ثمَّ قَالَت زبيدة للرشيد إِن بَيت المَال فِي حوزتك وَأَنت الَّذِي سَوف تسئل عَنهُ فِي الاخرة لَا أَنا اعْلَم أَنَّك بإزاحة عبء بعض الْأُمُور عَن كاهلك وَالْخُرُوج من عهدتها قد أصبت تَوْفِيقًا فِي هَذَا الْأَمر ان مَا أَعْطيته الْمُسلمين لم يكن إِلَّا من أَمْوَال الْمُسلمين أما أَنا فسأعطي النَّاس من اموالي الْخَاصَّة ابْتِغَاء رضى الله وثواب الدَّار الاخرة إِنَّنِي أعلم علم الْيَقِين أَن لَا بُد من الرحيل عَن هَذَا الْعَالم وَترك النِّعْمَة والثروة وَعلي أَن أقدم بنفسي زادا من دنياي لاخرتي
وأخرجت زبيدة مَا يُسَاوِي بضعَة الاف ألف دِينَار من الْجَوَاهِر وَالْفِضَّة وَالثيَاب من
стр. 143
خزائنها وَقَالَت يجب أَن ينْفق هَذَا كُله فِي سبل الْخَيْر ليظل أَثَره وَدُعَاء النَّاس بِالْخَيرِ يترى إِلَى يَوْم الدّين
وَأمرت زبيدة بِحَفر الابار الْكَبِيرَة الواسعة وَإِقَامَة الأحواض وصهاريج المَاء فِي كل مرحلة من المراحل الممتدة على طَرِيق الْحَج من الْكُوفَة إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة على أَن تبنى جَمِيعهَا من قمتها إِلَى قاعها بِالْحجرِ والاجر المشوي والجص والملاط لتوفير الْمِيَاه للحجيج فِي الصَّحرَاء الَّتِي كَانَ يَمُوت فِيهَا سنويا الاف الْحجَّاج عطشا
وخفرت الابار وأقيمت الأحواض والصهاريج وَزَاد مَعَ ذَلِك كثير من المَال فامرت زبيدة بتحصين الثغور والقلاع وَشِرَاء الأسلحة وَالْخَيْل والسهام للغزاة وَعدد من الضّيَاع والأملاك ليَكُون فِي كل حصن وقلعة من الطَّعَام والعلف والخيول مَا يَكْفِي عِنْد الضَّرُورَة ألف غاز أَو أَلفَيْنِ سنة كَامِلَة
وزادت ثمَّة أَمْوَال ايضا بنيت بهَا بامر زبيدة مَدِينَة مسورة بسور منيع من جهاتها الْأَرْبَع على حُدُود كاشغر وبلور وشنكان أطلق عَلَيْهَا اسْم بذخشان مَا زَالَت قَائِمَة وعامرة إِلَى الْيَوْم وأقيم حصن اخر قبالة راشت وفامر على حُدُود ختلان باسم واشجرد مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا أَيْضا وَمَا زَالَت خيوله ومخازن أسلحته بَاقِيَة على حَالهَا وانشىء على هَذَا النَّحْو رِبَاط بمساحة
стр. 144
مَدِينَة حَصِينَة فِي أسفيجاب مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا وَمن الْحُصُون الَّتِي بنيت أَيْضا حصن على طَرِيق خوارزم باسم فراوة وثان فِي دربند واخر فِي الاسكندرية وَعشرَة أُخْرَى كل وَاحِد مِنْهَا كالمدينة وعَلى الرغم من كل هَذَا الْعمرَان فقد زَادَت أَمْوَال أُخْرَى أمرت زبيدة بتوزيعها على الْمَسَاكِين والمجاورين فِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس
عمر بن الْخطاب وَالْمَرْأَة الفقيرة
قَالَ زيد بن أسلم كنت مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب إِذْ خرج لَيْلَة يعس أَحْوَال الرّعية بِنَفسِهِ فَلَمَّا تخطينا الْمَدِينَة إِذا بحائط خرب تنبعث مِنْهُ نَار فَقَالَ لي عمر يَا زيد هَلُمَّ بِنَا إِلَى ذَلِك الْمَكَان لنرى من ذَا الَّذِي يُوقد نَارا فِي منصف اللَّيْل فاتجهنا صَوبه وَلما اقتربنا مِنْهُ إِذا امْرَأَة قد وضعت قديرة على النَّار وأمامها طفلان نائمان وَهِي تَقول تعاليت يَا رب أنصفني من عمر فَهُوَ شبعان وَنحن جِيَاع
لما سمع عمر مِنْهَا ذَلِك قَالَ لي يَا زيد لقد وكلتني هَذِه الْمَرْأَة إِلَى الله من بَين كل خلقه ابق أَنْت هُنَا حَتَّى أقترب مِنْهَا وأستفسر عَن حَالهَا فاقترب مِنْهَا وَقَالَ مَاذَا تعدين من طَعَام فِي الْخَلَاء فِي منتصف اللَّيْل قَالَت إِنَّنِي امْرَأَة فقيرة لَيْسَ لي فِي الْمَدِينَة بَيت أملكهُ وَلَا ألوي على شَيْء أتيت إِلَى هَذَا الْمَكَان أمس خجلا من بكاء طفلي وصراخهما جوعا لأنني لَا أملك مَا أقوتهم بِهِ وَلِئَلَّا يعرف الْجِيرَان أَنَّهُمَا يَبْكِيَانِ جوعا لقد أسقط بيَدي فَكلما جعلا يَبْكِيَانِ جوعا ويطلبان طَعَاما أَضَع هَذِه القديرة على
стр. 145
النَّار وَأَقُول لَهما نَامَا واستريحا إِلَى أَن ينضج الطَّعَام فَأدْخل على قلبيهما السرُور وعَلى هَذَا الأمل ينامان وَحين يستيقظان وَلَا يجدان شَيْئا يعاودان الصُّرَاخ والبكاء وَلَقَد أنمتهم السَّاعَة بالتعلة نَفسهَا إننا لم نَأْكُل فِي هذَيْن الْيَوْمَيْنِ شَيْئا أما هَذِه الْقدر فَلَيْسَ فِيهَا سوى المَاء فتألم عمر وَقَالَ انه لحق أَن تَدعِي على عمر وتكليه إِلَى الله تَعَالَى وَقَالَ لَهَا وَلم تعرفه اصْبِرِي قَلِيلا وابق هُنَا حَتَّى أَعُود اليك وَتركهَا وَعَاد فَلَمَّا وصل الي قَالَ هيا بِنَا إِلَى بَيْتِي
وَلما وصلنا إِلَى بَاب بَيته وقفت عِنْده وَدخل هُوَ ثمَّ خرج يحمل جرابين على كَتفيهِ فَقَالَ لي لنعد ثَانِيَة إِلَى تِلْكَ المستورة فَقلت إِن يكن لَا بُد من الذّهاب إِلَى هُنَاكَ فَدَعْنِي أحمل الجرابين لأتكفل هَذَا العبء قَالَ عمر يَا زيد إِن تتعهد هَذَا العبء فَمن يتَوَلَّى عبء الذُّنُوب عَن عنق عمر
وَقطع عمر الطَّرِيق كلهَا بِحمْلِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة فَانْزِل الجرابين من على ظَهره وَوَضعهمَا امامها وَكَانَ فِي أَحدهمَا دَقِيق وَفِي الاخر أرز وحمص ودهن وأليه ثمَّ قَالَ لي يَا زيد اجْمَعْ مَا تَجِد هُنَا من سيح وقيصوم وأتني بِهِ بِسُرْعَة ورحت أسعى فِي طلب الْحَطب وَجمعه فِي حِين تنَاول عمر الْإِنَاء وأحضر مَاء وَغسل الْأرز والحمص وَوَضعهمَا فِي الْقدر وأضاف إِلَيْهِمَا دهنا وأليه ثمَّ صنع من الطحين كماجة كَبِيرَة وأتيته بالحطب فأعد الطَّعَام بِنَفسِهِ وصنع الكماجة على الْجَمْر لما نضج الْخبز وَالطَّعَام مَلأ عمر الْوِعَاء طَعَاما وفت الْخبز فِيهِ وَلما برد قَالَ للْمَرْأَة أيقظي الطفلين ليأكلا فأيقظتهما وَوضع الطَّعَام أمامهما وابتعد عَنْهُم ثمَّ بسط سجادته وَشرع يُصَلِّي وَلما نظر عمر إِلَيْهِم بعد مُضِيّ وَقت فَرَأى أَنهم قد شَبِعُوا جَمِيعًا أَن الطفلين يلاعبان الْأُم نَهَضَ من حَيْثُ هُوَ وَقَالَ أيتها الْمَرْأَة عَلَيْك بالطفلين وَأَنا بالجرابين وَزيد بِالْقدرِ والوعاء وهيا بِنَا إِلَى مَنْزِلك فَفَعَلُوا ومضوا
لما عَادَتْ الْمَرْأَة وأطفالها إِلَى الْبَيْت وَوضع عمر الجرابين ثمَّ هم بالعودة قَالَ للمراة ترفقي بعمر وارحميه وَلَا تكليه إِلَى الله بعد فَلَيْسَ لَهُ طَاقَة على عَذَابه وعتابه إِنَّه لَا يعلم الْغَيْب حَتَّى يعرف حَال كل فَرد كلي أَنْت وطفلاك مِمَّا أحضرت وأخبريني حَال نفاده لاتيك بِغَيْرِهِ
следующие страницы →