← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8345

سياست نامه = سير الملوك

نظام الملك

Полный текст (257 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَيحد من سلطة اللائقين والمتسللين ويحيلهم إِلَى أَعْمَالهم وحرفهم ويمحو كفرة النعم من على وَجه الأَرْض ويؤازر أنصار الدّين وأعداء الظُّلم ويقمع الْبدع والأهواء بِإِذن الله وَحسن توفيقه وتذكر الان نماذج لغيض من فيض مَا قد يَقع من أَحْدَاث لتَكون أَدِلَّة على خُرُوج الْأُمُور عَن أُصُولهَا وقواعدها وليتأملها سُلْطَان الْعَالم خلد الله ملكه فِي كل مايصدر من أوَامِر وَأَحْكَام إِن شَاءَ الله فَمن الْأُمُور الَّتِي أبقى عَلَيْهَا الْمُلُوك فِي مُخْتَلف الأعصر إكرام أَبنَاء الْمُلُوك وَعدم تَركهم نهبا للضياع والحرمان إِذْ جعلُوا لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لكفاف عيشهم حَتَّى تظل بيوتاتهم على مَا كنت عَلَيْهِ من قبل وَجعلُوا للسادة والعظماء والمستحقين وَالْعُلَمَاء والعلويين والمصلحين والمستورين والغزاة والمرابطين فِي الثغور وَأهل الْقرَان نَصِيبا من بَيت المَال حَتَّى إِن أحدا لم يبْق محروما على عَهدهم فكسبوا بذلك دُعَاء النَّاس لَهُم بِالْخَيرِ وثواب الدُّنْيَا والاخرة أَفعَال خير الرشيد وزبيدة يُقَال أَن جمَاعَة من الْمُسْتَحقّين رفعوا إِلَى هَارُون الرشيد مظْلمَة فِيهَا نَحن عباد الله وَأَبْنَاء هَذَا الْعَصْر بَعْضنَا أهل قرَان وَعلم وبعضنا أهل شرف ورفعة وبعضنا من لاباءهم حُقُوق على هَذِه الدولة لما قدموه لَهَا من خدمات حميدة نافعة وَقد عنينا نَحن المشاق والأتعاب ايضا إننا مُسلمُونَ أنقياء لنا نصيب فِي بَيت المَال الَّذِي فِي حوزتك لِأَنَّك خَليفَة الأَرْض وأمير الْمُؤمنِينَ ان يكن المَال للعباد فأتفق علينا مِنْهُ فَنحْن مُؤمنُونَ ومستحقون أما أَنْت حَافِظًا لِلْمَالِ وَخَلِيفَة فَلَا يصيبك مِنْهُ أَكثر من عشر وَفِي هَذَا كفافك فِي حِين أَنَّك تنْفق الالاف يوميا على الشَّهَوَات والأرزاق والأطعمة وَنحن لَا نجد الْخبز وَمن عجب انه يظنّ أَي الرشيد أَن مَا فِي بَيت المَال مَاله ان يستقطع لنا نصيبنا فبها وَإِلَّا فسنلوذ بِهِ إِلَى الله متظلمين وملتمسين نزع بَيت المَال مِنْهُ وَوَضعه فِي يَد ذِي شَفَقَة وَرَحْمَة على الْمُسلمين مِمَّن يدخرون الذَّهَب وَالنعَم من أجل الْعباد لَا الْعباد من أجلهَا لما قَرَأَ الرشيد الرسَالَة تغير لَونه وَلم يجب عَنْهَا فِي يَوْمه ذَاك وَعَاد من البلاط إِلَى قصره الْخَاص قلقا مضطربا وَلَا رَأَتْ زبيدة الرشيد على غير عَادَته وطبعه سَأَلته مَاذَا جرى لأمير المؤنين فَقَالَ لَهَا لقد كتبُوا إِلَيّ كَذَا وَكَذَا لَو لم يخوفوني بِاللَّه لعاقبتهم قَالَ زبيدة لقد أَحْسَنت فِي عدم إيذائك إيَّاهُم فقد ورثت الْخلَافَة كَابِرًا

стр. 142

عَن كَابر وورثت مَعهَا سيرهم وشمائلهم وطباعهم وأفعالهم أَيْضا انْظُر مَا فعل الْخُلَفَاء قبلك مَعَ عباد الله وانح نحوهم فالسيادة وَالْعَظَمَة وَالْملك لَا تزهو بِغَيْر الْعدْل والبذل فَذا يجْرِي فِي مُسْتَقر ذَاك لَيْسَ من شكّ فِي أَن مَا فِي بَيت المَال للْمُسلمين وَأَنت تنْفق مِنْهُ شَيْئا كثيرا أنْفق من أَمْوَال الْمُسلمين بِالْقدرِ الَّذِي تريدهم أَن ينفقوا من أموالك وَإِلَّا فهم معذورون فِي تضجرهم وتشكيهم مِنْك وَحدث ان رأى كل مِنْهُمَا فِي منامة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن السَّاعَة قَامَت وأحضر الْخَلَائق يساقون وَاحِدًا وَاحِدًا لِلْحسابِ والمصطفى صلى الله عَلَيْهِ واله يتشفع لَهُم فيمضون إِلَى الْجنَّة وامسك أحد الملائك بيديهما الرشيد وزبيدة ليأخذهما إِلَى مَكَان الْحساب فاعترضه ملك اخر وَقَالَ إِلَى أَيْن أَنْت مَاض بهما لقد أَرْسلنِي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ واله وَقَالَ لَا تدعهما يتقدمان مَا دمت حَاضرا لِئَلَّا يَعْتَرِينِي فيهمَا الخجل وَلَا استطيع ان أَقُول بشانهما شَيْئا لِأَنَّهُمَا حسبا أَن أَمْوَال الْمُسلمين أموالهما فحرما الْمُسْتَحقّين ونصبا نفسيهما مَكَاني وأفاقا من نومهما حيرانين ذاهلين فَقَالَ هَارُون لزبيدة مَا دهاك قَالَت رَأَيْت فِي مَنَامِي كَذَا وَكَذَا فاعتراني الْفَزع قَالَ هَارُون وَرَأَيْت مثل هَذَا فِي الْمَنَام أَيْضا ثمَّ شكر الله تَعَالَى على أَن الْبَعْث كَانَ رُؤْيا لَا حَقِيقَة وَفِي الْيَوْم التَّالِي فتحا بَاب الخزانة وأمرا مناديا يُنَادي فِي النَّاس على الْمُسْتَحقّين أَن يحضروا لنعطي كلا من بَيت المَال نصيبة ونوفيه حَاجته وَمرَاده فتدافع النَّاس بِكَثْرَة حَتَّى بلغ مَا قسم الرشيد من أعطيات وجرايات ثَلَاثَة الاف ألف دِينَار ثمَّ قَالَت زبيدة للرشيد إِن بَيت المَال فِي حوزتك وَأَنت الَّذِي سَوف تسئل عَنهُ فِي الاخرة لَا أَنا اعْلَم أَنَّك بإزاحة عبء بعض الْأُمُور عَن كاهلك وَالْخُرُوج من عهدتها قد أصبت تَوْفِيقًا فِي هَذَا الْأَمر ان مَا أَعْطيته الْمُسلمين لم يكن إِلَّا من أَمْوَال الْمُسلمين أما أَنا فسأعطي النَّاس من اموالي الْخَاصَّة ابْتِغَاء رضى الله وثواب الدَّار الاخرة إِنَّنِي أعلم علم الْيَقِين أَن لَا بُد من الرحيل عَن هَذَا الْعَالم وَترك النِّعْمَة والثروة وَعلي أَن أقدم بنفسي زادا من دنياي لاخرتي وأخرجت زبيدة مَا يُسَاوِي بضعَة الاف ألف دِينَار من الْجَوَاهِر وَالْفِضَّة وَالثيَاب من

стр. 143

خزائنها وَقَالَت يجب أَن ينْفق هَذَا كُله فِي سبل الْخَيْر ليظل أَثَره وَدُعَاء النَّاس بِالْخَيرِ يترى إِلَى يَوْم الدّين وَأمرت زبيدة بِحَفر الابار الْكَبِيرَة الواسعة وَإِقَامَة الأحواض وصهاريج المَاء فِي كل مرحلة من المراحل الممتدة على طَرِيق الْحَج من الْكُوفَة إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة على أَن تبنى جَمِيعهَا من قمتها إِلَى قاعها بِالْحجرِ والاجر المشوي والجص والملاط لتوفير الْمِيَاه للحجيج فِي الصَّحرَاء الَّتِي كَانَ يَمُوت فِيهَا سنويا الاف الْحجَّاج عطشا وخفرت الابار وأقيمت الأحواض والصهاريج وَزَاد مَعَ ذَلِك كثير من المَال فامرت زبيدة بتحصين الثغور والقلاع وَشِرَاء الأسلحة وَالْخَيْل والسهام للغزاة وَعدد من الضّيَاع والأملاك ليَكُون فِي كل حصن وقلعة من الطَّعَام والعلف والخيول مَا يَكْفِي عِنْد الضَّرُورَة ألف غاز أَو أَلفَيْنِ سنة كَامِلَة وزادت ثمَّة أَمْوَال ايضا بنيت بهَا بامر زبيدة مَدِينَة مسورة بسور منيع من جهاتها الْأَرْبَع على حُدُود كاشغر وبلور وشنكان أطلق عَلَيْهَا اسْم بذخشان مَا زَالَت قَائِمَة وعامرة إِلَى الْيَوْم وأقيم حصن اخر قبالة راشت وفامر على حُدُود ختلان باسم واشجرد مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا أَيْضا وَمَا زَالَت خيوله ومخازن أسلحته بَاقِيَة على حَالهَا وانشىء على هَذَا النَّحْو رِبَاط بمساحة

стр. 144

مَدِينَة حَصِينَة فِي أسفيجاب مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا وَمن الْحُصُون الَّتِي بنيت أَيْضا حصن على طَرِيق خوارزم باسم فراوة وثان فِي دربند واخر فِي الاسكندرية وَعشرَة أُخْرَى كل وَاحِد مِنْهَا كالمدينة وعَلى الرغم من كل هَذَا الْعمرَان فقد زَادَت أَمْوَال أُخْرَى أمرت زبيدة بتوزيعها على الْمَسَاكِين والمجاورين فِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس عمر بن الْخطاب وَالْمَرْأَة الفقيرة قَالَ زيد بن أسلم كنت مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب إِذْ خرج لَيْلَة يعس أَحْوَال الرّعية بِنَفسِهِ فَلَمَّا تخطينا الْمَدِينَة إِذا بحائط خرب تنبعث مِنْهُ نَار فَقَالَ لي عمر يَا زيد هَلُمَّ بِنَا إِلَى ذَلِك الْمَكَان لنرى من ذَا الَّذِي يُوقد نَارا فِي منصف اللَّيْل فاتجهنا صَوبه وَلما اقتربنا مِنْهُ إِذا امْرَأَة قد وضعت قديرة على النَّار وأمامها طفلان نائمان وَهِي تَقول تعاليت يَا رب أنصفني من عمر فَهُوَ شبعان وَنحن جِيَاع لما سمع عمر مِنْهَا ذَلِك قَالَ لي يَا زيد لقد وكلتني هَذِه الْمَرْأَة إِلَى الله من بَين كل خلقه ابق أَنْت هُنَا حَتَّى أقترب مِنْهَا وأستفسر عَن حَالهَا فاقترب مِنْهَا وَقَالَ مَاذَا تعدين من طَعَام فِي الْخَلَاء فِي منتصف اللَّيْل قَالَت إِنَّنِي امْرَأَة فقيرة لَيْسَ لي فِي الْمَدِينَة بَيت أملكهُ وَلَا ألوي على شَيْء أتيت إِلَى هَذَا الْمَكَان أمس خجلا من بكاء طفلي وصراخهما جوعا لأنني لَا أملك مَا أقوتهم بِهِ وَلِئَلَّا يعرف الْجِيرَان أَنَّهُمَا يَبْكِيَانِ جوعا لقد أسقط بيَدي فَكلما جعلا يَبْكِيَانِ جوعا ويطلبان طَعَاما أَضَع هَذِه القديرة على

стр. 145

النَّار وَأَقُول لَهما نَامَا واستريحا إِلَى أَن ينضج الطَّعَام فَأدْخل على قلبيهما السرُور وعَلى هَذَا الأمل ينامان وَحين يستيقظان وَلَا يجدان شَيْئا يعاودان الصُّرَاخ والبكاء وَلَقَد أنمتهم السَّاعَة بالتعلة نَفسهَا إننا لم نَأْكُل فِي هذَيْن الْيَوْمَيْنِ شَيْئا أما هَذِه الْقدر فَلَيْسَ فِيهَا سوى المَاء فتألم عمر وَقَالَ انه لحق أَن تَدعِي على عمر وتكليه إِلَى الله تَعَالَى وَقَالَ لَهَا وَلم تعرفه اصْبِرِي قَلِيلا وابق هُنَا حَتَّى أَعُود اليك وَتركهَا وَعَاد فَلَمَّا وصل الي قَالَ هيا بِنَا إِلَى بَيْتِي وَلما وصلنا إِلَى بَاب بَيته وقفت عِنْده وَدخل هُوَ ثمَّ خرج يحمل جرابين على كَتفيهِ فَقَالَ لي لنعد ثَانِيَة إِلَى تِلْكَ المستورة فَقلت إِن يكن لَا بُد من الذّهاب إِلَى هُنَاكَ فَدَعْنِي أحمل الجرابين لأتكفل هَذَا العبء قَالَ عمر يَا زيد إِن تتعهد هَذَا العبء فَمن يتَوَلَّى عبء الذُّنُوب عَن عنق عمر وَقطع عمر الطَّرِيق كلهَا بِحمْلِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة فَانْزِل الجرابين من على ظَهره وَوَضعهمَا امامها وَكَانَ فِي أَحدهمَا دَقِيق وَفِي الاخر أرز وحمص ودهن وأليه ثمَّ قَالَ لي يَا زيد اجْمَعْ مَا تَجِد هُنَا من سيح وقيصوم وأتني بِهِ بِسُرْعَة ورحت أسعى فِي طلب الْحَطب وَجمعه فِي حِين تنَاول عمر الْإِنَاء وأحضر مَاء وَغسل الْأرز والحمص وَوَضعهمَا فِي الْقدر وأضاف إِلَيْهِمَا دهنا وأليه ثمَّ صنع من الطحين كماجة كَبِيرَة وأتيته بالحطب فأعد الطَّعَام بِنَفسِهِ وصنع الكماجة على الْجَمْر لما نضج الْخبز وَالطَّعَام مَلأ عمر الْوِعَاء طَعَاما وفت الْخبز فِيهِ وَلما برد قَالَ للْمَرْأَة أيقظي الطفلين ليأكلا فأيقظتهما وَوضع الطَّعَام أمامهما وابتعد عَنْهُم ثمَّ بسط سجادته وَشرع يُصَلِّي وَلما نظر عمر إِلَيْهِم بعد مُضِيّ وَقت فَرَأى أَنهم قد شَبِعُوا جَمِيعًا أَن الطفلين يلاعبان الْأُم نَهَضَ من حَيْثُ هُوَ وَقَالَ أيتها الْمَرْأَة عَلَيْك بالطفلين وَأَنا بالجرابين وَزيد بِالْقدرِ والوعاء وهيا بِنَا إِلَى مَنْزِلك فَفَعَلُوا ومضوا لما عَادَتْ الْمَرْأَة وأطفالها إِلَى الْبَيْت وَوضع عمر الجرابين ثمَّ هم بالعودة قَالَ للمراة ترفقي بعمر وارحميه وَلَا تكليه إِلَى الله بعد فَلَيْسَ لَهُ طَاقَة على عَذَابه وعتابه إِنَّه لَا يعلم الْغَيْب حَتَّى يعرف حَال كل فَرد كلي أَنْت وطفلاك مِمَّا أحضرت وأخبريني حَال نفاده لاتيك بِغَيْرِهِ

стр. 146

مُوسَى ﵇ والرفق بِالْحَيَوَانِ يُقَال لما كَانَ مُوسَى ﵇ يرْعَى الْغنم يَوْمًا أَيَّام كَانَ رَاعيا للنَّبِي شُعَيْب ﵇ وَلما ياته الْوَحْي انْفَرَدت شَاة عَن القطيع فَأَرَادَ أَن يُعِيدهَا إِلَيْهِ غير أَن الشَّاة فرت وَمَضَت فِي الصَّحرَاء وَلما لم تَرَ القطيع استمرت فِي جريها من شدَّة الذعر وتبعها مُوسَى إِلَى فرسخين أَو ثَلَاثَة حَيْثُ أعياها الْجهد فَسَقَطت من الإعياء ألى حد لم تقو مَعَه على النهوض لما أدْركهَا مُوسَى رق لحالها وَقَالَ أيتها المسكينة لم كنت تهربين ومم كنت تَخَافِينَ وَلما رأى أَن لَا طَاقَة لَهَا على السّير أَهْوى إِلَيْهَا وَحملهَا إِلَى مقربة من القطيع فَمَا أَن وَقعت عَلَيْهِ عَيناهَا حَتَّى هش لَهُ قَلبهَا وعادت إِلَيْهَا قوتها وحيويتها فانزلها مُوسَى من على عُنُقه وهرعت الشَّاة إِلَى القطيع وانضمت إِلَيْهِ حينذاك نَادَى الْحق تَعَالَى ملائك السَّمَوَات وَقَالَ أرايتم ترفق عَبدِي بِتِلْكَ الشَّاة البكماء وَكَيف أَنه على مَا تكبده من جهد وتعب لم يؤذها بل واساها واحسن إِلَيْهَا وَعِزَّتِي لأرفعه ولأتخذه كليمي واجعله نَبيا وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب لظل النَّاس يتحدثون عَنهُ مدى الْحَيَاة ثمَّ وهبه كل هَذِه الكرامات الْحَاج الْمَرْوذِيّ وَالْكَلب الأجرب كَانَ فِي مَدِينَة مرو الروذ رجل يدعى الْحَاج الرئيس وَكَانَ محتشما مَشْهُورا وَذَا نعْمَة وضياع ومستغلات كَثِيرَة وَلم يكن بخراسان فِي زَمَانه من هُوَ أشهر مِنْهُ وأقدر خدم السلطانين مَحْمُودًا ومسعودا وَقد كُنَّا رايناه لقد زاول فِي فتوته وشبابه ضروب الاستبداد والوحشية والتعذيب والشدة فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال وابتزاها والمطالبة بهَا وتشتيت شَمل العائلات فَلم يكن ثمَّة أقسى وَأكْثر طيشا واستخفافا مِنْهُ غير أَنه صَحا من سباته فِي نِهَايَة الْأَمر فَكف عَن التسلط على النَّاس وإيذائهم وتحول إِلَى فعل الْخَيْر من مثل مواساة الْفُقَرَاء وإنشاء القناطر ومحطات الإستراحة على الطرقات ثمَّ حرر كثيرا

стр. 147

من العبيد وسدد دُيُون المفلسين والمعدمين وكسا الْيَتَامَى واعان الْحجَّاج والغزاة وبتى مَسْجِدا جَامعا فِي مدينته كَمَا أنشأ مَسْجِدا جَامعا عَظِيما بنيسابور وَبعد أَن قدم كثيرا من أَعمال الْخَيْر مضى لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج فِي أَيَّام الْأَمِير جغري ﵀ وَلما وصل إِلَى بَغْدَاد أَقَامَ بهَا حوالي شهر وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاء خرج من الْمنزل يَوْمًا فَرَأى فِي ممر بِالسوقِ كَلْبا شَدِيد الجرب وَقد تساقط شعره كُله عَن جِسْمه وأعياه الْأَلَم وَأَقْعَدَهُ تألم الرجل لحَال الْكَلْب وَقَالَ إِنَّه ذُو روح أَيْضا وَمن مخلوقات الله ثمَّ قَالَ لخادم لَهُ اذْهَبْ وأحضر منوي خبز ورسنا ووقف فِي مَكَانَهُ إِلَى أَن جَاءَهُ الْخَادِم بِمَا أَرَادَ فَأخذ يفتت الْخبز بِيَدِهِ ويلقي بِهِ أَمَام الْكَلْب إِلَى أَن أشبعه وأمنه وانذاك وضع الرسن فِي عُنُقه وَسلمهُ إِلَى الْخَادِم وَقَالَ خُذْهُ إِلَى الْبَيْت الَّذِي ننزل فِيهِ وَعَاد من السُّوق فَوْرًا وَلما وصل ألى الْبَيْت أَمر بشرَاء ثَلَاثَة منوات دهن وإذابتها على النَّار وإتيانه بهَا حَالا ثمَّ تنَاول قَضِيبًا خشبيا لف على رَأسه قِطْعَة قماش قديمَة وصوفا ونهض من مَكَانَهُ واقترب من الْكَلْب وَأخذ يغط الْقَضِيب بالوعاء الَّذِي فِيهِ الدّهن الْمُذَاب ويدهن جلد الْكَلْب بِيَدِهِ إِلَى أَن أَتَى عَلَيْهِ كُله ثمَّ قَالَ لخادم لَهُ لست باكثر وقار مني لَيْسَ بعائبي مَا قُمْت بِهِ وَيَنْبَغِي إِلَّا يعيبك وَأَنت خادمي أَيْضا أريدك أَن تدق مسمارا فِي الْحَائِط ترْبط بِهِ الْكَلْب وَأَن تقدم لَهُ منوي خبز يوميا الأول صباحا والاخر مسَاء وَأَن تدهن جلده بالدهن الْمُذَاب الْحَار مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم وتطعمه مَا يتبقى على السفرة من الْعظم وفتات الْخبز إِلَى أَن تتحسن حَاله وَشرع الْخَادِم بتنفيذ مَا أمره بِهِ سَيّده وَبعد أسبوعين إِذا الْكَلْب يَنْسَلِخ عَنهُ الجرب وينبت الشّعْر فِي جلده ويسمن جيدا وتتحسن حَاله بِحَيْثُ لم يعد سهلا إِخْرَاجه حَتَّى بالعصا من ذَلِك الْبَيْت وَمضى الْحَاج الرئيس بالقافلة فَأدى فَرِيضَة الْحَج وَأنْفق فِي تِلْكَ الطَّرِيق مَالا كثيرا ثمَّ عَاد إِلَى مرو الروذ الَّتِي توفّي فِيهَا بعد سنوات وَبعد انْقِضَاء مُدَّة على وَفَاته رَاه اُحْدُ الزهاد فِي الْمَنَام على براق والحور الغلمان من خَلفه وامامه وَمن على يَمِينه ويساره يسوقونه ببطء فرحين ضاحكين فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة فهرع نَحوه وَسلم عَلَيْهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا ان شدّ إِلَيْهِ عنَاق الْبراق ورد على الزَّاهِد السَّلَام فَسَأَلَهُ الزَّاهِد يَا فلَان

стр. 148

لقد كنت فِي بَدْء حياتك رجلا مُؤْذِيًا للنَّاس غير رَحِيم بهم متطولا عَلَيْهِم لكنك لما أَفَقْت من سباتك كَفَفْت عَن إيذائهم وَعدلت عَن سيرتك الأولى حَتَّى ان مَا قُمْت بِهِ من عمل الْخَيْر وبذل الصَّدقَات وإنفاق الْأَمْوَال على الْمُسْتَحقّين لم يقم بِهِ أحد فضلا عَن أدائك فَرِيضَة الْحَج قل لي بِأَيّ عمل بلغت الدرجَة الَّتِي أَنْت فِيهَا الان فَقَالَ أَيهَا الزَّاهِد لقد عجبت فِي أَمر الله تَعَالَى وَمن الْأَفْضَل أَن تعْتَبر أَنْت ايضا وَلَا تتكىء على الطَّاعَة وتغتر بِالْعبَادَة كثيرا اعْلَم أَن مَكَاني كَانَ معدا فِي جَهَنَّم للمعاصي الَّتِي كنت أرتكبها فِي شَبَابِي وَأَن لم تكن ثمَّة فَائِدَة لما قدمت من طَاعَة وأنفقت من خيرات بعد ذَلِك وان كل صَلَاتي وصومي قد رميت فِي وَجْهي وَأَنا فِي النزع الْأَخير وان الطَّاعَات وَالصَّدقَات والخيرات والمساجد والماوي والجسور وَأَدَاء فَرِيضَة الْحَج ذهبت كلهَا هباء منثورا وَأَن الياس بلغ بِي حدا قطعت مَعَه الأمل فِي الْجنَّة وايقنت أَن لَا بُد من عَذَاب النَّار والأصوات تتهادى إِلَى سَمْعِي ان لقد كنت كَلْبا من كلاب الدُّنْيَا لكننا غفرنا لَك ومحونا عَنْك جَمِيع مَعَاصِيك فأدخلناك الْجنَّة وحرمنا عَلَيْك النَّار بإحسانك إِلَى كلب خلعت لَهُ عَنْك رِدَاء الْكبر وَرَحمته وترفقت بِهِ ثمَّ رَأَيْت ملائك الرَّحْمَة اتين مُسْرِعين كالبرق فخلصوني من ايدي مَلَائِكَة الْعَذَاب ومضوا بِي إِلَى الْجنَّة ان ذَلِك الْعَمَل هُوَ الوحيد الَّذِي انتشلني من بَين طاعاتي كلهَا من حَال الشَّقَاء تِلْكَ لقد ذكرت هَذِه الْحِكَايَة ليعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه أَن الْإِحْسَان خصْلَة جَيِّدَة حميدة فَفِي إِحْسَان مُوسَى ﵇ إِلَى الشَّاة والحاج الرئيس إِلَى الْكَلْب نالا مَا نالا من دَرَجَات فِي الدُّنْيَا والاخرة من هُنَا يعرف إِذن ثَوَاب الله لمن يحسن إِلَى مُسلم معوز وَيَأْخُذ بِيَدِهِ ولخشية ملك الزَّمَان ربه وتقديرة عواقب الْأُمُور فَمَا كَانَ إِلَّا عادلا فِي كل حَال وَمَا كَانَ الْعَادِل إِلَّا محسنا وكريما وَإِن يكن الْملك على هَذَا النَّحْو فَإِن جَمِيع عماله وأفراد جَيْشه يتبعُون منواله ويقتدرون بِهِ وَلَا جرم من أَن ينعم خلق الله ويجنوا ثَمَرَات هَذَا فِي الدُّنْيَا والاخرة إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ من عَادَة الْمُلُوك اليقظين أَن يرعوا حُرْمَة المسنين المجربين جَوَاب الافاق وَأَن يتعهدوا الماهرين فِي الْأَعْمَال والعارفين بشؤون الْحَرْب بِأَن يجْعَلُوا لكل مِنْهُم مقَاما ومنزلة أثيرة لديهم لقد كَانُوا يتدبرون مَعَ الْحُكَمَاء والمسنين الَّذين طوفوا الافاق الْأُمُور الَّتِي ترتبط بشؤون المملكة ومصالحها وعمرانها وأبنيتها الرفيعة والأمور الَّتِي تتصل بترقية

стр. 149

هَذَا وتنحية ذَاك وَإِقَامَة علاقات مَعَ الاخرين والتعرف إِلَى أَحْوَال المملكة والتحقق من أُمُور الدّين وأمثالها وَكَانُوا إِذا مَا جد طارىء عدواني وحربي يتخذون التدابير كلهَا مَعَ من مارسوا الحروب وَلَهُم فِيهَا خبرات وتجارب كَثِيرَة فَيَأْتِي الْأَمر وفَاقا للهدف المرسوم وَكَانُوا إِذا مَا نشبت الْحَرْب يرسلون إِلَيْهَا من خَاضَ غمار المعارك الْكَثِيرَة وَهزمَ الجيوش العديدة واحتل القلاع وذاع اسْمه فِي الْعَالم باسم الرجل الشجاع وَكَانُوا على الرغم من كل هَذَا يرسلون شخصا مسنا مِمَّن جابوا الْبِلَاد وَمن ذَوي الخبرات لتجنب الْوُقُوع فِي الْخَطَأ لَكِن من يحدث الان انه إِذا مَا طَرَأَ طارىء ينْدب لَهُ من لَا خبْرَة لَهُم من الْأَطْفَال والسباب المبتدئين وَمن هُنَا يبرز الْخَطَأ أَنه لمن الصَّوَاب درءا للأخطار أَن تتَّخذ الاحتياطات والمحاذير الكافية فِي هَذَا الْمَوْضُوع دَائِما فصل فِي الألقاب فكثرت الألقاب كَثْرَة هائلة وَكلما كثرت ذهب بهاؤها وَقلت أهميتها كَانَ الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء يضنون دَائِما فِي المخاطبة بِالْأَلْقَابِ ومنحها لِأَن الْحفاظ على ألقاب الْأَشْخَاص ومراتبهم وأقدارهم جُزْء من شرف المملكة فَإِذا مَا كَانَ لقب تَاجر مَا أَو زارع ولقب رجل أخر وجيه مَعْرُوف وَاحِد لَا يكون ثمَّة فرق بَين الْإِثْنَيْنِ وَيُصْبِح مقَام الْمَعْرُوف والمغمور وَاحِدًا إِذن واذا مَا كَانَ لقب أَي إِمَام أَو عَالم أَو قَاض معِين الدولة ولقب أَي غُلَام أَو رَئِيس تركي مِمَّن لَا يَدْرُونَ من الْعلم والشريعة شَيْئا وَلَا يعْرفُونَ الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة معِين الدولة أَيْضا فَأَي فرق يبْقى إِذن بَين الْعَالم وَالْجَاهِل وَبَين الْقُضَاة وغلمان التّرْك فِي الْمنزلَة فلقبهم وَاحِد وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيح كَانَت القاب امراء التّرْك دَائِما من مثل حسام الدولة وَسيف الدولة وَيَمِين الدولة وشمس الدولة وامثالها أما ألقاب الخواجات والعمداء والمتصرفين فَكَانَت من مثل عميد الْملك وظهير الْملك وقوام الْملك ونظام

стр. 150

الْملك وَكَمَال الْملك غير أَن هذاالتفاوت قد زَالَ الان فالأتراك يتلقبون بألقاب الْفرس وَالْفرس يتلقبون بألقاب التّرْك دون أَن يرَوا فِي هَذَا غَضَاضَة لقد كَانَ اللقب عَزِيزًا دَائِما السُّلْطَان مَحْمُود وَطَلَبه الألقاب من الْخَلِيفَة لما تولى السُّلْطَان مَحْمُود السلطنة طلب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه أَن يمنحه لقبا فمنحه لقب يَمِين الدولة وَبعد أَن استولى مَحْمُود على ولايتي نيمروز وخراسان وعَلى مدن وولايات لَا حد لَهَا فِي الْهِنْد اذ وصل إِلَى سومنات وجلب مَعَه مَنَاة كَمَا استولى على سَمَرْقَنْد وخوارزم ثمَّ مضى ألى قوستان الْعرَاق ثمَّ استولى على الرّيّ وأصفهان وهمدان وطبرستان بعد كل هَذَا أرسل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُولا محملًا بالهدايا والتحف الْكَثِيرَة يطْلب إِلَيْهِ مزيدا من الألقاب لَكِن الْخَلِيفَة لم يجبهُ إِلَى طلبه وَيُقَال أَنه أَي مَحْمُود بعث رَسُوله بالهدايا إِلَيْهِ أَكثر من عشرات مَرَّات دون جدوى لَكِن الْخَلِيفَة منح خاقَان سَمَرْقَنْد ثَلَاثَة ألقاب ظهير الدولة ومعين خَليفَة الله وَملك الشرق والصين فغبطه مَحْمُود عَلَيْهِ وأخذته الْغيرَة فَأرْسل رَسُوله إِلَى الْخَلِيفَة مرّة أُخْرَى وَقَالَ لقد فتحت فِي بِلَاد الْكفْر الْفتُوح ووطدت عز الْإِسْلَام فِي الْهِنْد وخرسان وَالْعراق واستوليت على مَا وَرَاء النَّهر وَكنت أُحَارب بِالسَّيْفِ بِاسْمِك ان الخاقان وَهُوَ الان من مطيعي وعمالي يمنح ثَلَاثَة ألقاب فِي حِين أمنح أَنا لقبا وَاحِدًا بعد كثير من الْهَدَايَا والالتماسات فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة اللقب تشريف للرجل يزْدَاد بِهِ شرفا ويعرفه بِهِ الْمَلأ أَيْضا اعْلَم أَن للنَّاس أَسمَاء وَضعهَا لَهُم اباؤهم وأمهاتهم وكنى وضعوها هم لانفسهم وألقابا يمنحها الْملك إيَّاهُم وَأَن مَا زَاد على هَذِه الثَّلَاثَة حَشْو وباطل وَكذب والعاقل لَا ينطلي عَلَيْهِ الْبَاطِل والمحال ان النَّاس يدعونَ الْإِنْسَان باسمه فِي صغرة وَهَذَا مَا يُرْضِي وَالِديهِ لِأَنَّهُمَا هما اللَّذَان اختارا لَهُ هَذَا الِاسْم لكنه مَا أَن يصير رجلا يُمَيّز الْحسن من الْقَبِيح جيدا حَتَّى يخْتَار بِوَحْي عقله وفكره وَعلمه كنية لنَفسِهِ وكما قيل الكنى بالمنى وَمن ثمَّ يَدعُوهُ النَّاس تَعْظِيمًا لَهُ بالكنية الَّتِي اخْتَارَهَا ليفرح بِهَذَا وَيسر

стр. 151

فَإِذا مَا أبدى امْرُؤ لياقة ومهارة فِي المملكة وَالْأمة فَإِن الْملك يمنحه لقبا على سَبِيل التشريف على قدره يظهره على أقرانه وَيجْعَل لَهُ فضلا عَلَيْهِم فَيكون من يمنحه الْملك أَو الْخَلِيفَة لقبا أفضل مِمَّا منحه إِيَّاه وَالِده وَمِمَّا اخْتَار هُوَ لنَفسِهِ وَمن ثمَّ يَدعُوهُ النَّاس بِمَا خلعه عَلَيْهِ الْملك وَذَلِكَ هُوَ اللقب إِن كل مَا يتخطى هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة من ألقاب لَيْسَ سوى لقب حسب ان الخاقان لقَلِيل علمه وَهُوَ تركي من أُمَرَاء الْأَطْرَاف وَلَقَد أجبناه لطلبته لقلَّة علمه ورعاية لشرفه أما أَنْت فلعلى معرفَة بِكُل علم وَمنا قريب إِن رَأينَا فِيك وثقتنا بك واعتمادنا عَلَيْك وتيقننا من تدينك لأَفْضَل وَأَرْفَع وَأكْثر من أَن تطلب إِلَيْنَا لقبا يحري على أَلْسِنَة النَّاس ويسطر فِي كتاب أَو أَن تتَوَقَّع مَا يتوقعه قليلو الْمعرفَة وَالْعلم وَأسْقط بيد مَحْمُود لما سمع هَذَا الْجَواب غير انه كَانَ ثمَّة امراة تركية الأَصْل تقْرَأ تكْتب تعرف اللُّغَة حلوة الحَدِيث وَكَانَت هَذِه الْمَرْأَة تؤم قصر مَحْمُود دَائِما تَتَحَدَّث إِلَيْهِ وتطايبه وتمازحه وتعاشره وتقرأ بَين يَدَيْهِ كتبا وحكايات فارسية وَكَانَت جريئة مَعَه إِلَى أبعد مدى فَفِي حِين كَانَت تجالسه يَوْمًا وتطايبه قَالَ لَهَا لقد جهدت كثيرا فِي أَن يزِيد الْخَلِيفَة فِي لقبي لكنه لم يفعل على حِين ان للخاقان وَهُوَ من مسخري عدَّة ألقاب وَلَيْسَ لي سوى لقب وَاحِد لَو أَن شخصا يَسْتَطِيع سَرقَة عهد الْخَلِيفَة إِلَى الخاقان أَو الْحُصُول عَلَيْهِ بطريقة من الطّرق ويأتيني بِهِ لأعطيته مَا يُرِيد قَالَت الْمَرْأَة يَا مولَايَ أَنا الَّذِي سأذهب وأحضر الْعَهْد على أَن تُعْطِينِي مَا أُرِيد قَالَ مَحْمُود لَك هَذَا قَالَت الْمَرْأَة لَيْسَ لدي من المَال مَا أفديه لتحقييق رَغْبَة مولَايَ ان تجْعَل لي مدَدا من الخزينة فإمَّا أَن أضحي بروحي فِي سَبِيل هَذَا الْأَمر وأقضي دونه وَإِمَّا أَن أحقق مُرَاد مولَايَ قَالَ اطلبي مَا تشائين ثمَّ أَعْطَاهَا مَا طلبت من المَال والثروة والجواهر والملابس والأنعام والتحف والهدايا ومؤونة الطَّرِيق واصطحبت الْمَرْأَة ابْنهَا الَّذِي كَانَ فِي الرَّابِعَة عشرَة من عمره وَالَّذِي كَانَت عهِدت بِهِ إِلَى مؤدب لتأديبه وتعليمه وَمَضَت من غزنين إِلَى كاشغر حَيْثُ اشترت عددا من الغلمان التّرْك والجواري وَأَشْيَاء كَثِيرَة من التحف والمسك وَالْحَرِير والطرقو وامثالها

стр. 152

مِمَّا كَانَ يُؤْتى بِهِ من خطا والصين ثمَّ مَضَت فِي صُحْبَة التُّجَّار إِلَى أوزجند وَمِنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْد وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام ذهبت للسلام على الخاتون جَارِيَة تركية اية فِي الْجمال تحمل إِلَيْهَا أَشْيَاء كَثِيرَة من تحف الصين وخطا ثمَّ قَالَت لَهَا كَانَ لي زوج تَاجر يجوب الْعَالم ويصحبني مَعَه وَلَقَد كَانَ يَنْوِي الذّهاب إِلَى خطا لكنه لما وصل إِلَى ختن أسلم فِيهَا الرّوح حِينَئِذٍ عدت من هُنَاكَ وَجئْت إِلَى كاشغر وحملت معي هَدِيَّة إِلَى خانها أميرها فقابلت خاتونه زوجه وَقلت لَهَا كَانَ زَوجي اُحْدُ خدم الخاقان الْأَجَل وَكنت أَنا جَارِيَة خاتون خاقاني لكنهما أعتقاني وزوجاني من ذَلِك الرجل الَّذِي أنجبت مِنْهُ هَذَا الصَّبِي وَزَوْجي مُقيم المثوى فِي ختن حَيْثُ الْتحق بالرفيق الْأَعْلَى ان هَذَا الْقدر الَّذِي خَلفه بعده لَيْسَ سوى مَا وهبه إِيَّاه الخاقان الْأَجَل والخاتون أما الان فإنني لأتطلع إِلَى عدل الخاقان الْأَجَل وعلو همته بِأَن يشملني وَهَذَا الْيَتِيم بعطفه ورعايته فيأمر بإرسالنا مَعَ دَلِيل جيد إِلَى جَانب أوزجند وسمرقند وسوف نظل نلهج بمدحكم وَالثنَاء عَلَيْكُم وَالدُّعَاء لكم مَا حيينا لقد قَالَ لنا خَان كاشغر وَزَوْجَة قولا كَرِيمًا واكرما وفادتنا وودعانا وكتبا رِسَالَة إِلَى خَان أوزجند ليحسن معاملتنا ويرسلنا فِي صُحْبَة حميدة إِلَى سَمَرْقَنْد وَهَا نَحن أَولا نحل عقد رحالنا الان بسمرقند فِي ظلّ دولتكم ومنعتكم حَيْثُ لَا عدل الْيَوْم مثل عدلكم فِي الْعَالم كُله وَلَا إنصاف مثل إنصافكم فَلَقَد كَانَ زَوجي يَقُول دَائِما إِن ييتح لي الْوُصُول إِلَى سَمَرْقَنْد فَلَنْ أبرحها أبدا لقد جَاءَ بِي اسمكم وشهرتكم إِلَى هُنَا فَإِن تروا أَن فِي مصلحتكم قبولي وإحاطتي بعنايتكم وعطفكم أحط الرّحال هُنَا ثمَّ أبيع مَا لدي من اشياء وأشتري بهَا منزلا وضيعة بِالْقدرِ الَّذِي يُؤمن لنا قوتنا وأقوم على خدمتكم واربي هَذَا الصَّبِي الَّذِي امل أَن يَهبهُ الله ببركاتكم السَّعَادَة والتوفيق فَقَالَت الخاتون لَهَا لَا تقلقي فَلَنْ الو جهدا فِي إكرامك وَالْإِحْسَان إِلَيْك والاحتفاظ بك ساجعل لَك منزلا وَرِزْقًا على النَّحْو الَّذِي ترغبين وَلنْ أدعك تعزبين عني لَحْظَة وساطلب إِلَى الخاقان أَن يقْضِي لَك كل مَا تطلبين تحتاجين إِلَيْهِ

стр. 153

وَقبلت السيدة الأَرْض بَين يَدي الخاتون وَقَالَت أَنْت الان مولاتي وَلَا أعرف أحدا سواك أَرْجُو أَن تسعي لي لَدَى الخاقان الْأَجَل وتقدميني إِلَيْهِ لأطلعه على حَالي فَأَسْمع رَأْي مولَايَ الخاقان ايضا قَالَت الخاتون ساقدمك إِلَيْهِ فِي أَي وَقت ترغبين فَقَالَ الْمَرْأَة أود المثول بَين يَدَيْهِ غَدا قَالَت الخاتون وَهُوَ كَذَلِك وَفِي الْيَوْم التَّالِي مَضَت الْمَرْأَة إِلَى قصر الخاتون وَلما عَاد الخاقان من البلاط وَعرضت عَلَيْهِ الخاتون حَال الْمَرْأَة أَمر بإحضارها إِلَيْهِ وجييء بهَا فَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وقدمت إِلَيْهِ غُلَاما تركيا وجوادا جميلا وَأَشْيَاء من تحف محتلفة هَدِيَّة وَقَالَت لقد عرضت على الخاتون بعض حَالي وباختصار فَإِنَّهُ لما مَاتَ زَوجي أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ قَالَ لي شَرِيكه بشأن مَا كُنَّا نحمله من بضائع إِلَى خطا يَنْبَغِي إِلَّا نعيده وَمضى بِهِ إِلَيْهَا أما مَا تبقى فَأخذ خَان الصين بعضه وأعطينا خَان كاشغر بعضه وأنفقنا نَحن قسما فِي الطَّرِيق ومجمل القَوْل أَنه لم يبْق لي من كل ذَلِك سوى بضع تحف وأنعام مَعْدُودَة وَهَذَا الْيَتِيم أَلا يقبلني الخاقان الْأَجَل جَارِيَة لَهُ مِثْلَمَا قبلتني الخاتون الْعَظِيمَة لأقضي بَاقِي عمري فِي هَذِه الْخدمَة الجليلة فخاطبها الخاقان بأدب جم ورد عَلَيْهَا ردا جميلا وَأجَاب طلبتها وَأخذت الْمَرْأَة بعد ذَلِك تهدي الخاتون كلما ذهبت إِلَيْهَا كل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة خاتمين من لَعَلَّ أَو فيروزج أَو مقنعة مقصبة أَو تحفة ثمينة قيمَة وتقص عَلَيْهَا حكايات وأساطير شيقة حَتَّى أَن الخاقان والخاتون لم يعودا يحتملان يَوْمًا وَاحِدًا دونهَا لقد أخجلتهما برفضها مَا عرضاه عَلَيْهَا من قَرْيَة وضيعة خَاصَّة وَكَانَت الْمَرْأَة تركب كل بضعَة أَيَّام من السراي الَّذِي أنزلاها فِيهِ وتمضي إِلَى الْقرى الْمُجَاورَة الَّتِي تبعد ثَلَاثَة أَو اربعة أَو خَمْسَة فراسخ عَن الْمَدِينَة بِحجَّة إِنَّنِي أَشْتَرِي ضَيْعَة وتقيم هُنَاكَ ثَلَاثَة أَو اربعة أَيَّام ثمَّ تعود إِلَى الْمَدِينَة دون أَن تشتري عائبة الضَّيْعَة مصطنعة الْأَعْذَار وَلما أرسل الخاقان فِي طلبَهَا يستفسران لماذا قاطعتنا وَلم تأت إِلَيْنَا فأجيبا بِأَنَّهَا ذهبت مُنْذُ يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة لشراء ملك فِي الْقرْيَة كَذَا فَرحا جدا وَقَالا لقد أَلْقَت عَصا الترحال هُنَا وقضت سِتَّة أشهر فِي خدمتهما على هَذَا النَّحْو أخْبرتهَا الخاتون فِي خلالها عدَّة مَرَّات ان الخاقان يَقُول لي دَائِما انه ليعتريني الخجل حِين أَرَاهَا أَي أَنْت فقد أدَّت لنا خدمات جلى وَكَانَت تَأْتِينَا بالتحف والهدايا كل بضعَة أَيَّام فِي حِين أَنَّهَا لم تقبل شَيْئا مِمَّا عرضنَا عَلَيْهَا انني لم أر امْرَأَة بِهَذِهِ الطّيبَة قطّ مَا الَّذِي

стр. 154

يَنْبَغِي أَن نفعله نَحْوهَا أما أَنا فَأكْثر خجلا مِنْهُ بِأَلف مرّة أما الْمَرْأَة فَكَانَت تَقول لَيْسَ ثمَّة نعْمَة أحسن عِنْدِي من رُؤْيَة مولَايَ ومولاتي اللَّذين جعل الله رِزْقِي عَلَيْهِمَا إِنَّنِي لن أتردد فِي طلب أَي شَيْء إِذا مَا احتجت إِلَيْهِ وراحت تعلف الْخُيُول جيدا لتسمينها واعطت سرا مَا كَانَ لَدَيْهَا من ذهب وجواهر ومفروشات وألبسة تَاجِرًا كَانَ يتَرَدَّد بَين غزنين وسمرقند فِي تِجَارَة لَهُ ثمَّ أرْسلت خَمْسَة خيالة على خَمْسَة جِيَاد اصيلة باتجاه طَرِيق بَلخ وترمذ وَقَالَت لَهُم أُرِيد من كل وَاحِد مِنْكُم أَن يتَوَقَّف بجواده فِي منزل من منَازِل الطَّرِيق إِلَى أَن أصل إِلَيْهِ ثمَّ مَضَت إِلَى الخاتون وَقد كَانَ الخاقان يجلس مَعهَا فَبعد أَن أطرتهما وأثنت عَلَيْهِمَا مَعًا قَالَت جِئْت الْيَوْم فِي حَاجَة لَا أَدْرِي أأقولها وأطلبها أم لَا قَالَت الخاتون يَا لَهُ من عجب هَذَا الَّذِي أسمعهُ مِنْك كَانَ يَنْبَغِي أَن نَكُون قد قضينا لَك مائَة حَاجَة إِلَى الْيَوْم انْطِقِي بحاجتك قَالَت الْمَرْأَة تعلمان أنني لَا أملك فِي الدِّينَا سوى ابْن هُوَ محط امالي انني لمهتمة بتربيته جدا فقد ختم الْقُرْآن ووكلته إِلَى مؤدب أحسن تأديبه وتعليمه إِذْ قَرَأَ عَلَيْهِ كتبا ورسائل بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية واملي كَبِير فِي أَن يتاح لَهُ حَظّ حسن فِي عهد مولَايَ ومولاتي لَيْسَ ثمَّة وَثِيقَة على وَجه الْمَعْمُور بعد كتاب الله تَعَالَى وَحَدِيث رَسُوله الأكرم أعظم من عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْمُلُوك لِأَن كَاتب عهود أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل من جَمِيع الْكتاب وألفاظ العهود ومعانيها أحسن الْكَلَام وأعذبه أَلا يتفضل مولَايَ ومولاتي إِن يريَا ذَلِك عَليّ بالرسالة الَّتِي تعرف عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ مُدَّة ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَيَّام لِيَقْرَأهَا ابْني على مؤدبه بضع مَرَّات انه لكثير جدا أَن يتَعَلَّم مِنْهَا خَمْسَة أَلْفَاظ فَهِيَ كفيلة بَان تمنحه ببركاتها السَّعَادَة وَحسن الْحَظ فَقَالَا لَهَا أَي حَاجَة هَذِه الَّتِي تريدين منا لم تطلبي مَدِينَة أَو نَاحيَة لنهبك إِيَّاهَا إِنَّك لم تطلبي فِي خلال هَذِه الْمدَّة شَيْئا وتجيئين الان لتطلبي شَيْئا ملقى كخمسين مثله فِي خزانتنا وَقد تراكم عَلَيْهِ الْغُبَار وَالتُّرَاب مَا قيمَة قِطْعَة من الْوَرق إِن تريدي نمنحك الرسائل كلهَا قَالَت الْمَرْأَة بحسبي الرسَالَة الَّتِي أرسلها الْخَلِيفَة وَأمر الخاقان والخاتون أحد الخدم أَن يصحبها إِلَى الخزانة ويعطيها أَيَّة رِسَالَة تُرِيدُ وَذَهَبت الْمَرْأَة إِلَى الخزانة فَأخذت عهد الْخَلِيفَة وَمَضَت بِهِ إِلَى منزلهَا وَفِي الْيَوْم التَّالِي أمرت بِأَن تسرج الْخُيُول وَتحمل البغال وأعلنت انني مَاضِيَة إِلَى الْقرْيَة كَذَا لشراء أَمْلَاك وسأبقى هُنَاكَ أسبوعا وَاحِدًا وغادرت توا وَنزلت بِتِلْكَ الْقرْيَة وَكَانَت الْمَرْأَة قد حصلت من قبل على وَثِيقَة مَفْتُوحَة فِيهَا يجب احترام هَذِه الْمَرْأَة وَمن مَعهَا

стр. 155

وإكرام وفادتهم فِي كل مَكَان يحلونَ بِهِ ويقيمون فِيهِ فِي ولايتي سَمَرْقَنْد وبخارى ويشترون هُنَاكَ الْأَمْلَاك ويؤسسون الضّيَاع وعَلى الْوُلَاة والعمال والرؤساء أَلا يتوانوا فِي بذل أَي عون مُمكن لَهُم وتوفير كل مَا يطْلبُونَ وَتَقْدِيم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْأَطْعِمَة وَفِي منتصف احدى اللَّيَالِي تركت الْمَرْأَة الْقرْيَة إِلَى ترمذ مارة بِمَدِينَة كش على بعد ثَلَاثَة فراسخ من سَمَرْقَنْد فوصلت إِلَيْهَا بعد خَمْسَة أَيَّام وَكَانَت تعرض الْوَثِيقَة الْمَفْتُوحَة أَيْنَمَا احْتَاجَت إِلَيْهَا ثمَّ تمتطي جيادها قريرة الْعين أما الخاقان فَلم يستطلع خبر ذهابها إِلَّا بعد أَن عبرت جيحون ووصلت إِلَى بَلخ وَلم يراوده أَي شكّ حول عهد الْخَلِيفَة قطّ وَمَضَت الْمَرْأَة من بَلخ إِلَى غزنين تحمل الْعَهْد إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود فَمَا كَانَ من مَحْمُود إِلَّا أَن أرْسلهُ بيد أحد الْعلمَاء من ذَوي الْقُدْرَة على المناظرة والجدل وَحمله عددا من الْهَدَايَا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه ورسالة تَقول فِي حِين كَانَ أحد خدمي يتجول فِي سوق سَمَرْقَنْد مر بِمَسْجِد فِيهِ مؤدب بِيَدِهِ كتاب يعلم مِنْهُ الصّبيان فَوَقَعت عينه على عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بَين أَيدي أَطْفَال صغَار يعبثون بِهِ فَذا يشده إِلَى طرف وَذَلِكَ إِلَى طرف اخر ويمرغونه فِي التُّرَاب لما عرف الْخَادِم الْعَهْد أَخَذته عَلَيْهِ الْغيرَة فأحضر قدرا من الزَّبِيب أعطَاهُ الْأَطْفَال وَحصل عَلَيْهِ مِنْهُم بِثمن بخس لَا يُسَاوِي الْوَرق الرُّخص ثمَّ حمله إِلَى غزنين وَقدمه إِلَيّ وهأنذا ابْعَثْ بِهِ إِلَى مولى الْعَالم ان يتفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِتَقْدِير هواي مَعَه وخدماتي لَهُ فيمنحني مزيدا من الألقاب فإنني سأعتز بهَا أَكثر من اعتزازي بناظري وَاجْعَلْهَا تَاج رَأْسِي واحتفظ بهَا فِي أعز مَكَان فِي بَيْتِي لقد حجب مولَايَ الألقاب عني على الرغم من طاعاتي وخدماتي وتوقعاتي ومنحها من لم يعرفوا لأوامره وخلعه وعهوده قدرهَا بل استخفوا بهَا استخفاف خاقَان سَمَرْقَنْد وأهانوا الألقاب الَّتِي منحوها لما وصل الْعَالم إِلَى بَغْدَاد وأوصل الْهَدَايَا وَسلم الرسَالَة تملك الْخَلِيفَة الْعجب فامر بِكِتَابَة رِسَالَة عتاب إِلَى الخاقان وَمكث رَسُول مَحْمُود سِتَّة أشهر فِي قصر الْخَلِيفَة ظلّ يوافي الْقصر فِي خلالها برسائل يطْلب فِيهَا ألقابا لمحمود دون أَن يتلَقَّى جَوَابا شافيا إِلَى أَن

стр. 156

كتب يَوْمًا يستفتي إِذا مَا ظهر فِي طرف من أَطْرَاف الدُّنْيَا ملك يشهر سَيْفه من أجل عزة الْإِسْلَام ويحارب الْكفَّار وَالْمُشْرِكين أَعدَاء الله تَعَالَى وَرَسُوله الأكرم ويحول بيُوت الْأَوْثَان إِلَى مَسَاجِد وَيجْعَل ديار الْكفْر ديار إِسْلَام وأمير الْمُؤمنِينَ بعيد عَنهُ تفصل بَينهمَا الأمواه الْعَظِيمَة وَالْجِبَال الشاهقة والصحارى المخوفة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أَن يعرض كل مَا قد يحدث لَهُ على الْخَلِيفَة فِي كل حِين وَلَا يتَمَكَّن من تَنْفِيذ مطالبه وأوامره أَيْضا أفيحق لَهُ وَالْحَال هَذِه أَن ينيب عَن الْخَلِيفَة أحد الْأَشْرَاف ليرْجع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور أم لَا ثمَّ أعْطى فتواه هَذِه شخصا يُسَلِّمهَا إِلَى قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد يدا بيد فَبعد أَن قَرَأَهَا القَاضِي من ألفها إِلَى يائها قَالَ يحِق لَهُ ذَلِك وَأخذ الْعَالم الْمَذْكُور نُسْخَة من فَتْوَى قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد ووضعها مَعَ رِسَالَة كتب فِيهَا فقد طَالَتْ إقامتي بِبَغْدَاد إِن سيد الْعَالم يمْتَنع عَن منح مَحْمُود مَا يتطلع إِلَيْهِ من ألقاب على الرغم من خدماته وطاعاته الْكَثِيرَة جدا وَلَا يُحَقّق للسُّلْطَان الْغَازِي مَا يصبو إِلَيْهِ من امال بل يضايقه إِلَى هَذَا الْحَد ان يسر مَحْمُود بعد الان بِمُقْتَضى هَذِه الْفَتْوَى وَحكم الشَّرْع بِخَط قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد نَفسه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فَمَا أَن قَرَأَ الْخَلِيفَة الْفَتْوَى والرسالة حَتَّى بعث إِلَى وزيره بحاجب الْحجاب حَالا بَان أدع إِلَيْك الان رَسُول مَحْمُود وأكرمه وهدىء من روعه ثمَّ أعْطه مَا أمرنَا بِهِ من خلعة ولواء ولقب اصرفه رَاضِيا مَسْرُورا وَهَكَذَا أضيف إِلَى مَحْمُود بعد كل خدماته المرضية ومساعيه المتواصلة وهواه وذكاء رَسُوله الْعَالم لقب أَمِين الْملَّة الَّذِي ظلّ يلقب بِهِ ويلقب يَمِين الدولة طوال حَيَاته أما الْيَوْم فَإِذا لم يكْتب لأَقل النَّاس شَأْنًا سَبْعَة أَو عشرَة ألقاب يغْضب ويسخط غير أَنه لم يكن للسامانيين الَّذين كَانُوا مُلُوك زمانهم لسنوات طَوِيلَة وحكموا بِلَاد وَرَاء النَّهر من أطرافها إِلَى أطرافها وخراسان وَالْعراق وخوارزم ونيمروز وغزنين سوى لقب وَاحِد إِذْ أطلق لقب ملك الْمُلُوك على نوح ولقب الْأَمِير السديد على وَالِده مَنْصُور والأمير الحميد على نوح وَالِد مَنْصُور والأمير الرشيد على نصر وَالِد نوح والأمير الْعَادِل على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد والأمير الْمَاضِي فِي التواريخ وَأطلق

стр. 157

على أَحْمد الْأَمِير السعيد وَهَكَذَا دواليك يجب أَن يكون اللقب مناسبا لصَاحبه كَأَن تكون ألقاب الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة وعلماء دين الْمُصْطَفى ﵇ مثل مجد الدّين وَشرف الْإِسْلَام وَسيف السّنة وزين الشَّرِيعَة وفخر الْعلمَاء وأشباهها لِأَن الدّين وَالْإِسْلَام والشريعة وَالسّنة وَالْعلم منوطة بالعلماء وَالْأمة وعَلى الْمُلُوك وَذَوي الدِّرَايَة والمعرفة بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل أَلا يجيزوا لمن لَيْسُوا بعلماء أَن يتلقبوا بِهَذِهِ الألقاب بل عَلَيْهِم ردع من يقدم على هَذَا ومعاقبته ليعرف كل شخص قدره ومرتبته وَكَانَ قادة الْجَيْش والأمراء والمستقطعون والعمال يلقبون بألقاب أضيفت إِلَيْهَا لَفْظَة الدولة من مثل سيف الدولة وحسام الدولة وظهير الدولة وجمال الدولة وشمس الدولة وأمثالها أما العمداء والعمال والمتصرفون الأخيار فَكَانُوا يلقبون بألقاب أضيفت إِلَيْهَا لَفْظَة الْملك من مثل عميد الْملك ونظام الْملك وَكَمَال الْملك وَشرف الْملك وشمس الْملك وأمثالها وَلم تجر الْعَادة قطّ فِي أَن يخلع أُمَرَاء الأتراك على أنفسهم لقب خواجة لقد كَانَت الألقاب الَّتِي تُضَاف إِلَى الدّين وَالْإِسْلَام خَاصَّة بالعلماء وَالَّتِي تُضَاف ألى الدولة خَاصَّة بالأمراء وَالَّتِي تُضَاف إِلَى الْملك خَاصَّة بالخواجات أما مَا عدا هَذَا فَلم يكن يسمح لأحد بِأَن يتَّخذ لنَفسِهِ لقبا مِمَّا يتَّصل بِالدّينِ وَالْإِسْلَام بل كَانَ يُعَاقب لتَكون فِيهِ عِبْرَة لمن يعْتَبر أَكثر مَا يكون الْغَرَض من اللقب أَن يعرف بِهِ صَاحبه هَب أَن مائَة شخص فِي مجْلِس أَو جمع مَا من بَينهم عشرَة باسم مُحَمَّد ثمَّ نُودي يَا مُحَمَّد فَإِن المحمدين جَمِيعهم يردون لبيْك لظن كل مِنْهُم أَنه هُوَ المعني لكنه إِذا مَا كَانَ لقب أحدهم الْمُخْتَص ولقب الثَّانِي الْمُوفق ولقب الثَّالِث الْكَافِي ولقب اخر الرشيد وأمثالها وَنُودِيَ من وسط المحفل يَا أَيهَا الْكَامِل أَو الْمُوفق فَإِن مُحَمَّدًا صَاحب هَذَا اللقب يعرف حَالا أَنه هُوَ الْمَقْصُود يَنْبَغِي أَلا يحمل لقب فلَان الْملك أحد غير الْوَزير والطغرائي والمستوفي

стр. 158

وعارض السُّلْطَان وعميد بَغْدَاد وعميد خُرَاسَان وعميد خوارزم أما غير هَؤُلَاءِ فَلهم أَن يتلقبوا بألقاب غير مُضَافَة إِلَى لَفْظَة الْملك من مثل الخواجة السديد الخواجة الرشيد الخواجة الْمُخْتَص والأستاذ الْأَمِير والأستاذ الخطير والأستاذ المكين وأمثالها لتتضح دَرَجَة الْعَظِيم ومرتبته عَمَّا دونه ويمتاز الصَّغِير من الْكَبِير وَالْخَاص من الْعَام وليظل للديوان رونقه وبهاؤه فَإِذا مَا استقامت أُمُور المملكة وَكَانَ الْملك عادلا يقظا يعير أَعمال المملكة اهتمامه ويتابعها بِنَفسِهِ ويستقري عادات الأسلاف ويفيد مِنْهَا وَإِذا مَا قيض الله لَهُ وزيرا فطنا فَاضلا عَالما عَارِفًا بالعادات والتقاليد فَإِنَّهُ يَسْتَطِيع أَن يدبر الْأُمُور تدبيرا حسنا وَيجْرِي الألقاب مجْراهَا الْحَقِيقِيّ ويدحر الْعَادَات المبتدعة بِالرَّأْيِ الصائب وَالْحكم السديد وَالسيف الْحَدِيد

стр. 159

الْفَصْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي عدم إِسْنَاد عملين لشخص وَاحِد وَفِي تشغيل العاطلين وَعدم حرمانهم وَإسْنَاد المناصب والأعمال إِلَى المتدينين الحفيفيين والأصلاء وحرمان ذَوي الْمذَاهب السَّيئَة والمعتقدات الخبيثة وإبعادهم لم يسند أحد من الْمُلُوك الأيقاظ والوزراء الاذكياء فِي أَي عصر من العصور عملين إِلَى شخص وَاحِد أَو عملا وَاحِدًا إِلَى شَخْصَيْنِ قطّ فَكَانَت شؤونهم لهَذَا منظمة ذَات بهاء ورونق لِأَنَّهُ إِذا مَا أنيط عملان بشخص وَاحِد فَلَا مناص من أَن يتسرب الْخلَل إِلَى أَحدهمَا أَو يتوانى فِيهِ على حِسَاب الاخر إِذْ أَن المتصدي إِذا أَرَادَ الْقيام بواجبه نَحْو أَحدهمَا خير قيام وتعهده والاهتمام بِهِ بجد فَلَا مندوحة من تسرب الاختلال وَالتَّقْصِير إِلَى الاخر وَبِالْعَكْسِ وَإِذا أنعمنا النّظر جيدا نلاحظ أَن ثمَّة خللا وتقصيرا فِي عَمَلي متصدي العملين كليهمَا وَأَن الشَّخْص نَفسه منَاط تَقْصِير وملامة دَائِما وان موليه إيَّاهُمَا فِي تشك وتذمر دائمين أما إِذا ولي شخصان عملا وَاحِدًا فَإِن هَذَا الْعَمَل يظل دون إنجاز لتواكل أَحدهمَا على الاخر قيل فِي الْأَمْثَال إِن وجود سيدتين فِي الْمنزل مدعاة لقذارته وَوُجُود مشرفين عَلَيْهِ مدعاة لدماره لِأَن كلا من الشخصين لَا بُد أَن يَقُول فِي نَفسه دَائِما بانه إِذا مَا أرهقت نَفسِي فِي الْقيام بواجبي فِي هَذَا الْعَمَل وحافظت عَلَيْهِ وَلَا أدع الْخلَل يَأْخُذ إِلَيْهِ طَرِيقه فَإِن رئيسنا سيظن أَن هَذَا لَيْسَ إِلَّا من كِفَايَة رفيقي ومهارته لَا نتيجة اهتمامي وجدي وتفاني وجلدي وَهَكَذَا الْأَمر بِالنِّسْبَةِ للاخر أَيْضا لكنه إِذا دققنا النّظر نجد أَن ذَلِك الْعَمَل فِي اختلال دَائِم حَتَّى إِذا مَا سَالَ رئيسهما لماذا لم ينجز هَذَا الْعَمَل بل قصر فِيهِ يَقُول أَحدهمَا انه تَقْصِير رفيقي ويحمله مغبة ذَلِك وَيَقُول الاخر ان رفيقي سَبَب التَّقْصِير كُله ويلقي التبعة والجرم كُله عَلَيْهِ لَكِن إِذا مَا عدنا إِلَى الْأُصُول وَالْعقل يتَبَيَّن لنا أَن لَيْسَ الجرم جرم هَذَا وَلَا ذَاك بل الجرم كُله على من ولاهما عملا وَاحِدًا فَمن دَلَائِل غَفلَة الْملك وَعجز وزيره تَوْلِيَة أحد عُمَّال الدِّيوَان عملين أَو ثَلَاثَة أَو خَمْسَة أَو سَبْعَة

стр. 160

أما فِي هَذِه الْأَيَّام فثمة من يتسنم سدة عشرَة مناصب دون أَن تكون فِيهِ أَيَّة كِفَايَة وَإِذا مَا جد منصب جَدِيد فَإِنَّهُ لَا يألو جهدا فِي اتِّخَاذه لنَفسِهِ وَلَو أدّى بِهِ الْأَمر إِلَى دفع المَال مُقَابل ذَلِك فيولاه دون أَن يحْسب مولوه حسابا لما إِذا كَانَ هَذَا الشَّخْص أَهلا لهَذَا الْعَمَل أم لَا ضليعا فِي الْكِتَابَة وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور وإدارتها أم لَا وأخيرا أيستطيع أَن يثبت جدارته وَيقوم بِمَا وكل إِلَيْهِ من أَعمال أم لَا فِي حِين يحرم عدد كَبِير من الْأَكفاء واللائقين وَذَوي الْجلد والمجربين والمعتمدين مِمَّن لزموا بُيُوتهم عاطلين دون أَن يخْطر ببال أحد أَن يسْأَل نَفْيه لماذا يعْهَد بعدة مناصب واعمال إِلَى المغمورين مِمَّن لَا كِفَايَة وَلَا لياقة وَلَا أصل وَلَا فضل لَهُم وَيحرم الأصلاء والمعتمدون خَاصَّة أَصْحَاب الْحق على الدولة مِمَّن قدمُوا لَهَا خدمات جليلة وأظهروا فِيهَا كِفَايَة ولياقة فائقتين حَتَّى من عمل وَاحِد ويظلون عاطلين هَكَذَا وينتابني أعجب من هَذَا وَهُوَ أَن مولي الْأَعْمَال فِي كل العهود كَانُوا يندبون لَهَا من هم على مذاهبهم وشركائهم فِي العقيدة من الأصلاء والمتقين حَتَّى إِذا مَا رفض أحدهم وَأبْدى تمنعا وَلم يُحِبهُمْ الى ذَلِك كَانُوا يجبرونه ويسندون الْعَمَل اليه قسرا وَلَا جرم فِي أَن المَال لم يكن يذهب سدى وَأَن الرعايا كَانُوا فِي رَاحَة واطمئنان وَكَانَ المستقطعون يتمتعون بسمعة حَسَنَة ويعيشون عيشة هادئة وَكَانَ الْملك يقْضِي أَيَّامه ناعم البال رخي الْحَال لَكِن لَا وجود لهَذَا الْيَوْم لِأَنَّهُ يسمح لِلْيَهُودِيِّ والزرادشتي والرافضي يتولي الْكِتَابَة للأتراك السلاجفة وإدارة شؤونهم لقد استولت عَلَيْهِم الْغَفْلَة فَلَيْسَتْ فيهم حمية على الدّين وَلَا شَفَقَة على المَال وَلَا رَحْمَة بالرعية فالدولة وصلت إِلَى أوج كمالها وإنني لأخشى عَلَيْهَا الْعين وَلست أَدْرِي إلام ستؤول الْأُمُور إِذْ لم تكن لأي زرادشتي ومسيحي ورافضي الجراة حَتَّى على إِظْهَار نَفسه فِي عهد مَحْمُود ومسعود وطغرل وألب أرسلان أَو على الْقدوم إِلَى أَي تركي فقد كَانَ كل كتبة التّرْك والقائمين على شؤونهم والمتنفذين فِيهَا من خُرَاسَان وَمن الْحَنَفِيَّة أَو الشَّافِعِيَّة الْأَطْهَار وَلم يكن التّرْك ليفسحوا المجال أَمَام كتبة الْعرَاق وعمال خراجها من ذَوي الْمذَاهب السَّيئَة بل لم يَكُونُوا ليجيزوا استخدامهم أَو توليتهم أَي عمل وَكَانُوا يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ على مَذْهَب الديالمة وَمن أتباعهم فَإِن يوطدوا أَقْدَامهم يلْحقُوا بالأتراك الضَّرَر ويحيقوا بِالنَّاسِ الْأَذَى إِنَّه لمن الْخَيْر إِلَّا يكون للأعداء وجود بَين ظهرانينا وَلَا جرم فِي أَنهم كَانُوا يعيشون فِي منأى عَن المصائب ولامتاعب والافات لَكِن الْأُمُور وصلت الان إِلَى حد انبثوا فِيهِ فِي البلاط والديوان بِكَثْرَة حَتَّى أَنه ليجري وَرَاء كل تركي مِائَتَان مِنْهُم لقد تدبروا

стр. 161

امرهم بَينهم على إِلَّا يسمحوا لأي خراساني أَن تطَأ قدماه الْقصر والديوان أَو يتسنى لَهُ الْحُصُول على لقْمَة الْعَيْش وَسَيَأْتِي يَوْم يصحو فِيهِ التّرْك على فَسَاد تِلْكَ الطَّبَقَة فيتذكرون قولي مِمَّن أَن الدِّيوَان قد خلا من الْكتاب والمتصرفين الخراسانيين لقد كَانَ الأتراك إِذا مِمَّا قدم عَلَيْهِم من يسألهم عمل كَاتب أَو فرَاش أَو ركابدار يسألونه من أَيَّة مَدِينَة أَنْت وَمن أَيَّة ولَايَة فَإِن قَالَ حَنَفِيّ أَو شَافِعِيّ من خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر أَو من مَدِينَة سنية قبلوه وَأَن قَالَ شيعي من قُم وكاشان وابة والري ردُّوهُ قائلين إنصرف فَنحْن نقْتل الأفعى وَلَا نربيها إِنَّهُم لم يَكُونُوا ليقبلوا أحدا وَلَو بذل الْأَمْوَال النعم الوفيرة بل كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ اذْهَبْ مصحوبا بالسلامة ووفر مَا تُرِيدُ أَن تعطيه لنا على نَفسك واجلس فِي بَيْتك وأنفقه على طَعَامك وشرابك وَكَانَ السُّلْطَان طغرل وَالسُّلْطَان ألب أرسلان إِذا مَا تنناهى إِلَى أسماعهما أدنى شَيْء بِأَن أَمِيرا أَو تركيا مَا مهد سَبِيل أَي رَافِضِي إِلَيْهِ يغضبان عَلَيْهِ ويعاتبانه ألب أرسلان وأردم الرافضي نقل إِلَى السُّلْطَان الشَّهِيد ألب أرسلان يَوْمًا أَن أردم إتخذ يحيى كَبِير إِحْدَى الْقرى كَاتبا لَهُ فساءه ذَلِك لما كَانَ يُقَال أَن كَبِير الْقرْيَة باطني وَقَالَ لأردم فِي مَجْلِسه أَنْت عدوي وخصم مملكتي فَخر أردم على الأَرْض وَقَالَ يَا مولَايَ الْكَلَام إِنَّنِي أقل عبيدك شَأْنًا أَي قُصُور بدا مني فِي رضوخي وموالاتي إِلَى الان قَالَ السُّلْطَان إِن لم تكن عدوي فَلم تسْتَعْمل خصمي فِي خدمتك قَالَ اردم فَمن ذَاك قَالَ السُّلْطَان كَبِير الْقرْيَة الحقير كاتبك قَالَ وَمن يكون هُوَ فِي الْعَالم هَب أَنه سم كُله فَمَا الَّذِي يَسْتَطِيع فعله فِي الدولة فَقَالَ السُّلْطَان لبَعض رِجَاله اذْهَبُوا وأحضروا ذَاك الرجيل فَذهب من أحضرهُ فِي الْحَال فَقَالَ السُّلْطَان لَهُ يَا رجيل انت باطنى تَقول بِبُطْلَان حق خَليفَة الله قَالَ الرجل يَا مولَايَ

стр. 162

لست بباطني بل شيعي أَمَامِي يَعْنِي رَافِضِي قَالَ السُّلْطَان مَا أحسن الرافضية مذهبا حَتَّى اتخذتها ترسا تدرا بِهِ عَنْك الباطنية وَأمر الْحجاب بجلده ثمَّ أخرج من الْقصر نصف ميت ثمَّ الْتفت السُّلْطَان إِلَى زعماء الْقَوْم وَقَالَ لَيْسَ الذَّنب ذَنْب هَذَا الرجيل بل ذَنْب أردم الَّذِي اسْتعْمل كَافِرًا فِي خدمته لقد قلت لكم مرّة ومرتين وَمِائَة مرّة أَنْتُم الأتراك جَيش خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر إِنَّكُم لغرباء فِي هَذِه الديار لقد أحرزنا هَذِه الْولَايَة بِالسَّيْفِ وَالْقُوَّة وكلنَا مُسلمُونَ أنقياء إِن أغلب أهل الديلم وَالْعراق منم ذَوي الْمذَاهب والعقائد والأديان الخبيثة السَّيئَة وَإِن بَين الأتراك والديالمة خلافات وإحنا لَيست بنت الْيَوْم بل متمادية فِي الْقدَم لقد أعز الله التّرْك الْيَوْم وسلطهم على رِقَاب الديالمة لأَنهم مُسلمُونَ خلص أطهار لَا يعْرفُونَ الْبدع والأهواء أما الديالمة فهم منشأ الْبدع والمذاهب الْفَاسِدَة وخصومنا إِنَّهُم سيظلون يدينون لنا بِالطَّاعَةِ وَالْوَلَاء مَا داموا عاجزين لكنه إِذا مَا اشْتَدَّ ساعدهم فليلا وانسوا من جانبنا ضعفا فَإِنَّهُم لن يبقوا انذاك على وَجه الآرض تركيا من حَيْثُ الْمَذْهَب وَمن حَيْثُ الْولَايَة فَأُولَئِك قوم أدنى من الْحمير وَالْبَقر لَا يعْرفُونَ عدوهم من صديقهم ثمَّ أَمر بإحضار مِائَتي دِرْهَم من شعر الْخَيل وسل شَعْرَة مِنْهَا وَقَالَ لأردم اقْطَعْ هَذِه فَتَنَاولهَا اردم وقطعها فَنَاوَلَهُ السُّلْطَان خمس شعيرات غَيرهَا فقطعها ايضا فَنَاوَلَهُ عشرا أُخْرَى فقطعها بسهولة وَيسر كَذَلِك ثمَّ نَادَى السُّلْطَان أحد الفراشين وَقَالَ لَهُ اجدل هَذَا الشّعْر رسنا فَمضى وجدله رسنا من ثَلَاثَة أَذْرع وأتى بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَأعْطَاهُ أردم ليقطعه فَلم يسْتَطع على مَا بذل من جهد وَقُوَّة حِينَئِذٍ قَالَ السُّلْطَان لَهُ إِن الْأَعْدَاء كَهَذا الشّعْر يسهل قمعهم وَاحِدًا وَاحِدًا واثنين اثْنَيْنِ وَخَمْسَة خَمْسَة لَكِن تصعب زحزحتهم إِذا تكاثر عَددهمْ وتفاقم أَمرهم وشدوا أزر بَعضهم وعندئذ يُصْبِحُونَ شغلنا الشاغل بِمَا يقومُونَ بِهِ من أَعمال الشغب والفتنة ان هَذَا إِلَّا جَوَاب قَوْلك حَتَّى لَو كَانَ هَذَا الرجيل سما كُله فَمَا الَّذِي يَسْتَطِيع فعله فِي الدولة إِنَّهُم إِذا مَا أخذُوا يتسربون إِلَى صُفُوف التّرْك وَاحِدًا فِي إِثْر اخر ويتسنمون لَهُم الْأَعْمَال وَالْكِتَابَة ويقفون على أَحْوَالهم من كثب فَلَنْ يمْضِي طَوِيل وَقت حَتَّى يظْهر التمرد وَالْخُرُوج والفتنة فِي الْعرَاق أَو على إغارة الديالمة على المملكة فهم جَمِيعهم متكاتفون سرا وَعَلَانِيَة يسعون فِيمَا بَينهم إِلَى هَلَاك التّرْك أما وَأَنت تركي فَيَنْبَغِي أَن يكون جيشك خراسانيا وان يكون عمالك وكتبتك وأعوانك ومتصدو شؤونك خراسانيين أَيْضا وَهَكَذَا الْأَمر بِالنِّسْبَةِ للترك جَمِيعًا لِئَلَّا يجد الْخلَل لَهُ طَرِيقا إِلَى شؤونهم وأمورهم إِن تمدد يدك إِلَى مخالفي الْملك وأعدائه فَإنَّك ترتكب خِيَانَة بِحقِّهِ وبحق

стр. 163

نَفسك اما إِن كنت ترى أَنَّك محق فِيمَا تقوم بِهِ تجاه نَفسك من أَعمال فالملك لَا يرى أَن من الْمُنَاسب وَالْحكمَة كف يَد الحزم وتجنب الحيطة والأبقاء على الخونة أَنا الْمُكَلف برعايتك وحمايتك وَلست أَنْت الْمُوكل بحمايتي وحفظي فَالله ملكني عَلَيْكُم وَلم يملكم عَليّ هلا علمت أَن من يصادق خصوم الْملك يعد احدا مِنْهُم وَأَن من يصاحب اللُّصُوص لص مثلهم وَفِي حِين كَانَ الْكَلَام ينساب من على لِسَان السُّلْطَان كَانَ الخواجة الإِمَام المشطب وَالْقَاضِي لوكر حاضرين فَالْتَفت إِلَيْهِمَا وَقَالَ مَا تقولان فِيمَا أَقُول قَالَا ان مَا يَقُول مولى الْعَالم هُوَ قَول الله وَرَسُوله ﷺ فِي الرافضة وَأهل الْبدع والباطنية وَأهل الذِّمَّة ثمَّ قَالَ المشطب يروي عبد الله بن عَبَّاس أَن الرَّسُول ﷺ قَالَ لعَلي بن أبي طَالب ﵁ يَوْمًا إِن أدْركْت قوما لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة يلفظون الأسلام فاقتلهم فَإِنَّهُم مشركون وَقَالَ القَاضِي لوكر يروي أَبُو أُمَامَة أَن النَّبِي ﵇ قَالَ تظهر فِي أخر الزَّمَان فِئَة يُقَال لَهُم الرافضة فَإِذا لقيتموهم فاقتلوهم ثمَّ قَالَ المشطب لقد كفر سُفْيَان بن عُيَيْنَة الرافضة محتجا بقوله تَعَالَى ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ وَقَوله ﴿أشداء على الْكفَّار﴾ ثمَّ قَالَ ان من يقْدَح فِي أحد صحابة

стр. 164

رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَافِر بِحكم الاية الْمَذْكُورَة وَيَقُول الرَّسُول ﵇ ان الله ﵎ جعل لي أصحابا ووزراء وأصهارا فَمن سبهم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله لَهُم عدلا وَلَا صرفا وَيَقُول الله فِي ابي بكر ﵁ ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا وَقَالَ القَاضِي لوكر يرْوى أَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر بن الْخطاب قَالَ المشطب روى جَابر بن عبد الله ﵁ فَقَالَ أَتَى النَّبِي ﵇ بِجنَازَة فَلم يصل عَلَيْهَا قَالُوا يَا رَسُول الله مَا رَأَيْنَاك تركت الصَّلَاة على أحد إِلَّا على هَذَا قَالَ إِنَّه كَانَ يبغض عُثْمَان أبغضه الله وَقَالَ القَاضِي لوكر يروي أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ فِي حق عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ الْخَوَارِج كلاب النَّار قَالَ المشطب يروي عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر ﵄ أَن

стр. 165

النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ للقدرية وَلَا للرافضة فِي الْإِسْلَام نصيب وَقَالَ القَاضِي لوكر يروي سهل بن سعد ﵁ أَن الرَّسُول ﵇ قَالَ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم والرافضة كلهم قدريو الْمَذْهَب وَقَالَ المشطب تروي أم سَلمَة عَن رَسُول الله ﵊ كَانَ ﵇ عِنْدِي يَوْمًا إِذْ أَتَاهُ عَليّ وَفَاطِمَة مَعًا ليرياه ويسألاه فَرفع ﵇ رَأسه وَقَالَ يَا عَليّ أُبَشِّرك ورهطك بِالْجنَّةِ لكنه يخرج بعْدك قوم يدعونَ حبك وَالْإِخْلَاص إِلَيْك ويجرون الشَّهَادَة على ألسنتهم ويقرأون الْقرَان هَؤُلَاءِ هم الرافضة فَإِذا مَا أدركتهم فَجَاهد فيهم لأَنهم مشركون كفرة قَالَ عَليّ يَا رَسُول الله مَا علامتهم قَالَ الرَّسُول ﷺ لَا يُقِيمُونَ صَلَاة الْجَمَاعَة وَلَا يحْضرُون صَلَاة الْجُمُعَة وَلَا يؤدون صَلَاة الْجِنَازَة ويطعنون فِي السّلف وَفِي هَذَا الْمَوْضُوع أَخْبَار وَأَحَادِيث وآيات كَثِيرَة إِن أذكرها جَمِيعهَا فَإِنَّهَا تحْتَاج إِلَى كتاب وَحدهَا تلكم هِيَ حَال الرافضة فَمَا ترى حَال الباطنية وَهِي أَسْوَأ من الرافضة بِكَثِير انه لَيْسَ ثمَّة فرض أولى على أَي ملك يظْهر هَؤُلَاءِ على عَهده من محوهم من على وَجه الْمَعْمُور وتخليص مَمْلَكَته من شرهم وتصفيتها مِنْهُم ليهنأ فِي ملكه ودولته ويعيش عيشة راضية وَهَكَذَا ينْهَى عَن إِسْنَاد الْأَعْمَال والمناصب إِلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَعَن توليتهم شؤون الْمُسلمين

стр. 166

أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَالْكَاتِب النَّصْرَانِي كَانَ امير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ يجلس فِي الْمَسْجِد بِالْمَدِينَةِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَعَه بعض عَلَيْهِ حِسَاب أصفهان مهيئا بدقة ومكتوبا بِخَط جميل يعجب النظار وينال رضاهم وَسَأَلَ عمر أَبَا مُوسَى خطّ من هَذَا فَقَالَ خطّ كاتبي قَالَ عمر أبْعث فِي طلبه لأراه قَالَ أَبُو مُوسَى لَا يَسْتَطِيع دُخُول الْمَسْجِد قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ أبه جَنَابَة قَالَ أَبُو مُوسَى لَا إِنَّه نَصْرَانِيّ فَغَضب عمر وَضرب أَبَا مُوسَى على فَخذه بِشدَّة حَتَّى قَالَ أَبُو مُوسَى احسب أَن فَخذي قد كسرت قَالَ عمر ألم تقْرَأ قَول رب الْعِزَّة وَأمره حَيْثُ يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ قَالَ أَبُو مُوسَى لقد عزلته السَّاعَة وَأمرت بعودته إِلَى بِلَاد الْعَجم وَلَقَد ضرب الْحَكِيم مثلا بديعا فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ شعرًا مَا اجمل أَن يحذر الْمَرْء أَعدَاء صديقه وان يصاحب أصدقاءه لَا تأمن لطائفتين من النَّاس أصدقاء عَدوك وأعداء صديقك وَيُقَال أَن السُّلْطَان ألب أرسلان لم يكلم أردم بعد هَذَا شهرا كَامِلا وأشاح بِوَجْهِهِ عَنهُ إِلَى أَن تشفع لَهُ كبار الْقَوْم لَدَى السُّلْطَان فِي أَوْقَات انبساطه وَتَكَلَّمُوا مَعَه فِي أمره كثيرا حَتَّى لَان لَهُ قلبه وَرَضي عَنهُ وتغاضى عَن الْأَمر ولنعد الان إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ من حَدِيث فَنَقُول إِنَّه حِين يُولى المغمورون والطغام أَعمال الدولة وشؤونها وَيتْرك الأصلاء وأولو الْفضل والمشهورون المعروفون عاطلين مهملين وتسند إِلَى أحد الْأَشْخَاص خَمْسَة مناصب وَيحرم أخر حَتَّى من عمل وَاحِد فَإِن هَذَا لاية على جهل الْوَزير وَعدم كِفَايَته ولياقته فَإِن لم يكن الْوَزير كُفؤًا وعالما حكيما فإمارة هَذَا

стр. 167

أَنه يَبْغِي زَوَال الْملك والدولة وإفساد شؤونها فَيكون أَلد الْخُصُوم وأسواهم وَحين يُولى شخص عشرَة أَعمال وَيحرم تِسْعَة من أَي عمل يزِيد وَالْحَال هَذِه عدد العاطلين المحرومين من رعايا تِلْكَ المملكة على عدد العاملين فِيهَا وَحين تؤول الْأُمُور إِلَى هَذَا الْوَضع فَإِن العاطلين يشدون أزر بَعضهم بَعْضًا وَلَا يدْرِي انذاك أيمكن تلافي مَا يحدث وتداركه أم لَا من هَذَا الْقَبِيل أَن أحدهم كَانَ يسْعَى إِلَى تدمير الْملك يَوْمًا بإدعائه التوفير وزعمه لسلطان الدُّنْيَا وسيدها ان الْعَالم صَاف وَأَن لَيْسَ فِيهِ مُخَالف أَو عَدو يَسْتَطِيع المقاومة لقد ادّعى لهَذَا أَن لَا حَاجَة لأربعمائة ألف رجل لَهُم رواتب فِي الدولة وَأَنه يجب أَن يكْتَفى بسبعين ألف فَارس يدخرون لما قد يطْرَأ من أَحْدَاث ومهام فَبِهَذَا تسترد الدولة جرايات الْجند الاخرين غير السّبْعين ألفا ورواتبهم فتؤمن لخزانة الدولة فِي كل سنة بضعَة ألف ألف دِينَار فتمتلىء بِالذَّهَب وَالْمَال فِي مُدَّة يسيرَة وَلما أطلعني سيد الدُّنْيَا على هَذَا الْكَلَام عرفت من هُوَ صَاحبه وايقنت أَنه لَا يَبْغِي بِهِ سوى فَسَاد المملكة فأجبت مولَايَ الْأَمر مَا ترَاهُ يَا مولَايَ لكنه إِن يكن لديك أَرْبَعمِائَة ألف رجل فَلَيْسَ من شكّ فِي أَن تستحوذ على خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر إِلَى حُدُود كاشغر وعَلى بلاساغون وخوارزم ونيمروز وَالْعراق والعراقيين وَفَارِس وَولَايَة مازمدران وطبرستان وارمينيا وأران وبلاد الشَّام إِلَى أنطاكية وَبَيت الْمُقَدّس لقد كنت أطمح أَن يكون لَك سَبْعمِائة ألف رجل بَدَلا من هَذِه الاربعمائة ألف فَلَو كَانَ رجالك أَكثر لحزت غزنين والسند والهند وكل تركستان والصين

стр. 168

والصين الْأَقْصَى واليمن والحبشة وبلاد البربر وَأَرْض النّوبَة ولكانت لَك ثمَّة أَشْيَاء فِي الْمغرب وَالشَّام والشامات والأندلس إِلَى القيروان ولحطت لَك الرّوم عَصا الطَّاعَة ان عدد ولايات كل ملك رهن بِعَدَد جَيْشه تكْثر بكثرته وتقل بقلته وَكلما قل عدد الْجَيْش تناقص عدد الولايات وَبِالْعَكْسِ انه لَا يخفى على الرَّأْي السَّامِي أَنه حِين يحْتَفظ بسبعين ألف رجل من أَرْبَعمِائَة ألف وتنسخ أَسمَاء الاخرين من الدِّيوَان ان هَذَا الْعدَد الْأَخير على كل حَال أَكثر من الْعدَد الأول ان الثلاثمائة وَالثَّلَاثِينَ ألف رجل وَكلهمْ حَملَة سيوف إِذا مَا فقدوا الأمل فِي هَذِه الدولة فإمَّا أَن يفزعوا إِلَى أَمِير أَو ملك اخر وَإِمَّا ان ينتخبوا رَئِيسا لَهُم فيجروا على الدولة من الويلات والمتاعب مَا يستنزف كل مَا تجمع فِي خزائنها لسنوات عدَّة دونما اطمئنان إِلَى عواقب الْأُمُور الممالك لَا تصان إِلَّا بِالرِّجَالِ وَالرِّجَال لَا يحفظهم إِلَّا المَال أما من يَقُول للْملك صن الذَّهَب وسرح الرِّجَال فَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَقِيقَة إِلَّا عَدو الْملك لَا يَبْغِي سوى دمار الْملك وفساده فالأموال لم تجمعها غير أَيدي الرِّجَال يَنْبَغِي أَلا يصغى إِلَى كَلَام ذَلِك الرجل أَو يلْتَفت إِلَيْهِ إِن العاطلين والمحرومين من الْعمَّال فِي مزاجهم سَوَاء فَإِذا مَا كَانَت لبَعْضهِم مناصب كَبِيرَة فِي الدولة الَّتِي أَدّوا فِيهَا أعمالا هَامة فعرفوا بهَا واشتهروا وَأصْبح لَهُم على الدولة حق الْخدمَة فَلَيْسَ صَحِيحا أَن تتجاهل حُقُوقهم وَأَن يظلوا محرومين متروكين دون أَن ينالوا نصِيبهم أَو يسند إِلَيْهِم أَي عمل وَلَيْسَ هَذَا من الْمُرُوءَة والمصلحة فِي شَيْء بل الْوَاجِب أَن يولوا اعمالا أَو يمنحوا مَا يُمكنهُم من أَن يعيشوا بِهِ عَيْش الكفاف لتقضى لَهُم بِهَذَا بعض حُقُوقهم وينالوا نصِيبهم فِي الدولة وثمة فريق من أهل الْعلم وَالْفضل والمروءة والشرف مِمَّن لَهُم فِي بَيت المَال نصيب وَمِمَّنْ يسْتَحقُّونَ الاهتمام وتولي المناصب فَلَا هم يولون عملا وَلَا هم واجدون فِي الدولة اهتماما ونفعا وَلَا حَتَّى عَيْشًا انهم إِذا مَا ظلوا محرومين لَا نصيب لَهُم فِي الدولة ودالت الْأَيَّام إِلَى عهد يصبح كل أعوان الْملك فِيهِ من الجهلة والفاسدين الَّذين لَا يطلعونه على أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْمُسْتَحقّين وَلَا يولون العاملين مِنْهُم أعمالا وَلَا يجرونَ على الشرفاء وَالْعُلَمَاء جرايات أَو يُؤمنُونَ لَهُم سبل معيشتهم فَإِنَّهُم يفقدون حِينَئِذٍ أملهم فِي الدولة

стр. 169

ويصبحون من أعدائها والمتسقطين عيوبها فيشرعون بالمجاهرة بعيوب الْعمَّال عُمَّال الْخراج وَالْكتاب ومقربي الْملك وبثها على الْمَلأ بَعيدا عَن أسماعه ثمَّ يَأْخُذن فِي اصطناع الاراجيف واخيرا يسودون عَلَيْهِم من هُوَ أَكثر عدَّة وجيشا وثروة ويبدأون بإثارة الشغب وَيخرجُونَ على الْملك فيضرمون نَار الْفِتَن وَالِاضْطِرَاب فِي المملكة كَالَّذي فَعَلُوهُ على عهد فَخر الدولة حسن تَدْبِير فَخر الدولة يُقَال أَنه كَانَ فِي الرّيّ على عهد فَخر الدولة وَقد كَانَ الصاحب بن عباد وزيرا لَهُ مَجُوسِيّ ثري مقتدر يدعى بزرجوميد بنى مَقْبرَة لنَفسِهِ على جبل طبرك تطل على قبَّة فَخر الدولة مَا زَالَت قَائِمَة إِلَى الْيَوْم وتعرف باسم ديده سباهسالاران مطل القادة وَلَقَد عانى بزرجوميد متاعب شَتَّى وَأنْفق أَمْوَالًا طائلة فِي إِقَامَته تِلْكَ الْمقْبرَة من طبقتين على قمة ذَلِك الْجَبَل كَانَ فِي الرّيّ محتسب اسْمه باخراسان يُقَال إِنَّه صعد غلى الْمقْبرَة بحيلة من الْحِيَل فِي الْيَوْم الَّذِي انتهي فِيهِ من الْعَمَل فِيهَا وَأذن للصَّلَاة من عَلَيْهَا فانتهك قدسيتها على مَذْهَبهم وأبطل حرمتهَا فَأَصْبَحت تعرف مُنْذُ ذَلِك الْحِين بمطل القادة وَفِي أخريات عهد فَخر الدولة نقل إِلَيْهِ رجال بريده يَوْمًا وَقد كَانَ صَاحب بريد ان ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ شخصا يخرجُون باكرا كل يَوْم من الْمَدِينَة إِلَى مطل القادة ويظلون هُنَاكَ إِلَى أَن يلفع الإصفرار الشَّمْس حِينَئِذٍ يهبطون وينتشرون فِي الْمَدِينَة وَإِذا مَا سَأَلَهُمْ أحد لم تذهبون إِلَى المطل يوميا يَقُولُونَ للتنزه وَأمر فَخر الدولة بعض رِجَاله أَن امضوا إِلَى هُنَاكَ وإلي بأولئك النَّاس ثمَّ هاتوا كل مَا تجدونه مَعَهم فَمضى عدد من رجال الْقصر وصعدوا الْجَبَل إِلَيْهِم لكِنهمْ حِين لم يستطيعوا الْوُصُول إِلَى المطل صرخوا بِأَعْلَى أَصْوَاتهم من أَسْفَله ليسمعوا الْمَوْجُودين فِيهِ فَلَمَّا أطل أُولَئِكَ الرِّجَال وَرَأَوا حَاجِب فَخر الدولة مَعَ فريق من حَاشِيَته أنزلوا لَهُم سلما يصعدون بِهِ إِلَيْهِم فَلَمَّا صعد رجال فَخر الدولة إِلَيْهِم رَأَوْا عِنْدهم شطرنجا ممدودا ونردا ودواة وقلما وقرطاسا كاغذا وسفرة وابريقي مَاء وجرة وحصيرا مَبْسُوطا فَقَالَ الْحَاجِب أنهضوا فَإِن فَخر الدولة يستدعيكم وَمضى بهم إِلَيْهِ

стр. 170

وتصادف أَن الصاحب بن عباد كَانَ جَالِسا إِلَى فَخر الدولة حِين وصولهم فَسَأَلَهُمْ فَخر الدولة من أَنْتُم وَلم تذهبون إِلَى هَذَا المطل يوميا قَالُوا للتنزه قَالَ إِن التَّنَزُّه يكون فِي يَوْم أَو يَوْمَيْنِ اَوْ عشرَة لكنكم تترددون على هَذَا الْمَكَان يوميا مُنْذُ مُدَّة طَوِيلَة أصدقوني القَوْل قَالُوا لَيْسَ بخاف على الْملك وَلَا على أحد إننا لسنا لصوصا وَلَا مجرمين وَلَا نخدع نسَاء النَّاس ونغويهن أَو نختطف أطفالهم من على الطرقات ان أحدا لم يَأْتِ الْملك قطّ فِي يَوْم من الْأَيَّام يشكونا إِلَيْهِ عَن أَذَى وباطل ان يؤمنا الْملك على أَرْوَاحنَا وأنفسنا نخبره من نَحن قَالَ فَخر الدولة لقد أمنتكم على أرواحكم وَأَنْفُسكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأقسم على ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يعرف أَكْثَرهم لما حصلوا مِنْهُ على الْأمان وأمنوا على أَرْوَاحهم قَالُوا نَحن قوم من الْكتاب والمتصرفين الَّذين ظلوا عاطلين فِي عَهْدك ومحرومين من أَي نصيب فِي دولتك ان أحدا لم يولنا أَي منصب أَو عمل أَو حَتَّى يلْتَفت ألينا ونسمع الان بِظُهُور ملك بخراسان يُقَال لَهُ مَحْمُود يجتذب إِلَيْهِ ذَوي الْفضل والموهبة وَأهل الْعلم وَلَا يتركهم يهيمون على وُجُوههم إننا نتطلع بامالنا إِلَيْهِ بعد أَن فَقدنَا الأمل فِي هَذِه المملكة واننا نصير إِلَى المطل يوميا لنشكو إِلَى بَعْضنَا بَعْضًا الدَّهْر ونسال كل من يصل إِلَيْنَا من جَانب مَحْمُود عَن أخباره ونكتب رسائل إِلَى أصدقائنا بخراسان نطلعهم على أحوالنا ونستفسر مِنْهُم تمهيدا للتوجه إِلَى هُنَاكَ فَلَقَد أضحينا فُقَرَاء وَنحن قوم ذَوُو عِيَال إِن الضَّرُورَة لترغمنا على ترك أوطاننا ومسقط رَأْسنَا وَبُيُوتنَا واختبار الغربة سعيا وَرَاء الْعَمَل هَذِه هِيَ حَالنَا وَالْأَمر الان أَمر مَوْلَانَا لما سمع فَخر الدولة مِنْهُم هَذَا الْتفت إِلَى الصاحب بن عباد وَقَالَ مَاذَا ترى وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي فعله قَالَ الصاحب لقد أَعْطَاهُم الْملك الْأمان وهم أهل قلم وَأَبْنَاء أنَاس أصلاء وإنني أعرف بَعضهم وَلِأَن أَمر أهل الْقَلَم مَنُوط بِي فليعهد إِلَيّ بهم لأتخذ مَا يلْزم نحوهم وسأتلو على مسامع مولَايَ الْكَرِيمَة أخبارهم غَدا فَأمر فَخر الدولة الْحَاجِب الَّذِي اتى بهم بِأَن يَأْخُذهُمْ إِلَى قصر الصاحب بن عباد وينزلهم هُنَاكَ وَمضى الْحَاجِب بهم إِلَى حَيْثُ أمره مَوْلَاهُ ووضعهم فِي قصر الصاحب وَعَاد لَكِن أُولَئِكَ الرِّجَال كَانُوا فِي حيرة واضطراب خوفًا مِمَّا سينزله الصاحب بهم من عُقُوبَة وَلما عَاد الصاحب من قصر فَخر الدولة إِلَى قصره هُوَ ألْقى عَلَيْهِم نظرة ثمَّ جَاءَهُم أحد الفراشين وَمضى بهم جَمِيعًا إِلَى حجرَة كَأَنَّهَا الْجنَّة فِي زينتها وفراشها الفاخر ومساندها المصفوفة وَقَالَ

стр. 171

لَهُم اجلسوا حَيْثُ تشاؤون فتوزعوا وجلسوا على المفارش وَجِيء بِالشرابِ وَلما شربوا جِيءَ بِالطَّعَامِ فاكلوا وغسلوا أَيْديهم ثمَّ أعد لَهُم مجْلِس غناء وطرب وَجِيء بالخمرة فراحوا يحتسون كؤوس الطلا ويستمعون إِلَى غناء المطربين إِذْ لم يكن ثمَّة أحد فِي مجلسهم ذَاك سوى الفراشين الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا يقومُونَ على خدمتهم وَلم يكن أحد يعلم شَيْئا عَن حَالهم تِلْكَ فقد كَانَت الْمَدِينَة بأسرها رجَالًا وَنسَاء فِي قلق عَلَيْهِم وَكَانَت نِسَاؤُهُم وأبناءهم يَبْكُونَ ويندبون وَبعد ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَيَّام جَاءَهُم أحد حجاب الصاحب بن عباد وَقَالَ ان الصاحب يَقُول اعلموا أَن قصري لَيْسَ سجنا وأنكم ضيوفي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَلَو أُرِيد بكم سوء لما أحضرتم إِلَى قصري وَبعد أَن عَاد الصاحب من الدِّيوَان إِلَى قصره وَكَانَ منهمكا فِي أَمرهم أَمر باحضار خياط حَالا ليخيط عشْرين جُبَّة من الديباج ثمَّ أَمر بتهيئة عشْرين جوادا بسرج مزركشة وَلما انتهي من إعداد هَذَا كُله مَعَ إشراقة صباح الْيَوْم التَّالِي دَعَا الصاحب الرِّجَال جَمِيعهم إِلَيْهِ والبس كل وَاحِد منمهم جُبَّة وعمامة أعطَاهُ جوادا وغطاء مزركشا لسرجه وَعين لَهُ عمله وَجعل لبَعْضهِم جرايات دائمة ووصلهم جَمِيعًا ثمَّ صرفهم إِلَى مَنَازِلهمْ فرحين مسرورين وَفِي الْيَوْم التَّالِي حَضَرُوا عِنْد الصاحب جَمِيعًا للسلام عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم لتقروا الان عينا فَلَا تكتبا لمحمود بعد الان وَلَا تتشكوا وَلَا تعملوا على زَوَال مملكتنا وَلما مثل الصاحب بَين يَدي فَخر الدولة سَأَلَهُ مَاذَا فعلت مَعَ تِلْكَ الْجَمَاعَة قَالَ الصاحب يَا مولَايَ أَعْطَيْت كلا مِنْهُم جوادا مطهما وخلعة وصلَة وعينت لَهُ عملا من بَين الْأَعْمَال الَّتِي انتزعتها من أَصْحَاب العملين فِي الدولة والديوان ثمَّ صرفتهم إِلَى بُيُوتهم بعد أَن عرف كل عمله فِرَاق لفخر الدولة ذَلِك وَأقرهُ ثمَّ قَالَ لَو فعلت غير هَذَا لما كَانَ فعلك صَحِيحا ليتك أقدمت على مَا أقدمت عَلَيْهِ السّنة قبل عشر سنوات فَمَا كَانُوا لِيَرْغَبُوا فِي خصومنا يجب أَلا يسند لأي شخص بعد الان سوى عمل وَاحِد لتَكون لكل المتصرفين أَعمال وليكون للأعمال جَمِيعهَا رونق وبهاء فَإِذا مَا ولي شخص وَاحِد عملين أَو ثَلَاثَة فَإِن سبل الْعَيْش تضيق على الاخرين وَإِن حكام الْأَطْرَاف ومتسقطي عُيُوب دولتنا سيقولون ألم يبْق فِي مملكتهم رجال حَتَّى يعهدوا بعملين إِلَى رجل وَاحِد ويحملوننا على عدم الْكِفَايَة والجدارة ألم تَرَ أَن الْحُكَمَاء قَالَت لكل عمل رجال ان فِي المملكة وظائف كَبِيرَة ومتوسطة وصغيرة فليعط كل عَامل ومتصرف عملا

стр. 172

وَاحِدًا وفقا لكفايته وفضله ولياقته والته حسب وان يكن لأحد شغل وَجَاء يطْلب اخر فَيَنْبَغِي أَلا يلبى طلبه أَو يسمح لَهُ بذلك لكَي يقْضِي على هَذَا التَّقْلِيد الْمُحدث فِي المملكة فَإِذا مَا ولي كل عَامل فِي المملكة عملا وَاحِدًا فَقَط فَأَنَّهُ يُؤَدِّي بِالضَّرُورَةِ إِلَى إعمارها إِن الْملك زينته الْعمَّال عُمَّال الْخراج وكبار الْجَيْش وان على رَأس كل الْعمَّال والمتصرفين وزيرا فحين يكون الْوَزير سَيِّئًا خائنا ظَالِما متطاولا يكون الْعمَّال جَمِيعهم كَذَلِك بل أَسْوَأ وَأكْثر خُرُوجًا على الْقَوَاعِد وَالْأُصُول المرعية وَإِذا مَا وجد ثمَّة عَامل بارع فِي إدارة دفة الْأُمُور أَو كَاتب أَو مستوف أَو خَبِير فِي أَنْوَاع الْمُعَامَلَات مِمَّن لَا نَظِير لَهُ فِي المملكة من ذَوي الْمذَاهب السَّيئَة والعقائد الْفَاسِدَة من مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس واذى الْمُسلمين واستخف بهم لحجة فِي الْعَمَل أَو الْحساب فَتجب تنحيته ومعاقبته إِذا مَا تظلموا مِنْهُ واشتكوا وَلَا يغرنك قَول شفعائه انه لَا يُوجد فِي المملكة كلهَا كَاتب أَو محاسب أَو عَامل مثله ان ينح عَن عمله فَإِن أضرارا بَالِغَة ستلحق بالمعاملات جَمِيعهَا وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقوم بِهَذِهِ المهمة بعده إِنَّهُم يكذبُون وَيَنْبَغِي أَلا يصغى إِلَى كَلَامهم بل يجب استبدال ذَلِك الشَّخْص باخر مِثْلَمَا فعل عمر بن الْخطاب ﵁ عمر بن الْخطاب وَالْعَامِل الْيَهُودِيّ وَهَكَذَا حدث فِي أَيَّام سعد بن ابي وَقاص إِذْ كَانَ عَامله فِي سَواد بَغْدَاد وواسط والأنبار وَتلك النواحي إِلَى تخوم خوزستان وَالْبَصْرَة يَهُودِيّا لقد كتب سكان المناطق الْمَذْكُورَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر يَشكونَ إِلَيْهِ الْعَامِل الْيَهُودِيّ ويتظلمون مِنْهُ فَقَالُوا إِن هَذَا الرجل يؤذينا بذريعة الْعَمَل والمعاملة دون حق ويستهزيء بِنَا ويستخف لقد عيل صَبرنَا فان يكن لَا بُد مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد فَاجْعَلْ علينا عَاملا مُسلما حَتَّى لَا يعاملنا بِخِلَاف الْأُصُول وَالْقَوَاعِد وَلَا يسومنا الْأَذَى وَالْعَذَاب لأننا على دين وَاحِد وَإِذا

стр. 173

مَا تصرف خلافًا لهَذَا فَإِنَّهُ لأحب إِلَيْنَا أَن نتحمل وَطْأَة الْأَذَى وَالِاسْتِخْفَاف من مُسلم لَا من يَهُودِيّ وَلما قَرَأَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر الرسَالَة قَالَ أيتسنى ليهودي يعِيش على وَجه الأَرْض سالما أَن يشْعر بالتفوق وَالْفضل على الْمُسلمين وَأمر بِأَن يكْتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص اعزل ذَلِك الْيَهُودِيّ وول عمله مُسلما وَلما قَرَأَ سعد الرسَالَة أَمر بندب خيال إِلَى الْعَامِل الْيَهُودِيّ أَنى وجد والمجيء بِهِ إِلَى الْكُوفَة ثمَّ بعث برسل اخرين إِلَى مُخْتَلف نواحي بِلَاد الْعَجم ليأتوا بالعمال الْمُسلمين من حَيْثُ يجدونهم إِلَى الْكُوفَة لما أحضر الْيَهُودِيّ والعمال الاخرون جَمِيعًا لم ير سعد فِي عُمَّال الْعَرَب والعجم من الْمُسلمين من لَهُ الْقُدْرَة والكفاية على الْقيام بِعَمَل الْيَهُودِيّ وَلم يجد فيهم من يعرف أصُول الْمُعَامَلَة مثله أَو أَن لَهُ خبرته وَقدرته على تَحْصِيل الْأَمْوَال والإعمار وَمَعْرِفَة النَّاس والإحاطة بِمَا حصل وَمَا لم يحصل من خراج فاضطر إِلَى إبقائه على رَأس عمله وَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ رِسَالَة تَقول لقد امتثلت أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فأحضرت الْيَهُودِيّ وعقدت مَجْلِسا جمعت فِيهِ كل الْعمَّال والمتصرفين فِي ديار الْعَرَب والعجم فَلم يكن فِي الْعَرَب من لَهُ دراية بأحوال الْعَجم وشؤونهم أما عُمَّال الْعَجم فتبيين لي بعد استقراء أَن لَيْسَ فيهم من لَهُ كِفَايَة الْيَهُودِيّ ومهارته فِي الْمُعَامَلَة وَحسن نصرفه وإدارته ومعرفته النَّاس لقد اضطررت إِلَى إبقائه فِي عمله حَتَّى لَا يتسرب الْخلَل إِلَى شَتَّى أَنْوَاع الْمُعَامَلَات ولكي يسْتَمر تَحْصِيل الْأَمْوَال وَإِنِّي فِي انْتِظَار أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ لما وصلت الرسَالَة الى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر وَقرأَهَا تملكه الْعجب فَقَالَ يَا للعجب يخْتَار غير مَا اخْتَرْت وَيرى غير مَا رَأَيْت وَتَنَاول الْقَلَم وَكتب فِي أَعلَى الرسَالَة نَفسهَا مَاتَ الْيَهُودِيّ ثمَّ أَعَادَهَا إِلَى سعد بن أبي وَقاص إِن مَا عناه عمر بقوله مَاتَ الْيَهُودِيّ هُوَ هَب أَن الْيَهُودِيّ قد مَاتَ وكل نفس ذائقة الْمَوْت فالموت بِمَثَابَة الْعَزْل عَن الْعَمَل وَاعْلَم أَن الْعَمَل يجب أَلا يتَوَقَّف بِمَوْت أَي عَامل أَو عَزله بل يَنْبَغِي ندب رجل اخر لَهُ فَلم تظل عَاجِزا هَكَذَا وَلما تسلم سعد الرسَالَة وَقَرَأَ توقيع عمر فِي أَعْلَاهَا عزل الْيَهُودِيّ فَوْرًا وَعين مُسلما مَكَانَهُ وتسلم الْمُسلم عمله فَتبين بعد سنة أَن مَا أنْجز على يَد الْعَامِل الْمُسلم أفضل بِكَثِير

стр. 174

مِمَّا انجز على يَد الْيَهُودِيّ وَأَن شؤون الْعمرَان قد نمت وازدهرت حِينَئِذٍ قَالَ سعد بن أبي وَقاص لأمراء الْعَرَب أنعم بأمير الْمُؤمنِينَ عمر رجلا عَظِيما فقد كتبت فِي أَمر ذَلِك الْيَهُودِيّ وشؤون الْولَايَة رِسَالَة طَوِيلَة لكنه أجابني بكلمتين فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ لَا كَمَا كنت أعتقد ونجانا مِمَّا كَمَا فِيهِ ثمَّة قَولَانِ مشهوران صَدرا عَن رجلَيْنِ عظيمين كِلَاهُمَا صائب مَقْبُول وسوف يظلان مضرب الْمثل فِي الْعَرَب والعجم إِلَى يَوْم الدّين الأول قَول عمر بن الْخطاب ﵁ مَاتَ الْيَهُودِيّ فَأنى وجد عَامل يجيد مهنة الْكِتَابَة وَله مهارة وخبرة فِي إدارة الْأُمُور وتصريفها لكنه متطاول ظَالِم خَبِيث الْمَذْهَب وَأُرِيد لهَذَا تنحيته فيتصدى شفعاؤه وَمن يحدبون عَلَيْهِ قائلين يجب أَلا يعْزل فَهُوَ كَاتب ممتاز وعامل جلد وَلَيْسَ ثمَّة من هُوَ افضل مِنْهُ هُوَ فِي عمله وأمثال هَذَا الْكَلَام فَمَا على الْحَاكِم إِلَّا أَن يَقُول مَاتَ الْيَهُودِيّ فبهاتين الْكَلِمَتَيْنِ ترد أَقْوَالهم كلهَا وَتبطل ويعزل ذَلِك الْعَامِل أما القَوْل الاخر فَإِنَّهُ لما ودع نَبينَا ﷺ الدَّار الفانية لم يَجْرُؤ أحد من صحابته على أَن يَقُول أَنه ﵇ قد مَاتَ سوى أبي بكر الصّديق ﵁ فَمَا إِن ولي الْخلَافَة والت إِلَيْهِ أُمُور الْمُسلمين بعد النَّبِي ﵇ حَتَّى اعتلى الْمِنْبَر وخطب فِي النَّاس فَقَالَ مَاتَ مُحَمَّد ثمَّ قَالَ أَيهَا الْمُسلمُونَ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت فأعجب الْمُسلمُونَ بقوله الَّذِي صَار مضرب الْمثل فِي الْعَرَب بِحَيْثُ إِذا مَا ألمت بأحدهم مُصِيبَة عظمى ودع فِيهَا عَزِيزًا اثيرا لدية وَأَرَادَ النَّاس تهوين الْأَمر وَتَخْفِيف وقعه عَلَيْهِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَهُ فِي عنفوان النَّازِلَة مَاتَ مُحَمَّد فَإِن يكن أَلا يَمُوت أحد من بني ادم فَلَيْسَ من هُوَ أولى من مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﵇ لنعد الان إِلَى مَا بدأنا بِهِ كلامن قُلْنَا ان الْعمَّال وأعمالهم منوطون بالوزير وَإِن الْوَزير الصَّالح يَجْعَل سمعة مليكه وَسيرَته حسنتين فَمَا الْمُلُوك الْعِظَام الَّذين دَان لَهُم الْعَالم وَالَّذين سَوف تظل أَسمَاؤُهُم مقترنة بِذكر الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا هم إِلَّا أُولَئِكَ الَّذين كَانَ

стр. 175

لَهُم وزراء أخيار كَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاء الأعاظم فَكَانَ لِسُلَيْمَان ﵇ اصف بن برخيا ولموسى ﵇ أَخُوهُ هَارُون ﵇ ولعيسى ﵇ شَمْعُون ولمحمد الْمُصْطَفى ﷺ أَبُو بكر الصّديق ﵁ أما الْمُلُوك الْعِظَام فَكَانَ لكيخسرو جودرز ولمنوجهر سَام ولافراسياب بيران ويسه ولكشتاسب جاماسب ولرستم زواره ولبهرام جور خره روز ولأنوشروان الْعَادِل بزرجمهر وَكَانَ لخلفاء بني الْعَبَّاس أَمْثَال ال برمك وللسامانيين البلعميون وللسلطان مَحْمُود الغزنوي أَحْمد حسن ولفخر الدولة الصاحب بن عباد وللسلطان طغرل أَبُو نصر الكندري وبذا اضحت سنة الْأَنْبِيَاء وسيرة الْمُلُوك أنشودة يترنم بهَا ومثلا يضْرب وَمثل هَذَا كثير أما الْوَزير فَيَنْبَغِي أَن يكون نقي الدّين حسن الِاعْتِقَاد حَنَفِيّ الْمَذْهَب أَو شافعيا طَاهِرا كُفؤًا حسن التَّدْبِير والمعاملة كَرِيمًا ومحبا للْملك وَمَا أحسن أَن يكون الْوَزير من صلب وَزِير فَذا أفضل واهيب وَأكْثر بركَة فمنذ عهد أردشير بن بابكان إِلَى أَيَّام يزدجرد بن شهريار اخر مُلُوك الْعَجم لم يكن الْمُلُوك إِلَّا أَبنَاء مُلُوك وَلم يكن الوزراء إِلَّا أَبنَاء وزراء وظل الْأَمر على هَذِه الْحَال حَتَّى ظُهُور الْإِسْلَام فَلَمَّا دَال ملك مُلُوك الْعَجم أَدْبَرت الوزراء عَن الوزراء أَيْضا سُلَيْمَان بن عبد الْملك وجعفر الْبَرْمَكِي يُقَال إِنَّه لما كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك جَالِسا للنَّاس يَوْمًا وَكَانَ كبار رجال دولته وندماؤه حاضرين جرى على لِسَانه إِن لم يكن ملكي أَكثر من ملك سُلَيْمَان بن دَاوُد

стр. 176

عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَيْسَ بِأَقَلّ مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنه كَانَت لَهُ حُكُومَة على الرّيح وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ والوحوش والطيور مِمَّا لَيْسَ لنا أما من حَيْثُ الْكُنُوز وأدوات التجمل والزينة وَالْملك والجيش ونفوذ الحكم ومنعته الَّتِي لنا فَمن ذَا الَّذِي كَانَ لَهُ مثلنَا قبلنَا فِي عرض الْعَالم وَطوله أيعوزني شَيْء من مقومات الْملك لَا أملكهُ فَقَالَ لَهُ أحد الزعماء يعوزك أهم مقومات الْملك وأفضلها مِمَّا لَا تملكه فِي حِين كَانَ للملوك من قبلك قَالَ سُلَيْمَان مَا الَّذِي كَانَ للاخرين وَلَا أملكهُ الان قَالَ الرجل لَيْسَ عنْدك الْوَزير الَّذِي يوائمك قَالَ سُلَيْمَان وَكَيف ذَلِك قَالَ الرجل أَنْت ملك ابْن ملك فَيَنْبَغِي أَن يكون وزيرك ابْن وَزِير كُفؤًا ومباركا قَالَ سُلَيْمَان أيوجد وَزِير على النَّحْو الَّذِي وصفت فِي الْعَالم كُله قَالَ الرجل أجل قَالَ سُلَيْمَان أَيْن قَالَ الرجل فب بَلخ قَالَ سُلَيْمَان من ذَاك الشَّخْص قَالَ الرجل هُوَ جَعْفَر الْبَرْمَكِي الَّذِي ورث اباؤه الوزارة كَابِرًا عَن كَابر إِلَى ايام اردشير بن بابكان وَكَانَ النوبهار وَهُوَ معبد قديم ببلخ وَقفا عَلَيْهِم وَلما أشرقت شمس الأسلام وَخرج السُّلْطَان من يَد مُلُوك الْعَجم اتخذ اباؤه بَلخ دَار مقَام لَهُم وظلوا هُنَاكَ لقد كَانَت الوزارة وراثية فيهم وهم الَّذين صنفوا كتبا فِي السّير ونظام الوزارة وَكَانُوا حِين يفرغ أبناؤهم من تعلم الْخط وَالْأَدب وَالْكِتَابَة يضعون تِلْكَ الْكتب بَين أَيْديهم ليقرأوها ويعوا مَا فِيهَا ويسيروا على هديها لقد اقْتدى الْأَبْنَاء بابائهم فِي سيرتهم اقْتِدَاء كَامِلا من شَتَّى الْوُجُوه وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا كلهَا من هُوَ أليق لوزارتك من جَعْفَر وَالْأَمر مَا يرَاهُ الْخَلِيفَة فَمَا إِن سمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك الَّذِي لم يكن فِي بني امية وَال مَرْوَان أعظم مِنْهُ وأقدر هَذَا الْكَلَام حَتَّى وَطن الْفُؤَاد على استقدام جَعْفَر من بَلخ والعهد إِلَيْهِ بالوزارة

стр. 177

غير أَنه فكر فِي نَفسه لربما أَن جعفرا مَا زَالَ مجوسيا وَلكنه لما سمع بِأَنَّهُ كَانَ قد ولد مُسلما غمرته الفرحة وَأمر بِكِتَابَة رِسَالَة إِلَى وَالِي بَلخ ليرسل جعفرا إِلَى دمشق وَيُعْطِيه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من نفقات الطَّرِيق ووسائل الزِّينَة والتجمل وَلَو ألف دِينَار وَأَن يُرْسِلهُ إِلَى العاصمة فِي أبهى ايات الإجلال وأكملها وَأرْسل الْوَالِي جعفرا إِلَى دمشق فَكَانَ كلما وصل مَدِينَة يخرج كِبَارهَا لاستقباله ويقيمون لَهُ المادب إِلَى أَن أوصل إِلَى دمشق وَلما وطأت قدماه أَرض دمشق خرج كبراء الدولة والجيش إِلَّا سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَن بكرَة أَبِيهِم لاستقباله والترحيب بِهِ واخترقوا بِهِ الْمَدِينَة فِي أتم مظَاهر الإجلال والاحترام وأبهاها إِلَى حَيْثُ أنزلوه فِي قصر لَا يطاوله أَي قصر جمالا وروعة وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام مضوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك ليمثل بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا دخل الْقصر وَوَقعت عينا سُلَيْمَان عَلَيْهِ راقه منظره ومراه وَلما دخل إِلَى بهو الْمجْلس صَحبه الْحجاب إِلَى الْمَكَان الَّذِي أعد لَهُ بِالْقربِ من سَرِير الْملك فَأَجْلَسُوهُ وعادوا وَبعد أَن جلس جَعْفَر أَخذ سُلَيْمَان ينظر إِلَيْهِ بدقة وإمعان وَإِذا بِهِ يقطب جَبينه وَيَقُول فِي غضب إنهض من أَمَامِي فخف الْحجاب على الْفَوْر وأخذوه وأعادوه دون أَن يدْرِي أحد عِلّة ذَلِك وَبعد أَن صلى سُلَيْمَان الظّهْر استخفه نشاط للشراب فَحَضَرَ العظماء وَجلسَ الندمان ومدت الْأَيْدِي إِلَى الصَّهْبَاء وأديرت الكؤوس مَرَّات ودب فيهم النشاط والنشوة فَلَمَّا رأى من فِي الْمجْلس انْفِرَاد طبع سُلَيْمَان وانفراج أساريره قَالَ أحد الْخَاصَّة مولَايَ الْملك لقد أمرت بإحضار جَعْفَر الْبَرْمَكِي من بَلخ بأسمى ايات الإعزاز وَالْإِكْرَام لشأن عَظِيم لَكِن مَا إِن مثل بَين يَديك وَجلسَ حَتَّى ثبطت عزيمته وأفترت همته وَأمرت بِإِخْرَاجِهِ فَمَا كَانَ سَبَب ذَلِك فالقوم فِي عجب قَالَ سُلَيْمَان لَو لم يكن جَعْفَر من أسرة عريقة وَلم يات إِلَيْنَا من مَسَافَة بعيدَة لأمرت انذاك بِضَرْب عُنُقه حَالا لِأَنَّهُ كَانَ يحمل مَعَه سما قَاتلا أَتَى بِهِ هَدِيَّة لي فِي أول مرّة يلقاني فِيهَا فَقَالَ أحد العظماء من الندامى أيامرني مولَايَ بالذهاب إِلَه لبحث الْمَوْضُوع مَعَه والبت فِيهِ فنعرف مَا يَقُول أيعترف أم يُنكر قَالَ سُلَيْمَان إذهب فَقَامَ الرجل ترك الْمجْلس إِلَى جَعْفَر وَهُنَاكَ سَأَلَهُ لقد ذهبت الْيَوْم لمقابلة سُلَيْمَان أفكنت تحمل مَعَك سما قَالَ جَعْفَر أجل وَمَا زَالَ معي إِنَّه هَذَا الَّذِي تَحت فص خَاتمِي فعلى هَذَا سَار ابائي من قبل لقد انْتهى إِلَيّ هَذَا الْخَاتم إِرْثا عَن وَالِدي لكنه لم يحدث قطّ أَن

стр. 178

تسببت أَنا أَو أحد ابائي حَتَّى يإيذاء نملة وهلاكها فَكيف إِذا وصل الْأَمر إِلَى ادمي أجل لقد اعتدنا حمله رَغْبَة فِي تالحزم والحيطة فِي الْأُمُور فَمَا أَكثر مالاقى أبائي من لدن الاخرين خسفا وتعذيبا من جراء المَال والثروة فَفِي الْوَقْت الَّذِي استدعاني فِيهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لم يطلعني أحد على حَقِيقَة الْمَوْضُوع الَّذِي كَانَ يطليني من أَجله ففكرت فِي نَفسِي بِأَنَّهُ إِذا مَا طلب إِلَيّ ثَبت الْكُنُوز أَو سَأَلَني شَيْئا لَا استطيع الْوَفَاء بِهِ أَو سامني عذَابا لَا طَاقَة لي عَلَيْهِ فَلَا بُد من أَن أَضَع فص الْخَاتم فِي فمي وأرشف سمه تخلصا من الْعَذَاب والهوان لما سمع الرجل حَدِيث جَعْفَر هَذَا عَاد توا إِلَى سُلَيْمَان وتلا على مسامعه مَا قَالَ جَعْفَر فَعجب سُلَيْمَان لذكاء جَعْفَر وَبعد نظره وفرد أسارير وَجهه وَقبل عذره ثمَّ أَمر بإحضاره إِلَى بَابه فِي موكب خَاص فَذهب العظماء جَمِيعهم إِلَى بَاب الْقصر الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأتوا بِهِ إِلَى البلاط معززا مكرما وَكَذَلِكَ فعلوا فِي الْيَوْم التَّالِي وَلما مثل جَعْفَر بَين يَدي سُلَيْمَان مد إِلَيْهِ سُلَيْمَان يَده مصافحا وَأخذ يسْأَله عَن مشاق الطَّرِيق ويلاطفه بِكَلَام جميل ثمَّ أجلسه وَألبسهُ خلعة الوزارة فِي الْحَال وَوضع الدواة أَمَامه ليوقع جَعْفَر بضعَة تواقيع على مرأى مِنْهُ وَيُقَال إِن سُلَيْمَان لم ير قطّ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من فَرح وابتهاج فِي ذَلِك الْيَوْم لما خرج سُلَيْمَان مِمَّن مَجْلِسه فِي الْقصر استخفه نشاط للشراب فأعد لَهُم مجْلِس زين بِالذَّهَب والجواهر وفرش بفرش موشحة بخيوط من ذهب لم ير النَّاس لَهَا نظيرا قطّ ثمَّ جَلَسُوا للشراب وعَلى حِين كَانَ سُلَيْمَان نشوان جدلا سَأَلَهُ جَعْفَر كَيفَ عرف الْملك من دون الاف النَّاس أَنه كَانَ معي سم قَالَ سُلَيْمَان ان معي شَيْئا أعز عَليّ من كل مَا أملك وكل مَا فِي الخزائن جَمِيعهَا لَا يفارقني أبدا إنَّهُمَا خرزتان كالجزع ولكنهما ليستا جزعا حَقِيقِيًّا حصلت عَلَيْهِمَا من خَزَائِن الْمُلُوك وهما مربوطتان فِي ذراعي دَائِما فَإِذا مَا أزجستا رَائِحَة السم فِي أَي مَكَان أَو مَعَ أَي شخص أَو فِي الطَّعَام وَالشرَاب فَإِنَّهُمَا تتحركان فَوْرًا وتتماسان وتظلان فِي حَرَكَة واضطرام دون أَن يقر لَهما قَرَار حِينَئِذٍ أعلم أَن ثمَّة سما فِي الْمجْلس فأحتاط لِلْأَمْرِ وأتأهب لَهُ فَلَمَّا

стр. 179

تخطيت أَنْت عتبَة بهو الْمجْلس شرعت الخرزتان فِي الْحَرَكَة وَكَانَت حركتهما تزداد حِدة وهيجانا كلما كنت تتقدم إِلَى الْأَمَام أَكثر فِي الْمجْلس وَلما اسْتَقر بك الْمجْلس أَمَامِي أخذتا تتماسان تماسا لم يدع لي مجالا للشَّكّ بأنك تحمل مَعَك سما اعْلَم أَنه لَو كَانَ أحد غَيْرك لما ابقيت على حَيَاته وَلما أخرجوك أخذت الخرزتان بِالسُّكُونِ لكنهما لم تتوقفا إِلَّا بعد خُرُوجك من الْقصر وانئذ كشف سُلَيْمَان عَن ذراعة وأراها جعفرا وَقَالَ أَرَأَيْت فِي الدُّنْيَا شَيْئا أعجب من هَذَا فِي حياتك وَكَانَ العظماء جَمِيعهم ينظرُونَ إِلَى الخرزتين فِي عجب قَالَ جَعْفَر رَأَيْت فِي حَياتِي شَيْئَيْنِ عجيبين لم أر مثلهمَا قطّ الأول هَذَا الَّذِي أرَاهُ مَعَ الْملك والاخر مَا رَأَيْته مَعَ ملك طبرستان فَقَالَ سُلَيْمَان كَيفَ كَانَ ذَلِك أسمعني قَالَ جَعْفَر لما وصل إِلَى وَالِي بَلخ أَمر مولَايَ بإرسالي إِلَى دمشق أذعنت لِلْأَمْرِ وتأهبت للرحلة وأعددت للطريق عدتهَا فتوجهت من نيسابور إِلَى طبرستان لبضاعة كَانَت لي هُنَاكَ وَلما وصلت إِلَى طبرستان استقبلني ملكهَا وأنزلني فِي قصره بِمَدِينَة امل وَبعث الي الْقرى وَكُنَّا نَلْتَقِي يوميا فِي الْمجْلس وعَلى الخوان وَنَذْهَب إِلَى أمكنة مُخْتَلفَة تنزها وَذَات يَوْم قَالَ لي فِي نشوة أتنزهت فِي الْبَحْر إِلَى الان قلت لَا قَالَ أَنْت ضَيْفِي فِي نزهة بحريّة غَدا قلت سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر الملاحين بِأَن يعدوا السفن ويهيؤوها للغد وَفِي الْيَوْم التَّالِي مضى بِي الْملك ألى سَاحل الْبَحْر حَيْثُ ركبنَا سفينة والمطربون يعزفون ويغنون والملاحون يقودون السَّفِينَة إِلَى أَن مضوا بِنَا ألى لجة الْبَحْر فِي حِين كَانَ السقاة يديرون ابْنة الْكَرم دون انْقِطَاع وَكُنَّا الْملك وَأَنا نجلس قريبين جدا إِذْ لم يكن بَيْننَا أحد لقد كَانَ فِي إِصْبَع الْملك خَاتم فصه من الْيَاقُوت الْأَحْمَر وَكَانَ جميلا الى أبعد حُدُود الْجمال صافيا وملونا حَتَّى أنني لم أر مثله فِي حَياتِي وَلَقَد جعلني جماله أَدِيم النّظر فِيهِ لما رأى الْملك أنني أطيل النّظر فِي الْخَاتم نَزعه من أُصْبُعه وَوَضعه أَمَامِي فانحنيت احتراما لَهُ وَقبلت الْخَاتم وَوَضَعته أَمَام الْملك من جَدِيد لكنه تنَاوله وَوَضعه امامي مرّة أُخْرَى وَقَالَ ان خَاتمًا خرج من إصبعي هَدِيَّة وَعَطَاء لَا يعود إِلَيْهَا فَقلت إِن هَذَا الْخَاتم لَا يَلِيق إِلَّا بِالْملكِ وَوَضَعته أَمَامه غير أَنه عَاد فَوَضعه أَمَامِي وَلِأَن الْخَاتم كَانَ اية فِي الإبداع وقيما قلت ان من يهب هَذَا الْخَاتم ثملا قد ينْدَم

стр. 180

على فعلته صَاحِيًا فينتابه هم لذَلِك وَوضعت الْخَاتم أَمَام الْملك أَيْضا فتناوله هَذِه الْمرة ودماه فِي الْبَحْر فَقلت انذاك اه واأسفاه على هَذَا الْخَاتم لَو كنت أعلم أَن الْملك لن يُعِيدهُ إِلَى إصبعه حَقًا أَو أَنه سيلقي بِهِ فِي الْبَحْر لقبلته لأنني لم أر ياقوتا كَهَذا قطّ قَالَ الْملك لقد وَضعته امامك مَرَّات وَلما رَأَيْتُك تحدق النّظر فِيهِ كثيرا أخرجته من إصبعي ووهبتكه وعَلى الرغم مِمَّا كَانَ للخاتم ممت جمال فِي نَظَرِي فلولا أَنه لم يكن فِي عَيْنَيْك أجمل لم منحتكه لقد كَانَ الذَّنب ذَنْبك لِأَنَّك لم تقبله أما وَقد قذفت بِهِ فِي الْبَحْر فقد ذهبت نَفسك عَلَيْهِ حسرات إِلَّا أنني سافعل مَا يُعِيدهُ إِلَيْك من جَدِيد وَقَالَ لأحد غلمانه اذْهَبْ واستقل زورقا إِلَى الشاطىء ثمَّ امتط جوادا من هُنَاكَ وامض إِلَى الْقصر مسرعا وَقل للْمُوكل بالخزانة أُرِيد الصندوق الفضي الصَّغِير كَذَا خُذْهُ وهاته إِلَيّ على وَجه السرعة وَقبل أَن يُرْسل الْملك الْغُلَام قَالَ للملاح أنزل مراسي السَّفِينَة وأوقفها فِي مَكَانهَا إِلَى أَن أخْبرك بِمَا يَنْبَغِي عمله فنفذ الملاح مَا أَمر بِهِ أما نخن فاخذنا نشرب الْخمر إِلَى أَن عَاد الْغُلَام بالصندوق الصَّغِير الَّذِي أَمر بإحضاره وَوَضعه أَمَام الْملك فَحل الْملك هِمْيَانه وَأخرج مِنْهُ مفتاحا فضيا فتح بِهِ قفل الصندوق وَنزع غطاءه وَمد يَده فِيهِ فَأخْرج سَمَكَة ذهبية وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْر وَغَارَتْ السَّمَكَة فِي المَاء وانحدرت إِلَى قَعْر الْبَحْر غَائِبَة عَن الأنظار وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَة قَصِيرَة إِذا بهَا تظهر على سطح المَاء والخاتم فِي فمها فَأمر الْملك أحد الملاحين بِأَن يخف بزورق إِلَى حَيْثُ ظَهرت فَمضى الملاح والتقطها والخاتم فِي فمها وأتى بهما إِلَى الْملك الَّذِي نزع الْخَاتم من فمها وَألقى بِهِ أَمَامِي فَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وتناولت الْخَاتم وَوَضَعته فِي إصبعي وَأعَاد الْملك تِلْكَ السَّمَكَة إِلَى الصندوق وقفله ثمَّ أعَاد الْمِفْتَاح إِلَى مَكَانَهُ أَيْضا وَكَانَ فِي إِصْبَع جَعْفَر انذاك خَاتم فَأخْرجهُ وَوَضعه أَمَام سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَقَالَ يَا مولَايَ هَذَا هُوَ الْخَاتم فتناوله سُلَيْمَان وَنظر إِلَيْهِ ثمَّ رده إِلَى جَعْفَر وَقَالَ يَنْبَغِي أَلا يضيع تذكار رجل كَذَلِك الرجل
следующие страницы →