Полный текст (257 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والآلام وانفقت كل مَا أخذت معي من مَال وعدت بِالْحَال الَّتِي تراني عَلَيْهَا لَا ألوي على شَيْء إِنَّنِي فِي حَاجَة الان إِلَى أبريقي الذَّهَب اللَّذين أدخرتهما عنْدك لمثل هَذِه الْأَيَّام العصيبة وَلم يجب القَاضِي بِقَلِيل أَو كثير حَتَّى أَنه لم يُكَلف نَفسه أَن يسألني مَا تَقول أَنْت وَمَعَ من ونهض إِلَى حجرته وَتَرَكَنِي فعدت كسير الْفُؤَاد وَكنت أخجل لما كنت فِيهِ من حَال سَيِّئَة وعري ان أذهب إِلَى منزل أحد أصدقائي وَذَوي قرباي بل كنت أَنَام فِي الْمَسْجِد لَيْلًا وأتوارى فِي إِحْدَى الزوايا نَهَارا وَلم أطيل عَلَيْك الْقِصَّة لقد طرقت مَعَه الْمَوْضُوع مرَّتَيْنِ لكنه لم يجب بِشَيْء وَفِي الْيَوْم السَّابِع كَلمته بحدة وَشدَّة فَقَالَ لي إِنَّك مصاب بالهوس وَإِن عقلك قد تبلد من تَعب الطَّرِيق وغبارها فَأخذت تهذي كثيرا لست أعرفك وَلَيْسَ لدي خبر مِمَّا تَقول أما الرجل الَّذِي تذكر اسْمه فَكَانَ شَابًّا وسيم الْوَجْه ممتلىء الْجِسْم بهي الطلعة جميل الملبس قلت أَيهَا القَاضِي أَنا نَفسِي ذَلِك الشَّاب لَكِن سَبَب هزالي وصفرتي مَا قَضيته من عَيْش سيىء فِي تِلْكَ الْمدَّة أما قبح وَجْهي وصفرة لَونه فَلَيْسَ إِلَّا بِمَا أصبت بِهِ من جروح قَالَ إنهض وَلَا تصدع رَأْسِي إنهض وامض بالسلامة قلت أَيهَا القَاضِي لَا تفعل هَذَا اتَّقِ الله فَبعد هَذِه الدَّار دَار أُخْرَى وَلكُل عمل ثَوَاب وعقاب قَالَ لَا تتعبني قلت لَك من الذَّهَب حصتان ولي خمس فَلَنْ يجب قلت أَيهَا القَاضِي لَك أحد الإبريقين حَلَالا طيبا فَرد لي الاخر فإنني فِي عوز شَدِيد وَمَعَ هَذَا أوقع لَك بَرَاءَة تَامَّة بِشَهَادَة شُهُود عدُول بِأَن لَيْسَ بذمتك شَيْء قَالَ القَاضِي لقد أضناك الْجُنُون وَهَا أَنْت ذَا تَدور فِي فلكه حَتَّى لأستطيع أَن أحكم بجنونك وامر بإدخالك المستشفى ووضعك بالسلاسل والقيود بِحَيْثُ تبقى ثمَّة مَا دمت حَيا
فَخفت وأيقنت أَن الرجل صمم على غصبي ذهبي وان النَّاس سيجرون على كل مَا يحكم بِهِ ونهضت بِرِفْق وَخرجت من عِنْده وَأَنا أردد الْمثل الْقَائِل بالملح يدرء فَسَاد اللَّحْم فَبِمَ يدرء فَسَاد الْملح ان القَاضِي مصدر كل الْأَحْكَام فَمن ذَا يسل الْعدْل مِنْهُ إِذا ظام فَلَو كَانَ عضد الدولة عادلا لما كَانَت عشْرين الْألف دِينَار بيد القَاضِي وَلما وصلت إِلَى مَا أَنا فِيهِ من جوع أَو تخليت عَن طمعي بِمَالي وملكي ومرتع صباي
لما سمع الْمنْهِي من الرجل حِكَايَة حَاله تألم لَهُ ورق لحاله وَقَالَ أَيهَا الْفَتى الشهم إِنَّمَا تَأتي الامال بعد الْيَأْس وكل أَمرك إِلَى الله فَهُوَ الَّذِي يدبر أُمُور الْعباد ثمَّ قَالَ لَهُ لي فِي هَذِه الْقرْيَة صديق شهم مضياف وَأَنا ذَاهِب لزيارته فَهَل لَك وَقد راقتني رفقتك أَن نقضي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي بَيته وننتظر مَا يَجِيء بِهِ غَد وَمضى
стр. 72
بِهِ إِلَى منزل صديقه وَبعد أَن أكلُوا مَا تيَسّر لَهُم دخل الْمنْهِي إِحْدَى الغرف فشرح حَال الرجل فِي رِسَالَة وَأَعْطَاهَا اُحْدُ الْقرَوِيين وَقَالَ لَهُ إذهب إِلَى قصر عضد الدولة واطلب الْخَادِم فلَانا وَسلمهُ الرسَالَة وَقل لَهُ انها من فلَان يجب أَن توصلها حَالا وَتَأْتِي بِالْجَوَابِ وَمضى الرَّسُول وَأعْطى الرسَالَة الْخَادِم فأوصلها إِلَى عضد الدولة حَالا فَلَمَّا قَرَأَهَا عضد الدولة عض على إصبعه وَأرْسل شخصا قي الْحَال وَقَالَ أُرِيد أَن تحضر إِلَيّ الرجل عِنْد صَلَاة الْعشَاء فَقَالَ الْمنْهِي للشاب هيا بِنَا إِلَى الْمَدِينَة فَإِن عضد الدولة بعث فِي طلبنا نَحن الِاثْنَيْنِ وَهَذَا الرَّسُول رَسُوله فَقَالَ خير قَالَ الْمنْهِي لَا شَيْء سوى الْخَيْر رُبمَا تناهى إِلَى سَمعه كل مَا كنت تَقول لي فِي الطَّرِيق إِنَّنِي لامل أَن تصل الان إِلَى حَقك فتستريح مِمَّا أَنْت فِيهِ من شقاء فَنَهَضَ وَمضى بِالرجلِ إِلَى عضد الدولة
وأخلى عضد الدولة الْمَكَان وَسَأَلَ الشَّاب عَن أمره من جَدِيد فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة كَمَا كَانَت من أَولهَا إِلَى اخرها فتأثر عضد الدولة لحاله وَقَالَ ان هَذَا الْأَمر مَنُوط بِنَا الان لَا بك فَالْقَاضِي عَامِلِي ومعالجة الْأَمر من واجبي فَالله وهبني الْملك لأحفظ الْحُدُود وأحميها وَلَا أدع شخصا يلْحق ضيما أَو ضَرَرا باخر بله القَاضِي الَّذِي وليته أُمُور الْمُسلمين ووكلت إِلَيْهِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وفرضت لَهُ أجرا شهريا كَيْمَا يسير أُمُور النَّاس بِالْحَقِّ وَيحكم بِالشَّرْعِ لَا يمِيل وَلَا يحابى وَلَا يرتشى أيقع هَذَا فِي عَاصِمَة ملكي من رجل عَالم فَتَأمل إِذن مَا يرتكبه الْعمَّال والحكام الشبَّان والمتهورون من خيانات فِي النواحي الْأُخْرَى لقد كَانَ هَذَا القَاضِي فِي بداية أمره فَقِيرا وَذَا عِيَال وان مَا فرضت لَهُ من أجر شَهْري لم يكن أَكثر مِمَّا يَكْفِيهِ كفاف عيشه لكنه يملك الْيَوْم فِي بَغْدَاد ونواحيها عددا من الضّيَاع والعقارات والحدائق والبساتين والمستغلات والقصور أما الة منزله وأدوات زينته وتجمله فَلَا حد لَهَا فَمن الْمُؤَكّد انه لم يكن فِي وَسعه أَن يمتلك كل هَذَا من أجره الشهري ذَاك بل أَقَامَهَا بأموال الْمُسلمين ثمَّ الْتفت نَحْو الرجل وَقَالَ لن أستمرأ الطَّعَام وألتذ النّوم قبل أَن أرد إِلَيْك حَقك إذهب وَخذ نفقاتك من خزينتنا ثمَّ اترك هَذِه الْمَدِينَة إِلَى أصفهان وأقم بهَا عِنْد فلَان وسنكتب إِلَيْهِ ليكرم وفادتك إِلَى ان نطلبك مِنْهُ فَأعْطَاهُ مِائَتي دِينَار ذَهَبا وَخَمْسَة أَثوَاب ثمَّ أنفذ إِلَى أصفهان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
أما عضد الدولة فَقضى ليلته كلهَا يفكر فِي الْحِيلَة الَّتِي يسْتَردّ بهَا المَال من القَاضِي قَالَ فِي نَفسه ان أَقبض على القَاضِي عنْوَة وأعذبه فَلَنْ يعْتَرف اَوْ يقر أَو يلبس نَفسه تُهْمَة الْخِيَانَة باية حَال من الْأَحْوَال فَيذْهب المَال سدى وتلوكني أَلْسِنَة النَّاس الَّذين لن
стр. 73
يكون لَهُم من حَدِيث سوى أَن عضد الدولة يعذب رجلا كَبِيرا عَالما قَاضِيا دون حق فتشيع هَذِه السمعة السَّيئَة فِي الأرجاء عَليّ أَن أفكر فِي حل يثبت خِيَانَة القَاضِي وَيُعِيد إِلَى الرجل مَاله
وَلما مضى على هَذَا الحَدِيث شهر أَو اثْنَان وَلم ير القَاضِي لصَاحب الذَّهَب من أثر قَالَ لقد كسبت عشْرين ألف دِينَار لَكِن لأصبر سنة أُخْرَى فقد يُنْهِي إِلَيّ أحد خبر موت الرجل لِأَن حَاله الَّتِي رَأَيْته عَلَيْهَا تنم عَن أَنه سيقضي قَرِيبا
وَبعد مُضِيّ شَهْرَيْن على الْأَمر أرسل عضد الدولة فِي ظهيرة أحد الْأَيَّام وَقت القيلولة إِلَى القَاضِي من يستدعيه فاختلى بِهِ وَقَالَ أَيهَا القَاضِي أَتَدْرِي لماذا جشمتك عناء الْمَجِيء قَالَ الْملك أدرى قَالَ عضد الدولة اعْلَم أنني فِي تفكير دَائِم بالعاقبة والمصير وَلَقَد حرمت فِي هَذَا التفكير وَهَذِه السوداوية نعْمَة النّوم لَا معول على الدُّنْيَا ومملكتها وَلَا اعْتِمَاد على الْحَيَاة فالعاقبة لن تعدو أَمريْن فإمَّا أَن ينْقض علينا طَالب ملك وينتزع المملكة منا مِثْلَمَا انتزعناها نَحن من أَيدي الاخرين وَتَأمل مَا قاسيته حَتَّى اسْتَطَعْت الْوُصُول إِلَى الْملك مرّة وَاحِدَة وَإِمَّا أَن يَجِيء الْأَجَل بَغْتَة فَيُفَرق بَيْننَا وَبَين الْملك وَالسُّلْطَان قبل أَن تتَحَقَّق أمالنا ان كل نفس ذائقة الْمَوْت وَمَا الْعُمر إِلَّا صحيفَة أَعمالنَا فَإِن نَكُنْ صالحين نحسن إِلَى عباد الله سيظل النَّاس يذكروننا بِالْخَيرِ ويكيلون لنا الثَّنَاء مَا بقيت الدُّنْيَا وسننال ثَوَاب الاخرة وَإِلَى الْجنَّة وَنعم الْمصير وَإِن نَكُنْ أشرارا نسيء إِلَى الْعباد سيظلون يذكروننا بِالشَّرِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنَّهُمْ كلما ذكرونا يلعنوننا وَيدعونَ علينا وَلنْ نجد يَوْم الْقِيَامَة غير الويل وَالْعَذَاب وَإِلَى جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير إِن كل مَا يُمكن فعله أَن نجهد فِي الطَّاعَة وإنصاف الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم
وَمَا أقصده من حَدِيثي إِلَيْك هُوَ أَن فِي قصري عددا من الْأَطْفَال وَالنِّسَاء خَاصَّة وَأمر الذُّكُور ايسر لأَنهم كالطيور يَسْتَطِيعُونَ الِانْتِقَال من إقليم إِلَى اخر إِن خطب هَؤُلَاءِ المخدرات أَسْوَأ فهن ضعيفات لَا حول لَهُنَّ وَلَا قُوَّة إِنَّنِي لقادر الْيَوْم على التفكير فِي أمرهن لكنه قد يدركني الْأَجَل غَدا أَو يفلت الْملك مني فَلَا أَسْتَطِيع أَن أقوم لَهُنَّ بِشَيْء
لقد فَكرت فِي الْأَمر مَلِيًّا فَلم أجد فِي كل أرجاء المملكة الْيَوْم من هُوَ أتقى وَأكْثر أَمَانَة وتدينا وخوفا من الله وأقصر يدا مِنْك إِنَّنِي أَرغب فِي أَن أَضَع عنْدك مِائَتي ألف ألف دِينَار ذَهَبا نَقْدا وجواهر وَدِيعَة لَا يعلمهَا سوى الله وَنحن الِاثْنَيْنِ فَإِذا مَا جَاءَنِي أَجلي ووصلت بِهن الْحَال إِلَى حد لَا يقدرن مَعَه على كسب قوتهن اليومي ادعهن
стр. 74
سرا وَدون أَن يحس أحد وَقسم المَال بَينهُنَّ ثمَّ زوجهن سترا لَهُنَّ وَكيلا يحتجن أحد من النَّاس إِن هَذَا الْأَمر يَقْتَضِي أَن تخْتَار إِحْدَى حجرات بَيْتك الداخلية وتنشىء فِيهَا سردابا مُحصنا من الاجر المشوي ثمَّ تُخبرنِي بعد الِانْتِهَاء من بنائِهِ لامر فِي لَيْلَة مَا بإحضار عشْرين مجرما من السجناء الْمَحْكُوم عَلَيْهِم بِالْمَوْتِ لحمل المَال على كواهلهم إِلَى بَيْتك وَوَضعه فِي السرداب وإحكام سَده وتغطيته وَبعد عودتهم امْر بِقطع أَعْنَاقهم جَمِيعًا ليظل الْأَمر طي الكتمان قَالَ القَاضِي سمعا وَطَاعَة ساعمل مَا بوسعي لتنفيذ هَذَا الْأَمر ثمَّ هَمس فِي أذن أحد الخدم أَن اذْهَبْ إِلَى الخزينة وضع مِائَتي دِينَار من الذَّهَب المغربي فِي كيس وعد بهَا بِسُرْعَة
وَلما أحضر الذَّهَب تنَاوله عضد الدولة وَوَضعه أَمَام القَاضِي وَقَالَ مِائَتَا الدِّينَار هَذِه لبِنَاء السرداب فَإِن لَا تَكْفِي أرسل إِلَيْك غَيرهَا قَالَ القَاضِي الله الله أَيهَا الْملك إِنَّنِي حَتَّى لَو بنيته بِمَالي الْخَاص لَا أكون فعلت شَيْئا قَالَ عضد الدولة بِشَرْط أَلا تنْفق من مَالك على شؤوني الْخَاصَّة فذهبك حلالك أَنْت وَحدك وَلَا تعلق لَهُ بِهَذَا الشان إِن تقم بالمهمة الَّتِي وَقع اختيارنا واعتمادنا عَلَيْك فِيهَا فقد أدّيت كل شَيْء قَالَ القَاضِي الْأَمر أَمرك يَا مولَايَ
وَوضع القَاضِي مِائَتي الدِّينَار فِي كمه وَانْصَرف من عِنْد الْملك فِي حَال كَاد يخرج فِيهَا من جلده فَرحا وَقَالَ فِي نَفسه لقد حالفني الْحَظ والجاه فِي شيخوختي ستمتلك ذريتي الذَّهَب الَّذِي سيصير كُله إِلَيّ يَوْمًا إِذا مَا حَان اجل الْملك فَلَيْسَ لأحد سَنَد عَليّ سيصبح الذَّهَب كُله من نَصِيبي وَنصِيب أَوْلَادِي إِن صَاحب الإبريقين لم يسْتَطع وَهُوَ حَيّ ان يسْتَردّ مني دانقا وَاحِدًا من الْعشْرين ألفا فَمن سيقدر على الْحُصُول مني على شَيْء إِذا مَا مَاتَ الْملك أَو قتل
وأسرع فِي بِنَاء السرداب الَّذِي فرغ مِنْهُ على أحكم حَال وأحسنها فِي شهر وَاحِد ثمَّ مضى إِلَى قصر عضد الدولة عِنْد صَلَاة الْعشَاء لَيْلَة فاستدعاه عضد الدولة إِلَيْهِ وحيدا وَقَالَ مَا الَّذِي أَتَى بك السَّاعَة قَالَ أردْت أَن أنهِي إِلَى الْملك أَن السرداب الَّذِي أَمر بإنشائه قد تمّ قَالَ عضد الدولة حسن جدا لقد كنت أعرف جديتك فِي الْأُمُور الْحَمد لله الَّذِي لم يخيب ظَنِّي فِيك فَإنَّك أرحت بالي من هَذَا الْأَمر الَّذِي لم أكف لَحْظَة عَن التفكير فِيهِ لقد أَعدَدْت من الْمبلغ الْمَذْكُور ألف ألف وَخَمْسمِائة
стр. 75
ألف دِينَار من الذَّهَب والجواهر وَمَا أَزَال فِي حَاجَة إِلَى خَمْسمِائَة الْألف الْأُخْرَى الَّتِي أفردت لَهَا عددا من الْخلْع ومقادير من الْعود والعنبر والمسك والكافور وكل شَيْء وإنني فِي انْتِظَار باعة الذَّهَب بَين الفينة والفينة وَأَرْجُو أَن يتم بيعهَا فِي خلال هَذَا الْأُسْبُوع وحينذاك تحمل إِلَيْك الْأَمْوَال كلهَا دفْعَة وَاحِدَة لكنني ساجيء إِلَى بَيْتك لَيْلَة غَد بَغْتَة لإلقاء نظرة على السرداب وبنائه غير أنني لَا أريدك أَن تكلّف نَفسك شَيْئا لأنني سأعود حَالا ثمَّ صرف القَاضِي وَأرْسل رَسُولا إِلَى أصفهان فِي الْحَال لإحضار صَاحب الذَّهَب
وَفِي منتصف اللَّيْلَة التالية ذهب عضد الدولة إِلَى منزل القَاضِي فَرَأى السرداب وَاسْتَحْسنهُ ثمَّ قَالَ للْقَاضِي يَنْبَغِي أَن تَأتي إِلَيّ يَوْم الثُّلَاثَاء لترى مَا أَعدَدْت من المَال فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَلما عَاد من منزل القَاضِي أَمر الْمُوكل بالخزينة أَن يضع مائَة وَأَرْبَعين إبريقا مَمْلُوءَة ذَهَبا فِي إِحْدَى الغرف وَأَن يضيف إِلَيْهَا ثَلَاث قَوَارِير مَمْلُوءَة لؤلؤا وكأسا ذهبية مَمْلُوءَة ياقوتا وثانية من لَعَلَّ وَأُخْرَى من فَيْرُوز
لما فرغ الْمُوكل بالخزينة من ذَلِك وصل صَاحب إبريقي الذَّهَب يَوْم السبت واستدعى عضد الدولة القَاضِي وَأمْسك بِيَدِهِ وَأَخذه إِلَى الغرفة الَّتِى وضع فِيهَا المَال وبهت القَاضِي لما رأى الْأَمْوَال والجواهر وهاله ذَلِك فَقَالَ لَهُ عضد الدولة ترقب وُصُول كل هَذِه الْأَمْوَال فِي منتصف إِحْدَى اللَّيَالِي ثمَّ تركا الغرفة وَعَاد القَاضِي وفؤاده يخْفق فَرحا
وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَالَ عضد الدولة لصَاحب الذَّهَب أريدك أَن تذْهب الان الى القَاضِي وَتقول لَهُ لقد صبرت مُدَّة وراعيت لَك حرمتك لن أحتمل أَكثر من هَذَا فَأهل الْمَدِينَة كلهم يعرفونني ويعرفون مَا كَانَ لوالدي من مَال ونعمة وهم يشْهدُونَ على قولي ويصدقونه فِي كل مَكَان إِن ترد لي مَالِي فبها ونعمت وَإِلَّا اذْهَبْ الان إِلَى عضد الدولة شاكيا متظلما وَأجر عَلَيْك الخزي والعار لتَكون فِيك للنَّاس عِبْرَة ثمَّ انْتظر جَوَابه فَإِن أعَاد إِلَيْك ذهبك أحضرهُ إِلَيّ كَمَا هُوَ وَإِلَّا أَخْبرنِي بِمَا جرى
стр. 76
وَذهب الشَّاب إِلَى القَاضِي وَجلسَ بِالْقربِ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ مَا أمره بِهِ عضد الدولة ففكر القَاضِي فِي نَفسه أَنه إِذا مَا شنع هَذَا الرجل عَليّ وَذهب إِلَى عضد الدولة فسيرتاب فِي أَمْرِي وَلَا يُرْسل تِلْكَ الْأَمْوَال إِلَى بَيْتِي من الأصوب ان أُعِيد للرجل مَاله لِأَن مائَة وَخمسين إبريقا مَمْلُوءَة ذَهَبا وعددا من الْجَوَاهِر أحسم على أَيَّة حَال فِي نِهَايَة الْأَمر من إبريقي ذهب اثْنَيْنِ وَقَالَ للشاب اصبر قَلِيلا فقد كنت أبحث عَنْك فِي شَتَّى أرجاء الدُّنْيَا وَبعد قَلِيل نَهَضَ القَاضِي وَدخل حجرَة ثمَّ نَادَى على الشَّاب ووقف إِلَى جَانِبه وَقَالَ أَنْت صديقي وَابْن صديقي وَأَنت مني بِمَنْزِلَة ابْني مَا فعلت ذَلِك مَعَك إِلَّا احْتِيَاطًا ومنذ ذَلِك الْوَقْت وَأَنا فِي طَلَبك الْحَمد لله أنني رَأَيْتُك ثَانِيَة لأتخلص من عبء أمانتك فذهبك مَا زَالَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانَهُ ونهض القَاضِي فأحضر الإبريقين وَقَالَ أَهَذا ذهبك قَالَ الشَّاب أجل قَالَ اذْهَبْ الان إِلَى أَي مَكَان تشَاء فَخرج الشَّاب وأتى بحمالين إِلَى منزل القَاضِي وحملهما الإبريقين وَمضى بهما إِلَى قصر عضد الدولة
وَكَانَ عضد الدولة فِي مجْلِس فِيهِ جَمِيع كبار الدولة لما دخل الرجل عَلَيْهِ بالإبريقين وَسلم فوضعهما أَمَام عضد الدولة الَّذِي استغرق فِي الضحك وَقَالَ الْحَمد لله أَنَّك توصلت إِلَى حَقك وَأَن خِيَانَة القَاضِي قد ثبتَتْ أَتَدْرِي مَا التدابير الَّتِي اتخذناها والسبل الَّتِي اتبعناها حَتَّى توصلت إِلَى ذهبك وتساءل الْحَاضِرُونَ عَن الْأَمر فسرد عصد الدولة عَلَيْهِم حِكَايَة الشَّاب والسبل الَّتِي سلكها هُوَ فِي ذَلِك فتملكهم الْعجب جَمِيعًا ثمَّ أَمر عضد الدولة حَاجِبه الْأَكْبَر ان اذْهَبْ وجئني بقاضي الْمَدِينَة حاسر الرَّأْس وعمامته ملفوفة حول عُنُقه وَلما أحضر القَاضِي إِلَى عضد الدولة بِهَذِهِ الْهَيْئَة وَنظر فَرَأى الشَّاب وَاقِفًا ثمَّة وَرَأى الإبريقين أَمَام عضد الدولة قَالَ واحسرتاه لقد قضي عَليّ وَأدْركَ ان كل مَا قَالَه لَهُ عضد الدولة وأظهره عَلَيْهِ لم يكن إِلَّا لأجل هذَيْن الإبريقين وَقَالَ لَهُ عضد الدولة أَن ترتكب أَنْت خِيَانَة وتضيع الْأَمَانَة وَأَنت رجل مسن وعالم وقاض فَكيف بالاخرين إِذن لقد بَان الان أَن كل مَا تملك وَمَا أنشأت لَيْسَ إِلَّا من أَمْوَال الْمُسلمين والرشوة إِنَّنِي مجازيك بِمَا تسْتَحقّ فِي الدُّنْيَا لَكِن الله هُوَ الَّذِي يعاقبك فِي الاخرة وإنني أهبك حياتك لسنك وعلمك أما أموالك وأملاكك فللخزينة كلهَا وصادر مَا كَانَ لَدَيْهِ من اموال وممتلكات وَلم يوله الْقَضَاء أَو أَي عمل اخر بعد ذَلِك ثمَّ أعْطى الشَّاب إبريقي ذهبه كَمَا هما
стр. 77
السُّلْطَان مَحْمُود وَالْقَاضِي الخائن
وَوَقع للسُّلْطَان مَحْمُود مثل هَذَا فقد نَاوَلَهُ رجل فِي الطَّرِيق شكوى فِيهَا وضعت عِنْد قَاضِي الْمَدِينَة ألفي دِينَار فِي كيس ديباج أَخْضَر مربوطا بإحكام ومختوما وَدِيعَة وَذَهَبت فِي سفر غير أَن اللُّصُوص على طَرِيق الْهِنْد سلبوني كل مَا كنت حملت معي فعدت واستعدت من القَاضِي وديعتي لكنني لما وصلت إِلَى الْبَيْت وَفتحت الْكيس فَإِذا مَا بِهِ دَنَانِير نحاسية فَرَجَعت إِلَى القَاضِي وَقلت لَهُ لقد أودعتك كيسا مليئا بِالذَّهَب لَكِن مَا فِيهِ الان نُحَاس فَأنى يكون هَذَا قَالَ أأريتني الذَّهَب أَو وزنته أَو عددته لما أودعتنيه لقد أودعتني كيسا مربوطا بإحكام ومختوما وَهَكَذَا استعدته وحينذاك سَأَلتك أَهَذا هُوَ كيسك والختم ختمك قلت هُوَ عينه وأخذته وانصرفت بالسلامة والان تَأتي بِهَذَا الزَّعْم الْبَاطِل الله الله أَيهَا الْملك الْعَادِل أَغِثْنِي فإنني لَا أقدر على رغيف خبز وَاحِد
فتألم السُّلْطَان مَحْمُود لحاله وَقَالَ لتهدأ بَالا فسأتولى أَمرك بنفسي إذهب وأحضر الْكيس فَذهب الرجل وأحضره إِلَى مَحْمُود فقلبه وعاينه بدقة من كل أَطْرَافه لكنه لم يهتد إِلَى مَا يوحي بفتحه فَقَالَ للرجل اتركه عِنْدِي وَقد جعلت لَك ثَلَاثَة منوات خبز وَمن لحم يوميا وَعشرَة دَنَانِير شهريا من وكيلنا إِلَى أَن أتدبر أَمر ذهبك وَحَتَّى لَا تبقى دون مؤونة
وَفِي ظهيرة أحد الْأَيَّام وَقت القيلولة وضع السُّلْطَان مَحْمُود الْكيس أَمَامه وَجعل يفكر كَيفَ اسْتَطَاعَ ذَلِك وهداه تفكيره أخيرا إِلَى أَنه رُبمَا فتح الْكيس وَأخرج ذهبه ثمَّ رفي ثَانِيَة
وَكَانَ لمحمود غطاء مَذْهَب جميل مَوضِع على أحد المفارش وَفِي منتصف إِحْدَى اللَّيَالِي نَهَضَ مَحْمُود وَهَبَطَ من سطح الْبَيْت وَتَنَاول سكينا قد بهَا الغطاء مِقْدَار ذِرَاع ثمَّ عَاد إِلَى مَكَانَهُ واستيقظ فِي الصَّباح الباكر وَهَبَطَ من على السّقف أَيْضا وَخرج إِلَى الصَّيْد لثَلَاثَة أَيَّام
وَكَانَ للمكان الَّذِي فِيهِ الغطاء فرَاش خَاص يقوم على تنظيفه فَلَمَّا ذهب إِلَيْهِ فِي الصَّباح وجده مشقوقا بِمِقْدَار ذِرَاع من وَسطه فخاف وغلبه الْبكاء خوفًا فَلَمَّا رَاه فرَاش اخر كَانَ فِي بَيت الْفراش يبكي هَكَذَا سَأَلَهُ مَاذَا حدث قَالَ كَانَ لأحد
стр. 78
عِنْدِي ثارا فقد دلف شخص إِلَى صفة السُّلْطَان وَقد غطاءه ذِرَاعا إِن تقع عينه عَلَيْهِ فسيقتلني لَا محَالة فَقَالَ لَهُ الْفراش هَل رَاه أحد غَيْرك قَالَ لَا قَالَ لَا تقلق حل الْأَمر عِنْدِي فاسمع مَا أَقُول لقد خرج السُّلْطَان للصَّيْد لمُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي هَذِه الْمَدِينَة رفاء كهل اسْمه أَحْمد دكانه فِي نَاحيَة كَذَا انه ماهر فِي الرفو وكل رفائي الْمَدِينَة تلاميذ لَهُ خُذ الغطاء إِلَيْهِ وأعطه مَا يطْلب من أجر فسيرفوه رفوا لن تَسْتَطِيع حَتَّى الصفوة المختارة من أساتذة هَذَا الْفَنّ معرفَة مَكَان الشق
ولف الْفراش الغطاء فِي إِزَار حَالا وَمضى بِهِ إِلَى دكان أَحْمد الرفاء وَقَالَ كم تُرِيدُ من أجر على رفو هَذَا الغطاء بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يعرف مَكَان شقَّه قَالَ نصف دِينَار فَقَالَ الْفراش ليكن دِينَارا على أَن لَا تألو فِيهِ من حذقك ومهارتك شَيْئا قَالَ الرقاء أشكرك ولتهدأ بَالا فَأعْطَاهُ دِينَارا وَقَالَ أريده بِسُرْعَة قَالَ تعال غَدا مَعَ صَلَاة الْعَصْر وخذه
وَفِي الْيَوْم التَّالِي ذهب الْفراش فِي الْموعد الْمَضْرُوب فَوضع الرفاء الغطاء أَمَامه فَلم يسْتَطع أَن يعرف الْمَكَان الَّذِي شقّ مِنْهُ فسر جدا وَعَاد إِلَى الْقصر وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانَهُ الأول
وَلم عَاد مَحْمُود من الصَّيْد ذهب إِلَى صفته ظهرا لينام رأى الغطاء سالما فَقَالَ إِلَيّ بالفراش فَلَمَّا حضر الْفراش قَالَ مَحْمُود لقد كَانَ الغطاء مشقوقا فَمن ذَا الَّذِي رتقه قَالَ يَا مولَايَ إِنَّه لم يشق قطّ هم يكذبُون قَالَ مَحْمُود يَا أَحمَق لَا تخف فَأَنا الَّذِي شققته وَكنت أهدف من وَرَاء هَذَا شَيْئا أصدقني القَوْل من ذَا الَّذِي رفاه لقد أتقنه حَقًا قَالَ يَا مولَايَ الرفاء فلَان قَالَ أريدك أَن تحضره إِلَيّ حَالا قل لَهُ ان السُّلْطَان يُرِيدُكَ وَحَتَّى لَا تذْهب بِهِ الظنون كل مَذْهَب قل لَهُ أَنهم يريدونك فِي الْقصر لأمر بسيط فتفضل وعندما يصل أدخلهُ عَليّ
وَمضى الْفراش مسرعا وأحضر الرفاء بَين يَدي مَحْمُود فخاف لما رأى السُّلْطَان جَالِسا وَحده وَلما وَقعت عين مَحْمُود عَلَيْهِ قَالَ تقدم يَا هَذَا ثمَّ قَالَ لَهُ أَأَنْت الَّذِي رفوت الغطاء قَالَ أجل قَالَ السُّلْطَان لقد أتقنته جيدا قَالَ بحقك با مولَايَ انني قد أتقنته جيدا قَالَ مَحْمُود أيوجد فِي الْمَدِينَة أمهر مِنْك قَالَ لَا قَالَ السُّلْطَان أتصدقني القَوْل إِن سَأَلتك شَيْئا قَالَ لَيْسَ ثمَّة شيىء أجدى من الصدْق مَعَ الْمُلُوك قَالَ السُّلْطَان هَل رفوت فِي بَيت أحد الأثرياء
стр. 79
كيس ديباج أَخْضَر فِي سِتّ أَو سبع السنوات الْأَخِيرَة قَالَ أجل قَالَ السُّلْطَان أَيْن قَالَ فِي بَيت قَاضِي الْمَدِينَة وَقد أَعْطَانِي دينارين أجرا قَالَ السُّلْطَان أتعرف الْكيس الَّذِي رفوته إِن تره قَالَ أجل وَمد السُّلْطَان يَده تَحت المفرش فَتَنَاول الْكيس وَأَعْطَاهُ الرفاء وَقَالَ أَهَذا هُوَ ذَلِك الْكيس قَالَ هُوَ نَفسه فَقَالَ السُّلْطَان أَيْن الْمَكَان الَّذِي رفوته فِيهِ أرنية وَوضع الرفاء إصبعه عَلَيْهِ فَعجب السُّلْطَان لمهارته فِي دقة رفوه وَقَالَ أَتَشهد على القَاضِي إِن دعت الْحَاجة لذَلِك قَالَ وَلم لَا فَأرْسل مَحْمُود إِلَى القَاضِي رَسُولا يستدعيه وَقَالَ لاخر ادْع لي صَاحب الْكيس
فَلَمَّا حضر القَاضِي سلم وَجلسَ كالعادة فَالْتَفت مَحْمُود نَحوه وَقَالَ أَنْت رجل عَالم وعجوز عهِدت إِلَيْك بِالْقضَاءِ ووليتك أَمْوَال الْمُسلمين ودماءهم واعتمدت عَلَيْك فِي حِين أَن فِي هَذِه الْمَدِينَة خَاصَّة ومملكتي عَامَّة ألفي رجل عاطلين وهم أعلم مِنْك أفصحيح أَن تخون الْأَمَانَة وتأكل كل مَال امرىء مُسلم ظلما وعدوانا وتتركه محروما لَا يلوي على شَيْء قَالَ القَاضِي يَا مولَايَ مَا هَذَا الْكَلَام وَمن ذَا الَّذِي يَقُوله إِنَّنِي لم أفعل من ذَلِك شَيْئا فَقَالَ مَحْمُود أَيهَا الْمُنَافِق الْكَلْب أَنْت فعلت ذَلِك وانا الَّذِي أَقُول هَذَا وَأرَاهُ الْكيس وَقَالَ هَذَا هُوَ الْكيس الَّذِي فَتحته وأخرجت الذَّهَب مِنْهُ وبدلته بنحاس ثمَّ أمرت برفوه وَبعد ذَلِك قلت لصَاحبه لقد أحضرته مربوطا مَخْتُومًا وَهَكَذَا استعدته أوزنت عَليّ شَيْئا اَوْ أريتنيه أهذه هِيَ سيرتك ومسلكك فِي أُمُور الدّين قَالَ القَاضِي إِنَّنِي لم أر هَذَا الْكيس قطّ وَلَا علم لي بِمَا تَقول فَقَالَ مَحْمُود إِلَيّ بِالرجلَيْنِ فَذهب أحد الخدم وأحضر صَاحب الْكيس والرفاء وأدخلهما على مَحْمُود فَقَالَ يَا كَذَّاب هَذَا صَاحب الذَّهَب وَهَذَا الَّذِي رفى الْكيس من هُنَا فَخَجِلَ القَاضِي واصفر وَجهه وَأخذ يرتجف خوفًا وَلم يسْتَطع التفوه بِشَيْء فَقَالَ مَحْمُود خذوه وتولوا أمره وأريده أَن يُعِيد للرجل ذهبه الان وَإِلَّا أمرت بِضَرْب عُنُقه وسامر بعد ذَلِك بِمَا يجب فعله فَأخْرج القَاضِي من عِنْد مَحْمُود وَوضع فِي دَار الخفراء حَيْثُ قيل لَهُ سلم الذَّهَب فَطلب القَاضِي وَكيله ودله على مَكَان الذَّهَب فَذهب الْوَكِيل وأحضر الألفي دِينَار وَهِي من الذَّهَب النَّيْسَابُورِي وَأَعْطَاهَا صَاحبهَا
وَفِي الْيَوْم التَّالِي جلس مَحْمُود لمظالم وأعلن بِحُضُور الكبراء خِيَانَة القَاضِي على الْمَلأ ثمَّ أَمر بإحضاره وتعليقه منكس الرَّأْس من على شرفات الْقصر لَكِن الكبراء تشفعوا
стр. 80
لَهُ بِحجَّة أَنه رجل مسن وعالم على أَن يفْدي نَفسه بِخَمْسِينَ ألف دِينَار فَأنْزل بعد ذَلِك وَأخذ الْمبلغ مِنْهُ وَلم يوله مَحْمُود الْقَضَاء بعد تِلْكَ الْحَادِثَة الْبَتَّةَ
إِن قصَص الْمُلُوك من هَذَا الْقَبِيل كَثِيرَة ذكرت هَذَا الْقدر مِنْهَا ليعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه كَيفَ كَانَ الْمُلُوك عدلا وإنصافا وَكَيف كَانُوا يفكرون فِي سَبِيل إِيصَال المظلومين إِلَى حُقُوقهم وردهَا إِلَيْهِم وَمَا السبل الَّتِي سلكوها فِي إِزَالَة المفسدين ومحوهم من على وَجه الْمَعْمُور وَأَن الْملك ذَا الرَّأْي الْقوي الصائب أجدى من الْجَيْش الْقوي وَأحمد الله أَن هذَيْن الْأَمريْنِ متوافران فِي مولى الْعَالم
هَذَا الْفَصْل وقف على الجواسيس والعيون ان عَمَلهم يَنْبَغِي ان يولاه المعتمدون فَقَط فقد كَانَ الْمُلُوك كلما عثروا على أَمْثَال هَؤُلَاءِ يرسلونهم فِي المهام إِلَى شَتَّى الأنحاء والأطراف فِي اسْتِمْرَار
стр. 81
الْفَصْل الرَّابِع عشر
فِي الرُّسُل والسعاة
يَنْبَغِي وضع السعاة على الطّرق الْمَعْرُوفَة دَائِما وَتَخْصِيص أجور شهرية ومكافئات لَهُم فَبِهَذَا يهتمون بِنَقْل مَا يَقع من أَحْدَاث واخبار ليل نَهَار من على بعد خمسين فرسخا وكما جرت بِهِ الْعَادة من قبل يجب تعْيين نقباء لمراقبتهم والاشراف عَلَيْهِم حَتَّى لَا يتوانوا فِي أَدَاء واجباتهم
стр. 82
الْفَصْل الْخَامِس عشر
فِي الحيطة فِي إصدار الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة قي السكر والصحو
إِن مَا يصل ألى الدِّيوَان والخزينة فِي مَا يتَعَلَّق بالمهمات والولايات والأقطاع والصلات من أوَامِر وَأَحْكَام قد يصدر بَعْضهَا فِي حَال انتشاء وغبطة ولدقة هَذَا الْأَمر تنبغي الحيطة التَّامَّة فِيهِ
وَيَنْبَغِي لما قد يَقع من تفَاوت فِيهَا بَين النقلَة أَو أَنهم لَا يسمعونها كَمَا هِيَ أَن تناط بشخص وَاحِد فَقَط ينقلها بِنَفسِهِ لَا ينيب عَنهُ أحدا وَيشْتَرط عدم تَنْفِيذ هَذِه الْأَوَامِر وَالْعَمَل بهَا قبل أَن يعرضهَا الدِّيوَان على الأعتاب الملكية مرّة أُخْرَى وَإِن تعدد ناقلوها وموصلوها
стр. 83
الْفَصْل السَّادِس عشر
فِي الْوَكِيل الْخَاص وشروط عمله وأهميته
لقد غَدا هَذَا الْعَمَل الَّذِي كَانَ لَا يوله إِلَّا شخص مَعْرُوف ومحترم مهملا مَهْجُورًا فِي هَذِه الْأَيَّام
على من يتَوَلَّى الْأَشْرَاف على شؤون تموين الْملك ومطبخه وإصطبله وقصوره الْخَاصَّة وَولده وحاشيته وخدمه أَن يوطن نَفسه للمثول بَين يَدَيْهِ شهريا بل يوميا وَفِي أَي وَقت ليعرض الْأَحْوَال وَهُوَ الْعَارِف بِكُل مَا فِي الْمجْلس العالي ويستطلع رَأْي السُّلْطَان ويطلعه على كل مَا يجْرِي وكل مَا يُعْطِيهِ وَيَأْخُذهُ وَيجب أَن يكون للْوَكِيل الاحترام التَّام ليتَمَكَّن من الْقيام بِعَمَلِهِ بدقة ونظام
стр. 84
الْفَصْل السَّابِع عشر
فِي ندماء الْملك ومقربيه وتنظيم أُمُورهم
لَا مندوحة للْملك من اتِّخَاذ الندماء الْأَكفاء مِمَّن ينْطَلق مَعَهم على سجيته ويطارحهم مَا يُرِيد دونما حرج ذَلِك أَن مجالسة الْمُلُوك الكبراء وحكام الْأَطْرَاف وقادة الْجَيْش كثيرا تُؤثر فِي هيبتهم وعظمتهم وتقديرهم وتزيد من جسارة أُولَئِكَ مَعَهم
وَجُمْلَة القَوْل أَن على الْمُلُوك أَلا يتخذوا ندماءهم مِمَّن أسندوا إِلَيْهِم مناصب ومقامات وأعمالا وَألا يسندوا للنداماء أَي عمل أبدا لأَنهم بِمَا لَهُم فِي رحاب الْملك من حظوة قد يتطاولون ويتسببون فِي إِيذَاء النَّاس وإرهاقهم
الْعَامِل يَنْبَغِي أَن يهاب الْملك دَائِما أما النديم فجراته وجسارته مَعَه مرغوبة وَإِلَّا فَإِن الْملك لَا يَسْتَطِيب منادمته وَلَا يهش لَهَا فطبع الْملك ينبسط بالندامى وللندماء اوقات مَعْلُومَة فَبعد انفضاض اجْتِمَاع الْملك بالكبراء وإنصرافهم من عِنْده يبْدَأ دور الندامى
وللنديم فَوَائِد عدَّة أَولهَا إيناس الْملك وَثَانِيها أَن النديم بِحكم وجوده مَعَ الْملك ليل نَهَار يكون بِمَثَابَة الحامي لَهُ والذائد عَنهُ والمحافظ عَلَيْهِ فَإِذا مَا حاق بِهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه خطر مَا فَإِن النديم لَا يخْشَى أَن يَجْعَل من نَفسه درعا يدرؤه بهَا وَثَالِثهَا أَنه يُمكن للْملك تقليب الحَدِيث بجده وهزله مَعَ النديم فِي حِين يتَعَذَّر مثل هَذَا مَعَ الوزراء والكبراء لأَنهم أَصْحَاب مناصب ومقامات وعمال الْملك وَرَابِعهَا واخرها أَنه بِحكم جرْأَة الندامى وجسارتهم يُمكن الِاسْتِمَاع مِنْهُم إِلَى أَشْيَاء كَثِيرَة وَمَعْرِفَة أُمُور وأحوال عديدة من خير وَشر فِي صحو وسكر مِمَّا لَا يَخْلُو من الْفَائِدَة والصالح الْعَام
لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون النديم كريم الْمَعْدن فَاضلا وسيما نقي الْمَذْهَب حَافِظًا للسر نظيف الملبس عَارِفًا بِكَثْرَة للأسمار والقصص والنوادر هزليها وجديها حسن الرِّوَايَة يعرف لكل مقَام مقاله مجيدا للعب النَّرْد وَالشطْرَنْج وحبذا لَو أَنه يجيد الْغناء
стр. 85
وَالضَّرْب على الالات الموسيقية وَيَنْبَغِي أَن يكون مُوَافقا للموك دَائِما يردد بخ وأحسنت مَا إِن ينْطق الْملك شَيْئا أَو يَفْعَله وَألا ينصب من نَفسه معلما يَقُول افْعَل هَذَا وَلَا تفعل ذَلِك ولماذا فعلت ذَلِك وَيجب أَلا تفغل هَذَا فَهَذِهِ أُمُور يصعب على الْمُلُوك قبُولهَا وتحملها وَهِي تجر إِلَى الْكَرَاهِيَة
أما فِيمَا يتَعَلَّق بالمعاشرة والتنزه ومجالس الْأنس وَالشرَاب وَالصَّيْد واللعب بالطبطابة وَالْميسر وَغَيرهَا فَمن الْأَفْضَل أَن يتدبرها الْمُلُوك مَعَ الندماء لأَنهم إِنَّمَا أعدُّوا لمثل هَذَا وَأما مَا يخْتَص بشؤون المملكة والعمران وَالْحَرب والهجوم والعقوبات والذخائر والصلات وَالسّفر وَالْإِقَامَة والجيش والرعية وأمثال هَذَا فَمن الأولى تدبره مَعَ الوزراء وكبراء الدولى والمسنين من ذَوي التجارب والخبرات والأسفار فهم فِي هَذِه الْأُمُور أخبر وأدرى وأدهى وَهَكَذَا يوضع كل أَمر فِي نصابه
لقد اتخذ بعض الْمُلُوك ندمائهم من الْأَطِبَّاء والمنجمين وَقَالُوا الطَّبِيب يبين مَنَافِع كل مَأْكُول ومضاره وَينْصَح الْملك بِمَا يُوَافقهُ وَلَا يُوَافقهُ ويحفظ لَهُ سَلامَة مزاجه أما المنجم فيرقب الْوَقْت ويعلن عَن أَوْقَات السعد والنحس ويختار وَقت كل مَا يَنْوِي الْملك الْقيام بِهِ من أَعمال فِي حِين عدهما بعض الْمُلُوك عبئا قَالُوا إِن الطَّبِيب وَلَا مرض يحول بَيْننَا وَبَين الْأَطْعِمَة الشهية دَائِما ويصف لنا الْأَدْوِيَة ويفصدنا دون تَعب أَو ألم أما المنجم فيمنعنا من مزاولة الْأَعْمَال وَأَدَاء الْوَاجِبَات والمهام وَحين تنعم النّظر تَجِد أَنَّهُمَا يحولان دَائِما بَيْننَا وَبَين تَحْقِيق أهدافنا فضلا عَن لذائذ الدُّنْيَا وشهواتها وينغصان علينا عيشنا وَهَذَا مَا يتطلب استدعاؤهما وَقت الْحَاجة فَقَط
ويفضل ان يكون الندماء من ذَوي التجارب والأسفار وَمِمَّنْ خدموا العظماء والأكابر فَإِذا مَا أَرَادَ النَّاس التعرف على أَخْلَاق الْملك وعاداته فَإِنَّهُم يقيسونه بندمائه فَإِن يَكُونُوا ذَوي أَخْلَاق حميدة وطباع رحبة صبرا وَذَوي شهامة وظرف يدركوا انئذ أَن الْملك حسن الْخلق والطباع مَحْمُود السِّيرَة حُلْو الشَّمَائِل والعادات وَإِن يَكُونُوا مقطبي الْوُجُوه متعجرفين مستخفين متكبرين بخلاء رعناء وَمِمَّنْ يطْلبُونَ الْمحَال فَإِن النَّاس يستدلون على أَن الْملك سيء الطَّبْع والخلق والسيرة مُمْسك شرير متهور
وَلكُل نديم رُتْبَة ومقام إِذْ خصصت أَمَاكِن لجُلُوس بَعضهم وأماكن لوقوف بَعضهم الاخر فِيمَا كَانَت الْعَادة قَدِيما فِي مجَالِس الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَمَا زَالَ هَذَا الرَّسْم ساريا فِي
стр. 86
الأسرات العريقة إِلَى الْيَوْم فللخليفة من الندماء مَا كَانَ لابائه من قبل
أما سُلْطَان غزنين فَكَانَ لَهُ عشرُون نديما عشرَة جُلُوس وَعشرَة قيام وَقد حذا حَذْو السامانيين فِي هَذَا
وَيَنْبَغِي أَن تكون لندامى الْملك رواتب لعيشهم وَحُرْمَة تَامَّة بَين حشمه أما هم فَعَلَيْهِم أَن يَكُونُوا متحفظين مهذبين وللملك محبين
стр. 87
الْفَصْل الثَّامِن عشر
فِي استشارة الْملك للحكماء والمسنين فِي الْأُمُور
الْمُشَاورَة فِي الْأُمُور من قُوَّة رَأْي الْمَرْء وَكَمَال عقله وَبعد نظره فَلِكُل امرىء علم وَالنَّاس متفاوتون فِيمَا يعْرفُونَ فثمة كثير الْعلم والدراية واخر قليلهما وَمِنْهُم ذُو الْعلم الَّذِي لم يزاوله وَلم تعركه التجارب واخر عَالم خَبِير مجرب فَالَّذِي قَرَأَ علاج الالام والأدواء وَحفظ أَسمَاء الْأَدْوِيَة جَمِيعهَا من بطُون الْكتب حسب لَا يُمكن بأية حَال أَن يقف على قدم الْمُسَاوَاة مَعَ من عالج الْأَمْرَاض والعلل مَرَّات كَثِيرَة وَعرف الْأَدْوِيَة عَن خبْرَة وتجربة وَلَا يُمكن كَذَلِك مُسَاوَاة من سَافر كثيرا وطوف فِي الافاق وذاق حرهَا وبردها عَرك الْأَعْمَال بِنَفسِهِ بِمن لم يُسَافر وَلم يجب الْبلدَانِ ويقتحم ميدان الْعَمَل أَو يخض غمار الْأُمُور قطّ قيل فِي هَذَا الْمَعْنى يَنْبَغِي تدبر الْأُمُور باستشارة الْحُكَمَاء والمسنين وَذَوي التجارب والأسفار وَمن النَّاس أَيْضا من هُوَ متوقد الذِّهْن يتَبَيَّن الْأُمُور بِسُرْعَة وَمن هُوَ بطيء الْفَهم قَالَت الْحُكَمَاء إِن تَدْبِير رجل وَاحِد بِقُوَّة رجل وَاحِد وتدبير اثْنَيْنِ بِقُوَّة اثْنَيْنِ وتدبير عشرَة بِقُوَّة عشرَة
وعَلى أَيَّة حَال فطاقة عشرَة رجال أَكثر من طَاقَة رجل وَاحِد وَأقوى وخطة عشرَة أشخاص أقوى من خطة شَخْصَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَو خَمْسَة وَالنَّاس قاطبة متفقون على أَنه لم يكن فِي الْبشر أعلم وَأحكم من نَبينَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ فقد اجْتمعت لَهُ الْعُلُوم كلهَا وَكَانَ يعرف الْمُسْتَقْبل مَعْرفَته الْمَاضِي وَقد اطلع على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجنَّة وَالنَّار واللوح والقلم وَالْعرش والكرسي وَمَا بَين كل اثْنَيْنِ مِنْهَا وَكَانَ جِبْرَائِيل ﵇ يهْبط عَلَيْهِ دَائِما ويوحي إِلَيْهِ بِمَا كَانَ وَبِمَا لم يكن وَمَعَ مَا كَانَ لَهُ من فَضَائِل ومعجزات فقد خاطبه الله تَعَالَى بقوله ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ وَمَعَ أَن
стр. 88
الرَّسُول ﵊ لم يكن فِي حَاجَة إِلَى المشورة فَليعلم أَن لَيْسَ ثمَّة مَخْلُوق يُمكن أَن يكون فِي غنى عَنْهَا
فعلى الْملك إِذن إِذا مَا هم الْقيام بِعَمَل مَا أَو اعْتَرَضَهُ أَمر ان يستشير مسني مَمْلَكَته المحنكيين ومؤيديها وأولي الْأَمر فِيهَا ليدلي كل مِنْهُم بِمَا يعن لَهُ من رَأْي فِي الْمَوْضُوع ثمَّ تقَابل اراؤهم بِمَا يرَاهُ الْملك فَبعد أَن يظْهر كل مِنْهُم رايه وَيسمع أَقْوَال الاخرين واراءهم لَا بُد من بروز الرَّأْي الصَّوَاب من بَينهَا جَمِيعًا والرأي الصائب هُوَ الَّذِي تجمع عَلَيْهِ الْعُقُول المتكافئة بِأَن هَذَا هُوَ الَّذِي يجب فعله
أما عدم المشورة فِي الْأُمُور فَمن ضعف الرَّأْي ويدعى الشَّخْص من هَذَا الصِّنْف بالمتشبث أَو المستبد برايه وكما أَنه لَا يتسنى الْقيام بِأَيّ عمل بِغَيْر أَهله فَإِن أَي أَمر لَا يَسْتَقِيم جيدا دون مشورة أما سيد الْعَالم خلد الله ملكه فقد اجْتمع لَهُ وَالْحَمْد لله الرَّأْي الْقوي وَأهل الْعَمَل والمشورة وَمَا هَذَا الْقدر الَّذِي ذكر هُنَا إِلَّا مُرَاعَاة لشرط الْكتاب
стр. 89
الْفَصْل التَّاسِع عشر
فِي المختارين وأسلحتهم ومعداتهم وزينتهم
يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْقصر مِائَتَا رجل من المختارين الَّذين يختارون عَادَة من حَيْثُ الْمظهر الْحسن والطول الفارع والرجولة والشجاعة التامتين وَيَنْبَغِي أَن يكون مائَة مِنْهُم من خُرَاسَان وَالْمِائَة الْأُخْرَى من الديالمة ليقوموا جَمِيع بملازمة الْملك وخدمته فِي حلّه وترحاله وَيجب أَن يظلوا بألبسة جميلَة فِي الْقصر دَائِما
وَيجب ان تعد لَهُم مِائَتَا قِطْعَة سلَاح تسلم إِلَيْهِم وتسترد مِنْهُم فِي أَوْقَات مَعْلُومَة على أَن يكون من بَين هَذِه الأسلحة عشرُون ترسا وحمالة سيف من ذهب وَمِائَة وَثَمَانُونَ ترسا وحمالة ورمحا خطيا من فضَّة كَمَا يَنْبَغِي أَن يظهروا فِي ألبسة ثمينة وَأَن تجرى عَلَيْهِم رواتب دائمة
وَيجب أَن يكون لكل خمسين مِنْهُم نقيب يتَوَلَّى شؤونهم والإشراف عَلَيْهِم وإصدار الْأَوَامِر وَإسْنَاد المهام إِلَيْهِم وَيَنْبَغِي أَن يَكُونُوا جَمِيعهم خيالة مجهزين بِكُل الْوَسَائِل والمعدات حَتَّى لَا يعْجزُوا عَن أَدَاء الْوَاجِبَات المنوطة بهم حِين الملمات وَيَنْبَغِي أَن تسجل فِي الدِّيوَان باستمرار اسماء أَرْبَعَة الاف راجل من كل الْأَجْنَاس احْتِيَاطًا ألف للْملك خَاصَّة وَثَلَاثَة الاف لأفواج الْأُمَرَاء وقادة الْجَيْش للاستعانه بهم فِي الملمات وَحين الْحَاجة
стр. 90
الْفَصْل الْعشْرُونَ
فِي اعداد الأسلحة المرصعة وزينة الْقصر
يَنْبَغِي إعداد عشْرين قِطْعَة سلَاح خَاصَّة مرصعة بالجواهر وَغَيرهَا ووضعها فِي الخزينة فَفِي كل وَقت تُقَام فِيهِ الاحتفالات أَو يصل الرُّسُل من أرجاء الأَرْض يتقلد هَذِه الأسلحة عشرُون غُلَاما بألبستهم الجميلة ويقفون بهَا حول سَرِير الْملك وَمَعَ أَن الْملك بِحَمْد الله تَعَالَى بلغ مرتبَة تَجْعَلهُ فِي غنى عَن مثل هَذَا إِلَّا أَنه تجب مُرَاعَاة زِينَة الْملك والمملكة والحفاظ عَلَيْهِمَا والاهتمام بهما فزينة كل ملك وعدته يَنْبَغِي أَن تَكُونَا على قدر همته وَملكه وَلَيْسَ فِي هَذِه الْأَيَّام ملك فِي الْعَالم أعظم من مولى الْعَالم خلد الله ملكه أَو أوسع مِنْهُ مملكة فَمن الْوَاجِب إِذن أَن يكون لَهُ عشر أَضْعَاف مَا للملوك الاخرين فِي كل شَيْء وَمِائَة مثل إِن يكن فهم عشرَة لتوافر كل مَا يَنْبَغِي توافره من همة والة وعدة ومروءة وعظمة وَملك
стр. 91
الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
فِي أَحْوَال الرُّسُل وأساليبهم وتنظيم مهامهم
حِين يفد الرُّسُل من الْبلدَانِ الْمُجَاورَة والممالك الْمُخْتَلفَة وَلَا يدْرِي بهم أحد إِلَّا عِنْد وصولهم أَو أَن أحدا لَا يتعهدهم وَلَا يقدم لَهُم شَيْئا فِي مجيئهم وورودهم فَإِنَّهُم يحملون هَذَا محمل الْغَفْلَة والتهاون فِي الْأُمُور
يَنْبَغِي أَن يُنَبه على عُمَّال الْحُدُود بِأَن يرسلوا حَال قدوم أَي شخص خيالا فَوْرًا يخبر عَمَّن هُوَ القادم وَعَن عدد خيالته وراجليه ومعداته وخدمه وحشمه والمهمة الَّتِي هُوَ أت من اجلها كَمَا يجب أَن ينتدبوا شخصا مِمَّن يوثق بهم ويعتمد عَلَيْهِم لمرافقتهم وإيصالهم إِلَى إِحْدَى المدن الْمَعْرُوفَة ثمَّ تحويلهم إِلَى وُلَاة الْأَمر فِيهَا الَّذين يَنْبَغِي عَلَيْهِم أَيْضا أَن يقومُوا بالدور نَفسه فيأخذوهم إِلَى مَدِينَة أُخْرَى وَهَكَذَا دواليك إِلَى أَن ينْتَهوا إِلَى الْقصر وَيَنْبَغِي الإيعاز إِلَى الْعمَّال والمستقطعين فِي كل الْأَمَاكِن العامرة الاهلة الَّتِي يصل إِلَيْهَا الوافدون وَيحلونَ بهَا أَن يكرموا وفادتهم ويحسنوا معاملتهم ويقدموا لَهُم أحسن مَا عِنْدهم من طَعَام وَغَيره وَأَن يصرفوهم راضين فرحين فِي ذهابهم وأيابهم لِأَن مَا يعاملون بِهِ من إِحْسَان أَو إساءة لَيْسَ فِي وَاقع الْأَمر إِلَّا مُعَاملَة للْملك الَّذِي أوفدوا من لَدنه والملوك دَائِما يحفظون حُرْمَة بَعضهم بَعْضًا ويكرمون رسلهم إِلَى حد يرفع من أقدارهم وجاههم لَا يقلل مِنْهَا حَتَّى فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَت تنشب فِيهِ الخلافات ويستفحل الْخطر بَين الْمُلُوك كَانَ الرُّسُل يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ فيؤدون الرسائل على النَّحْو الَّذِي كلفوا بِهِ دون أَن يمسهم ضرّ أَو يقل الاحتفاء بهم عَمَّا جرت بِهِ الْعَادة لِأَن أَي تصرف غير هَذَا يكون شينا على صَاحبه فَالله يَقُول فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾
стр. 92
مآرب أُخْرَى من وَرَاء إيفاد الرُّسُل
وَمِمَّا تجب مَعْرفَته أَيْضا أَن بغية الْمُلُوك من إيفاد رسلهم إِلَى بَعضهم لَا تَنْحَصِر فِي إِيصَال رسائلهم وأخبارهم وإظهارها على الْمَلأ حسب إِنَّمَا تمتد ماربهم وأهدافهم السّريَّة إِلَى أَكثر من هَذَا انهم يرْمونَ إِلَى استطلاع وضع الطّرق والشعاب ومياه الْأَنْهَار أيستطيع الْجَيْش أَن يتخطاها أم لَا ثمَّ إِلَى تبين المواطن الَّتِي يتوافر فِيهَا الْعلف وينعدم وَإِلَى معرفَة الْعمَّال وأولي الْأَمر فِي كل نَاحيَة وَصوب وَمن ماربهم أَيْضا معرفَة عدد جَيش ذَلِك الْملك وَمَا يملك من الات وَعدد واستطلاع خوانه ومجلسه وترتيب قصره وبلاطه وَكَيْفِيَّة مُجَالَسَته ومعاشرته ومنادمته وصيده ولعبه بالطباطبة وخلقه وَسيرَته وهباته وَكَرمه وسعيه وجده ومظهره وأعماله أظالم أم عَادل أعجوز أم شَاب أعامرة ولَايَته أم خربة أراض جَيْشه أم متظلم أغنية رَعيته أم فقيرة أشحيح أم بخيل أعاقل فِي تصريف الْأُمُور أم غافل عَنْهَا أَو وزيره أهل ومتدين وَحسن السِّيرَة أم لَا أقادة جَيْشه متمرسون وذوو بَاعَ فِي أُمُور الْحَرْب أم لَا أندماؤه ظرفاء لائقون أم لَا مَا يحب وَمَا يكره أهوَ منبسط الطَّبْع حسنه فِي الشَّرَاب أم لَا أمتين فِي أُمُور الدّين وَرَحِيم أم ضَعِيف وجاهل أيميل إِلَى الْهزْل أَكثر أم إِلَى الْجد أيرغب فِي الغلمان أَكثر أم فِي النِّسَاء كل هَذَا ليكونوا على بَيِّنَة من أمره إِذا مَا رَغِبُوا فِي محالفته أَو مُخَالفَته وتصيد عيوبه وليأخذوا لِلْأَمْرِ أهبته إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر ثمَّ يتخذوا مَا يرونه مناسبا مِثْلَمَا حدث لي فِي عهد السُّلْطَان الشَّهِيد ألب أرسلان أنار الله برهانه
الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة
لَيْسَ فِي الْعَالم كُله أفضل وأقوم من مذهبي أبي حنييفة وَالشَّافِعِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا أما الْمذَاهب الْأُخْرَى فبدع وَأَهْوَاء وشبهات مَا كَانَ أَصْلَب السُّلْطَان الشَّهِيد ﵀ وأقومه فِي مذْهبه فقد جَاءَ على لِسَانه مَرَّات وَا أسفاه لَيْت وزيري لم يكن شافعيا وَقد كَانَ سياسيا محنكا ومهيبا جدا وَلَقَد كنت أخشاه وأهابه وأحسب لَهُ حسابا دَائِما لاعْتِقَاده الشَّديد بمذهبه وجديته فِيهِ وانتقاصه مَذْهَب الشَّافِعِي
الخواجة نظام الْملك وَرَسُول شمس الْملك
لما عقد السُّلْطَان الشَّهِيد الْعَزْم على التَّوَجُّه إِلَى مَا وَرَاء النَّهر وسمرقند لشق
стр. 93
خَان سَمَرْقَنْد شمس الْملك عَصا الطَّاعَة عَلَيْهِ استدعى الْجَيْش وأوفد إِلَى شمس الْملك نصر بن إِبْرَاهِيم رَسُولا أوفدت أَنا دانشمند الأشتر أَو الْفَقِيه الأشتر مَعَ رَسُول السُّلْطَان ليطلعني على مَا سيجري ويأتيني بِخَبَرِهِ
وَبلغ رَسُول السُّلْطَان رسَالَته إِلَى شمس الْملك فَأرْسل رَسُوله مَعَ رَسُول سلطاننا إِلَيْهِ وَمِمَّا جرى بِهِ الْعرف أَن يمثل الرَّسُول بَين يَدي السُّلْطَان وَيسلم الرسَالَة وينقل مَا كلف بنقله من أَخْبَار ثمَّ ينزل بِالْمَكَانِ الَّذِي أعد لَهُ وَجَرت الْعَادة أَيْضا أَن الرُّسُل كَانُوا يدْخلُونَ على الْوَزير بَين الْحِين والحين يَلْتَمِسُونَ إِلَيْهِ أَن ينْقل إِلَى السُّلْطَان قبل عودتهم مَا لم يتمكنوا من نَقله إِلَيْهِ مشافهة وَحدث أنني كنت فِي منزلي أَلعَب الشطرنج مَعَ نفر من جلسائي فتغلبت على أحدهم وَأخذت خَاتمه رهينة وَلما كَانَ الْخَاتم أوسع من أَصَابِع يَدي الْيُسْرَى وَضعته فِي إِحْدَى أَصَابِع يَدي الْيُمْنَى وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاء قيل لي رَسُول أَمِير سَمَرْقَنْد بِالْبَابِ قلت أدخلوه وَأمرت بِرَفْع الشطرنج فَلَمَّا دخل وَجلسَ وَشرع فِي عرض مَا كَانَ يُرِيد قَوْله وَأَنا أعبث بالخاتم وأتنقل بِهِ فِي إصبعي وَقعت عَيناهُ على الْخَاتم وإصبعي مَعًا وَلما أنهى حَدِيثه نَهَضَ وَانْصَرف ثمَّ أَمر السُّلْطَان بِإِعَادَة رَسُول الْأَمِير وإيفاد رَسُول اخر من لَدنه يَأْتِيهِ بِالْجَوَابِ وَأرْسلت دانشمند الأشتر وَكَانَ ذكيا مَعَ رَسُول السُّلْطَان هَذِه الْمرة أَيْضا لما وصل الرسولان إِلَى سَمَرْقَنْد ومثلا بَين يَدي شمس الْملك سَأَلَ رَسُوله كَيفَ ألفيت السُّلْطَان ألب أرسلان رَأيا ومظهرا وَعَملا وَكم عدد جَيْشه ومعداته وأسلحته ووسائله وَكَيف وجدت تَرْتِيب الْقصر والبلاط والديوان وَقَاعِدَة المملكة قَالَ الرَّسُول إِن السُّلْطَان لَا ينقصهُ شَيْء من حَيْثُ اللياقة والمنظر والرجولة والسياسة والهيبة وإنفاذ الحكم وَالْأَمر فَأَما جَيْشه فَلَا يعلم عدده سوى الله وَحده أما
стр. 94
عدده وآلاته وأسلحته فَحدث وَلَا حرج وَأما تنظيم الْقصر والديوان والمجلس والبلاد فعلى أحسن شكل وأجمله إِن مَمْلَكَته لَيست فِي حَاجَة إِلَى أَي شَيْء اللَّهُمَّ إِلَّا أَن فِيهَا عَيْبا وَاحِدًا لولاه لكَانَتْ كَامِلَة فِي كل شَيْء قَالَ شمس الْملك وَمَا ذَلِك الْعَيْب قَالَ الرَّسُول ان وَزِير السُّلْطَان رَافِضِي قَالَ شمس الْملك وَكَيف عرفت أَنه رَافِضِي قَالَ لقد ذهبت إِلَى منزله عِنْد صَلَاة الظّهْر يَوْمًا لأقول لَهُ شَيْئا فرأيته يعبث بِخَاتم فِي اصبع يَده الْيُمْنَى وَهُوَ يحدثني
فَكتب إِلَيّ دانشمند الأشتر توا اعْلَم أَنه قيل عَنْك كَذَا وَكَذَا أَمَام شمس الْملك على لِسَان رَسُوله فذعرت جدا خوفًا من السُّلْطَان وَقلت الشَّافِعِيَّة عَار فِي رَأْي السُّلْطَان وَهُوَ يؤنبني على هَذَا ويلومني فِي كل حِين ان يتناهى إِلَى سَمعه مَا جرى من حَدِيث عني أَمَام أَمِير سَمَرْقَنْد وَهُوَ أَن الجكليين نسبوني إِلَى الرافضة فسيضع خَاتِمَة لحياتي وَكَانَ من هَذَا أَن أنفقت دونما ذَنْب ثَلَاثِينَ ألف دِينَار طَوْعًا وبذلت هَدَايَا وهبات وأعطيات كَثِيرَة حَتَّى لَا يصل هَذَا الْكَلَام إِلَى سمع السُّلْطَان
لقد ذكرت هَذَا لأبين أَن أَكثر الرُّسُل متسقطو عُيُوب يركزون على مَا فِي بلاط الْملك ومملكته من عُيُوب وفضائل ليفيدوا مِنْهَا وينفذوا من خلالها إِلَى الطعْن على الْمُلُوك وتثريبهم فِي فرص أُخْرَى لهَذَا السَّبَب وجدنَا الْمُلُوك الأذكياء اليقظين يهتمون بتهذيب أنفسهم ويتحلون بالأخلاق الْحَسَنَة ويسيرون فِي النَّاس سيرة حميدة وَيُوَلُّونَ المناصب والأعمال للأكفاء واللائقين والمتدينين لِئَلَّا يكون لأحد عَلَيْهِم أَي عيب أَو مطْعن
وَيَنْبَغِي أَن يكون الرَّسُول مِمَّن خدموا الْمُلُوك وَمن الشجعان فِي القَوْل وَمِمَّنْ سافروا كثيرا وطوفوا فِي الْبلدَانِ والاخذين من كل علم بِطرف وَذَوي الحافظة وَبعد النّظر وَأَصْحَاب القامات والأشكال الجميلة ويفضل من كَانَ كَبِير السن عَالما وَإِذا مَا أسندت هَذِه المهمة إِلَى أحد الندماء فَإِن الِاعْتِمَاد يكون أَكثر
وَمن الصَّوَاب جدا أَن يكون الرَّسُول تَامّ الرجولة شجاعا عَارِفًا باداب السِّلَاح والفروسية والطعان ليبرهن للمرسل إِلَيْهِم أَن رجالنا كلهم من هَذَا الضَّرْب
ويفضل أَيْضا أَن يكون الرَّسُول من الْأَشْرَاف ليحترمه الاخرون كثيرا
стр. 95
ويتجنبوا الْإِسَاءَة إِلَيْهِ وَألا يكون من معاقري الْخمر والمزاحين والمقامرين والثرثارين والمغمورين ومنذ زمن بعيد والملوك يوفدون الرُّسُل محملين بالهدايا والنفائس الْكَثِيرَة يطْلبُونَ صلحا أَو يظهرون عَجزا وضعفا ولينا ومكرا واحتيالا ثمَّ يرسلون الجيوش المجهزة والمحاربين فِي أَثَرهم فيحملون على الْخُصُوم وينتصرون عَلَيْهِم
إِن سيرة الرَّسُول وحكمته وفصاحة رَأْيه لدَلِيل على سيرة الْملك وحكمته ورأيه وعظمته
стр. 96
الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ
فِي تهيئة الأعلاف فِي الْمنَازل والمراحل
حِين يرتحل ركب السُّلْطَان فِي سفر فَلَيْسَ سهلا توفر الْعلف والنزل فِي كل مرحلة ينزل بهَا مِمَّا يُؤَدِّي إِمَّا إِلَى الْحُصُول على الْعلف اليومي بِجهْد ومشقة وَإِمَّا إِلَى أَخذه بتقسيمه على الأهالي وَلَيْسَ هَذَا صَحِيحا
يَنْبَغِي أَن يضم إقطاع كل قَرْيَة وضواحيها مِمَّا فِيهَا منَازِل وَاقعَة على الطَّرِيق الَّتِي سيمر مِنْهَا الركب إِلَى الْأَمْلَاك السُّلْطَانِيَّة الْخَاصَّة كَمَا ينببغي وضع الْيَد على أقرب قَرْيَة للمكان الَّذِي فِيهِ رِبَاط وَلَا قَرْيَة فِيهِ لجمع كل غلاتها الَّتِي يجب أَن تنْفق إِن يكن ثمَّة دَاع لذَلِك وَإِلَّا فبيعها وإرسال أثمانها كَغَيْرِهَا من الْأَمْوَال الْأُخْرَى إِلَى الخزينة
كل هَذَا لتجنب إرهاق الرّعية وَالتَّقْصِير فِي توفير الْعلف فبه يُمكن النجاح فِي المهمة الَّتِي عقد الْعَزْم عَلَيْهَا وَعدم الفشل فِي تحقيقها
стр. 97
الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ
فِي تعْيين أطماع الْجَيْش
يجب أَن يعين للجيش أطماع نقدية ثَابِتَة ومنتظمة أما اصحاب الإقطاعات مِنْهُم فَيجب أَن تطلق ايديهم فِيهَا وَلَكِن بنظام مَعْلُوم وَأما الغلمان الَّذين لَا إقطاع لَهُم فَيجب إِظْهَار أطماعهم وتعيينها فَإِذا مَا عرفت أعدادهم يجب إعداد جراياتهم وتهيئتها جَمِيعهَا وَدفعهَا إِلَيْهِم فِي أَوْقَاتهَا أَو أَن يستدعيهم الْملك إِلَيْهِ مرَّتَيْنِ سنويا وَيَأْمُر بتسليمهم أطماعهم المقررة لَا أَن يحالوا إِلَى الخزينة لاستلامها دون أَن يراهم الْملك فَمَا أحسن أَن سلمهَا الْملك إِلَيْهِم بِنَفسِهِ لِأَن هَذَا يبْعَث على غرس روح الْمَوَدَّة والألفة والاتحاد بَينهم وَبَينه ويفضي بهم إِلَى بذل أقْصَى الجهود فِي الْخدمَة والثبات فِي الْقِتَال
لقد كَانَ من عَادَة الْمُلُوك القدماء أَلا يقطعوا الْجَيْش شَيْئا بل يدفعوا لكل مِنْهُم بِحَسب دَرَجَته طمعه من الخزينة نَقْدا أَربع مَرَّات فِي السّنة فَكَانَ الْجند فِي يسر ورخاء دَائِما وَكَانَ إِذا مَا طَرَأَ أَمر هام يركب لَهُ أَلفَانِ أَو عشرُون ألفا حَالا أما عُمَّال الْخراج فَكَانُوا يجمعونه ويحملونه إِلَى خزينة الْملك وَمِنْهَا تصرف أطماعا للغلمان والجيش مرّة كل ثَلَاثَة أشهر وَهُوَ مَا أطْلقُوا عَلَيْهِ حِسَاب العشرينية وَمَا زَالَ هَذَا الْعرف قَائِما فِي ال مَحْمُود
ولينبه على أَصْحَاب الإقطاع فِي حَال غياب أحد الْجند لمَوْته أَو لأي سَبَب اخر ان يعلنوا ذَلِك وَلَا يخفوه أما القادة فلينبه عَلَيْهِم وَقد صرفت لَهُم مرتباتهم أَن يعدوا الْجَيْش كُله ويهيئوه لأي مهمة وحادث فَإِذا مَا تخلف أحد فَعَلَيْهِم إبلاغ ذَلِك حَالا ليَكُون تخلفه بِإِذن السُّلْطَان وَإِن لم يَفْعَلُوا فتنبغي معاتبتهم ولومهم وتغريمهم أَي القادة أطماع الْجند المتخلفين
стр. 98
الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ
فِي اتِّخَاذ الْجَيْش من كل الْأَجْنَاس
إِن اتِّخَاذ الْجَيْش من جنس وَاحِد مدعاة لظُهُور الأخطار والتخريب وَالْفساد وَعدم الجدية وَالْبَلَاء فِي الْحَرْب يَنْبَغِي أَن يؤسس الْجَيْش من كل جنس وملة وَأَن يرابط بِالْقصرِ ألفا رجل من الديلم وخراسان يحْتَفظ بالموجود مِنْهُم الان ثمَّ يهيأ الْبَاقِي بعد ذَلِك وَلَا ضير فِي أَن يكون بعض هَؤُلَاءِ من الكرجيين وشبانكاريي فَارس لأَنهم قوم طيبون لَا غُبَار عَلَيْهِم
جَيش السُّلْطَان مَحْمُود
درج السُّلْطَان مَحْمُود على أَن يؤسس جَيْشه من عدَّة اجناس من التّرْك والخراسانيين وَالْعرب والهنود والغوريين والديالمة وَكَانَ يضع فِي اثناء السّفر ثلة من كل جنس للحراسة فِي مَكَان خَاص بِحَيْثُ لم يكن أَي فريق مِنْهُم يَجْرُؤ على ترك مَكَانَهُ خوفًا من الْفرق الْأُخْرَى بل كَانُوا يَحْرُسُونَ إِلَى جَانب بَعضهم حَتَّى الصَّباح دون أَن تغمض لَهُم أجفان
وَكَانَ كل جنس مِنْهُم يُقَاتل فِي المعارك والحروب ببسالة ومضاء حفاظا على سمعته وَخَوف الْعَار والهزيمة وَكيلا يَقُول أحد بِأَن الْجنُود من الْجِنْس الْفُلَانِيّ وهنوا فِي الْقِتَال وتقاعسوا وَكَانَ كل فريق يبلي فِي الْقِتَال بلَاء حسنا ويبذل غَايَة جهده إِظْهَارًا لقدرته وتفوقه على الاخرين
وَلِأَن قَاعِدَة اخْتِيَار الْمُحَاربين كَانَت تتمّ على ذَلِك النَّحْو فقد كَانُوا جَمِيعهم جادين
стр. 99
مستبسلين وطلاب سمعة وشهرة وَلَا جرم أَنهم إِذا مَا هرعوا إِلَى السِّلَاح لم يَكُونُوا يتراجعون قبل أَن يهزموا الْجَيْش المعادي وينتصروا عَلَيْهِ
وَحين ينتصر جَيش مَا مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَيكْتب لَهُ الظفر على الْأَعْدَاء فَإِن مائَة مِنْهُ بعد ذَلِك تغلب ألفا من جَيش الْعَدو وَأَن أَي جَيش اخر لن يقوى على التصدي لَهُ ومقاومته كَمَا أَن جيوش الْبلدَانِ الْمُجَاورَة والمحاذية تهاب هَذَا الْملك وتخافه فتضع لَهُ عَصا الطَّاعَة وَالْوَلَاء
стр. 100
الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ
فِي الرهائن وإيداعهم فِي البلاط
على كل وَاحِد من أُمَرَاء الْعَرَب والأكراد والديالمة وَالروم وَغَيرهم من حَدِيثي الْعَهْد بِالدُّخُولِ فِي طَاعَة السُّلْطَان أَن يودع إبنا أَو أَخا رهينة فِي البلاط بِحَيْثُ لَا يقل عدد الرهائن باية حَال عَن خَمْسمِائَة إِن لم يكن ألفا وَبعد عَام يستبدلون باخرين غَيرهم على أَن لَا يُعَاد الْأَولونَ قبل وُصُول البدلاء حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد بِسَبَب الرهائن أَن يَعْصِي الْملك ويتمرد عَلَيْهِ
وَيجب كَذَلِك أَن يقدم الديالمة والقوهستانيون وَأهل طبرستان وشبانكاره وأمثالهم مِمَّن لَهُم إقطاعات وجرايات وأرزاق خَمْسمِائَة رجل مِنْهُم ليقيموا فِي البلاط لِئَلَّا يَخْلُو من الرِّجَال القادرين العاملين حِين الْحَاجة
стр. 101
الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ
فِي اسْتِخْدَام التركمان
على الرغم من النفرة والملالة من التركمان وَكَثْرَة عَددهمْ فَإِن لَهُم حَقًا ثَابتا على الدولة إِذْ أسهموا فِي خدمتها إبان قِيَامهَا وتحملوا فِي سَبِيلهَا المتاعب والمشاق فضلا عَن أَنهم من ذَوي الْقُرْبَى
يَنْبَغِي اخْتِيَار ألف من أبنائهم وتربيتهم وتنشأتهم على سَبِيل غلْمَان من غلْمَان الْقصر لأَنهم فِي عَمَلهم المستمر فِيهِ يتعلمون اداب السِّلَاح والخدمة ويختلطون بِالنَّاسِ فتلين قُلُوبهم ويخدمون كغلمان وتزول من نُفُوسهم وطباعهم مَا وقر فِيهَا من نفرة وَكلما دعت الْحَاجة يركب خَمْسَة أَو عشرَة الاف مِنْهُم بلباس الغلمان وأسلحتهم لأَدَاء المهمة الَّتِي يندبون لَهَا
كل هَذَا لِئَلَّا يظلوا دون نصيب فِي هَذِه الدولة وليكونوا سعداء فرحين فِيهَا وليكسب الْحَمد وَالثنَاء
стр. 102
الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ
فِي عدم ازدحام العبيد فِي أثْنَاء الْخدمَة وتنظيم أَعْمَالهم
يَنْبَغِي لإزدحام العبيد كثيرا فِي أثْنَاء الْخدمَة إسدال الستارة مَا دعت الْحَاجة إِلَى هَذَا وكما يتفرقون حَالا يجب أَن يجيئوا فِي وَقت معِين وَحين تكون الْأَوَامِر صارمة بِهَذَا ويلقنون مرّة أَو مرَّتَيْنِ كَيفَ يتصرفون فَإِنَّهُم سيستمرون على هَذَا المنوال وَلنْ تعود ثمَّة حَاجَة إِلَى الستارة حِين تصدر الْأَوَامِر بِأَن يمثل فِي حَضْرَة السُّلْطَان يوميا عدد مَعْلُوم من الغلمان الموكلين بِالْمَاءِ وَالسِّلَاح وَالشرَاب واللباس وأمثالهم وَمن الغلمان الَّذين بلغُوا إِلَى مقَام أَمِير حجاب وأمير وعظيم ليتَمَكَّن من المثول بَين يَدَيْهِ مناوبة مثل هَذَا الْعدَد من عنابر الغلمان الملحقة بالسراي وَمن الْخَواص أَيْضا دون ازدحام كل يَوْم
وَقد اتبع فِي الْأَزْمِنَة الْقَدِيمَة فِي تربية الغلمان وتصنيفهم مُنْذُ الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يبتاعون فِيهِ إِلَى أَن يترعرعوا ويتبوأوا المقامات الرفيعة لكنه لم يعد مُتبعا فِي هَذِه الْأَيَّام وهأنذا تمشيا مَعَ شَرط الْكتاب أذكر شَيْئا مِنْهُ لاستطلاع الرَّأْي السَّامِي
تَرْتِيب غلْمَان السراي
إِن هَذَا النظام مَا زَالَ فِي ظلّ السامانيين الَّذين يرفعون من مرتبَة الْغُلَام تدريجيا وفقا لخدماته وكفايته ولياقته فهم حِين يشْتَرونَ الْغُلَام يضعونه فِي خدمَة الركاب العالي رَاجِلا بقباء زندنجي وموزج سنة كَامِلَة لَا يسمح لَهُ فِيهَا بركوب الْخَيل سرا أَو عَلَانيَة
стр. 103
وَإِذا مَا فعل يُعَاقب وَحين تَنْقَضِي السّنة يكلم رَئِيس عنبره الْحَاجِب فِي أمره فيخبر الْحَاجِب الْملك فيأمر لَهُ حِينَئِذٍ بِمهْر تركي بسرج غير مدبوغ ولجام جلدي عادي وَبعد خدمَة سنة بِمهْر وسوط فَقَط يُعْطي فِي السّنة الثَّالِثَة سَيْفا معقوفا يشده على وَسطه وَيُعْطى فِي الرَّابِعَة جعبة وكنانة سِهَام يرتديهما عِنْدَمَا يمتطي جَوَاده اما فِي الْخَامِسَة فَيعْطى سرجا أحسن ولجاما مكوكبا وقباء ودبوسا وَفِي السَّادِسَة يُولى السِّقَايَة ويوكل بِالْمَاءِ فيعلق فِي وَسطه قدحا وَفِي السَّابِعَة يُوكل باللباس وَفِي الثَّامِنَة يعْطى خيمة من عَمُود وَاحِد فِي سِتَّة عشر وتدا ويضاف إِلَى فَوجه ثَلَاثَة غلْمَان صغَار مِمَّن اشْتَروا حَدِيثا ويلبس قلنسوة لباد سَوْدَاء محلاة بخيوط فضية وقباء جنزيا وَهَكَذَا يظل يُزَاد فِي ألبسته والاته وعدده وَعدد أَفْرَاده ومقامه سنويا إِلَى أَن يصبح قَائِد فَوْج وَهَكَذَا دواليك إِلَى أَن يصير حاجبا وَحين تبدو كفائته وجدارته وشجاعته للْجَمِيع وتتم على يَدَيْهِ الْأَعْمَال الْعَظِيمَة ثمَّ يصبح محط أنظار صَحبه ومحبا لمَوْلَاهُ يَنْبَغِي أَلا يُولى الْإِمَارَة أَو الْولَايَة مَا لم يبلغ الْخَامِسَة وَالثَّلَاثِينَ أَو الْأَرْبَعين من عمره
علو منزلَة سبكتكين
كَانَ البتكين مولى للسامانيين وربيبا ولي قيادة جَيش خُرَاسَان الْعليا فِي الْخَامِسَة وَالثَّلَاثِينَ من عمره كَانَ صَادِق الْعَهْد وفيا وشجاعا جدا وَكَانَ تركيا شهما محبوبا لَدَى النَّاس محبا لجيشه جوادا معطاء يخَاف الله ويتقيه وَلَقَد جمع كل خِصَال السامانيين وسيرهم الحميدة وَكَانَت أَمْوَال خُرَاسَان وَالْعراق تَحت تصرفه كَمَا كَانَ لَهُ ألف وَسَبْعمائة عبد وَغُلَام تركي
وَاشْترى البتكين يَوْمًا ثَلَاثِينَ غُلَام تركيا كَانَ سبكتكين وَالِد السُّلْطَان مَحْمُود أحدهم فَكَانَ أول طالع سعد سبكتكين أَنه اشْترى لإلبتكين وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام من شِرَائِهِ وعَلى حِين كَانَ يقف وَفِي وسط الغلمان أَمَام البتكين تقدم الْحَاجِب وَقَالَ لألبتكين لقد قضى الْغُلَام فلَان الَّذِي كَانَ رَئِيسا لأحد العنابر فألى أَي غُلَام تامر بعنبره ولباسه وفوجه
стр. 104
ومنصبه فَوَقَعت عين البتكين على سبكتكين وَجرى على لِسَانه وهبتها هَذَا الْغُلَام الصَّغِير فَقَالَ الْحَاجِب يَا مولَايَ لم تمض ثَلَاثَة أَيَّام بعد على شرائك هَذَا الْغُلَام الصَّغِير الَّذِي يَنْبَغِي أَن يمْضِي سبع سنوات فِي الْخدمَة حَتَّى يصل إِلَى هَذِه الْمرتبَة فَأنى تمنح لَهُ قَالَ البتكين لقد قلت وَسمع الْغُلَام فَانْحنى شاكرا وإنني لأمنحه هَذِه الْمنزلَة هبة وأعطية أما الاخرون غيرَة فَيَنْبَغِي أَن تطبق عَلَيْهِم الْأُصُول المرعية سَابِقًا ثمَّ سلم العنبر فآلت إِلَيْهِ كل خدمَة سبع أَو ثَمَانِي سنوات
وفكر البتكين فِي نَفسه مَا السِّرّ فِي بُلُوغ غُلَام غرير اشْترِي حَدِيثا منزلَة خدمَة سبع السنوات قد يكون تحدره من أسرة كَرِيمَة بتركستان أَو أَن الْحَظ سيبتسم لَهُ ويصل بِهِ إِلَى أَعلَى الدَّرَجَات وَشرع فِي تدريبه واختباره وإرساله بالأخبار إِلَى هَذَا وَذَاكَ وَكَانَ يَقُول لَهُ البتكين اذْهَبْ واتني بِالْجَوَابِ فَكَانَ يذهب وَيعود بِالْجَوَابِ على نَحْو أفضل من نَقله الْخَبَر وَلما ثَبت لَهُ بالإختبار أَن الْغُلَام يُبْدِي تقدما يَوْمًا بعد يَوْم وقرت محبته فِي قلبه فَوكل إِلَيْهِ أَمر السِّقَايَة ثمَّ أمره بالإنقطاع إِلَى خدمته هُوَ فَقَط وَخَصه بفوج من عشرَة غلْمَان صغَار وَأخذ يزِيد فِي مَنْزِلَته يوميا
وَمَا أَن بلغ سبكتكين الثَّامِنَة عشرَة إِلَّا وَله فَوْج من مِائَتي غُلَام شُجَاع وَقد تقف كل خِصَال البتكين وعاداته الحميدة فِي الْجُلُوس وَالْقِيَام والْحَدِيث وَالطَّعَام وَالشرَاب والمجلس وَالصَّيْد والرماية واللعب بالطبطابة ومداراة النَّاس ومراعاتهم والعيش مَعَ الْجند عَيْش الْإِخْوَة حَتَّى أَنه لَو حصل على تفاحة لَا يأكلها إِلَّا مَعَ عشرَة اخرين لقد أحبه النَّاس قاطبة لطيبته وأخلاقه الْحَسَنَة وَسيرَته الحميدة
لياقة سبكتكين وجدارته
وَحدث أَن اخْتَار البتكين يَوْمًا مِائَتي غُلَام وأنفذهم إِلَى خلج والتركمان لتَحْصِيل الْأَمْوَال الْمُسْتَحقَّة عَلَيْهِم وَكَانَ سبكتكين فِي جُمْلَتهمْ فَلَمَّا وصلوا إِلَى هُنَاكَ امْتنعت الطائفتان عَن دفع الْأَمْوَال كَامِلَة فَغَضب الغلمان وشهروا أسلحتهم لحربهم وانتزاع المَال مِنْهُم عنْوَة فَقَالَ سبكتكين لَا أُحَارب مَعكُمْ بل أنفصل عَنْكُم فِي هَذَا
стр. 105
الْأَمر قَالَ لَهُ صَحبه وَلم قَالَ إِن مَوْلَانَا لم يرسلنا للحرب بل قَالَ اذْهَبُوا وأحضروا تِلْكَ الْأَمْوَال والأنعام ان نحاربهم الان فيتغلبوا علينا ويهزمونا فَفِي هَذَا شين وعار عظيمان علينا وإضرار كَبِير بحشمة مَوْلَانَا وجاهه هَذَا شَيْء وَشَيْء اخر أَن مَوْلَانَا سَيَقُولُ مَتى أَمرتكُم بِالْحَرْبِ وَلنْ نجد مَا حيينا منفذا أَو حجَّة لملامته وعتابه الَّذِي لَا طَاقَة لنا بِهِ وَلما فرغ سبكتكين من قَوْله هَذَا قَالَ اكثر الغلمان الصَّوَاب مَا يَقُول سبكتكين ودب الْخلاف بَينهم وانْتهى الْأَمر بِعَدَمِ الْقِتَال وعودتهم وَلما مثلُوا أَمَام البتكين وَقَالُوا لم نحصل الْأَمْوَال مِنْهُم عنْوَة مَعَ أَنهم عصوا وامتنعوا عَن دَفعهَا قَالَ لماذا لم تشهروا السِّلَاح وتحصلوا الْأَمْوَال بأية وَسِيلَة كَانَت قَالَ الغلمان لقد شهرنا الأسلحة وأردنا قِتَالهمْ لَكِن سبكتكين خَالَفنَا واعترضنا فانقسم الغلمان إِلَى فريقين وَلما صَار الْأَمر إِلَى هَذِه الْحَال عدنا فَقَالَ البتكين لسبكتكين لماذا لم تحارب أَو تَدعهُمْ يُحَاربُونَ قَالَ سبكتكين لِأَن مَوْلَانَا لم يكن أمرنَا بِالْقِتَالِ فَلَو قاتلنا دون أمره لَكَانَ كل منا مولى لَا عبدا ان من إمارات الطَّاعَة تَنْفِيذ مَا يَأْمر بِهِ مَوْلَانَا وَلَو كَانَت الْهَزِيمَة حليفنا فَلَا بُد من أَن يَقُول من الَّذِي أَمركُم بِالْقِتَالِ فَمن ذَا الَّذِي لَهُ الطَّاقَة على هَذَا الْعقَاب أما لَو غلبناهم نَحن فَلَا بُد من أَن يقتل كَثِيرُونَ وَلَا يكون ثمَّة شكر وَتَقْدِير فضلا عَمَّا مَا سنلقاه من ملامة وعتاب ان تَأْمُرنَا الان بِالْحَرْبِ نتوجه إِلَيْهِم فإمَّا أَن نحصل الْأَمْوَال وَإِمَّا أَن نقدم أَرْوَاحنَا فديَة فأعجب البتكين بجوابه وَقَالَ حق مَا تَقول ثمَّ أَخذ فِي ترقيته حَتَّى بلغ منزلَة وصل فِيهِ فَوجه إِلَى ثَلَاثمِائَة غُلَام
وَلما مَاتَ أَمِير خُرَاسَان نوح بن نصر ببخارى وَكَانَ البتكين بنيسابور كتب إِلَيْهِ خَاصَّة أمرائه من بُخَارى العاصمة لقد حدث كَذَا وَكَذَا وَتُوفِّي أَمِير خُرَاسَان مخلفا وَرَاءه أَخا فِي الثَّلَاثِينَ من عمره وابنا فِي السَّادِسَة عشرَة فَإلَى أَيهمَا تعهد بِالْملكِ فَأمر هَذِه الملكة مَنُوط بك فسير البتكين رَسُوله على وَجه السرعة برسالة تَقول كِلَاهُمَا أهل للْملك وهما أميران من ولد مَوْلَانَا أما أَخُو الْأَمِير فَرجل ناضج مجرب تجرع مر الْحَيَاة وذاق أفاويقها وَهُوَ يعرف النَّاس جيدا ويحفظ لكل قدره ومنزلته وَخير من يحترمهم وَيعرف لَهُم حرماتهم وَأما ابْن الْأَمِير فطفل لم ير فِي حَيَاته شَيْئا إِنَّنِي أخْشَى أَلا يَسْتَطِيع أَن يسوس النَّاس
стр. 106
ويرعاهم وَألا يقوى على إصدار الْأَوَامِر اللَّازِمَة فِي كل مَسْأَلَة وامر قد يكون من الأصوب تنصيب أخي الْأَمِير
ثمَّ اتبع الرسَالَة بِأُخْرَى فِي الْمَوْضُوع عينه فِي الْيَوْم التَّالِي غير أَنه وصل بعد خَمْسَة أَيَّام رَسُول بِبِشَارَة تَقول لقد تمّ تنصيب ابْن الْأَمِير فاعترى البتكين الخجل لرسالتيه اللَّتَيْنِ كَانَ أرسلهما قَالَ فلماذا استشارني أُولَئِكَ الأوغاد اللئام إِذن وَقد أَرَادوا الاستئثار بِالْأَمر وحدهم إِن الِاثْنَيْنِ كليهمَا مني بِمَنْزِلَة النُّور من الْعين لكنني أخْشَى أَن تسوء الابْن رسالتي حِين وصولها فيظن أَن هواي كَانَ مَعَ عَمه للَّذي أَشرت إِلَيْهِ فِيهَا فَيَقَع فِي قلبه شَيْء مني ويغضب عَليّ ويحقد حِينَئِذٍ يستغل الْأَمر ذَوُو الأطماع الدنيئة الَّذين سيجدون المجال متاحا أمامهم لِأَن يلوكوني بألسنتهم وتأليب الصَّبِي عَليّ
وَأرْسل البتكين فِي الْحَال خَمْسَة رجال كل مِنْهُم على جماز فِي إِثْر الرسولين وَقَالَ لَهُم حاولوا مَا وسعكم الْجهد أَن تلحقوا بهما قبل أَن يعبرا نهر جيحون وتعيدوهما وَانْطَلق المجمزون فِي سرعَة فأدركوا أحد الرسولين فِي صحراء اموي فِي حِين كَانَ الاخر قد عبر جيحون وَلما وصلت رِسَالَة البتكين إِلَى بُخَارى استاء ابْن الْأَمِير واتباعه الَّذين قَالُوا لم يحسن البتكين صنعا حِين أَشَارَ بتنصيب أخي الْأَمِير أما درى أَن مِيرَاث الْأَب يصير إِلَى الابْن لَا إِلَى الْأَخ وظلوا يرددون هَذَا النغم وضغن الصَّبِي على البتكين يتزايد يوميا وَالْتمس البتكين الْأَعْذَار الْكَثِيرَة وَبعث بالهدايا الجمة غير أَن هَذَا لم يجد فتيلا فِي نفض غُبَار الحقد وَالْغَضَب عَن قلب ابْن الْأَمِير وظل المفسدون وذوو الأطماع الْخَاصَّة فِي يوغرون صدر الْأَمِير الصَّغِير الَّذِي اضطرمت نَار حقده وغضبه ونقمته
وَكَانَ أَحْمد بن اسماعيل فِي أخريات حَيَاته اشْترى البتكين الَّذِي خدم نصر بن أَحْمد عدَّة سنوات وَلما مَاتَ نصر خدم نوح بن نصر وتقلد على عَهده القيادة الْعليا لجيش خُرَاسَان وَلما مَاتَ نوح خَلفه ابْنه مَنْصُور وَانْقَضَت سِتّ سِنِين من عهد مَنْصُور والبتكين ينقده الْأَمْوَال وَيسْعَى مَا أمكنه الْجهد لوضع الْأُمُور فِي نصابها دون أَن يَسْتَطِيع المغرضون أَن ينالوا مِنْهُ شَيْئا لَدَى مَنْصُور بن نوح أَو يوغروا عَلَيْهِ قلبه وَكَانَ وكلاء البلاط يَكْتُبُونَ إِلَى
стр. 107
البتكين عَن كل مَا يَدُور فِي بُخَارى العاصمة
لَكِن المفسدين لم يتْركُوا مَنْصُور بن نوح بل أوحوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لن تكون أَمِيرا وحاكما حَقِيقِيًّا مَا لم تقتل البتكين إِنَّه يحكم خُرَاسَان من ثَلَاث وَخمسين سنة ويكدس الْأَمْوَال والثروات وَإِن الْجَيْش كُله يأتمر بامره ويطيعه ان تقبض عَلَيْهِ تفرغ مِنْهُ بَالا وتملأ الخزينة من أَمْوَاله وَلَيْسَ من حِيلَة لهَذَا سوى أَن تستدعيه إِلَى البلاط وَتظهر لَهُ انك مذ تولينا الْإِمَارَة لم تأت إِلَى البلاط وَلم تجدّد الْعَهْد وَالْوَلَاء إِنَّك محط امالنا وَقد اتخذناك بِمَثَابَة الْأَب إِن قَوَاعِد ملكنا راسخة بك فَأَنت مدَار مَا وَرَاء النَّهر وخراسان أما مَا يَدُور على الألسن من قيل وَقَالَ فَلَيْسَ إِلَّا لِأَنَّك لم تأت إِلَيْنَا قطّ عَلَيْك الْحُضُور إِلَى البلاط بأسرع وَقت مُمكن لإعادة كل مَا خرج عَن قَاعِدَته وأصوله فِي بلاطنا وقصرنا سيرته الأولى لِيَزْدَادَ اعتمادنا عَلَيْك وثقتنا بك وتخرس أَلْسِنَة ذَوي المارب الخبيثة وتكف عَن الْكَلَام وَحين يَأْتِي إِلَى هُنَا ادْعُه وحيدا وَمر بِضَرْب عُنُقه
وَنفذ الْأَمِير السديد مَنْصُور هَذَا واستدعى البتكين إِلَى البلاط لَكِن منهو الْأَخْبَار كتبُوا إِلَى البتكين يخبرونه بِالَّذِي يُريدهُ مَنْصُور من أَجله فأعلن النفير وَأمر رِجَاله بِأَن يستعدوا للتوجه إِلَى بُخَارى ثمَّ توجه وَمَعَهُ حوالي ثَلَاثِينَ ألف خيال من نيسابور إِلَى سرخس وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام من نُزُوله بهَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَرَاء الْجند وَقَالَ لَهُم أود أَن أَقُول لكم شَيْئا واريدكم أَن تجيبوا عَنهُ بِمَا تَرَوْنَهُ صَوَابا وَفِيه فائدتنا ونفعنا جَمِيعًا قَالُوا سمعا وَطَاعَة قَالَ أَتَدْرُونَ السَّبَب الَّذِي يطلبنا أَمِير خُرَاسَان من أَجله أم لَا قَالُوا يُرِيد أَن يراك لتجديد الْعَهْد لِأَنَّك بِمَثَابَة الْأَب لَهُ ولابائه من قبل قَالَ لَيْسَ الْأَمر على مَا تظمون ان الْأَمِير يستدعيني لقتلي وَفصل راسي عَن جَسَدِي فَهُوَ طِفْل لَا يعرف أقدار الرِّجَال إِنَّكُم تعلمُونَ أنني أَنا الَّذِي حفظت للسامانيين ملكهم سنوات عديدة وَمَا أَزَال وَلَقَد هزمت أُمَرَاء تركستان مِمَّن كَانُوا يطمعون فِي ملكهم مَرَّات كَمَا قهرت الخارجين عَلَيْهِم من كل صوب وَلم أعصهم قطّ وَلَو طرفَة عين لقد حافظت على هَذَا الْملك لجده وَأَبِيهِ وَله وَمَا أَزَال لكنه يُرِيد أَن يكافئني فِي النِّهَايَة بِقطع رَأْسِي دون أَن يدْرك أَن ملكه جَسَد أَنا رَأسه فَهَل من بَقَاء للجسد بعد الرَّأْس والان مَا الَّذِي تَرَوْنَهُ صَوَابا مَا الْحِيلَة إِلَى دفع هَذَا الْبلَاء قَالَ الْأُمَرَاء جَمِيعًا حيلته السَّيْف مَاذَا نَنْتَظِر مِنْهُ مَا دَامَ يكن لَك هَذَا وَيُرِيد أَن يكافئك بأعمالك هَذِه المكافئة لَو كَانَ ثمَّة شخص غَيْرك لنزع الْملك من أَيْديهم
стр. 108
مُنْذُ خمسين سنة نَحن جَمِيعًا نعرفك أَنْت وَلَا نعترف بِهِ وبأبيه ان مَا نملك نَحن وكل الرِّجَال فِي دولة السامانيين من عَيْش وجاه وحشمة ونعمة وَولَايَة وزينة لَيْسَ إِلَّا مِنْك أَنْت فِيك وَحدك صرنا رجَالًا نَحن مَعَك وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز مَعَك أَيْضا ادْع إِلَى خلع مَنْصُور بن نوح ثمَّ نصب نَفسك أَمِيرا وهبه بُخَارى وسمرقند إِن شِئْت والا ضمهما إِلَيْك أَيْضا
وَلِأَن الْأُمَرَاء قَالُوا هَذَا الْكَلَام عَن رَغْبَة أكيدة وتامة قَالَ البتكين عَفا الله عَنْكُم لقد كَانَ كلامكم عَن إِيمَان واتحاد وَهَذَا مَا أتوقعه مِنْكُم جزاكم الله عني خير الْجَزَاء دَائِما انصرفوا الْيَوْم حَتَّى نرى مَا يحمل إِلَيْنَا غَد
لقد كَانَ مَعَ البتكين فِي هَذَا الْوَقْت ثَلَاثُونَ ألف فَارس وَكَانَ فِي استطاعته تجهيز مائَة ألف وَفِي الْيَوْم التَّالِي جَاءَ الْأُمَرَاء للقاء البتكين فَخرج إِلَيْهِم وَاتخذ مَكَانَهُ وَبعد مُدَّة وجيزة الْتفت نحوهم وَقَالَ لقد أردْت من حَدِيثي مَعكُمْ أمس أَن أختبركم لأرى فِيمَا إِذا كُنْتُم تؤازرونني وتقفون معي وتحمون ظَهْري إِذا مَا وَقع لي شَيْء أم لَا إِن مَا سمعته مِنْكُم جَمِيعًا لدَلِيل على أصالتكم ونقائكم وَحسن عهدكم ووفائكم ورعايتكم حق نعمتي إِنَّنِي لراض عَنْكُم لَكِن اعلموا أنني لَا أَسْتَطِيع بعد مَا حدث أَن أكف شَرّ مَنْصُور وأذاه عني بِغَيْر السَّيْف فَهُوَ طِفْل لَا يعرف لأحد حَقًا بل يلقِي أذنا صاغية إِلَى ثلة من الأشرار الأوباش الأرذال دون أَن يعرف مَا يضرّهُ مِمَّا يَنْفَعهُ انه يعدني وَأَنا الَّذِي أحمي سلالته عدوا وَيطْلب عنقِي فِي حِين أَنه يعد من لَا يَبْغُونَ سوى فَسَاد المملكة ودمارها وَمن لَا يَسْتَطِيعُونَ رأب أقل صدع فِيهَا أصدقاء إِنَّنِي لقادر على نزع الْملك مِنْهُ وتنصيب عَمه مَكَانَهُ أَو الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ بنفسي لكنني أخْشَى أَن تَقول الدُّنْيَا كلهَا ان البتكين الَّذِي حمى للسامانيين ملكهم سِتِّينَ سنة يخرج عَلَيْهِم فِي النِّهَايَة وَقد بلغ الثَّمَانِينَ وَينْزع الْملك مِنْهُم بِالسَّيْفِ ويتربع على عرش أسياده كَافِرًا نعمتهم جاحدا لَهَا
اعلموا أنني قضيت عمري كُله حسن السمعة والفعال فعلي أَلا أفعل مَا يشوه سمعتي ويسييء إِلَيّ وَأَنا على شفا حُفْرَة من الْقَبْر على الرغم من أَن منصورا هُوَ الاثم المذنب وَالنَّاس لَا يعلمُونَ هَذَا فَإِن بَعضهم سَيَقُولُ لقد كَانَ مَنْصُور هُوَ
стр. 109
المخطىء وسيقول اخرون لَا لقد كَانَ الذَّنب كُله ذَنْب البتكين وَمَعَ أنني لَا طمع لي فِي ملك مَنْصُور وَلَا رَغْبَة فِي إِلْحَاق الضَّرَر بِهِ فَأن قالة السوء فِي خُرَاسَان لن تَنْقَطِع مَا دمت فِيهَا وَأَن المغرضين سيؤججون عَدَاوَة الصَّبِي وحقده عَليّ يَوْمًا بعد يَوْم لكنه لن يبْقى لَهُم مَا يَقُولُونَ إِذا مَا تركت خُرَاسَان وَخرجت من حوزة هَذَا الصَّبِي هَذِه وَاحِدَة وَالْأُخْرَى أَنه إِن كَانَ لَا بُد من شرع السيوف من أجل لقْمَة الْعَيْش وَقَضَاء مَا تبقى من الْعُمر فَمن الْأَفْضَل أَن تشرع فِي وَجه الْكفَّار ابْتِغَاء ثَوَاب الاخرة لِتَعْلَمُوا الان يَا أُمَرَاء جَيش خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز أَن منصورا هُوَ أَمِير خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَأَنْتُم جميعكم جَيْشه وقادته وَبِه كُنْتُم تَحت لِوَائِي انهضوا وامضوا إِلَى بلاطه وقابلوه وجددوا لَهُ الْعَهْد وابقوا على مَا انتم فِيهِ من مَرَاتِب فِي الْخدمَة فإنني قد عقدت الْعَزْم على الْمُضِيّ إِلَى الْهِنْد للغزو وَالْجهَاد إِن أقتل تكْتب لي الشَّهَادَة وَإِن يحالفني التَّوْفِيق والنجاح فِي نصْرَة الْإِسْلَام وعزته فسأرد الْقَوْم الْكَافرين إِلَى حَظِيرَة الْإِسْلَام أملا فِي الْجنَّة ورضى الله وَرَسُوله
ثمَّ إِن أَمِير خُرَاسَان سيرتاح مني وتنقطع قالة السوء عني حسنا كنت أم سَيِّئًا وعندئذ تكون خُرَاسَان وجيشها وَأَهْلهَا فِي عُهْدَة مَنْصُور وَحده
وَلما أنهى كَلمه نَهَضَ وَقَالَ لأمراء الْجَيْش تقدمُوا إِلَيّ وَاحِدًا وَاحِدًا لأودعكم وعبثا حاول الْأُمَرَاء ثنيه عَن عزمه فَأخذُوا بالبكاء وتقدموا مِنْهُ وعيونهم تترغرغ بالدموع وَجعلُوا يعانقونه الْوَاحِد تلو الاخر إِلَى أَن ودعهم جَمِيعًا وَلما انصرفوا كلهم دخل خيمته الْخَاصَّة فِي حِين أَن أحدا لم يصدق أَن البتكين سيترك خُرَاسَان إِلَى الْهِنْد لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي مملكة السامانيين خَمْسمِائَة ضَيْعَة فِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَلم تكن ثمَّة مَدِينَة إِلَّا وَكَانَ لَهُ فِيهَا قصر وبساتين ومحطات قوافل وحمامات ومستغلات كَثِيرَة فضلا عَن مائَة مائَة ألف رَأس غنم وَمِائَة ألف حصان وبغل وجمل
وَفِي الْيَوْم التَّالِي سمع الْأُمَرَاء صَوت النفير فَتحَرك البتكين وَمَعَهُ غلمانه وحاشيته إِلَى بَلخ تَارِكًا وَرَاءه تِلْكَ النعم جَمِيعهَا أما أُمَرَاء خُرَاسَان فصاروا جَمِيعًا إِلَى بُخَارى
لما وصل البتكين إِلَى بَلخ قرر أَن يمْكث بهَا شهرا أَو شَهْرَيْن ليمكن الَّذين يُرِيدُونَ الْغَزْو من وَرَاء النَّهر وختلان وطخارستان وأطراف بَلخ من تجميع أنفسهم وَمن ثمَّ تقدم نَحْو الْهِنْد غازيا
стр. 110
غير ان المفسدين والمغرضين أوحوا إِلَى مَنْصُور بن نوح أَمِير خُرَاسَان بِأَن البتكين ذِئْب عَجُوز لن تكون فِي أَمن مِنْهُ وَسَلام مَا لم تقض عَلَيْهِ يَنْبَغِي إرْسَال جَيش فِي إثره للقبض عَلَيْهِ وإتيانك بِهِ فَأرْسل مَنْصُور فِي إثره أَمِيرا بِسِتَّة عشر ألف فَارس إِلَى بَلخ فَلَمَّا وصل هَذَا الْجَيْش إِلَى ترمذ وَعبر جيحون كَانَ البتكين قد أتجه من بَلخ إِلَى خلم وَكَانَ يَقع على بعد أَرْبَعَة فراسخ بَين بَلخ وخلم وَاد ضيق محاط بالوديان والقرى من عَن يَمِينه وشماله يعرف ب مضيق خلم نزل بِهِ البتكين وَوضع فِي أَعْلَاهُ مِائَتي خيال من غلمانه للمراقبة والاستطلاع وَكَانَ يملك فِي هَذَا الْوَقْت أَلفَيْنِ ومائتي مولي تركي من أفضل الرِّجَال فضلا عَن ثَمَانمِائَة ألف فَارس غاز كَانُوا قد التحقوا بِهِ من شَتَّى النواحي
وَلما وصل جَيش أَمِير خُرَاسَان عَسْكَر فِي الصَّحرَاء أَمَام الْمضيق لعدم تمكنه من الْوُصُول إِلَى الْمضيق نَفسه وظل على هَذِه الْحَال شَهْرَيْن وَبعد مُضِيّ الشَّهْرَيْنِ جَاءَ دور سبكتكين فِي المراقبة والاستطلاع فَلَمَّا وصل إِلَى قمة الْمضيق وَرَأى الْجَيْش منتشرا فِي الصَّحرَاء وطلائعه متحفزة متوثبة فكر فِي نَفسه لقد ترك مَوْلَانَا خُرَاسَان وَمَا لَهُ فِيهَا من نعم وثروة وَمضى غازيا فطمع هَؤُلَاءِ بِرُوحِهِ وأرواحنا جَمِيعًا انني أخْشَى لشدَّة وَفَاء مولائي بعهوده ومراعاته لَهُم أَن يلقِي بِنَفسِهِ وأنفسنا الى التَّهْلُكَة لَا مندوحة لهَذَا الْأَمر من السَّيْف لِأَن جَيش مَنْصُور لن يكف عَن ملاحقتنا مَا دمنا صامتين هَكَذَا كَانَ الله تَعَالَى فِي عون ذَلِك الرجل الَّذِي ألْحقُوا بِهِ الظُّلم فهم الظَّالِمُونَ وَنحن المظلومون ثمَّ الْتفت نَحْو الغلمان الَّذين كَانُوا مَعَه وَقَالَ إِن عبء هَذَا الْأَمر يَقع علينا نَحن إِن يظفروا بِنَا فَلَنْ يبقوا منا على قيد الْحَيَاة أحدا ساحمل عَلَيْهِم الْيَوْم لأرى مَا سَيكون سَوَاء لآقى الْأَمر قبولا لَدَى مَوْلَانَا أم لَا وَليكن مَا يكون قَالَ هَذَا ثمَّ ألْقى بِنَفسِهِ وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَارس من الغلمان على طَلِيعَة جَيش خُرَاسَان فكسرهم حَالا ودلف إِلَى معسكرهم وَمَا إِن تمكنوا من استلام السِّلَاح وامتطاء الْجِيَاد كَانَ سبكتكين ورهطه قد قتلوا أَكثر من ألف مِنْهُم وعادوا فِي سرعَة إِلَى مكانهم على قمة الْمضيق وَلما أخبر البتكين بِمَا فعل سبكتكين وَقَتله كثيرا من
следующие страницы →