Полный текст (257 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَيْسَ بِأَقَلّ مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنه كَانَت لَهُ حُكُومَة على الرّيح وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ والوحوش والطيور مِمَّا لَيْسَ لنا أما من حَيْثُ الْكُنُوز وأدوات التجمل والزينة وَالْملك والجيش ونفوذ الحكم ومنعته الَّتِي لنا فَمن ذَا الَّذِي كَانَ لَهُ مثلنَا قبلنَا فِي عرض الْعَالم وَطوله أيعوزني شَيْء من مقومات الْملك لَا أملكهُ فَقَالَ لَهُ أحد الزعماء يعوزك أهم مقومات الْملك وأفضلها مِمَّا لَا تملكه فِي حِين كَانَ للملوك من قبلك قَالَ سُلَيْمَان مَا الَّذِي كَانَ للاخرين وَلَا أملكهُ الان قَالَ الرجل لَيْسَ عنْدك الْوَزير الَّذِي يوائمك قَالَ سُلَيْمَان وَكَيف ذَلِك قَالَ الرجل أَنْت ملك ابْن ملك فَيَنْبَغِي أَن يكون وزيرك ابْن وَزِير كُفؤًا ومباركا قَالَ سُلَيْمَان أيوجد وَزِير على النَّحْو الَّذِي وصفت فِي الْعَالم كُله قَالَ الرجل أجل قَالَ سُلَيْمَان أَيْن قَالَ الرجل فب بَلخ قَالَ سُلَيْمَان من ذَاك الشَّخْص قَالَ الرجل هُوَ جَعْفَر الْبَرْمَكِي الَّذِي ورث اباؤه الوزارة كَابِرًا عَن كَابر إِلَى ايام اردشير بن بابكان وَكَانَ النوبهار وَهُوَ معبد قديم ببلخ وَقفا عَلَيْهِم وَلما أشرقت شمس الأسلام وَخرج السُّلْطَان من يَد مُلُوك الْعَجم اتخذ اباؤه بَلخ دَار مقَام لَهُم وظلوا هُنَاكَ لقد كَانَت الوزارة وراثية فيهم وهم الَّذين صنفوا كتبا فِي السّير ونظام الوزارة وَكَانُوا حِين يفرغ أبناؤهم من تعلم الْخط وَالْأَدب وَالْكِتَابَة يضعون تِلْكَ الْكتب بَين أَيْديهم ليقرأوها ويعوا مَا فِيهَا ويسيروا على هديها لقد اقْتدى الْأَبْنَاء بابائهم فِي سيرتهم اقْتِدَاء كَامِلا من شَتَّى الْوُجُوه وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا كلهَا من هُوَ أليق لوزارتك من جَعْفَر وَالْأَمر مَا يرَاهُ الْخَلِيفَة
فَمَا إِن سمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك الَّذِي لم يكن فِي بني امية وَال مَرْوَان أعظم مِنْهُ وأقدر هَذَا الْكَلَام حَتَّى وَطن الْفُؤَاد على استقدام جَعْفَر من بَلخ والعهد إِلَيْهِ بالوزارة
стр. 177
غير أَنه فكر فِي نَفسه لربما أَن جعفرا مَا زَالَ مجوسيا وَلكنه لما سمع بِأَنَّهُ كَانَ قد ولد مُسلما غمرته الفرحة وَأمر بِكِتَابَة رِسَالَة إِلَى وَالِي بَلخ ليرسل جعفرا إِلَى دمشق وَيُعْطِيه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من نفقات الطَّرِيق ووسائل الزِّينَة والتجمل وَلَو ألف دِينَار وَأَن يُرْسِلهُ إِلَى العاصمة فِي أبهى ايات الإجلال وأكملها
وَأرْسل الْوَالِي جعفرا إِلَى دمشق فَكَانَ كلما وصل مَدِينَة يخرج كِبَارهَا لاستقباله ويقيمون لَهُ المادب إِلَى أَن أوصل إِلَى دمشق وَلما وطأت قدماه أَرض دمشق خرج كبراء الدولة والجيش إِلَّا سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَن بكرَة أَبِيهِم لاستقباله والترحيب بِهِ واخترقوا بِهِ الْمَدِينَة فِي أتم مظَاهر الإجلال والاحترام وأبهاها إِلَى حَيْثُ أنزلوه فِي قصر لَا يطاوله أَي قصر جمالا وروعة
وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام مضوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك ليمثل بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا دخل الْقصر وَوَقعت عينا سُلَيْمَان عَلَيْهِ راقه منظره ومراه وَلما دخل إِلَى بهو الْمجْلس صَحبه الْحجاب إِلَى الْمَكَان الَّذِي أعد لَهُ بِالْقربِ من سَرِير الْملك فَأَجْلَسُوهُ وعادوا
وَبعد أَن جلس جَعْفَر أَخذ سُلَيْمَان ينظر إِلَيْهِ بدقة وإمعان وَإِذا بِهِ يقطب جَبينه وَيَقُول فِي غضب إنهض من أَمَامِي فخف الْحجاب على الْفَوْر وأخذوه وأعادوه دون أَن يدْرِي أحد عِلّة ذَلِك وَبعد أَن صلى سُلَيْمَان الظّهْر استخفه نشاط للشراب فَحَضَرَ العظماء وَجلسَ الندمان ومدت الْأَيْدِي إِلَى الصَّهْبَاء وأديرت الكؤوس مَرَّات ودب فيهم النشاط والنشوة فَلَمَّا رأى من فِي الْمجْلس انْفِرَاد طبع سُلَيْمَان وانفراج أساريره قَالَ أحد الْخَاصَّة مولَايَ الْملك لقد أمرت بإحضار جَعْفَر الْبَرْمَكِي من بَلخ بأسمى ايات الإعزاز وَالْإِكْرَام لشأن عَظِيم لَكِن مَا إِن مثل بَين يَديك وَجلسَ حَتَّى ثبطت عزيمته وأفترت همته وَأمرت بِإِخْرَاجِهِ فَمَا كَانَ سَبَب ذَلِك فالقوم فِي عجب قَالَ سُلَيْمَان لَو لم يكن جَعْفَر من أسرة عريقة وَلم يات إِلَيْنَا من مَسَافَة بعيدَة لأمرت انذاك بِضَرْب عُنُقه حَالا لِأَنَّهُ كَانَ يحمل مَعَه سما قَاتلا أَتَى بِهِ هَدِيَّة لي فِي أول مرّة يلقاني فِيهَا فَقَالَ أحد العظماء من الندامى أيامرني مولَايَ بالذهاب إِلَه لبحث الْمَوْضُوع مَعَه والبت فِيهِ فنعرف مَا يَقُول أيعترف أم يُنكر قَالَ سُلَيْمَان إذهب فَقَامَ الرجل ترك الْمجْلس إِلَى جَعْفَر وَهُنَاكَ سَأَلَهُ لقد ذهبت الْيَوْم لمقابلة سُلَيْمَان أفكنت تحمل مَعَك سما قَالَ جَعْفَر أجل وَمَا زَالَ معي إِنَّه هَذَا الَّذِي تَحت فص خَاتمِي فعلى هَذَا سَار ابائي من قبل لقد انْتهى إِلَيّ هَذَا الْخَاتم إِرْثا عَن وَالِدي لكنه لم يحدث قطّ أَن
стр. 178
تسببت أَنا أَو أحد ابائي حَتَّى يإيذاء نملة وهلاكها فَكيف إِذا وصل الْأَمر إِلَى ادمي أجل لقد اعتدنا حمله رَغْبَة فِي تالحزم والحيطة فِي الْأُمُور فَمَا أَكثر مالاقى أبائي من لدن الاخرين خسفا وتعذيبا من جراء المَال والثروة فَفِي الْوَقْت الَّذِي استدعاني فِيهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لم يطلعني أحد على حَقِيقَة الْمَوْضُوع الَّذِي كَانَ يطليني من أَجله ففكرت فِي نَفسِي بِأَنَّهُ إِذا مَا طلب إِلَيّ ثَبت الْكُنُوز أَو سَأَلَني شَيْئا لَا استطيع الْوَفَاء بِهِ أَو سامني عذَابا لَا طَاقَة لي عَلَيْهِ فَلَا بُد من أَن أَضَع فص الْخَاتم فِي فمي وأرشف سمه تخلصا من الْعَذَاب والهوان
لما سمع الرجل حَدِيث جَعْفَر هَذَا عَاد توا إِلَى سُلَيْمَان وتلا على مسامعه مَا قَالَ جَعْفَر فَعجب سُلَيْمَان لذكاء جَعْفَر وَبعد نظره وفرد أسارير وَجهه وَقبل عذره ثمَّ أَمر بإحضاره إِلَى بَابه فِي موكب خَاص فَذهب العظماء جَمِيعهم إِلَى بَاب الْقصر الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأتوا بِهِ إِلَى البلاط معززا مكرما وَكَذَلِكَ فعلوا فِي الْيَوْم التَّالِي
وَلما مثل جَعْفَر بَين يَدي سُلَيْمَان مد إِلَيْهِ سُلَيْمَان يَده مصافحا وَأخذ يسْأَله عَن مشاق الطَّرِيق ويلاطفه بِكَلَام جميل ثمَّ أجلسه وَألبسهُ خلعة الوزارة فِي الْحَال وَوضع الدواة أَمَامه ليوقع جَعْفَر بضعَة تواقيع على مرأى مِنْهُ وَيُقَال إِن سُلَيْمَان لم ير قطّ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من فَرح وابتهاج فِي ذَلِك الْيَوْم
لما خرج سُلَيْمَان مِمَّن مَجْلِسه فِي الْقصر استخفه نشاط للشراب فأعد لَهُم مجْلِس زين بِالذَّهَب والجواهر وفرش بفرش موشحة بخيوط من ذهب لم ير النَّاس لَهَا نظيرا قطّ ثمَّ جَلَسُوا للشراب وعَلى حِين كَانَ سُلَيْمَان نشوان جدلا سَأَلَهُ جَعْفَر كَيفَ عرف الْملك من دون الاف النَّاس أَنه كَانَ معي سم قَالَ سُلَيْمَان ان معي شَيْئا أعز عَليّ من كل مَا أملك وكل مَا فِي الخزائن جَمِيعهَا لَا يفارقني أبدا إنَّهُمَا خرزتان كالجزع ولكنهما ليستا جزعا حَقِيقِيًّا حصلت عَلَيْهِمَا من خَزَائِن الْمُلُوك وهما مربوطتان فِي ذراعي دَائِما فَإِذا مَا أزجستا رَائِحَة السم فِي أَي مَكَان أَو مَعَ أَي شخص أَو فِي الطَّعَام وَالشرَاب فَإِنَّهُمَا تتحركان فَوْرًا وتتماسان وتظلان فِي حَرَكَة واضطرام دون أَن يقر لَهما قَرَار حِينَئِذٍ أعلم أَن ثمَّة سما فِي الْمجْلس فأحتاط لِلْأَمْرِ وأتأهب لَهُ فَلَمَّا
стр. 179
تخطيت أَنْت عتبَة بهو الْمجْلس شرعت الخرزتان فِي الْحَرَكَة وَكَانَت حركتهما تزداد حِدة وهيجانا كلما كنت تتقدم إِلَى الْأَمَام أَكثر فِي الْمجْلس وَلما اسْتَقر بك الْمجْلس أَمَامِي أخذتا تتماسان تماسا لم يدع لي مجالا للشَّكّ بأنك تحمل مَعَك سما اعْلَم أَنه لَو كَانَ أحد غَيْرك لما ابقيت على حَيَاته وَلما أخرجوك أخذت الخرزتان بِالسُّكُونِ لكنهما لم تتوقفا إِلَّا بعد خُرُوجك من الْقصر وانئذ كشف سُلَيْمَان عَن ذراعة وأراها جعفرا وَقَالَ أَرَأَيْت فِي الدُّنْيَا شَيْئا أعجب من هَذَا فِي حياتك وَكَانَ العظماء جَمِيعهم ينظرُونَ إِلَى الخرزتين فِي عجب قَالَ جَعْفَر رَأَيْت فِي حَياتِي شَيْئَيْنِ عجيبين لم أر مثلهمَا قطّ الأول هَذَا الَّذِي أرَاهُ مَعَ الْملك والاخر مَا رَأَيْته مَعَ ملك طبرستان فَقَالَ سُلَيْمَان كَيفَ كَانَ ذَلِك أسمعني قَالَ جَعْفَر لما وصل إِلَى وَالِي بَلخ أَمر مولَايَ بإرسالي إِلَى دمشق أذعنت لِلْأَمْرِ وتأهبت للرحلة وأعددت للطريق عدتهَا فتوجهت من نيسابور إِلَى طبرستان لبضاعة كَانَت لي هُنَاكَ وَلما وصلت إِلَى طبرستان استقبلني ملكهَا وأنزلني فِي قصره بِمَدِينَة امل وَبعث الي الْقرى وَكُنَّا نَلْتَقِي يوميا فِي الْمجْلس وعَلى الخوان وَنَذْهَب إِلَى أمكنة مُخْتَلفَة تنزها وَذَات يَوْم قَالَ لي فِي نشوة أتنزهت فِي الْبَحْر إِلَى الان قلت لَا قَالَ أَنْت ضَيْفِي فِي نزهة بحريّة غَدا قلت سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر الملاحين بِأَن يعدوا السفن ويهيؤوها للغد
وَفِي الْيَوْم التَّالِي مضى بِي الْملك ألى سَاحل الْبَحْر حَيْثُ ركبنَا سفينة والمطربون يعزفون ويغنون والملاحون يقودون السَّفِينَة إِلَى أَن مضوا بِنَا ألى لجة الْبَحْر فِي حِين كَانَ السقاة يديرون ابْنة الْكَرم دون انْقِطَاع وَكُنَّا الْملك وَأَنا نجلس قريبين جدا إِذْ لم يكن بَيْننَا أحد لقد كَانَ فِي إِصْبَع الْملك خَاتم فصه من الْيَاقُوت الْأَحْمَر وَكَانَ جميلا الى أبعد حُدُود الْجمال صافيا وملونا حَتَّى أنني لم أر مثله فِي حَياتِي وَلَقَد جعلني جماله أَدِيم النّظر فِيهِ
لما رأى الْملك أنني أطيل النّظر فِي الْخَاتم نَزعه من أُصْبُعه وَوَضعه أَمَامِي فانحنيت احتراما لَهُ وَقبلت الْخَاتم وَوَضَعته أَمَام الْملك من جَدِيد لكنه تنَاوله وَوَضعه امامي مرّة أُخْرَى وَقَالَ ان خَاتمًا خرج من إصبعي هَدِيَّة وَعَطَاء لَا يعود إِلَيْهَا فَقلت إِن هَذَا الْخَاتم لَا يَلِيق إِلَّا بِالْملكِ وَوَضَعته أَمَامه غير أَنه عَاد فَوَضعه أَمَامِي وَلِأَن الْخَاتم كَانَ اية فِي الإبداع وقيما قلت ان من يهب هَذَا الْخَاتم ثملا قد ينْدَم
стр. 180
على فعلته صَاحِيًا فينتابه هم لذَلِك وَوضعت الْخَاتم أَمَام الْملك أَيْضا فتناوله هَذِه الْمرة ودماه فِي الْبَحْر فَقلت انذاك اه واأسفاه على هَذَا الْخَاتم لَو كنت أعلم أَن الْملك لن يُعِيدهُ إِلَى إصبعه حَقًا أَو أَنه سيلقي بِهِ فِي الْبَحْر لقبلته لأنني لم أر ياقوتا كَهَذا قطّ قَالَ الْملك لقد وَضعته امامك مَرَّات وَلما رَأَيْتُك تحدق النّظر فِيهِ كثيرا أخرجته من إصبعي ووهبتكه وعَلى الرغم مِمَّا كَانَ للخاتم ممت جمال فِي نَظَرِي فلولا أَنه لم يكن فِي عَيْنَيْك أجمل لم منحتكه لقد كَانَ الذَّنب ذَنْبك لِأَنَّك لم تقبله أما وَقد قذفت بِهِ فِي الْبَحْر فقد ذهبت نَفسك عَلَيْهِ حسرات إِلَّا أنني سافعل مَا يُعِيدهُ إِلَيْك من جَدِيد وَقَالَ لأحد غلمانه اذْهَبْ واستقل زورقا إِلَى الشاطىء ثمَّ امتط جوادا من هُنَاكَ وامض إِلَى الْقصر مسرعا وَقل للْمُوكل بالخزانة أُرِيد الصندوق الفضي الصَّغِير كَذَا خُذْهُ وهاته إِلَيّ على وَجه السرعة وَقبل أَن يُرْسل الْملك الْغُلَام قَالَ للملاح أنزل مراسي السَّفِينَة وأوقفها فِي مَكَانهَا إِلَى أَن أخْبرك بِمَا يَنْبَغِي عمله فنفذ الملاح مَا أَمر بِهِ أما نخن فاخذنا نشرب الْخمر إِلَى أَن عَاد الْغُلَام بالصندوق الصَّغِير الَّذِي أَمر بإحضاره وَوَضعه أَمَام الْملك فَحل الْملك هِمْيَانه وَأخرج مِنْهُ مفتاحا فضيا فتح بِهِ قفل الصندوق وَنزع غطاءه وَمد يَده فِيهِ فَأخْرج سَمَكَة ذهبية وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْر وَغَارَتْ السَّمَكَة فِي المَاء وانحدرت إِلَى قَعْر الْبَحْر غَائِبَة عَن الأنظار وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَة قَصِيرَة إِذا بهَا تظهر على سطح المَاء والخاتم فِي فمها فَأمر الْملك أحد الملاحين بِأَن يخف بزورق إِلَى حَيْثُ ظَهرت فَمضى الملاح والتقطها والخاتم فِي فمها وأتى بهما إِلَى الْملك الَّذِي نزع الْخَاتم من فمها وَألقى بِهِ أَمَامِي فَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وتناولت الْخَاتم وَوَضَعته فِي إصبعي وَأعَاد الْملك تِلْكَ السَّمَكَة إِلَى الصندوق وقفله ثمَّ أعَاد الْمِفْتَاح إِلَى مَكَانَهُ أَيْضا
وَكَانَ فِي إِصْبَع جَعْفَر انذاك خَاتم فَأخْرجهُ وَوَضعه أَمَام سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَقَالَ يَا مولَايَ هَذَا هُوَ الْخَاتم فتناوله سُلَيْمَان وَنظر إِلَيْهِ ثمَّ رده إِلَى جَعْفَر وَقَالَ يَنْبَغِي أَلا يضيع تذكار رجل كَذَلِك الرجل
стр. 181
لَيْسَ غَرَض الْكتاب هَذِه الْحِكَايَة لكنني ذكرتها لِأَنَّهَا حِكَايَة عَجِيبَة وغريبة ومناسبة للمقام بل هدفي من هَذَا الْفَصْل هُوَ أَن أُشير إِلَى أَنه إِذا مَا بزغ فجر عهد مشرق خير ودال زمَان الضعْف والانحطاط فامارة ذَلِك ظُهُور ملك صَالح سديد الرَّأْي يطمس فِي عَهده المفسدون ويختار الْوَزير والعمال ومتصدو شؤون الدولة من الأصلاء والأخيار ويوكل كل عمل إِلَى من هُوَ أهل لَهُ فَلَا يسند عملان إِلَى رجل وَاحِد أَو عمل وَاحِد ألى رجلَيْنِ وَيرْفَع ذَوُو الْمذَاهب النقية الطاهرة ويسام أَصْحَاب الْمذَاهب السَّيئَة الْخَسْف وَيضْرب على أَيدي الظَّالِمين وينشر الْأَمْن على الطرقات وتبث هَيْبَة الْملك فِي نفوس الْجَيْش والرعية وَيحرم عديمو الْفضل وَالْأَصْل من أَي عمل ويتصدى للأطفال مِمَّن لَا خبْرَة لَهُم وَلَا مراس ويكبح جماحهم وتتدبر أُمُور الْملك مَعَ الكهول والشيوخ والحكماء وتوكل قيادات الْجَيْش إِلَى الكهول المجربين لَا الشبَّان الناشئين ويشرى الرِّجَال لمواهبهم لَا لأموالهم وَلَا يُبَاع الدّين بالدنيا وتعاد الْأُمُور جَمِيعهَا إِلَى اصولها وقواعدها وَتَكون منزلَة كل شخص على قدرَة ومستواه كل هَذَا لتستقيم الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية وَيكون عمل كل شخص وفقا لكفايته أما إِذا مَا خرج أَي أَمر على هَذِه الْقَاعِدَة وَسَار على خلَافهَا فان الْملك لَا يسمح بِهِ بل يُعِيد الْأُمُور إِلَى نصابها بميزان الْعدْل ويقومها بِالسَّيْفِ بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وَحده
стр. 182
الْفَصْل الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
فِي النِّسَاء وَحرم الْقصر وحد المرؤوسين ومراتب قادة الْجَيْش
يجب عدم تَمْكِين من هم تَحت سلطة الْملك وَفِي خدمته من أَن يكون لَهُم نُفُوذ وَقُوَّة لما ينجم عَن هَذَا من إخلال عَظِيم يذهب بجلاله وأبهته وهيبته وأخص من هَؤُلَاءِ النِّسَاء فهن محجبات مستورات ناقصات الْعُقُول الْغَايَة مِنْهُنَّ الإنجاب لحفظ بَقَاء النَّسْل إِن أفضل النِّسَاء واجدرهن بالإيثار وَالْقَبُول أحسنهن نسبا وأكثرهن لياقة وسترا وتقوى وَفِي الْوَقْت الَّذِي تمتد فِيهِ أَيدي نسَاء الْملك إِلَى السلطة ويتدخلن فِي شؤون الحكم فَإِن دورهن لَا يتَعَدَّى مَا يوحي بِهِ إلَيْهِنَّ ذَوُو المارب والأطماع الْخَاصَّة لِأَن لَيْسَ لَهُنَّ الْقُدْرَة مثل الرِّجَال على استطلاع الْأَحْوَال فِي الْخَارِج بِرَأْي الْعين مُعظم أوامرهن تصدر بوحيي من أَقْوَال متصدري أَكثر شؤونهن من مثل الحاجبة وَالْخَادِم وَلَا بُد وَالْحَال هَذِه من أَن تَأتي أغلب أحكامهن وأوامرهن مُغَايرَة للحقائق وَالْوَاقِع فينشأ الْفساد ويضار الْملك فِي جَلَاله ووقاره وحرمته ويسام النَّاس الْأَذَى والخسف ويتسرب الْخلَل إِلَى الدّين وَالْملك وتصبح أَمْوَال النَّاس وثرواتهم عرضة للنهب والزوال وَيلْحق الْأَذَى والهوان بكبار رجال الدولة
إِنَّه لم ينْتج عَن تسلط زوج أَي ملك عَلَيْهِ فِي أَي عصر على مر العصور سوى الذل والعار وَالشَّر والفتنة وَالْفساد دَعْنَا نذْكر نماذج قَليلَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع علها أَن تكشف عَن كثير من الْأُمُور وتجلوها
стр. 183
ادم وَالْمَرْأَة
كَانَ ادم ﵇ أول رجل أطَاع الْمَرْأَة فجر عَلَيْهِ ذَلِك الخسران وَالْعَذَاب والمحنة فَلَمَّا أطَاع حَوَّاء وَأكل الْحِنْطَة طرد من الْجنَّة السَّمَاء وظل يبكي مِائَتي سنة إِلَى أَن عَفا الله تَعَالَى عَنهُ وَقبل تَوْبَته
قصَّة سياوش
كَانَت سوذابه إمرأة كيكاوس مهيمنة عَلَيْهِ فَلَمَّا بعث كيكاوس رَسُولا الى رستم يطْلب إِلَيْهِ ابْنه سياوش الَّذِي كَانَ رستم قد رباه وتعهده حَتَّى سنّ الرجولة وَقَالَ أرْسلهُ لي فَإِنِّي فِي لهفة وشوق إِلَى لِقَائِه أرسل رستم سياوش إِلَى أَبِيه
لقد كَانَ سياوش وسيما جدا فَلَمَّا رَأَتْهُ سوذابه من وَرَاء الْحجاب فتنت بِهِ وَقَالَت لكيكاوس مر سياوش أَن يَأْتِي إِلَى دَار الْحَرِيم لتراه أخواته فَقَالَ لَهُ كيكاوس اذْهَبْ إِلَى دَار النِّسَاء فأخواتك يرغبن فِي رؤيتك قَالَ سياوش سمعا وَطَاعَة لَكِن من الْأَفْضَل أَن يبْقين فِي مكانهن وَأبقى أَنا فِي الإيوان وَلما ذهب إِلَى هُنَاكَ أَلْقَت سوذابه بِنَفسِهَا عَلَيْهِ وضمته إِلَيْهَا راغبة فِيهِ فَغَضب سياوش وخلص نَفسه من بَين يَديهَا وَخرج من دَار الْحَرِيم وَعَاد إِلَى مَكَانَهُ فَخَشِيت سوذابة ان يخبر سياوش اباه بالموضوع وَقَالَت فِي نَفسهَا من الْأَفْضَل أَن أسبقه إِلَى ذَلِك فمضت إِلَى كيكاوس وَقَالَت لقد هجم عَليّ سياوش وَتعلق بِي رَاغِبًا فِي لكنني أفلت من يَده وامتلأ قلب
стр. 184
كيكاوس على سياوش وَوصل الْخَوْض والخطورة فِي الْمَوْضُوع حدا قيل فِيهِ لسياوش يَنْبَغِي أَن تخترق النَّار ليرضى عَنْك الْملك قَالَ سياوش الْأَمر مَا يرَاهُ المليك فإنني طوع أمره وَرهن إِشَارَته
وكوم الْحَطب فِي الصَّحرَاء على مساحة ربع فَرسَخ مربع ثمَّ أشعلت فِيهِ النيرَان وَلما تصاعد لهيبها صعد كيكاوس إِلَى راس جبل هُنَاكَ وَقَالَ لسياوش اخترق النَّار فَذكر سياوش الَّذِي كَانَ يمتطي صهوة فرسه شبرنج اسْم ربه ثمَّ وثب بِهِ فِي النَّار وَغَابَ عَن الأنظار وَبعد مُدَّة خرج من النَّار سالما دون أَن تمس حَتَّى شَعْرَة وَاحِدَة فِيهِ أَو فِي جَوَاده بإذى بِمَشِيئَة الله فَعجب جَمِيع من كَانُوا هُنَاكَ لذَلِك وقبس الموبذون من تِلْكَ النَّار قبسا ومضوا بِهِ إِلَى المعبد وَمَا زَالَت تِلْكَ النَّار مشتعلة فِي مَكَانهَا لِأَنَّهَا قَضَت بِالْحَقِّ
بعد هَذَا الحكم ولى كيكاوس سياوش أَمِيرا على بَلخ وأرسله إِلَيْهَا لكنه كَانَ بِسَبَب سوذابة ممتلأ الْفُؤَاد على وَالِده فَكَانَ يقْضِي حَيَاته بألم وَعَذَاب لقد أضمر فِي نَفسه أَلا يبْقى فِي ولَايَة إيران وَرَاح يفكر فِي أَن يصير إِلَى الْهِنْد أَو الصين والصين الْأَقْصَى لَكِن بيران ويسه وَزِير أفراسياب وقائد جَيْشه تمكن من معرفَة السِّرّ الَّذِي كَانَ يُرَاوِد نفس سياوش فَعرض نَفسه عَلَيْهِ وَشرع يطري أفراسياب ويثني على جميل خصاله أَمَام سياوش ويلتمس إِلَيْهِ حَتَّى قبل سياوش عرضه ورحب بِهِ وَدخل فِي عهد مَعَه ثمَّ قَالَ لَهُ بيران ويسه الْبَيْت وَاحِد والنجاد وَاحِد ان أفراسياب يعزك ويقدرك أَكثر من أبنائه فَأنى أردْت أَن تعيد حَبل الْمَوَدَّة بَيْنك وَبَين أَبِيك يتدخل فِي الْأَمر وَيَأْخُذ على كيكاوس عهدا وثيقا فترسل حِينَئِذٍ إِلَى أَبِيك بِأَلف إعزاز وإكرام
وتحول سياوش من بَلخ إِلَى تركستان فَزَوجهُ أفراسياب ابْنَته وَكَانَ يُكرمهُ
стр. 185
ويعامله أحسن من بنيه وَأكْثر مِمَّا أثار حفيظة جرسيوز أخي أفراسياب وحسده عَلَيْهِ فانضم إِلَيْهِ الوشاة وقالة السوء واختلقوا الْحِيَل والدسائس إِلَى أَن ألبوا أفراسياب عَلَيْهِ فَقتل مَظْلُوما بتركستان وَعم إيران العويل لمقتله وهاج المحاربون وتأهبوا لِلْقِتَالِ وَجَاء رستم من سجستان إِلَى العاصمة وَمضى إِلَى دَار حَرِيم كيكاوس دونما اسْتِئْذَان وجر سوذابة من ناصيتها إِلَى الْبَاب وقطعها بِالسَّيْفِ إربا إربا وَلم يَجْرُؤ أحد على أَن يَقُول لَهُ خيرا فعلت أَو شرا ثمَّ شمر الْقَوْم للحرب ومضوا إِلَى تركستان انتقاما لسياوش وطلبا بثأره ودارت رحى الْحَرْب عدَّة سنوات ذهب ضحيتها بضعَة الاف من الْجَانِبَيْنِ وَكَانَت سوذابة سَبَب هَذَا كُله لِأَنَّهُ كَانَت مهيمنة على الْملك
لقد اختط الْمُلُوك وأولو الْعَزْم من الرِّجَال لأَنْفُسِهِمْ طرقا وعاشوا حَيَاة لم يكن للنِّسَاء أَو وصيفاتهن فِيهَا أدنى علم بأسرارهم وقضوا حياتهم فِي منأى عَن قيودهن وأهوائهن وأوامرهن وَلم يقعوا تَحت ربقة نيرهن قطّ وَهَكَذَا فعل الاسكندر
الْإِسْكَنْدَر ودارا
يحدثنا التَّارِيخ أَنه لما قدم الْإِسْكَنْدَر من بِلَاد الرّوم وَهزمَ دَارا بن دَارا ملك الْعَجم الَّذِي قَتله أحد خدمه فِي أثْنَاء هزيمته وَأَنه كَانَت لدارا ابْنة جميلَة جدا فِي غَايَة الْكَمَال وَالْجمال كَذَلِك أُخْتهَا وبضع فتيات أخر كن فِي حماه وَحرمه يحدثنا أَنه قيل للإسكندر إِنَّه لمن الْمُنَاسب أَن تمر من أَمَام دَار نسَاء دَارا وَترى الأقمار وملائك الْحسن خَاصَّة إبنة دَارا الَّتِي لَا نَظِير لَهَا حسنا وجمالا لقد كَانَ غَرَض أَصْحَاب هَذَا الْكَلَام أَن الْإِسْكَنْدَر حِين يرى ابْنة دَارا متنقبة بجمالها سيتزوجها وَلَا شكّ غير أَن الاسكندر أجابهم يَنْبَغِي أَلا تهزمنا نِسَاؤُهُم بعد أَن هَزَمْنَا رِجَالهنَّ فَلم يستجب لَهُم وَلم يذهب إِلَى دَار حَرِيم دَارا
خسرو وشيرين وفرهاد
أما قصَّة كسْرَى وشيرين وفرهاد فمعروفة إِذْ أحب كسْرَى شيرين حبا قلدها فِيهِ
стр. 186
زِمَام أمره وَأطلق لهواها الْعَنَان فَكَانَ ينفذ مَا تَقول فَلَا جرم إِذن فِي أَنَّهَا تجاسرت ومالت إِلَى فرهاد مَعَ أَنَّهَا كَانَت زوج كسْرَى الْملك
أَقْوَال فِي الْمَوْضُوع
سُئِلَ بزرجمهر مَا السَّبَب الَّذِي كَانَ وَرَاء انهيار ملك ال ساسان مَعَ أَن مقاليد أَمرهم كَانَت بِيَدِك وانه لَا نَظِير لَك الْيَوْم فِي الْعَالم كُله رَأيا وتدبيرا وَحِكْمَة وعلما فَقَالَ كَانَ سَبَب ذَلِك شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنهم قلدوا الْأَعْمَال الْعَظِيمَة الهامة للصغار الناشئين والاخر أَنهم كَانُوا خصوما للْعلم وَأَهله
يجب أَن يشرى العظماء والعقلاء ويقلدوا جلائل الْأَعْمَال لقد كَانَ عَمَلي مَعَ النِّسَاء والأطفال وَهَذَانِ الصنفان لَا عقل لَهما وَلَا علم وليعلم أَنه مَتى أنيطت شؤون أَيَّة مملكة بِالنسَاء والأطفال فَإِن الْملك سيزول عَن تِلْكَ الأسرة
وَيَقُول النَّبِي ﷺ شاوروهن وخالفوهن فَلَو كن تامات الْعُقُول لما حض الرَّسُول ﷺ على الْعَمَل يخلاف رأيهن
رَأْي النِّسَاء وعلمهن
ورد فِي الْأَخْبَار أَنه لما اشتدت وَطْأَة الْمَرَض على النَّبِي ﷺ فِي اخر الْعَهْد وَوصل بِهِ الضعْف إِلَى حد أَنه لما حَان وَقت صَلَاة الْفَرْض وَالصَّحَابَة بانتظاره فِي الْمَسْجِد لأدائها جمَاعَة لم تسعفه طاقته على الذّهاب وَكَانَت عَائِشَة وَحَفْصَة ﵄ تجلسان انذاك عَن جَانِبي الرَّسُول ﵇ فَقَالَت لَهُ عَائِشَة يَا رَسُول الله هَذَا أَوَان الصَّلَاة وَلَا طَاقَة لَك على الذّهاب إِلَى الْمَسْجِد فَمن تَأمر من الصَّحَابَة بَان يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ أَبُو بكر فَقَالَت مرّة ثَانِيَة من تندب للصَّلَاة بِالنَّاسِ قَالَ أَبُو بكر فَقَالَت الثَّالِثَة من تَأمر بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ أَبُو بكر وَانْقَضَت بُرْهَة ثمَّ قَالَت عَائِشَة لحفصة بِصَوْت خفيض لقد قلت ثَلَاث مَرَّات فَقولِي لَهُ أَنْت مرّة وَاحِدَة ان أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبَا بكر رجل رَقِيق الْقلب وَهُوَ يحبك حبا جما فحين يرى مَكَانك فِي الْمِحْرَاب خَالِيا يغلبه الْبكاء وَلَا يَسْتَطِيع أَن يَتَمَالَك نَفسه فَتبْطل الصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى النَّاس لَكِن عمر رجل صلب قوي الْقلب فمره أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا كلمت حَفْصَة الرَّسُول ﵇ بِهَذَا النَّحْو قَالَ ﷺ مثلكن مثل يُوسُف وكرسف لن امْر من تريدان بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ بل سامر بِمَا فِيهِ الصَّوَاب وَالصَّلَاح قولا لأبي بكر أَن يتَقَدَّم وَيُصلي بِالنَّاسِ الْجَمَاعَة
стр. 187
وَمتْن الْخَبَر أنتن صواحبات يُوسُف وكرسف لقد أَمر الرَّسُول ﷺ بِخِلَاف مَا أَرَادَت عَائِشَة على جلالها وَعلمهَا وزهدها وتقواها فَمَا ظَنك بِرَأْي النِّسَاء الأخريات وعلمهن
قصَّة يُوسُف وكرسف
يُقَال كَانَ على عهد بني إِسْرَائِيل مَا ينص على أَن كل من عصم نَفسه عَن ارْتِكَاب الْكَبَائِر أَرْبَعِينَ سنة وَصَامَ وَأدّى الصَّلَوَات فِي أَوْقَاتهَا وَلم يؤذ أحدا تقضى لَهُ من لدن الله ثَلَاث حاجات يُجَاب فِيهَا لأي شَيْء يَطْلُبهُ
وَكَانَ فِي ذَلِك الْعَهْد رجل تَقِيّ خير من بني إِسْرَائِيل اسْمه يُوسُف وَكَانَت لَهُ زوج مثله تقية مستورة اسْمهَا كُرْسُف فكر يُوسُف هَذَا الَّذِي سلخ أَرْبَعِينَ سنة من عمره على وتيرة وَاحِدَة فِي طَاعَة الله وعبادته وَقَالَ فِي نَفسه مرّة والان مَا الشَّيْء الَّذِي أسأله الله عَليّ أَن أتدبر الْأَمر مَعَ شخص اخر ليَكُون مَا أطلبه على أحسن مَا يرام وأجال فكره غير أَنه لم يهتد إِلَى الشَّخْص الْمُنَاسب وَلما دخل بَيته وَوَقعت عَيناهُ على زوجه قَالَ فِي نَفسه لَيْسَ أحب إِلَيّ فِي الدُّنْيَا كلهَا من زَوجي فَهِيَ نصفي الاخر وَأم أَوْلَادِي خيري خَيرهَا وَهِي أحب لي من الْخلق جَمِيعًا إِنَّه لصواب أَن أفضي إِلَيْهَا بِالْأَمر لنتدبره مَعًا ثمَّ قَالَ لامراته اعلمي أنني سلخت أَرْبَعِينَ سنة من عمري فِي الطَّاعَة تقضى لي بهَا أَي ثَلَاث حاجات أطلبها وَلَيْسَ فِي الْعَالم أجمع من هُوَ أحب خيرا لي مِنْك فَمَاذَا تَقُولِينَ مَاذَا أطلب إِلَى الله قَالَت الْمَرْأَة إِنَّك تعلم بِأَن لَيْسَ لي فِي هَذِه الْحَيَاة سواك وانك قُرَّة عَيْني ان النِّسَاء نزهة الرِّجَال ومغناهم فلكي ينشرح قَلْبك لرؤيتي دَائِما وتعيش سعيدا معي اسْأَل الله تَعَالَى أَن يهبني أَن زَوجك جمالا لم يَهبهُ أَيَّة امْرَأَة أُخْرَى حَتَّى إِذا مَا رَأَيْتنِي كلما دخلت عَليّ بِذَاكَ الْحسن وَالْجمال يغتبط قَلْبك ونعيش سعداء مرحين مَا حيينا
وأعجب الرجل كَلَام امْرَأَته فَدَعَا الله وَقَالَ يَا رب هَب امْرَأَتي هَذِه حسنا وجمالا لما تهبه امْرَأَة غَيرهَا فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دُعَاء يُوسُف وأصبحت امْرَأَته فِي الْيَوْم التَّالِي غير تِلْكَ الَّتِي باتت لَيْلَة امس إِذْ غَدَتْ بضورة لم ير النَّاس لَهَا مثيلا قطّ
لما راها يُوسُف على هَذِه الصُّورَة من الْجمال أَصَابَهُ ذُهُول وحيرة وَكَاد يخرج من
стр. 188
جلده فَرحا وَأخذت الْمَرْأَة تزداد جمالا وحسنا يَوْمًا بعد يَوْم لقد بلغ حسنها فِي أُسْبُوع وَاحِد حدا بهرت فِيهِ الناظرين إِذْ لم يسْتَطع أَي نَاظر إِلَيْهَا أَن يديم فِيهَا النّظر لقد كَانَت أحسن ألف مرّة من الشَّمْس وَالْقَمَر وأجمل من الْحور والملائك وألطف وشاع خبر جمَالهَا فِي الْعَالم فَأخذت النِّسَاء تفد من المدن والأرياف والأماكن النائية لرؤيتها وتتناقل أَخْبَارهَا بتعجب شَدِيد
وَذَات يَوْم نظرت الْمَرْأَة إِلَى نَفسهَا فِي المراة وَرَأَتْ مَا هِيَ عَلَيْهِ من جمال تَامّ وراحت تسرح النّظر فِي تَصْوِير وَجههَا وشعرها وشفتيها واسنانها وعينيها وحاجبيها فانتابها عجب وكبرياء وطغت عَلَيْهَا نوبَة من غرور وَقَالَت أَنى بمثلي الْيَوْم فِي الْعَالم كُله وَمن ذَا الَّذِي لَهُ مَا لي من حسن وجمال مَاذَا ينقصني حَتَّى أكون لهَذَا الرجل الَّذِي لَا يَأْكُل سوى خبز الشّعير حَتَّى هَذَا الْخبز لَا يشْبع مِنْهُ شبعا كَامِلا وَالَّذِي لَا يلوي من نعم الدُّنْيَا على شَيْء بل يقْضِي الْعُمر فِي شغف وضنك إِنَّنِي بملوك الأَرْض وأكاسرتها أليق فهم سيأخذونني مزينة بِالذَّهَب إِذا مَا رأوني
ودب الهوس فِي نفس الْمَرْأَة وَأخذت تلعب برأسها التمنيات فشرعت فِي العناد والعصيان واللجاجة والمشاجرة والنزاع وَسقط الْكَلَام وبذيئه وَسُوء التَّصَرُّف وشرعت تردد على مسامع زَوجهَا فِي كل ان أَنى لي أَن أكون لَك وَأَنت لَا تَجِد مَا يشبعك من خبز الشّعير
لقد كَانَ لَهَا من يُوسُف ثَلَاثَة أَو اربعة أَطْفَال عزفت عَن الاعتناء بهم وانصرفت عَن غسلهم وإطعامهم وتنويمهم وَوصل عدم التوافق والتفاهم بَينهمَا حدا خيم فِيهِ الضجر والملل على يُوسُف وأضحى حيران عَاجِزا جدا لَا حول لَهُ وَلَا قُوَّة لكنه اتجه صوب السَّمَاء وَقَالَ يَا رب صير هَذِه الْمَرْأَة دبة فَاسْتَجَاب الله لَهُ وصيرها دبة فِي الْحَال نكالا بهَا وَلم يعد لَهَا من شغل يومي وَالْمَاء يسيل من عينيها سوى الطّواف حول الْبَيْت وَعدم الأبتعاد عَنهُ أما يُوسُف فقد أضنته تربية الْأَطْفَال الصغار والعناية بهم وغسلهم وإطعامهم وتنويمهم وتخلف فِي طَاعَة الله وعبادته إِيَّاه فَلم يعد يُؤَدِّي حَتَّى الصَّلَاة فِي أَوْقَاتهَا وأعيته الْحِيلَة وَالْعجز فاتجه إِلَى السَّمَاء مُضْطَرّا وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ يَا رب أعد هَذِه الدبة امراة كَمَا كَانَت وألهمها الْهِدَايَة بِأَن تعتني بتربية هَؤُلَاءِ
стр. 189
الْأَطْفَال الصغار وتهتم بهم كَمَا كَانَت عَلَيْهِ من قبل لكَي يتسنى لي أَن أتفرغ لعبادتك رَبِّي الْكَرِيم من جَدِيد وَفِي الْحَال أُعِيدَت الدبة امْرَأَة كَمَا كَانَت فَانْصَرَفت إِلَى الإهتمام بأطفالها والاعتناء بهم وَلم تتذكر هَذِه الْحَال قطّ وخيل إِلَيْهَا أَن مَا حدث لم يكن سوى رُؤْيا رأتها فِي منامها أما عبَادَة يُوسُف أَرْبَعِينَ سنة فَذَهَبت هباء منثورا وحبطت بهوى الْمَرْأَة وتدبيرها وغدت هَذِه الْحِكَايَة مثلا فِي الْعَالم لِئَلَّا يُطِيع أحد أمرا لامْرَأَة بعد
رَأْي لِلْمَأْمُونِ فِي الْمَوْضُوع
قَالَ الْخَلِيفَة الْمَأْمُون يَوْمًا لَا كَانَ ملكا من يَأْذَن للنِّسَاء فِي أَن تَتَحَدَّث مَعَه فِي ششؤون المملكة والجيش والخزانة والسياسة والتدخل فِيهَا أَو أَن يحمين أحدا فَإِذا مَا أتيح لَهُنَّ المجال وأصغى الْملك إلَيْهِنَّ فرقى شخصا وعاقب اخر وَولى رجلا عملا وعزل اخر فَلَا مندوحة من أَن ينهال النَّاس على بابهن مرّة وَاحِدَة ويرفعوا إلَيْهِنَّ حاجاتهم ومطالبهم لِإِمْكَان قَضَائهَا وتلبيتها لديهن بِسُرْعَة
فحين يرين رَغْبَة النَّاس فِيهِنَّ ويشاهدن جموعا من الْجَيْش والرعية فِي الْقصر يندفعن فِي تَحْقِيق الْأَمَانِي الْبَاطِلَة ويتعهدن تدبر الْأَهْوَاء الْفَاسِدَة فيجد الأشرار وذوو الْمذَاهب الخبيثة طريقهم إلَيْهِنَّ بِسُرْعَة بِحَيْثُ لَا يطول الأمد على زَوَال حُرْمَة الْملك وجلاله وعَلى اندثار رونق البلاط والديوان وحرمتهما فيتلاشى قدر الْملك وعظمته وَحِينَئِذٍ ينهال عَلَيْهِ اللوم من الْأَطْرَاف وتضطرب أُمُور المملكة ويفقد الْوَزير سيطرته وهيبته وينال الْجَيْش فِي كرامته
فَمَا الْحِيلَة إِذن للنجاة من هَذَا الْغم كُله على الْملك أَن ينحو مَا تعارف عَلَيْهِ النَّاس وَمَا سلكه الْمُلُوك الْعِظَام أولو الرَّأْي السديد من قبل فَالله يَقُول ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ فَلَو كَانَت لَهُنَّ الْقُدْرَة على الْقيام بشؤون أَنْفسهنَّ لما وكل الله أمرهن إِلَى الرِّجَال ان كل من يَجْعَل النِّسَاء قيمات على الرِّجَال فسيتحمل وَحده جرم أَي خطأ وانحراف لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سمح بذلك وتخطى الْعَادة المتبعة
أَقْوَال أُخْرَى فِي الْمَوْضُوع
قَالَ كيخسرو من أَرَادَ من الْمُلُوك إبْقَاء الْملك فِي أسرته وصيانة مَمْلَكَته من الدمار
стр. 190
والخراب والحفاظ على حرمته وعظمته من الإندثار من على وَجه الْمَعْمُور فَعَلَيهِ أَلا يفسح المجال لنسائه أَو يسمح لَهُنَّ بالتدخل فِي شؤون غير من هم تَحت إشرافهن وخدمهن وَألا يصدرن أمرا لغير وكلائهن وعمالهن ومتولي إقطاعاتهن فَبِهَذَا يحافظ على الْعَادة الْقَدِيمَة ويريح فكره مِمَّا قد ينتابه
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ كَلَام النِّسَاء عَورَة مِثْلهنَّ فَكَمَا يَنْبَغِي أَلا يظهرن على الْمَلأ يجب أَلا يذاع حديثهن فِي الْمَلأ أَيْضا
هَذَا الْقدر الَّذِي ذكرت فِي الْمَوْضُوع كَاف وسيتجلى بوضوح فِي موارد كَثِيرَة أُخْرَى فَيعرف حِينَئِذٍ أَن السداد والنفع فِيمَا قلت
فِي المرؤوسين
خلق الله الْملك لتَكون لَهُ الْقُدْرَة والرفعة وَالْعَظَمَة على سَائِر النَّاس وليكون الْخلق تَحت امرته ورعايته يُؤمن لَهُم سبل عيشهم ويقودهم إِلَى مَا فِيهِ رفعتهم وعظمتهم على الْملك أَن يصرف الْخلق ويجعلهم فِي وضع يعْرفُونَ فِيهِ حُدُود أنفسهم وأقدارهم دَائِما فَلَا يُمكنهُم من إِلْقَاء حلق الانقياد من اذانهم وشق عَصا الطَّاعَة وَعَلِيهِ أَن يبصرهم بعيوبهم ومحاسنهم بَين الْحِين والحين لِئَلَّا يذهلوا من أنفسهم وَألا يُطِيل لَهُم القياد يَفْعَلُونَ مَا يشاؤون يَنْبَغِي أَن يعرف قدر كل مِنْهُم ومكانته وَأَن يكون على دراية باحواله والتثبت مِنْهَا باستمرار لكَي لَا تزل عَن صِرَاط الطَّاعَة أَقْدَامهم وَحَتَّى يؤدوا مَا يؤمرون بِهِ حسب
مِثَال هَذَا مَا قَالَ بزرجمهر بن البختكان لأنوشروان الْعَادِل يَوْمًا ان الْولَايَة للْملك وَالْملك هُوَ الَّذِي يضع زِمَام أُمُور الْولَايَة بيد الْجَيْش لَا بيد الرّعية غير انه لَا حب للولاية فِي نفوس الْجَيْش وَلَيْسَ لَهُم شَفَقَة على أَهلهَا أَو رَحْمَة لَا هم لَهُم سوى جمع الْأَمْوَال وكنزها غير مبالين بدمار الْولَايَة وفقر ناسها واملاقهم وَمَتى كَانَت للجيش الْقُدْرَة على أَن يعيث فِي الْبِلَاد فيعذب وَيقتل ويكبل ويسجن ويغصب ويجبي ويعزل ويولي من يَشَاء فَأَي فرق يبْقى ثمَّة بَين الْملك وَبينهمْ إِن زِمَام كل هَذِه الْأُمُور لم يكن إِلَّا بيد الْمُلُوك لَا بيد
стр. 191
الْجَيْش فهم لم يقبلُوا قطّ أَن تكون للجيش مثل هَذِه السلطة وَالْقُدْرَة ان تيجان الذَّهَب وركائب الذَّهَب والسرر وَضرب السِّكَّة لم تكن لغير الْمُلُوك فِي كل الْأَعْصَار ثمَّ قَالَ إِذا مَا اراد الْملك ان يفاخر الْمُلُوك وَيكون لَهُ الْفضل عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فليهذب أخلاقه ويصقلها قَالَ أنوشروان أَنى لي ذَلِك فَقَالَ بزرجمهر خلص نَفسك من الْخِصَال السَّيئَة وَتمسك بِالْحَسَنَة واعمل بهَا قَالَ أنوشروان وَمَا الْخِصَال السَّيئَة قَالَ بزرجمهر الْخِصَال السَّيئَة هِيَ الحقد والحسد والتكبر وَالْغَضَب والشهوة والحرص وَطول الأمل وَبعده واللجاجة وَالْكذب وَالْبخل والخلق السيىء وَالظُّلم والأنانية والتسرع وكفران النِّعْمَة والعقوق والخفة والطيش أما الْخِصَال الحميدة فَهِيَ الْحيَاء وَحسن الْخلق والحلم وَالْعَفو والتواضع والسخاء والصدق وَالصَّبْر وَالشُّكْر وَالرَّحْمَة وَالْعلم وَالْعقل وَالْعدْل ان من يتحلى بالخصال الْحَسَنَة ويطبقها يَسْتَطِيع أَن يسير الْأُمُور جَمِيعهَا دون حَاجَة لأي مستشار أَو مُدبر يرجع إِلَيْهِ فِي من هم تَحت يَده وَفِي شؤون المملكة
стр. 192
الْفَصْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ
فِي عرض أَحْوَال ذَوي الْمذَاهب الخبيثة
أَعدَاء الْملك وَالْإِسْلَام
وددت أَن اكْتُبْ بضعَة فُصُول فِي خُرُوج الخارجين ليعلم الْعَالم أجمع مدى إشفاقي على هَذِه الدولة وَشدَّة هواي وميلي لملك ال سلجوق خَاصَّة لمولاي خلد الله ملكه وأبنائه وأسرته جنب الله عَهده شَرّ الْحَسَد وَالْعين
لم يخل أَي عصر من الخارجين فَلَقَد خَرجُوا فِي كل مَكَان فِي الْعَالم على الْمُلُوك والأنبياء ﵈ مُنْذُ عهد ادم ﵇ إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَلَيْسَ ثمَّة فرقة أَكثر شؤما وتخريبا وسوءا من هَؤُلَاءِ الْقَوْم لأَنهم يبيتُونَ الشَّرّ لهَذِهِ المملكة من وَرَاء حجاب ويسعون إِلَى إِفْسَاد الدّين كلهم اذان صاغية تنْتَظر نِدَاء الْقيام ضد الدولة وأعين ساهرة تترقب إِشَارَة الْخُرُوج عَلَيْهَا
وَإِذا مَا نزلت وَالْعِيَاذ بِاللَّه بِهَذِهِ الدولة الْقَاهِرَة نازلة سَمَاوِيَّة فَإِن هَؤُلَاءِ الْكلاب يظهرون من أوكارهم ومعاقلهم وَيخرجُونَ على دولتنا بِدَعْوَى التَّشَيُّع مستمدين أَكثر قوتهم ومددهم من الرافضة والخرمية وَلنْ يالوا جهدا فِي بَث الشَّرّ وَالْفساد وَالْقَتْل والبدع انهم يدعونَ الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر لكِنهمْ ينهجون نهج الْكفَّار فِي الْبَاطِن باطنهم خلاف ظَاهِرهمْ وَقَوْلهمْ عكس عَمَلهم وَلَيْسَ ثمَّة من هُوَ أَلد عَدَاوَة لدين مُحَمَّد ﵇ أَو أَكثر شؤما وويلا على ملك مَوْلَانَا مِنْهُم
стр. 193
وَفِي الدولة الْيَوْم مِمَّن يتسنمون المقامات الرفيعة وَلَهُم فِيهَا الة من يطلون برؤوسهم من أقبية الشِّيعَة وَلَيْسوا ممنهم بل هم فِي حَقِيقَة أَمرهم من هَؤُلَاءِ الْقَوْم الإسماعلية يدبرون شؤونهم سرا ويدعمونهم وَيدعونَ لَهُم فِي حِين أَنهم يغرون سيد الدُّنْيَا ويخدعونه بِأَنَّهُم يعْملُونَ على الإطاحة بخلافة العباسيين ان أكشف عَن الْقدر غطاءها تبن فضائحهم واعمالهم الشائنة للعيان لكنني بِمَا تظاهروا بِهِ لمولاي خلد الله ملكه وَزَعَمُوا حَتَّى ملني لَا أخوض فِي هَذَا الْمَوْضُوع هَذَا سَبَب وَسبب اخر هُوَ كَثْرَة التوفيرات الَّتِي يتظاهرون بهَا حَتَّى جعلُوا مولَايَ حَرِيصًا على المَال يتكالب عَلَيْهِ وأظهروني صَاحب غَرَض ومارب إِن نصيحتي فِي هَذِه الْحَال لَا تلقى قبولا وَلَا تجدي فتيلا
سيتضح للْملك فِي الْيَوْم الَّذِي أتنحى فِيهِ جانبا فسادهم ومكرهم وَسُوء فعلهم وَسَيعْلَمُ أَيْضا مدى مَا كَانَ لي من شَفَقَة وَهوى وميل فِي دولته الْقَاهِرَة وانني لم أكن بغافل عَن أَحْوَال هَذِه الطَّائِفَة وَمَا كَانَ يَدُور فِي خلدها بل لقد كنت اعرضها على الأعتاب السامية دَائِما وَلم أتركها تفوته وتخفى عَلَيْهِ لكنني لما رَأَيْت أَن أقوالي لم تكن تلقى لَدَيْهِ قبولا وَلم يصدقها عزفت عَن تكريرها
لكنني أدرجت فِي خُرُوج هَؤُلَاءِ الْقَوْم خَاصَّة بَابا موجزا فِي كتاب السّير هَذَا يشْتَمل على أهم مَا يتَعَلَّق بهم من مثل من هم الباطنية وَمَا مَذْهَبهم واعتقادهم أَيْن ظَهَرُوا بادىء ذِي بَدْء كم مرّة خَرجُوا وعَلى يَد منم قهروا وهزموا فِي كل مرّة فَمَا هَذَا إِلَّا تذكرة لأرباب الْملك وحماة الدّين
لقد خرج هَؤُلَاءِ الْقَوْم الملاعين فِي أَرض الشَّام واليمن والأندلس وعاثوا فِيهَا قتلا لكنني لن أتطرق إِلَّا إِلَى مَا كَانَ من أَمرهم فِي ديار الْعَجم على سَبِيل الِاخْتِصَار وَمن يَشَأْ أَن يقف على جَمِيع احوالهم وعَلى الْمَفَاسِد الَّتِي ابتدعوها فِي الْملك وَدين مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﵇ فليقرأ كتب التَّارِيخ عَن بكرَة أَبِيهَا خَاصَّة تَارِيخ أصفهان سأذكر جُزْءا
стр. 194
من مائَة فَقَط مِمَّا فَعَلُوهُ فِي أَرض الْعَجم الَّتِي تشكل الْيَوْم الْقسم الرئيس من ملك مَوْلَانَا مولى الْعَالم ليَكُون على علم بأمرهم من بدايته إِلَى نهايته
стр. 195
الْفَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
فِي خُرُوج مزدك وماهية مذهبَة وَكَيْفِيَّة قَضَاء أنوشروان الْعَادِل عَلَيْهِ وعَلى أَتْبَاعه
أول من جَاءَ بِمذهب المعطلة فِي الْعَالم كُله رجل ظهر على أَرض الْعَجم فِي عهد الْملك قباذ بن فَيْرُوز لقبه موبذ المبذين واسْمه مزدك بن بامدادان وَقد عزم أنوشروان الْعَادِل على ان يردم مَذْهَب الْمَجُوسِيَّة على رُؤُوس أَصْحَابه وَيَقْضِي عَلَيْهِ ثمَّ ينشر مذهبا جَدِيدا فِي الْعَالم كَانَ سَبَب ظُهُور مزدك انه كَانَ ذَا معرفَة حيدة بِعلم النُّجُوم فقد كَانَ يسْتَدلّ من مسيرها بَان شخصا سَيظْهر فِي هَذَا الزَّمَان بدين يبطل الدّين الزرادشتي واليهودي والمسيحي وَعبادَة الْأَوْثَان ويفرضه على رِقَاب النَّاس بالمعجزات وَالْقُوَّة ويظل قَائِما إِلَى يَوْم الدّين فَوَقع فِي روعه أَنه الْمَقْصُود بِهَذَا وَلَا أحد سواهُ
وَشرع مزدك يفكر فِي الطَّرِيقَة الَّتِي يَدْعُو بهَا النَّاس ويبحث عَن سبل جَدِيدَة لذَلِك لقد تَأمل الْأَمر من جَمِيع جوانبه فَوجدَ أَن لَهُ فِي مجْلِس الْملك حُرْمَة واحتراما تامين وانه مسموع الْكَلِمَة لَدَى كل رجالات الدولة وزعمائها وَأَن لَهُ منزلَة رفيعة جدا وَأَنَّهُمْ لم يسمعوا مِنْهُ شَيْئا محالا قطّ قبل أَن يَدعِي النُّبُوَّة
وَبعد أَن تدبر مزدك هَذَا أَمر خدمه بَان يشرعوا بِحَفر نفق يبْدَأ من نقطة مَا إِلَى أَن يَنْتَهِي تدريجيا بِبَيْت النَّار على أَن ينفذ الشق من وسط النَّار نَفسهَا بذا أوجد ثقبا صَغِيرا
стр. 196
ينفذ من خلال المعبد عِنْد الْمَكَان الَّذِي كَانَت تشعل مِنْهُ النَّار تَمامًا وَلما فرغ من إنْشَاء النفق ادّعى النُّبُوَّة وَقَالَ إِنَّمَا بعثت لأبعث دين زرادشت من جَدِيد فقد نسي النَّاس معنى الزند والأوستا وهم لَا ينفذون أوَامِر الله كَمَا أَتَى بهَا زرادشت شَأْنهمْ فِي هَذَا شَأْن طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل أقلعوا عَمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى ﵇ من أوَامِر الله ونواهيه فِي التَّوْرَاة فَأرْسل الله نَبيا بِحكم التَّوْرَاة أَيْضا ليزيل الْخلاف بَين بني إِسْرَائِيل وَيُعِيد حكم التَّوْرَاة من جَدِيد وَيهْدِي الخق إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم والان أَرْسلنِي الله تَعَالَى لأبعث الدّين الزرداشتي وأهدي النَّاس إِلَى سَبِيل الْحق وَالصَّوَاب
وتناهى كَلَام مزدك هَذَا إِلَى سمع الْملك قباذ وَفِي الْيَوْم التَّالِي استدعى قباذ الموبذين والأعيان وَجلسَ للمظالم ثمَّ استدعى مزدك وَقَالَ لَهُ على رُؤُوس الأشهاد أَأَنْت تَدعِي النُّبُوَّة قَالَ أجل وَقد بعثت لتقويم الدّين الَّذِي جَاءَ بِهِ زرادشت بعد أَن أفْسدهُ مخالفونا وأدخلوا فِيهِ الشُّبُهَات ولأوضح مَعَاني الزند والأوستا الَّتِي تخبط النَّاس فِي فهمها وإدراكها فَقَالَ قباذ وَمَا معجزتك قَالَ مزدك معجزتي انني أنطق النَّار الَّتِي هُوَ قبلتك ومحرابك وأسال الله أَن يَأْمر النَّار لتشهد على نبوتي بِنَحْوِ يسمعهُ الْملك وكل من مَعَه فَقَالَ الْملك يَا عُظَمَاء إيران وموابذتها مَا تَقولُونَ بِمَا يَقُول مزدك قَالُوا إِنَّه يَدْعُونَا أَولا إِلَى ديننَا وَكِتَابنَا وَهُوَ لَا يُخَالف تزرادشت فِي هَذَا ثمَّ ان فِي الزند والأوستا أقوالا لكل مِنْهَا عشرَة معَان وَلكُل موبذ وَحَكِيم فِيهَا رَأْي وَتَفْسِير خَاص لَكِن قد يَأْتِي مزدك بتفاسير أحسن وعبارات ابين وَأفضل أما مَا يَدعِيهِ من أَنه ينْطق النَّار الَّتِي تعبد فشيء عَجِيب حَقًا وَلَيْسَ فِي طَاقَة ادمي والرأي مَا يرَاهُ الْملك فَقَالَ قباذ لمزدك ان تنطق النَّار أشهد لَك بِالنُّبُوَّةِ قَالَ مزدك ليضْرب الْملك موعدا يَأْتِي فِيهِ وَمَعَهُ العظماء والموبذون إِلَى المعبد ليرى أَن الله ينْطق النَّار بدعائي وَإِن يشا فليأت الْيَوْم وَفِي هَذِه السَّاعَة قَالَ قباذ موعدنا جَمِيعًا المعبد غَدا
стр. 197
وَفِي الْيَوْم التَّالِي أرسل مزدك أحد غلمانه إِلَى الثقب وَقَالَ لَهُ عَلَيْك كلما سمعتني أَدْعُو الله بِصَوْت عَال أَن تتقدم وتقف تَحت الثقب وَتقول ان صَلَاح عباد الله بِأَرْض إيران بِمَا يَقُول مزدك فَفِيهِ سعادتهم فِي الدُّنْيَا والاخرة
وَجَاء الْملك والموبذون إِلَى المعبد وَنُودِيَ على مزدك فَتقدم ووقف إِلَى جَانب النَّار ودعا الله بِصَوْت عَال وَعظم زرادشت ثمَّ سكت وَإِذا صَوت ينبعث من خلال النَّار بِالْجُمْلَةِ الَّتِي ذكرنَا لما سمع الْملك وَمن مَعَه ذَلِك تملكهم الْعجب ووطن قباذ نَفسه على الْإِيمَان بمزدك ثمَّ تركُوا المعبد
واخذ قباذ بعد ذَلِك يقرب إِلَيْهِ مزدك أَكثر فَأكْثر يَوْمًا بعد يَوْم إِلَى أَن امن بِهِ فِي النِّهَايَة ثمَّ أَمر بصنع كرْسِي ذهبي مرصع بالجواهر لَهُ يوضع على سَده قاعة الْعَرْش فَكَانَ الْملك يجلس على سَرِير ملكه ومزدك على كرسيه فيبدو أَكثر ارتفاعا من الْملك
وَشرع النَّاس يدْخلُونَ فِي مَذْهَب مزدك بَعضهم دخله عَن رَغْبَة ورضى وَبَعْضهمْ دخله إرضاء للْملك وَقسم أموا العاصمة من الولايات والأطراف ودخلوا فِي مَذْهَب مزدك سرا وَعَلَانِيَة غير ان أَكثر العظماء والرعية والجيش لم يَرْغَبُوا فِي مَذْهَب مزدك لكِنهمْ لم يجرؤوا على قَول شَيْء احتراما للْملك أما الموبذون فَلم يعتنق أحد مِنْهُم مَذْهَب مزدك وَقَالُوا لننتظر مَا سيطلع علينا بِهِ مزدك منم الزند والأوستا
لما رأى مزدك أَن الْملك دخل فِي مذْهبه وَأَن النَّاس من بعيد وَقَرِيب قبلوا دَعوته طرح مَسْأَلَة الْأَمْوَال على بِسَاط الْبَحْث وَقَالَ إِن الْأَمْوَال يجب أَن توزع بَين الْخلق فكلهم عباد الله وَأَبْنَاء ادم يجب أَن ينفقوا من أَمْوَال بَعضهم على كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يتساوى الْجَمِيع وَحَتَّى لَا يظل ثمَّة معوز مُحْتَاج
ولمما اقنع مزدك قباذ وَاتِّبَاع مذْهبه بِهَذَا وَرَضوا بأباحة الْأَمْوَال قَالَ ان نساءكم كأموالكم يجب أَن تعدوا نساءكم مثل أَمْوَالكُم فَكل من يرغب فِي أَيَّة امْرَأَة فليواصلها لَيْسَ فِي ديننَا غيرَة وحمية حَتَّى لَا يظل أحد دون نصيب من لذات الدُّنْيَا وشهواتها وَحَتَّى تفتح أَبْوَاب الامال والأماني على مصاريعها وَزَاد إقبال النَّاس والعامة خَاصَّة على مَذْهَب مزدك رَغْبَة فِي النِّسَاء ثمَّ سنّ مزدك قانونا يقْضِي بانه إِذا مَا استضاف شخص عشْرين رجل فِي بَيته وَأعد لَهُم الطَّعَام وَالْخمر وَيسر لَهُم مجْلِس غناء وطرب وكل مقتضيات الضِّيَافَة فعلى الضيوف ان ينهضوا وَاحِدًا وَاحِد ويواصلوا زوجه دونما عيب أَو حرج
стр. 198
وَجَرت الْعَادة أَنه إِذا مَا أَرَادَ شخص أَن يدْخل منزلا ليواصل امراة أَن يضع قلنسوته على بَاب الْمنزل ثمَّ يدْخل حَتَّى إِذا مَا جَاءَ اخر للغرض نَفسه وَرَأى القلنسوة على الْبَاب يرجع أدراجه لِأَنَّهُ يدْرك أَن ثمَّة شخصا فِي شغل
وَأرْسل أنوشروان رَسُولا إِلَى الموبذين سرا وَقَالَ لماذا هَذَا الصمت المطبق وَلم لَا تتكلمون شَيْئا فِي امْر مزدك وتنصحون وَالِدي فَأَي ممحال هَذَا الَّذِي ألزم بِهِ نَفسه حَتَّى صَار فريسة مكر هَذَا الوبش الطرار وغدره لقد بدد هَذَا الْكَلْب مزدك أَمْوَال النَّاس وهتك ستر حرمهم وأعراضهم وهيمن على عوامهم قُولُوا لي بِأَيّ حجَّة يفعل هَذَا وَمن ذَا الذب أمره بِهِ أَن تلوذوا بِالصَّمْتِ أَكثر فَإِنَّكُم تعرضون أَمْوَالكُم للنهب ونساءكم للهتك وملكنا للزوال هبوا جَمِيعًا واذهبوا إِلَى وَالِدي وأطلعوه على حَقِيقَة الْحَال وانصحوه ثمَّ ناظروا مزدك وانعموا النّظر فِيمَا يُورد من حجج ثمَّ بعث أَيْضا برسائل إِلَى عُظَمَاء الرِّجَال ومشهوريهم سرا تَقول لقد غلب على وَالِدي هوس فَاسد فأخل عقله حَتَّى أضحى لَا يُمَيّز مَا يَنْفَعهُ مِمَّا يضرّهُ لتسعوا جادين فِي معالجته وتقويمه ولتحذروا الإصغاء إِلَى كَلَام مزدك وَالْعَمَل بِمَا يَقُول وَلَا تنخدعوا مِثْلَمَا انخدع أبي ان هَذَا لباطل وَالْبَاطِل لَا أساس لَهُ وَلَا نفع لكم فِيهِ غَدا
خشِي العظماء كَلَام أنوشروان وتهديده وتراجع لَهُ بعض من كَانُوا ينوون الدُّخُول فِي مَذْهَب مزدك وَقَالُوا لنَنْظُر إلام يصير أَمر مزدك أَنى لأنوشروان هَذَا الْكَلَام وَكَانَ عمر أنوشروان فِي هَذَا الْوَقْت ثَمَانِيَة عشر عَاما
وَاتفقَ الموبذون فِيمَا بيهم وذهبوا إِلَى قباذ وَقَالُوا لَهُ اننا لم نَقْرَأ مُنْذُ عهد ادم ﵇ إِلَى الان فِي أَي تَارِيخ من التواريخ وَلم نسْمع عَن أَي نَبِي مِمَّن ظَهَرُوا فِي بِلَاد الشَّام بِمثل هَذَا الَّذِي يَدعِي مزدك يَبْدُو أَنه مُنكر قَالَ قباذ خاطبوا مزدك فِي الْمَوْضُوع لنرى مِمَّا يَقُول فاستدعى الموبذون مزدك وَقَالُوا لَهُ مَا حجتك على مَا تدعيه قَالَ كَذَا أَمر زرادشت وَجَاء فِي الزند والأوستا غير أَن النَّاس لَا يعونه فَإِن كُنْتُم فِي ريب من امري فاسألوا النَّار وذهبوا إِلَى النَّار مرّة أُخْرَى وسألوها فنبعث من خلالها صَوت يَقُول الْأَمر على مَا يَقُول مزدك لَا على مَا تَقولُونَ
стр. 199
أَنْتُم واعترى الموبذين الخجل مرّة أُخْرَى وعادوا أدراجهم وَفِي الْيَوْم التَّالِي قابلوا أنوشروان وشرحوا لَهُ فَقَالَ ان مزدك يلاقي نجاحا لِأَن مذْهبه هُوَ مَذْهَب الْمَجُوس عينه إِلَّا فِي أَمريْن
وَبعد سنة على هَذَا الْكَلَام سَأَلَ قباذ مزدك فِي خلال حَدِيث جرى بَينهمَا فَقَالَ أَدخل النَّاس فِي هَذَا الْمَذْهَب راغبين فِيهِ قَالَ مزدك لَو قبل أنوشروان هَذَا الْمَذْهَب وَلم يتمرد عَلَيْهِ ويمنهم من دُخُوله لدخلوا فِي دفْعَة وَاحِدَة قَالَ قباذ أَو لَيْسَ هُوَ على هَذَا الْمَذْهَب قَالَ مزدك لَا قَالَ قباذ إِلَيّ بأنوشروان وَجِيء يانوشروان فَلَمَّا رَاه قباذ قَالَ لَهُ أَلَسْت على مَذْهَب مزدك قَالَ أنوشروان كلا وَالْحَمْد لله قَالَ قباذ لماذا قَالَ أنوشروان لِأَنَّهُ طرار محتال قَالَ قباذ أَي محتال ينْطق النَّار قَالَ أنوشروان ثمَّة أَرْبَعَة أَشْيَاء مضادة لَا لون لَهَا المَاء وَالنَّار وَالتُّرَاب والهواء قل لَهُ أَن ينْطق المَاء وَالتُّرَاب والهواء مِثْلَمَا أنطق النَّار لآؤمن بِهِ قَالَ قباذ إِن كل مَا يَقُوله مزدك من تَفْسِير الزند والأوستا قَالَ أنوشروان إِن الَّذِي جَاءَ بالزند والأوستا لم يدع إِلَى إِبَاحَة الْأَمْوَال وَالنِّسَاء وَلم يقل بتفسيره أحد من الْحُكَمَاء فِي السنوات المنصرمة كلهَا مَا الدّين إِلَّا لصيانه الْأَمْوَال وَالنِّسَاء فَإِذا أبيحا فَأَي فرق يبْقى ثمَّة بَين الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان ان الْبَهَائِم هُوَ الَّتِي تتساوى فِي الرَّعْي والضراب لَا النَّاس الْعُقَلَاء قَالَ قباذ ليكن وَلَكِن كَيفَ تخالفني وَأَنا أَبوك قَالَ أنوشروان لقد تعلمت هَذَا مِنْك وَإِلَّا فَلم تكن هَذِه عادتي من قبل خالفتك بعد أَن رَأَيْتُك خَالَفت والدك أعرض عَن هَذَا لأعرض أَنا عَنهُ أَيْضا
وانْتهى الْجِدَال بَين الثَّلَاثَة بِأَن قَالَ قباذ ومزدك لأنوشروان ببساطة هَات دَلِيلا ترد فِيهِ هَذَا الْمَذْهَب وَتبطل دَعْوَى مزدك أَو أيت بِمن حجَّته أقوى من حجَّة مزدك واصح وَإِلَّا ستننال جزاءك لتَكون فِيك عِبْرَة للاخرين قَالَ أنوشروان امهلاني أَرْبَعِينَ يَوْمًا أقدم بعْدهَا حجتي أَو اتي بشخص يتَصَدَّى لجواب مزدك قَالَا لَك هَذَا وَتَفَرَّقُوا على هَذَا الأساس
لما عَاد أنوشروان من عِنْد أَبِيه أرسل فِي الْيَوْم ذَاته رَسُولا إِلَى مَدِينَة جول فِي
стр. 200
فَارس برسالة إِلَى موبذ حَكِيم طَاعن فِي السن كَانَ يقطن تِلْكَ الْمَدِينَة تَقول احضر بأقصى سرعَة فقد جرى بيني وَبَين الْملك ومزدك كَذَا وَكَذَا
وَلما انْقَضتْ الْأَرْبَعُونَ يَوْمًا جلس قباذ للنَّاس واعتلى سَرِير الْملك وَجَاء مزدك فَمضى إِلَى سدة الْعَرْش وَجلسَ على كرسيه وَأمر الْملك بإحضار أنوشروان ثمَّ قَالَ مزدك لقباذ سَله عَمَّا أَتَى بِهِ إِلَيْنَا من جَوَاب قَالَ قباذ بِمَ أتيت ادل بِهِ قَالَ أنوشروان مَا أَزَال بصدد هَذَا قَالَ مزدك لات حِين تَدْبِير مر بمعاقبته ووجم قباذ أما مزدك فَأَشَارَ باخذ أنوشروان وَلما اقبل من أمروا باخذه نَحوه ضرب بِيَدِهِ على زَاوِيَة الإيوان وَقَالَ لِأَبِيهِ يَا لَهَا من عجلة هَذِه الَّتِي استحوذت عَلَيْك فِي الْقُضَاة على أسرتك بِنَفْسِك ان الْأَجَل الْمَضْرُوب بَيْننَا لم ينْتَه بعد قَالَ وَكَيف قَالَ أنوشروان لقد سألتكما أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَامِلَة فِيهَا هَذَا الْيَوْم فحين يَنْقَضِي تستطيعان أَن تفعلا مَا يحلو لَكمَا وَصَاح قادة الْجَيْش والموبذون قائلين حق مَا يَقُول لقد اتفقتم على أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تسع وَثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَ قباذ خلوا عَنهُ الْيَوْم وَرفعت الْأَيْدِي عَن أنوشروان فنجا من براثن مزدك
وَلما ترك قباذ الْمجْلس وتفرق الْحُضُور وَعَاد مزدك وَمضى أنوشروان إِلَى بَيته وصل الموبذ الَّذِي أرسل أنوشروان فِي طلبه من فَارس على بعير جماز وَقد كَانَ يسْأَل النَّاس إِلَى أَن اهْتَدَى إِلَى منزل أنوشروان وَنزل عَن بعيره فَدخل الْمنزل مسرعا ثمَّ أسر إِلَى أحد الخدم اذْهَبْ وَقل لأنوشروان لقد وصل موبذ فَارس وَهُوَ يُرِيد أَن يراك فَدخل الْخَادِم مسرعا وَأخْبر أنوشروان
وَخرج أنوشروان لفرحه من الْحُجْرَة مسرعا وَعَانَقَ الموبذ وَقَالَ اعْلَم أَيهَا الموبذ انني نجوت الْيَوْم من قَبْضَة الْمَوْت ثمَّ قصّ عَلَيْهِ كل مَا جرى فَقَالَ الموبذ هون عَلَيْك فَالْأَمْر على مَا قلت أَنْت فَأَنت على الْحق ومزدك على الْبَاطِل ساتولى جَوَاب مزدك عَنْك وَاجعَل قباذ ينْدَم على مَا فعل وأعيده إِلَى سَوَاء السَّبِيل لَكِن عَلَيْك أَن تسْعَى الان وتيسر لي باية وَسِيلَة مُقَابلَة الْملك قباذ قبل أَن يعلم مزدك بقدومي قَالَ أنوشروان هَذَا مطلب يسير ساقوم بِمَا يمكنك من مُقَابلَة الْملك وحيدا اللَّيْلَة
وَمَعَ صَلَاة الْعَصْر مضى أنوشروان إِلَى قصر أَبِيه وَطلب مُقَابلَته فَلَمَّا رأى أَبَاهُ أثنى
стр. 201
عَلَيْهِ وَقَالَ لقد وصل الموبذ الَّذِي سيتولى إِجَابَة مزدك من فَارس وَقد طلب إِلَيّ أَن ألتمس من الْملك بَان يتفضل وحيدا اللَّيْلَة بالاستماع إِلَى كَلَامه وَالنَّظَر فِي حجَّته ثمَّ يامر بِمَا يرَاهُ مناسبا فَقَالَ قباذ حسن جدا أحضرهُ
وَعَاد أنوشروان وَلما جن اللَّيْل مضى بالموبذ إِلَى الْملك فَحَيَّا الموبذ قباذ وأطراه وَأثْنى على ابائه الصَّيْد وَقَالَ لَهُ لقد غلط مزدك فنبوته كاذبه وادعاؤه بَاطِل قَالَ الْملك كَيفَ قَالَ الموبذ إِنَّنِي أعرفهُ جيدا مدى علمه انه على معرفَة بِشَيْء من علم النُّجُوم لكنه أَخطَأ فِي تَقْدِيره لأحكامها وتنبؤه بهَا ان الافتران الحالي ينبىء بانه سَيظْهر رجل يَدعِي النُّبُوَّة وَيَأْتِي بِكِتَاب ومعجزات غَرِيبَة ويشق الْقَمَر نِصْفَيْنِ وَيَدْعُو النَّاس إِلَى عبَادَة الله وَيَجِيء بدين حق طَاهِر وَيبْطل الْمَجُوسِيَّة والمذاهب الْأُخْرَى كَافَّة ويبشر بِالْجنَّةِ ويتوعد بجهنم ويحمي بِحكم الشَّرْع الْأَمْوَال ويصون النِّسَاء ويحصنها ويتبرأ من الشَّيْطَان ويتلقى الْوَحْي من جِبْرِيل ﵇ وَيخرب بيُوت النَّار والأوثان ويبث دينه فِي أرجاء الأَرْض فَيبقى إِلَى يَوْم الدّين وَتشهد السَّمَوَات وَالْأَرْض على نبوته
لقد منى مزدك نَفسه بذلك وخيل لَهُ أَنه ذَاك الرجل وَلَا أحد غَيره فِي حِين أَن ذَلِك الرجل أَولا وَقبل كل شئ عَرَبِيّ ومزدك أعجمي وَأَنه يُنْهِي النَّاس عَن عبَادَة النَّار وينكر زرادشت ومزدك يحذو حَذْو زرادشت وَيَدْعُو إِلَى عبَادَة النَّار أَيْضا إِن ذَلِك النَّبِي لَا يُبِيح لأحد حَتَّى النّظر إِلَى حرم الآخرين أَو أَخذ وَلَو ذرة صَغِيرَة من أَمْوَالهم بل يَأْمر بِقطع الْيَد بدرهم فضَّة بِغَيْر حق أما مزدك فقد أَبَاحَ النِّسَاء وَالْأَمْوَال إِن ذَلِك النَّبِي يتلَقَّى الْأَمر من السَّمَاء ويوحى إِلَيْهِ عَن طَرِيق جِبْرِيل ﵇ أما مزدك فيتحدث بِوَحْي من النَّار كَمَا أَن ذَلِك سَيَأْتِي بِكِتَاب جَدِيد أما مزدك فَلَا يصدر إِلَّا عَن الزند والأوستا
وخلاصة الْأَمر أَن مَذْهَب مزدك لَا أساس لَهُ سأفضحه أَمَام الْملك غَدا وَأثبت أَنه على الْبَاطِل وَأَنه لَا يهدف إِلَّا إِلَى إِزَالَة الكسروية عَن أهل بَيْتك وتبديد كنوزك ومساواتك بِأَقَلّ النَّاس شَأْنًا فأعجب قباذ بِكَلَام الموبذ وهش لَهُ قلبه
стр. 202
وَفِي الْيَوْم التَّالِي لما جَاءَ قباذ إِلَى الْمجْلس وَجلسَ مزدك على كرسيه ووقف أنوشروان أَمَام سَرِير الْملك وَحضر الموبذون وكبار الْقَوْم قَالَ الموبذ لمزذك أتسأل أَنْت أم أسأَل أَنا قَالَ مزدك أَنا فَقَالَ الموبذ بِمَا أَنَّك سَتَكُون السَّائِل وَأَنا الْمُجيب فتعال إِذن إِلَى مَكَاني هُنَا لأتحول أَنا إِلَى مَكَانك هُنَاكَ فاعترى مزدك الخجل وَقَالَ ان الْملك هُوَ الَّذِي أجلسني هُنَا سلني أجبك قَالَ الموبذ لقد أبحت الْأَمْوَال أوليس يَبْنِي النَّاس القناطر ويقيمون الرَّبْط ويفعلون الْخَيْر ابْتِغَاء الدَّار الْآخِرَة فَأجَاب مزدك أجل قَالَ الموبذ فَإِذا مَا أبيحت الْأَمْوَال فَلِمَنْ يكون ثَوَاب أَفعَال الْخَيْر هَذِه فِي الْآخِرَة وعيي مزدك عَن رد الْجَواب فَقَالَ لَهُ الموبذ لقد أبحت النِّسَاء أَيْضا فَإِذا مَا وطىء عشرُون رجلا امْرَأَة وَاحِدَة وحملت الْمَرْأَة فَلِمَنْ يكون الْوَلِيد وَعجز مزدك عَن الْإِجَابَة أَيْضا فَأرْدف الموبذ لقد جِئْت لتبدد الْأَمْوَال وتقرض النَّسْل مرّة وَاحِدَة ان هَذَا الْملك إِنَّمَا هُوَ ملك يتربع على الْعَرْش لِأَنَّهُ ابْن الْملك فَيْرُوز وَعنهُ ورث الْملك مِثْلَمَا ورث فَيْرُوز نَفسه الْملك عَن أَبِيه أَيْضا فَإِن وطىء زوج الْملك عشرَة مثلا وأنجبت ولدا فَمَاذَا سيقال لَهُ وَابْن من يكون أَلَيْسَ هَذَا استئصال للنسل وَإِذا مَا استؤصل النَّسْل أَفلا يخرج الْملك من هَذِه الأسرة أليست تقاس الرّفْعَة والانحطاط بالغنى والفقر ان يكن الرجل فَقِيرا فَلَا مناص لَهُ لاحتياجه وعوزه من أَن يخْدم الأثرياء وَيقوم على أَمرهم وَهنا يمتاز الْعَظِيم عَمَّا دونه منزله وَإِذا مَا أبيحت الْأَمْوَال فَإِن الرّفْعَة والأنحطاط يمحيان من الْوُجُود فيتساوى أقل النَّاس شَأْنًا بالملوك بل تَنْتفِي الملوكية وَلَقَد جِئْت أَنْت لتبدد الْأَمْوَال وَالْملك عَن بيوتات مُلُوك الْعَجم وَلم يحر مزدك جَوَابا ولاذ بِالصَّمْتِ المطبق فَقَالَ لَهُ قباذ أجبه قَالَ مزدك جَوَابه أَن تَأمر الْآن بِضَرْب عُنُقه قَالَ قباذ لَا يجوز ضرب عنق أَي شخص دون دَلِيل قَالَ مزدك لأسأل النَّار مَا تَقول فإنني لَا أنطق عَن الْهوى أما النَّاس الَّذين كَانُوا فِي أَشد حالات الْحزن والألم على أنوشروان فانقلبوا فرحين مسرورين لنجاته من الْقَتْل
وَتغَير قباذ على مزدك وانقلب عَلَيْهِ لِأَن مزدك قَالَ لَهُ اقْتُل الموبذ واقتل أنوشروان فَلم يقتلهما وَأما مزدك ففكر فِي نَفسه ان الْحل الوحيد وَقد كثر اتباعي من الرّعية والجيش أَن اتخلص من قباذ أَولا ثمَّ أقتل أنوشروان وَغَيره نم الْمُخَالفين
وَاتَّفَقُوا على أَن يصيروا جَمِيعًا إِلَى المعبد غَدا ليروا مَا تَأمر النَّار ثمَّ انصرفوا
стр. 203
وَلما أرْخى اللَّيْل سدوله استدعى مزدك اثْنَيْنِ من أعوانه وَأَتْبَاع مذْهبه وأغدق عَلَيْهِمَا الذَّهَب ونصحهما ووعدهما بِأَنَّهُ سيرفعهما إِلَى مرتبَة القيادة وَأخذ عَلَيْهِمَا قسما بَان لَا يبوحا بِهَذَا الْكَلَام لأحد ثمَّ أعطاهما سيفين وَقَالَ حِين يَجِيء قباذ إِلَى بَيت النَّار غَدا ويخضر العظماء والموبذون فعليكما اذا مَا أمرت النَّار بقتل قباذ أَن تسلا سيفيكما بِسُرْعَة وتقتلاه فَإِن أحدا لن ياتي بِسيف إِلَى المعبد قَالَا سمعا وَطَاعَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي ذهب قباذ وَذهب العظماء والموبذون الى بَيت النَّار لَكِن موبذ فَارس قَالَ لأنوشروان مر عشرَة من رجالك بَان يخفوا سيوفهم تَحت البستهم ويأتوا مَعَك الى بَيت النَّار مَخَافَة ان يكون مزدك قد بَيت غدرا ومكرا فنفذ انوشروان هَذَا وَمضى الى المعبد
وَكَانَ مزدك كلما اراد الذّهاب الى بَيت النَّار يلقن تِلْمِيذه مَا يَقُول من تَحت الثقب فلقنه مَا يَقُول هَذِه الْمرة ايضا وَمضى الى هُنَاكَ ثمَّ فال لموبذ فَارس سل النَّار لتتحدث اليك وعَلى الرغم من كَثْرَة سُؤال الموبذ النَّار فَإِنَّهَا لم تجبه حِينَئِذٍ خَاطب مزدك النَّار احكمي بَيْننَا واشهدي على صدق دعواي فانبعث من خلال النَّار صَوت يَقُول لقد دب الضعْف الي مذ امس اطعموني اولا من قلب قباذ وكبده لِأَزْدَادَ قُوَّة ثمَّ أَقُول لكم ماينبغي فعله مَا مزدك إِلَّا هاديكم إِلَى الرَّاحَة الأبدية الخالدة فَقَالَ مزدك قووا النَّار واطعموها فشرع ذَانك الرّجلَانِ سيفهما واتجها صوب قباذ فَقَالَ موبذ فَارس لأنوشروان حذار فَتقدم أنوشروان بِرِجَالِهِ الْعشْرَة بسيوفهم المستلة واعترضوا سَبِيل ذَيْنك الرجلَيْن وَلم يمكناهما من ان ينالا قباذ بِالسَّيْفِ فصاح مزدك إِنَّمَا تنطق النَّار بامر الله وانقسم النَّاس فريقين قَالَ أَحدهمَا ألقوا قباذ فِي النَّار حَيا اَوْ مَيتا وَقَالَ الاخر يَنْبَغِي التريث فِي الْأَمر حَتَّى نفكر فِيهِ أَكثر وَأفضل وعادوا فِي نِهَايَة ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ قباذ يَقُول لربما أنني اقترفت ذَنبا حَتَّى تُرِيدُ أَن النَّار أَن تتقوى مني انه لأحب إِلَيّ أَن أصطلي بِنَار الدُّنْيَا على أَن أتلظى بِنَار جَهَنَّم
وَاجْتمعَ موبذ فَارس بقباذ وحيدا مرّة أُخْرَى وحدثة عَن الْمُلُوك والموبذين القدامى وَأورد إدلة من كل الْمذَاهب وَعرض حجَجًا شَتَّى مؤداها لَيْسَ مزدك بِنَبِي بل خصم الأسرة المالكة وَالدَّلِيل أَنه أَرَادَ أَن يقتل أنوشروان أَولا وَلما لم يحالفه التَّوْفِيق تحول إِلَيْك مَا الَّذِي أَدخل فِي روعك أَن الصَّوْت ينبعث من النَّار أفتكلمت النَّار قبلا حَتَّى تنطق الان سأعمل جهدي لكشف هَذِه الْحِيلَة وَأبين للْملك أَهِي النَّار الَّتِي تَتَكَلَّم أم
стр. 204
شخص اخر وَهَكَذَا جعل الموبذ الْملك ينْدَم على مَا فعل ثمَّ قَالَ لَهُ أَيْضا لَا تحسبن أنوشروان طفْلا ان باستطاعته أَن يحكم الْعَالم ويسوده فَإِذا مَا أردْت أَن يَدُوم الْملك فِي أسرتك فَلَا تفوت عَلَيْهِ أَي رَأْي يرَاهُ وَإِيَّاك أَن تُفْضِي إِلَى مزدك بمكنونات قَلْبك وأسراره
ثمَّ قَالَ الموبذ لأنوشروان يحب أَن تسْعَى إِلَى استمالة أحد خدم مزدك وغلمانه وتغريه بِالْمَالِ فلربما أطْلعنَا على حَقِيقَة أَمر النَّار لنتمكن من اقتلاع جذور الشَّك من قلب أَبِيك دفْعَة وَاحِدَة واستطاع أنوشروان أَن يظفر بشخص تمكن من أَن يصادق أحد خدم مزدك وان يَأْخُذهُ إِلَى أنوشروان بحيلة مَا فَجَلَسَ إِلَيْهِ أنوشروان وحيدا ونثر أَمَامه ألف دِينَار وَقَالَ إِنِّي سَائِلك شَيْئا فَإِن تصدقني الْجَواب أمنحك هَذِه الْألف دِينَار حَالا وأجعلك من مقربي وأبوأك منزلَة رفيعة وَإِلَّا أفصل رَأسك عَن جسدك الان فخاف الرجل وَقَالَ إِن أصدقك القَوْل أتفي بِمَا قلت قَالَ أنوشروان أَفِي بِهِ وَأكْثر قَالَ الرجل أَقُول إِذن قَالَ أنوشروان قل لي مَا الْحِيلَة الَّتِي لَجأ إِلَيْهَا مزدك فِي إنطاقه النَّار قَالَ الرجل أَن أقل الصدْق أفتستطيع أَن تحميني وَتحفظ سري قَالَ أنوشروان أَسْتَطِيع قَالَ الرجل اعْلَم أَن بِالْقربِ من بَيت النَّار قِطْعَة أَرض اشْتَرَاهَا مزدك وأحاطها باربعة جدران عالية وَأقَام من هُنَاكَ نفقا يَمْتَد غلى مَا تَحت النَّار فِي المعبد وأوجد ثقبا صَغِيرا جدا فِي وسط النَّار وَكَانَ يُرْسل تلميذا لَهُ فِي كل مرّة ويلقنه امْضِ إِلَى تَحت النَّار وضع فمك على الثفب وَقل كَذَا وَكَذَا فَكَانَ كل من يسمع ذَلِك يظنّ أَن النَّار هِيَ الَّتِي تَتَكَلَّم
لما سمع أنوشروان هَذَا الْكَلَام أَيقَن أَنه صَحِيح فغمرته الفرحة ووهب الرجل الْألف دِينَار وَلما سجى اللَّيْل مضى أنوشروان بِالرجلِ إِلَى أَبِيه ليعيد على مسامعه مَا قَالَ لَهُ فَعجب قباذ جدا لاحتيال مزدك وتجاسره ونفض عَن قلبه الشَّك دفْعَة وَاحِدَة واحضر أنوشروان الموبذ حَالا فَأثْنى عَلَيْهِ قباذ وحياه ثمَّ أطلعاه على حَقِيقَة الْحَال فَقَالَ الموبذ لقد قلت لموَالِي ان هَذَا الرجل محتال قَالَ قباذ لقد اتَّضَح هَذَا لَكِن كَيفَ السَّبِيل إِلَى إهلاكه قَالَ الموبذ يجب أَلا يعلم أَنَّك قد نَدِمت أَو أَنَّك على علم بحيلته ادْع إِلَى اجْتِمَاع اخر أناظره فِيهِ أَمَام من فِي الْمجْلس جَمِيعًا وَأُلْقِي فِي نِهَايَة المطاف ترسي وَأقر بعجزي ثمَّ أَعُود إِلَى فَارس بعد ذَلِك يَنْبَغِي أَن تنفذوا كل مَا يَقُول بِهِ أنوشروان وَيَرَاهُ صَوَابا حَتَّى يتم استئصال هَذِه الطينة الخبيثة ومحوها
стр. 205
وَبعد عدَّة أَيَّام أَمر الْملك قباذ بِحُضُور كبار رجال مَمْلَكَته وموبذيها لمساندة موبذ فَارس ومناظرة مزدك وَتَأمل دَعوته مَلِيًّا وَفِي الْيَوْم التَّالِي حضر الْجَمِيع وَجلسَ الْملك على سَرِيره ومزدك على كرسيه وأدلى كل شخص بِمَا عِنْده أما موبذ فَارس فَقَالَ اني لأعجب مت أَمر تكلم النَّار قَالَ مزدك لَا يجوز الْعجب من قدرَة الله وَفعله ألم تَرَ ان مُوسَى ﵇ جعل من عَصَاهُ حَيَّة وفجر من الْحجر اثْنَتَيْ عشرَة عينا وَقَالَ لأغرقن فِرْعَوْن وَجُنُوده فأغرق وسخر الله الأَرْض لَهُ فَقَالَ يَا ارْض ابلعي قَارون فَخسفَ بِهِ الله الأَرْض وألم تَرَ أَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ يحيي الْمَوْتَى كل هَذِه الْأُمُور لَيست فِي قدرَة بشر بل هِيَ من قدرَة الله وَهَكَذَا شاني فقد أَرْسلنِي الله وسخر لي النَّار فَإِن تطيعوا مَا أَقُول وَتقول النَّار وتعملوا بِهِ تنجوا فِي الدُّنْيَا والاخرة وَإِن تعصوا فترقبوا عَذَاب الله وهلاكه ونهض موبذ فَارس وَقَالَ انني لَا أقوى على جَوَاب رجل يتلَقَّى كَلَامه مِمَّن لدن الله وَالنَّار وَالنَّار مسخرة بامره وهأنذا ألقِي ترسي أَمَام شخص لم أستطع أَن أفعل مَا فعل بل وقفت أَمَامه عَاجِزا انني ذَاهِب لِأَنَّهُ لَيست لي الجراة على أَكثر من هَذَا وغادر الموبذ فَوْرًا واستلم طَرِيق فَارس وَانْصَرف قباذ من الْمجْلس اما مزدك فَمضى إِلَى المعبد ليقضي سَبْعَة أَيَّام فِي عبَادَة النَّار وَأما النَّاس فعادوا إِلَى مَنَازِلهمْ والفرحة
стр. 206
تغمر معتنقي مَذْهَب مزدك مِنْهُم خَاصَّة فازداد اعْتِقَادهم وَإِيمَانهمْ بِهِ رسوخا واستحكاما
وَلما حل الظلام استدعى قباذ أنوشروان وَقَالَ لَهُ لقد ذهب الموبذ وأحالني عَلَيْك لِأَنَّك جدير بِالْقضَاءِ على هَذَا الْمَذْهَب فَمَا الْحِيلَة الان قَالَ أنوشروان ان يعْهَد مولَايَ إِلَيّ بِالْأَمر وَلَا يُفْضِي بِهِ إِلَى أحد سواي فإنني أتعهد بِأَن أتكفل بِهِ سرا بِنَحْوِ تمحي فِيهِ بذور مزدك والمزدكية من على وَجه الأَرْض قَالَ قباذ لن أبوح بِهَذَا السِّرّ لأحد غَيْرك وَلنْ يجاوزنا نَحن الِاثْنَيْنِ فَقَالَ أنوشروان لما أعلن الموبذ عَجزه على الْمَلأ وَعَاد إِلَى فَارس عَمت الفرحة مزدك والمزدكين وقويت قُلُوبهم فَقَالُوا سيتحقق لنا بعد الان كل مَا نفكر فِيهِ ونوطن الْعَزْم عَلَيْهِ ان قتل مزدك سهل جدا وَلَكِن أَتْبَاعه كثر فَإِن نَقْتُلهُ يفر المزدكيون وينتشروا فِي بقاع الأَرْض ويبداوا فِي دَعْوَة النَّاس إِلَى مَذْهَبهم ويستولوا على الْجبَال اسْتِيلَاء محكما فيسببوا لنا ولمملكتنا المتاعب والمشكلات يجب ان نفكر فِي حل لَا ينجو مَعَه من سيوقنا وَاحِد مِنْهُم بل نهلكهم جَمِيعًا ونبدد شملهم فَقَالَ قباذ مَا الطَّرِيقَة الأفصل فِي نظرك قَالَ أنوشروان مَا أرَاهُ هُوَ أَن يرفع الْملك من منزلَة مزدك ويقدره أَكثر مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الان بعد أَن يخرج من فَتْرَة تعبده ويمثل بَين يَدَيْهِ ثمَّ يَقُول لَهُ فِي خلال حَدِيثه مَعَه عِنْدَمَا يختلي بِهِ إِن أنوشروان قد لانت عريكته مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم الَّذِي استسلم فِيهِ موبذ فَارس وَأقر بعجزه وَهُوَ الان يوطن عزمه على الْإِيمَان بك ويعض أَصَابِعه ندما على أَقْوَاله السالفة ولنر مَا يَقُول
وَلم مثل بَين يَدي قباذ فِي ذَلِك الاسبوع أكْرمه جدا وبجله وابدى لَهُ تواضعا جما ثمَّ اخبره بِمَا قَالَ أنوشروان فَقَالَ مزدك ان أَكثر النَّاس ينظرُونَ إِلَى أَعمال أنوشروان ويصغون إِلَى أَقْوَاله فحين يعتنق هَذَا الْمَذْهَب الْمُخْتَار فسيدخله النَّاس كَافَّة وَلَقَد تشفعت إِلَى النَّار ودعوت الله تَعَالَى بِأَن يَجْعَل هَذَا الْمَذْهَب نصيبأ لأنوشروان وَرِزْقًا قَالَ قباذ أجل ان أنوشروان ولي عهدي وان الرّعية والجيش يحبونه جدا وَحين يدْخل مَذْهَبنَا لَا تبقى للنَّاس أَيَّة حجَّة وإنني لأعاهد الْملَّة على ان أقيم لَك آنذاك مَنَارَة حجرية فِي وسط دجلة على رَأسهَا جوسق ذهبي أسطع من الشَّمْس مِثْلَمَا شاد
стр. 207
كشتاسب لزرادشت جوسقا من ذهب على سروة كشمر فَقَالَ مزدك لقباذ انصحه أَنْت وَأَنا أَدْعُو لَهُ الله وَأَنا على يَقِين من استجابة الدُّعَاء
وَلما أطبق اللَّيْل أطلع قباذ أنوشروان على كل مَا جرى فَقَالَ أنوشروان فَليدع مولَايَ مزدك بعد أُسْبُوع ويقل لَهُ لقد رأى أنوشروان رُؤْيا أفزعته لَيْلَة أمس إِذْ جَاءَنِي مَعَ تباشير الصَّباح الباكر وَقَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام نَارا عَظِيمَة تتقدم مني فرحت أبحث عَن ملْجأ وَإِذا شخص وسيم الصُّورَة يتَقَدَّم نحوي فَقلت لَهُ مَا تُرِيدُ النَّار مني فَقَالَ النَّار غاضبة عَلَيْك لِأَنَّك كنت تعدها كَاذِبَة قلت أَنى تعلم أَنْت هَذَا قَالَ الْوَحْي جِبْرِيل يعلم كل شَيْء وَافَقت من نومي وهأنذا مَاض الْآن إِلَى بَيت النَّار وَمضى يحمل مَعَه شَيْئا من الْمسك وَالْعود والعنبر ليلقي بهَا فِي النَّار ويتعبد عِنْدهَا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها ويتضرع إِلَى الله وَأخْبر قباذ مزدك بِمَا قَالَ أنوشروان وَنفذ أنوشروان مَا أَخذ نَفسه بِهِ أيضأ ففرح مزدك فرحأ عظيمأ
стр. 208
وَبعد أُسْبُوع وَاحِد على هَذَا الحَدِيث طلب أنوشروان إِلَى أَبِيه أَن يَقُول لمزدك بِأَن أنوشروان قَالَ لي لقد وضح لي بجلاء أَن هَذَا الْمَذْهَب حق وَأَن مزدك رَسُول الله ساعتنق مذْهبه وأنضم إِلَيْهِ غير أَن مَا يشغلني هُوَ أَكثر النَّاس يخالفونه إِنَّنِي أخْشَى أَن يخرجُوا ويتألبوا علينا وينتزعوا الْملك من أَيْدِينَا عنْوَة لَيْتَني أَدْرِي كم عدد أَتبَاع هَذَا الْمَذْهَب وَمن هم فَإِن يَكُونُوا على مَا تبغي من عدد وعدة فبها ونعمت وَإِلَّا فلأتريث حَتَّى يشْتَد عودهم ويقوى ساعدهم وَيكثر عَددهمْ وسأمدهم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من مؤونة وَسلَاح وعتاد وَحِينَئِذٍ نظهر الْمَذْهَب فِي أتم قوته ونفرضه على رِقَاب النَّاس عنْوَة وبحد السَّيْف فَإِن يقل مزدك ان عددنا كثير قل لَهُ أعد جَرِيدَة بأسماء اتِّبَاع الْمَذْهَب جَمِيعًا لنعرضها عَلَيْهِ أَي أنوشروان لِيَزْدَادَ قلبه بَأْسا وجراة ولكي لَا تبقى لَهُ ثمَّة ذَرِيعَة يتذرع بهَا فَبِهَذَا نستطيع أَن نَعْرِف عدد المزدكيين وَمن هم الَّذين دخلُوا فِي مَذْهَب مزدك
وَنقل قباذ هَذَا الْكَلَام إِلَى مزدك ففرح واستبشر وَقَالَ لقد اعتنق هَذَا الْمَذْهَب خلق كثير فَقَالَ قباذ أعد جَرِيدَة بِأَسْمَائِهِمْ حَتَّى لَا يبْقى كَمَا قلت لأنوشروان أَي عذر وَأعد مزدك الجريدة وَأتي بهَا إِلَى قباذ فعدهم قباذ فَإِذا هم اثْنَا عشر ألف رجل من المدن والقرى والجيش قَالَ قباذ سأدعوا أنوشروان اللَّيْلَة وَأعْرض عَلَيْهِ الجريدة وستكون عَلامَة دُخُوله الْمَذْهَب بِأَن امْر فِي الْحَال أَن ينْفخ فِي الأبواق وينقر على الطبول والدفوف وَأشيع الفرحة فِي الْخَارِج وكأنني رزقت طفْلا فَإِذا مَا سَمِعت أصوات الزمر والنقر فَاعْلَم أَن أنوشروان قد اعتنق هَذَا الْمَذْهَب
وَلما رَجَعَ مزدك وجن اللَّيْل دَعَا قباذ أنوشروان واراه جَرِيدَة الْأَسْمَاء واخبره بالعلامة الَّتِي اتّفق مَعَ مزدك عَلَيْهَا فَقَالَ أنوشروان حسن جدا مر بالنفخ فِي الأبواق والنقر على الطبول وَحين ترى مزدك غَدا قل لَهُ لقد اسْتَجَابَ أنوشروان لنا وَدخل فِي مَذْهَبنَا بعد أَن رأى جَرِيدَة الْأَسْمَاء وَعرف عدد الِاتِّبَاع وَقَالَ لَو كَانَ عَددهمْ خَمْسَة الاف فَذا حَسبنَا أما وهم الان اثْنَا عشر ألفا فَلَا خوف علينا حَتَّى لَو صَار الْعَالم كُله خصمنا علينا من الان فَصَاعِدا أَن نتداول نَحن الثَّلَاثَة مولَايَ ومزدك وَأَنا كل شَيْء مَعًا ثمَّ أرسل من يستدعيني وَبعد هزيع من اللَّيْل سمع
стр. 209
مزدك أصوات الأبواق والطبول فَأَخَذته الفرحة وَقَالَ لقد دخل أنوشروان فِي مَذْهَبنَا
وَفِي الْيَوْم التَّالِي ذهب مزدك إِلَى قاعة الْعَرْش فَجَلَسَ قباذ على السرير وَنقل إِلَيْهِ كل مَا قَالَ أنوشروان فسر مزدك جدا وَلما تركا القاعة جلسا وحيدين وبعثا من يَسْتَدْعِي أنوشروان وَحضر أنوشروان وَمَعَهُ تحف وَأَشْيَاء ذهبية هَدِيَّة إِلَى مزدك فوضعها أَمَامه ونثر الذَّهَب والدر بَين يَدَيْهِ واخذ يعْتَذر إِلَيْهِ عَمَّا مضى ثمَّ تداولوا فِي كل شَيْء وَفِي ختام حَدِيثهمْ قَالَ أنوشروان لآبيه انت مولى الْعَالم ومزدك رَسُول رب الْعَالمين فَمن الْأَفْضَل إِذن أَن تولياني قيادة هَؤُلَاءِ الْقَوْم لأجهد فِي جعل كل من لَيْسَ فِي مَذْهَبنَا وطاعتنا فِي الْعَالم يقبل عَلَيْهِ رَغْبَة وطواعية فَقَالَا لَهُ لَك مَا تُرِيدُ قَالَ أنوشروان إِن هَذَا الْأَمر فِي حَاجَة إِلَى أَن يُرْسل مزدك رسلًا إِلَى أَتْبَاعه فِي المدن والقرى والأطراف يخبرونهم بِأَن عَلَيْهِم ان يعدوا انفسهم من الان ولمدة ثَلَاثَة أشهر للمجيء إِلَى قَصرنَا جَمِيعًا من الأداني والأقاصي فِي أُسْبُوع كَذَا وَيَوْم كَذَا أما نَحن فعلينا أَن نبدأ مُنْذُ السَّاعَة وَإِلَى ذَلِك الْيَوْم بإعداد الْوَسَائِل اللَّازِمَة لَهُم من سلَاح وركائب بِحَيْثُ لَا يدْرِي أحد بِمَا نَحن فِيهِ الْبَتَّةَ وَحين يأزف ذَلِك الْيَوْم نبسط لَهُم خوانًا يَتَّسِع لَهُم جَمِيعًا بل يزِيد وَبعد أَن يتناولوا الطَّعَام يتحولون من قصر إِلَى اخر حييث مجْلِس الشَّرَاب فيشرب كل وَاحِد سَبْعَة أقداح وبعدئذ يلبسُونَ الْخلْع كل بِمَا يُنَاسِبه خمسين خمسين واربعين أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ وَعشْرين عشْرين إِلَى ان يلبسوا جَمِيعًا وَمَعَ حُلُول اللَّيْل نفتح بَيت السِّلَاح على مصراعيه ونعطي من لَا أسلحة مَعَهم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من السِّلَاح والدروع والزرود ثمَّ نخرج فِي اللَّيْلَة نَفسهَا فنؤمن كل من يدْخل فِي مَذْهَبنَا ونقتل كل من يَأْبَى ذَلِك فَقَالَ قباذ ومزدك هَل على هَذَا من مزِيد وعَلى هَذَا انصرفوا
وَكتب مزدك رسائل إِلَى شَتَّى الأرجاء يخبر فِيهَا القَاضِي والداني أَن عَلَيْكُم أَن تحضروا إِلَى العاصمة فِي شهر كَذَا وَيَوْم كَذَا بكامل أسلحتكم ووسائلكم وبقلوب قَوِيَّة فَإِن الْأُمُور فِي صالحنا وَالْملك إمامنا وقائدنا
وَفِي الْيَوْم الْمَوْعُود حضر الإثنا عشر ألف رجل إِلَى العاصمة وصاروا إِلَى قصر الْملك حَيْثُ رَأَوْا خوانًا مَبْسُوطا لم ير أحد مثله قطّ وَجَاء قباذ فَجَلَسَ على السرير
стр. 210
وَجلسَ مزدك على كرسيه أما انوشروان فَوقف مشمرا عَن ساعده وَكَأَنَّهُ يَقُول انني أَنا المضيف ومزدك يكَاد يخرج من جلده فَرحا
وَأخذ أنوشروان يجلس كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الخوان حسب مَنْزِلَته إِلَى أَن أجلسهم جَمِيعًا وَبعد أَن فرغوا من الطَّعَام تحولوا إِلَى قصر اخر فَرَأَوْا مجْلِس أنس وطرب لم يرَوا لَهُ مثيلا وَجلسَ قباذ على السرير ومزدك على الْكُرْسِيّ واجلس الْبَاقُونَ بالترتيب الَّذِي جَلَسُوا فِيهِ على الطَّعَام وَشرع المطربون يرهفون الأسماع والسقاة يديرون ابْنة الْكَرم وَبعد أَن أديرت الْخمر مرَّتَيْنِ دخل مِائَتَا غُلَام وفراش يحملون فِي ايديهم اردية ديباج ومازر قصب ووقفوا فِي أَطْرَاف الْمجْلس سَاعَة أَمرهم أنوشروان بعْدهَا أَن الْمَكَان غاص هُنَا خُذُوا الثِّيَاب إِلَى ذَلِك الْقصر ليتسنى لنا نقل الضيوف إِلَيْهِ عشْرين عشْرين وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ لارتداء خلعهم وَمن هُنَاكَ يذهبون إِلَى ميدان اللّعب بالطبطابة ويتنظرون فِيهِ إِلَى أَن يلبس الْجَمِيع ويأتوا إِلَيْهِ ثمَّ يتَوَجَّه الْملك ومزدك إِلَى الميدان لتفقده وإلقاء نظرة عَلَيْهِ ثمَّ نأمر بِفَتْح بَيت السِّلَاح وإحضار السِّلَاح
غير أَن أنوشروان كَانَ قد أرسل فِي الْيَوْم السَّابِق شخصا إِلَى الْقرى يطْلب مِائَتي رجل وثلاثمائة من المرتزقة بمعاولهم ومساحيهم لتنظيف الْقُصُور والحدائق والميادين وإزلة مَا فِيهَا من أوساخ وقاذورات وفضلات وَلما جِيءَ بهم جمعهم أنوشروان جَمِيعًا فِي ميدان اللّعب بالطبطابة وَأمر بإغلاق بوابته بإحكام ثمَّ خاطبهم أريدكم أَن تحفروا فِي هَذَا الْيَوْم وَهَذِه اللَّيْلَة اثْنَتَيْ عشرَة ألف حُفْرَة عمق كل مِنْهَا ذِرَاع وَنصف وَأَن تبقوا تُرَاب كل حُفْرَة إِلَى جَانبهَا ثمَّ أَمر الحراس أَن يضعوهم فِي السراي الصَّغِير دَاخل الملعب بعد أَن ينْتَهوا من الْحفر وَألا يسمحوا لأي مِنْهُم بلإنصراف وَفِي اللَّيْل سلح أنوشروان أَرْبَعمِائَة رجل خبأهم فِي السراي الصَّغِير أَيْضا وَقَالَ لَهُم كلما بعثت بِعشْرين عشْرين مِمَّن فِي الْمجْلس إِلَى الْقصر خذوهم من الْقصر إِلَى السراي الصَّغِير وَمِنْه إِلَى الميدان ثمَّ عروهم وألقوا كل وَاحِد فِي حُفْرَة على راسه إِلَى سرته بِحَيْثُ تبقى أَرجُلهم فِي الْهَوَاء ثمَّ هيلوا عَلَيْهِم التُّرَاب وطأوهم بارجلكم حَتَّى يستقروا فِي الْحفر جيدا
وَلما ذهب الموكلون بالألبسة إِلَى الْقصر الَّذِي أَمرهم أنوشروان بالذهاب إِلَيْهِ احضرت مئتا جواد بقرابيس الذَّهَب وَالْفِضَّة وأحضرت التروس وأنطقة السيوف أَيْضا فَأمر أنوشروان لتؤخذ إِلَى ذَلِك الْقصر ايضا فَأخذت
стр. 211
ثمَّ شرع أنوشروان يُرْسل الرِّجَال عشْرين عشْرين وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ إِلَى الْقصر الاخر حَيْثُ كَانَ يتولاهم رِجَاله فيأخذونهم إِلَى الميدان والسراي الصَّغِير فِيهِ ثمَّ يلقون بهم فِي الْحفر ويهيلون عَلَيْهِم التُّرَاب إِلَى أَن أهلكوا جَمِيعهم بعد أَن ألقوا جَمِيعهم فِي الْحفر قَالَ أنوشروان لِأَبِيهِ ومزدك لقد ألبس الرِّجَال الْخلْع جَمِيعًا ووقفوا فِي الميدان بانتظام أَلا تنهضان لإلقاء نظرة عَلَيْهِم فستريان زِينَة لم تريا أجمل مِنْهَا قطّ ونهض قباذ ومزدك كِلَاهُمَا وَصَارَ إِلَى الْقصر الاخر ثمَّ إِلَى الميدان والسراي الصَّغِير وسرح مزدك نظره فَلم ير على أَرض الملعب فِي شَتَّى أرجائه سوى أرجل تتمايل فِي الْهَوَاء حِينَئِذٍ الْتفت أنوشروان إِلَى مزدك وَقَالَ لَيست ثمَّة خلع أحسن من هَذِه نخلعها على جَيش أَنْت قائده لقد جِئْت لتبديد أَمْوَال النَّاس وثرواتهم وهتك نِسَائِهِم وَنزع الْملك من بيتنا
وَلما كَانَت قد اقيمت بامر أنوشروان دكة عالية وحفرت حُفْرَة فِي مُقَدّمَة الميدان أَمر بِأَن يساق مزدك إِلَى الدكة ويلقى فِي الحفرة إِلَى صَدره وَاقِفًا على رجلَيْهِ وصدره ظَاهر وصب الجص من حوله فِي الحفرة ليظل مصلوبا منتصبا فِيهِ ثمَّ قَالَ أنوشروان انْظُر الان إِلَى ابتاعك وسرح نظرك فيهم قَالَ لِأَبِيهِ أَرَأَيْت رَأْي الْعُقَلَاء وتدبيرهم ان مصلحتك الان فِي أَن تلْزم الْقصر مُدَّة إِلَى أَن يسكن عَن الْجَيْش والرعية الْغَضَب لِأَن منشأ هَذَا الْفساد ضعف رَأْيك وتدبيرك
وأجلس أنوشروان أَبَاهُ فِي الْقصر وَأمر بإخلاء سَبِيل الْقرَوِيين الَّذين أحضروا لحفر الْحفر وبفتح بوابة الميدان لتدخل جموع الْجَيْش وَالنَّاس للتفرج والمشاهدة فَأخذت الجموع تنتف لحية مزدك وشاربه إِلَى أَن فَارق الْحَيَاة ثمَّ وضع أنوشروان وَالِده فِي السلَاسِل والأغلال واستدعى إِلَيْهِ أَرْبَاب الدولة وعظمائها ثمَّ تبوأ الْعَرْش بِالْحجَّةِ وَالْحق وَأطلق يَده فِي الْعدْل والبذل وظلت هَذِه الْوَاقِعَة ذكرى من ذكرياته
стр. 212
الْفَصْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ
خُرُوج سنباذ الْمَجُوسِيّ على الْمُسلمين من نيسابور إِلَى الرّيّ وفتنته
ومنذ هَذِه الْأَيَّام عهد أنوشروان لم يرفع أحد من هَؤُلَاءِ الْقَوْم رَأسه إِلَّا مَا كَانَ من أَمر امْرَأَة مزدك خرمة بنت فاده الَّتِي كَانَت قد فرت مَعَ رجلَيْنِ من الْمَدَائِن إِلَى ضواحي الرّيّ واطرافها واخذت تَدْعُو النَّاس وَالرجلَانِ مَعهَا إِلَى مَذْهَب زَوجهَا سرا إِلَى أَن اعتنقه خلق كثير من الْمَجُوس وَأطلق النَّاس عَلَيْهِم لقب الخرمية لكِنهمْ كتموا أَمرهم وَلم يجرؤوا على إعلان مَذْهَبهم بل طفقوا طوال تِلْكَ الْمدَّة يفتشون عَن حجَّة يتسترون وَرَاءَهَا لِلْخُرُوجِ وَإِظْهَار مَذْهَبهم على رُؤُوس الأشهاد
وَلما قتل أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الدوانيقي أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي صَاحب الدولة بِبَغْدَاد عَام ١٣٧ لهجرة مُحَمَّد ﷺ كَانَ فِي نيسابور رَئِيس مَجُوسِيّ اسْمه سنباذ كَانَت تربطه بَابي مُسلم صُحْبَة قديمَة وَله فِي عُنُقه حق صداقة وخدمة سالفتين فَأَبُو مُسلم هُوَ الَّذِي قربه ورقاه إِلَى دَرَجَة قَائِد جَيش فَمَا كَانَ من سنباذ بعد قتل أبي مُسلم إِلَّا أَن أعلن تمرده وَخُرُوجه وَتقدم بِجَيْش من نيسابور إِلَى الرّيّ وَأخذ يَدْعُو مجوس الرّيّ وطبرستان لِأَن نصف أهل قوهستان وَالْعراق كَانُوا رافضة ومزدكية واراد أَن يظْهر الدعْوَة فَعمد أَولا إِلَى قتل أبي عُبَيْدَة الْحَنَفِيّ عَامل الْمَنْصُور على الرّيّ وَاسْتولى على الخزائن الَّتِي كَانَ وَضعهَا أَبُو مُسلم هُنَاكَ وَلما قوي أمره خرج يطْلب دم أبي مُسلم مُدعيًا أَنه رَسُوله إِلَى أهل الْعرَاق وخرسان وَزعم ان أَبَا مُسلم لم يقتل لكنه لما هم الْمَنْصُور بقتْله دَعَا اسْم ربه الْأَعْلَى فَصَارَ حمامة بَيْضَاء وطار من بَين يَدَيْهِ إِنَّه الان فِي حصن من نُحَاس وَالْمهْدِي ومزدك مَعَه وسيظهرون ثَلَاثَتهمْ يتقدمهم أَبُو مُسلم ومزدك وزيره وَلَقَد وصل إِلَيّ قَاصد برسالة من أبي مُسلم
وَلما سَمِعت الرافضة اسْم الْمهْدي وَسمع المزدكيون اسْم مزدك التف حول سنباذ
стр. 213
من الرافضة والخرمية خلق كثير فَعظم شَأْنه وتفاقم أمره إِذْ وصل عدد أَتْبَاعه إِلَى أَكثر من مئة ألف شخص بَين خيال وراجل وَكَانَ كلما اختلى بالمجوس يَقُول لَهُم لقد اذنت دولة الْعَرَب بالأفول هَذَا مَا قرأته فِي أحد كتب الساسانيين لن أَعُود إِذا لم أدمر الْكَعْبَة الَّتِي اتَّخَذُوهَا بدل الشَّمْس قبْلَة لَهُم أما نَحن فسنجعل الشَّمْس قبْلَة لنا مِثْلَمَا كَانَت الْحَال عَلَيْهِ قَدِيما وَكَانَ يَقُول للخرمية ان مزدك شيعي وَهُوَ يامركم بِأَن تضعوا أَيْدِيكُم فِي أَيدي السيعة وظل سنباذ يُوقع على هَذَا النغم نَفسه للمجوس وغلاة الشِّيعَة والخرمية إِلَى أَن اسْتَطَاعَ أَن يكْسب إِلَيْهِ الْفرق الثَّلَاث ويستميلها ثمَّ اسْتَطَاعَ أَن يقتل بعض قادة الْمَنْصُور ويهزم جيوشه إِلَى أَن ندب جهور الْعجلِيّ لحربه بعد سبع سنوات
وَجمع جهور جيوش خوزستان وَفَارِس وَتقدم نَحْو أصفهان حَيْثُ ضم إِلَيْهِ مرتزقتها وعرب قُم وعجليي كرج ثمَّ مضى فِي سَبيله إِلَى أَن وصل إِلَى مشارف الرّيّ حَيْثُ اشتبك مَعَ سنباذ فِي حَرْب ضارية ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الْيَوْم الرَّابِع قتل سنباذ بيد جهور فِي أثْنَاء نزال بَينهمَا فتفرقت جموعه وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى مَكَانَهُ واختلطت الخرمدينية بالمجوسية والتشيع واخذ كل مِنْهُم يتَّصل بالاخر سرا ويقوى وينمو يَوْمًا عَن يَوْم إِلَى أَن أَخذ الْمُسلمُونَ وَالْمَجُوس يطلقون لقب الخرمدينية على هَذِه الطَّائِفَة
وَبعد أَن قتل جهور سنباذ دخل الرّيّ وَقتل من وجد فِيهَا من الْمَجُوس وأغار على مَنَازِلهمْ ونهبها وسبى نِسَائِهِم وابناءهم واتحذهم عبيدا
стр. 214
الْفَصْل السَّادِس والربعون
خُرُوج الباطنية والقرامطة لعنهم الله وَإِظْهَار الْمَذْهَب السيء
إِن سَبَب ظُهُور مَذْهَب القرامطة هُوَ أَنه كَانَ لجَعْفَر الصَّادِق ﵁ ابْن اسْمه إِسْمَاعِيل مَاتَ قبل ابيه تَارِكًا وَرَاءه ابْنا لَهُ اسْمه مُحَمَّد لقد عَاشَ مُحَمَّد هَذَا إِلَى أَيَّام هَارُون الرشيد وَيُقَال انه لما لمح أحد الزبيريين أَمَام الرشيد بَان جعفرا الصَّادِق يبيت لِلْخُرُوجِ وَيَدْعُو النَّاس سرا وَيسْعَى للوصول الى الْخلَافَة بِغَيْر حق أَمر الرشيد بإحضار جَعْفَر من الْمَدِينَة المنورة إِلَى بَغْدَاد وسجنه فِيهَا وَمَات مُحَمَّد هَذَا فِي السجْن فَدفن فِي مَقْبرَة قُرَيْش
وَكَانَ لمُحَمد بن اسماعيل مولى حجازي اسْمه مبارك كَانَ يجيد الْكِتَابَة بِخَط دَقِيق يُسمى المقرمط فاطلق عَلَيْهِ لقب قرمطوية وَكَانَ لمبارك صديق أهوازي اسْمه عبد الله بن مَيْمُون القداح يُقَال أَنه جلس يَوْمًا إِلَى مبارك وحيدا وَقَالَ لَهُ كَانَ مَوْلَاك مُحَمَّد بن اسماعيل صديقي وَقد افضى إِلَيّ باسراره الَّتِي لم يبح بهَا لَك وَلَا لغيرك فدهش مبارك لهَذَا وَرغب فِي مَعْرفَته وَأخذ عبد الله بن مَيْمُون على مبارك يَمِينا أَن
стр. 215
لَا تفش مَا أَقُول لَك لأحد لمن هُوَ أهل لَهُ وَرَاح يعرض عَلَيْهِ أقوالا عَن رموز حُرُوف المعجم على لِسَان الْأَئِمَّة مشوبة بِشَيْء من كَلَام أهل الطبائع وألفاظ الفلاسفة وَقد أَكثر فِيهَا من ذكر الرَّسُول ﷺ والأنبياء ﵈ وَالْمَلَائِكَة واللوح والقلم وَالْعرش والكرسي ثمَّ افْتَرقَا فاتجه مبارك إِلَى الْكُوفَة وَمضى عبد الله نَحْو قوهستان الْعرَاق فِي طلب أهل التَّشَيُّع
لقد كَانَ مُوسَى بن جَعْفَر سجينا فِي حِين مضى مبارك فِي نشر دَعوته سرا حَتَّى نشرها فِي سَواد الْكُوفَة واطلق أهل السّنة على بعض من اسْتَجَابُوا لدعوته لقب المباركية وعَلى بَعضهم الاخر القرمطية أما عبد الله بن مَيْمُون فَكَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي قوهستان الْعرَاق وَكَانَ مشعبذا بارعا وأستاذا فِي الشعبذة وإجرائها وَقد أورد مُحَمَّد ابْن زَكَرِيَّا اسْمه فِي كتاب المخاريق وعده فِي جملَة اساتيذ الشعبذة واستخلف عبد الله بن مَيْمُون رجلا اسْمه خلف وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى الرّيّ وادع إِلَى الشِّيعَة فَالنَّاس فِي الرّيّ وقم وكاشان رافضة كلهم وسيستجيبون لدعوتك سَرِيعا
следующие страницы →