← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقرأ يحيى بن يعمر ﴿وَخَلْقَهُمْ﴾ بتسكين اللام. ومعناه أنهم جعلوا خلقهم الذي صنعوه بأيديهم من الأصنام لله شريكاً. ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في خرقوا قراءتان بالتخفيف والتشديد , وفيه قولان: أحدهما: أن معنى خرقوا كذبوا , قاله مجاهد , وقتادة , وابن جريج , وابن زيد. والثاني: معناه وخلقوا له بنين وبنات , والخلق والخرق واحد , قاله الفراء. والقول الثاني: أن معنى القراءتين مختلف , وفي اختلافهما قولان: أحدهما: أنها بالتشديد على التكثير. والثاني: أن معناها بالتخفيف كذبوا , وبالتشديد اختلفوا. والبنون قول النصارى في المسيح أنه ابن الله , وقول اليهود أن عزيراً ابن الله. والبنات قول مشركي العرب في الملائكة أنهم بنات الله. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بغير علم منهم أن له بنين وبنات. والثاني: بغير حجة تدلهم على أن له بنين وبنات.

стр. 982

﴿بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ قوله : ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فيه لأهل التأويل خمسة أقاويل:

стр. 983

أحدها: معناه لا تحيط به الأبصار , وهو يحيط بالأبصار , واعتل قائل هذا بقوله: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ فوصف الله الغرق بأنه أدرك فرعون , وليس الغرق موصوفاً بالرؤية , كذلك الإدراك هنا , وليس ذلك بمانع من الرؤية بالإِبصار , غير أن هذا اللفظ لا يقتضيه وإن دل عليه قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. والقول الثاني: معناه لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار , واعتل قائلو ذلك بأمرين: أحدهما: أن الأبصار ترى ما بينها ولا ترى ما لاصقها , وما بين البصر فلا بد أن يكون بينهما فضاء , فلو رأته الأبصار لكان محدوداً ولخلا منه مكان , وهذه صفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. والثاني: أن الأبصار تدرك الألوان كما أن السمع يدرك الأصوات , فلما امتنع أن يكون ذا لون امتنع أن يكون مرئياً , كما أن ما امتنع أن يكون ذا صوت امتنع أن يكون مسموعاً. والقول الثالث: لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا بدليل قوله: ﴿لَا تَدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وتدركه في الآخرة بدليل قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة. والرابع: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة , وتدركه أبصار المؤمنين , وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة , لأن الإِدراك له كرامة تنتفي عن أهل المعاصي.

стр. 984

والقول الخامس: أن الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة , ولكن الله يحدث لأوليائه حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها , اعتِلَالاً بأن الله أخبر برؤيته , فلو جاز أن يُرَى في الآخرة بهذه الأبصار وإن زِيْدَ في قواها جاز أن يرى بها في الدنيا وإن ضعفت قواها بأضعف من رؤية الآخرة , لأن ما خُلِقَ لإِدراك شيء لا يُعْدَمُ إدراكه , وإنما يختلف الإِدراك بحسب اختلاف القوة والضعف , فلما كان هذا مانعاً من الإدراك - وقد أخبر الله تعالى بإدراكه - اقتضى أن يكون ما أخبر به حقاً لا يدفع بالشبه , وذلك بخلق حاسة أخرى يقع بها الإِدراك. ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فاحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: لطيف بعباده في الإِنعام عليهم , خبير بمصالحهم. والثاني: لطيف في التدبير خبير بالحكمة.

стр. 985

﴿قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل. والثاني: أن الآية تنصرف في معان متغايرة مبالغة في الإِعجاز ومباينة لكلام البشر. والثالث: أنه اختلاف ما تضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي , ليكون أبلغ في الزجر , وأدعى إلى الإِجابة , وأجمع للمصلحة. ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ وفي الكلام حذف , وتقديره: ولئلا يقولوا درست , فحذف ذلك إيجازاً كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٦٧] أي لئلا تضلوا. وفي ﴿دَرَسْتَ﴾ خمس قراءات يختلف تأويلها بحسب اختلافها:

стр. 986

إحداهن: ﴿َدَرَسْتَ﴾ بمعنى قرأت وتعلمت , تقول ذلك قريش للنبي ﷺ , قاله ابن عباس , والضحاك , وهي قراءة حمزة , والكسائي. والثانية: ﴿دَارَسْتَ﴾ بمعنى ذاكرت وقارأت , قاله مجاهد , وسعيد بن جبير , ومروي عن ابن عباس , وهي قراءة ابن كثير , وأبي عمرو. وفيها على هذه القراءة تأويل ثانٍ , أنها بمعنى خاصمت وجادلت. والثالثة: ﴿دَرَسَتْ﴾ بتسكين التاء بمعنى انمحت وتقادمت , قاله ابن الزبير , والحسن , وهي قراءة ابن عامر. والرابعة: ﴿دُرِسَتْ﴾ بضم الدال لما لم يسم فاعله تليت وقرئت , قاله قتادة. والخامسة: ﴿دَرَسَ﴾ بمعنى قرأ النبي ﷺ وتلا , وهذا حرف أبي بن كعب , وابن مسعود. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْْلَمُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لقوم يعقلون. والثاني: يعلمون وجوه البيان وإن لم يعلموا المبين.

стр. 987

﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا

стр. 988

لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دَونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَاْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني اعتداء , وقرأ أهل مكة عَدُوّاً بالتشديد بمعنى أنهم اتخذوه عدوّاً. وفيه قولان: أحدهما: لا تسبوا الأصنام فتسب عبدة الأصنام من يسبها , قاله السدي. والثاني: لا تسبوها فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما سَبَبْتم ما يعبدون. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كما زينا لكم فعل ما أمرناكم به من الطاعات كذلك زينا لمن تقدم من المؤمنين فعل ما أمرناهم به من الطاعات , قاله الحسن. والثاني: كذلك شبهنا لكل أهل دين عملهم بالشبهات ابتلاء لهم حتى قادهم الهوى إليها وعَمُوا عن الرشد فيها. والثالث: كما أوضحنا لكم الحِجج الدالة على الحق كذلك أوضحنا لمن قبلكم من حِجج الحق مثل ما أوضحنا لكم.

стр. 989

﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ قوله : ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ هؤلاء قوم من مشركي أهل مكة حلفوا بالله لرسوله ﷺ لئن جاءتهم آية اقترحوها ليؤمنن بها , قال ابن جريج: هم المستهزئون. واختلف في الآية التي اقترحوها على ثلاثة أقاويل:

стр. 990

أحدها: أن تجعل لنا الصفا ذهباً. والثاني: ما ذكره الله في آخر: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسِقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفَاً﴾ إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَقْرؤُهُ﴾ فأمر الله نبيه حين أقسموا له أن يقول لهم ﴿قُلْ إِنَّمَا الأَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى في الشعراء: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال المشركون: أنزلها علينا حتى نؤمن بها إن كنت من الصادقين , فقال المؤمنون: يا رسول الله أنزلها عليهم ليؤمنوا , فأنزل الله تعالى هذه الآية , قاله الكلبي: وليس يجب على الله إجابتهم إلى اقتراحهم لا سيما إذا علم أنهم لا يؤمنون بها , واختلف في وجوبها عليه إذا علم إيمانهم بها على قولين وقد أخبر أنهم لا يؤمنون بقوله: ﴿وَمَا يُشْعُرِكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وَأَبْصَارَهُم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا من الله عقوبة لهم , وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عقوبة من الله في الآخرة يقلبها في النار. والثاني: في الدنيا بالحيرة حتى يزعج النفس ويغمها. والثالث: معناه أننا نحيط بذات الصدور وخائنة الأعين منهم. وفي قوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ تأويلان: أحدهما: أول مرة جاءتهم الآيات. والثاني: أن الأول أحوالهم في الدنيا كلها , ثم أكد الله تعالى حال عنتهم.

стр. 991

﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾

стр. 992

فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ فيه قراءاتان: إحداهما: ﴿قِبَلا﴾ بكسر القاف وفتح الباء , قرأ بها نافع , وابن عامر , ومعنى ذلك معاينة ومجاهرة , قاله ابن عباس وقتادة. والقراءة الثانية: بضم القاف والباء وهي قراءة الباقين , وفي تأويلها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن القُبُل جمع قبيل وهو الكفيل , فيكون معنى ﴿قُبُلاً﴾ أي كُفَلاء. والثاني: أن معنى ذلك قبيلة قبيلة وصفاً صفاً , قاله مجاهد. والثالث: معناه مقابلة , قاله ابن زيد , وابن إسحاق. ثم قال: ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ يعني بهذه الآيات مع ما اقترحوها من قبل. ثم قال: ﴿إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن يعينهم عليه. والثاني: إلا أن يشاء أن يجبرهم عليه , قاله الحسن البصري. ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يجهلون فيما يقترحونه من الآيات. والثاني: يجهلون أنهم لو أجيبوا إلى ما اقترحوا لم يؤمنوا طوعاً.

стр. 993

﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً﴾ أي جعلنا للأنبياء أعداء كما جعلنا لغيرهم من الناس أعداء. وفي ﴿جَعَلْنَا﴾ وجهان:

стр. 994

أحدهما: معناه حكمنا بأنهم أعداء. والثاني: معناه تركناهم على العداوة , فلم نمنعهم منها. وفي ﴿شَيَاطِينَ الإْنسِ وَالْجِنِّ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني شياطين الإنس الذين مع الإنس , وشياطين الجن الذين مع الجن , قاله عكرمة , والسدي. والثاني: شياطين الإنس كفارهم , وشياطين الجن كفارهم , قاله مجاهد. والثالث: أن شياطين الإنس والجن مردتهم , قاله الحسن , وقتادة. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ في يوحي ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يوسوس بعضهم بعضاً. والثاني: يشير بعضهم إلى بعض , فعبر عن الإشارة بالوحي كقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ١١] و ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ما زينوه لهم من الشبه في الكفر وارتكاب المعاصي. والثالث: يأمر بعضهم بعضاً كقوله: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] أي أمر. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما فعلوه من الكفر. والثاني: ما فعلوا من زخرف القول. وفي تركهم على ذلك قولان: أحدهما: ابتلاء لهم وتمييزاً للمؤمنين منهم. والثاني: لا يلجئهم إلى الإيمان فيزول التكليف.

стр. 995

قوله : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ﴾ أي تميل إليه قلوبهم , والإصغاء: الميل , قال الشاعر: (ترى السفيه به عن كل محكمة ... زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء) وتقدير الكلام , يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ليغروهم ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة , وقال قوم: بل هي لام أمر ومعناها الخبر. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأن من مَالَ قلبه إلى شيء رضيه وإن لم يكن مرضياً. ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وليكتسبوا من الشرك والمعاصي ما هم مكتسبون , قاله جويبر. والثاني: وليكذبوا على الله ورسوله ما هم كاذبون , وهو محتمل.

стр. 996

﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ قوله : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه هل يجوز لأحد أن يعدل عن حكم الله حتى أعدل عنه. والثاني: هل يجوز لأحد أن يحكم مع الله حتى أحتكم إليه. والفرق بين الحَكَم والحَاكِم , أن الحَكَمَ هو الذي يكون أهلاً للحُكْم فلا يَحْكُمُ إلا بحق , والحَاكِمُ قد يكون من غير أهله فَيَحْكُمُ بغير حق , فصار الحَكَم من صفات ذاته , والحَاكِم من صفات فعله , فكان الحَكَم أبلغ في المدح من الحَاكِم.

стр. 997

ثم قال: ﴿وُهُوَ الَّذِيِّ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ في المفصَّل أربعة تأويلات: أحدها: تفصيل آياته لتبيان معانيه فلا تُشْكِل. والثاني: تفصيل الصادق من الكاذب. والثالث: تفصيل الحق من الباطل , والهدى من الضلال , قاله الحسن. والرابع: تفصيل الأمر من النهي , والمستحب من المحظور , والحلال من الحرام. وسبب نزول هذه الآية أن مشركي قريش قالوا للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حَكَماً إن شئت من أحبار اليهود وإن شئت من أحبار النصارى , ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك , فنزلت عليه هذه الآية. قوله : ﴿وَتَمَّتَ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ يعني القرآن , وفي تمامه أربعة أوجه محتملة: أحدها: تمام حُجَجِهِ ودلائله. والثاني: تمام أحكامه وأوامره. والثالث: تمام إنذاره بالوعد والوعيد. والرابع: تمام كلامه واستكمال صوره. وفي قوله: ﴿صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ وجهان: أحدهما: صدقاً في وعده ووعهده , وعدلاً في أمره ونهيه , قاله ابن بحر. والثاني: صدقاً فيما حكاه , عدلاً فيما قضاه , وهو معنى قول قتادة. وقد مضى تفسير ﴿لَاّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.

стр. 998

﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما

стр. 999

حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ قوله : ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإْثْمِ وَبَاطِنهُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: سره وعلانيته , قاله مجاهد , وقتادة. والثاني: ظاهر الإثم: ما حرم من نكاح ذوات المحارم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ ... ﴾ الآية. وباطنه الزِّنى , قاله سعيد بن جبير. والثالث: أن ظاهر الإثم أُوْلَات الرايات من الزواني , والباطن ذوات الأخدان , لأنهن كُنَّ يستحللنه سراً , قاله السدي , والضحاك. والرابع: أن ظاهر الإثم العِرية التي كانو يعملون بها حين يطوفون بالبيت عراة , وباطنه الزِّنى , قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أن ظاهر الإثم ما يفعله بالجوارح , وباطنه ما يعتقده بالقلب.

стр. 1000

﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: المراد بها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها , قاله عطاء. والثاني: أنها الميتة , قاله ابن عباس. والثالث: أنه صيد المشركين الذين لا يذكرون اسم الله , ولا هم من أهل التسمية , يَحْرُمُ على المسلمين أن يأكلوه حتى يكونوا هم الذين صادوه , حكاه ابن بحر.

стр. 1001

والرابع: أنه ما لم يُسَمَّ اللَّهُ عند ذبحه. وفي تحريم أكله ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يحرم [سواء] تركها عامداً أو ناسياً , قاله الحسن , والشافعي. والثاني: يحرم إن تركها عامداً , ولا يحرم إن تركها ناسياً , قاله أبو حنيفة. والثالث: يحرم سواء تركها عامداً أو ناسياً , قاله ابن سيرين , وداود. ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد به المعصية , قاله ابن عباس. والثاني: المراد به الإِثم. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوْحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ يعني المجادلة في الذبيحة , وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى بالشياطين قوماً من أهل فارس كتبوا إلى أوليائهم من قريش أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله , ولا يأكلون ما ذبح الله يعني الميتة , ويأكلون ما ذبحوه لأنفسهم , فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية , قاله عكرمة. والثاني: أن الشياطين قالوا ذلك لأوليائهم من قريش , قاله ابن عباس. والثالث: أن قوماً من اليهود قالوا ذلك للنبي ﷺ , وهذا مروي عن ابن عباس. وفي وحيهم إليهم وجهان: أحدهما: أنها إشارتهم. والثاني: رسالتهم. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ يعني في أكل الميتة , إنكم لمشركون إن استحللتموها.

стр. 1002

﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾

стр. 1003

قوله : ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كان ميتاً حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح [فيه] , حكاه ابن بحر. والثاني: كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالهداية إلى الإيمان , حكاه ابن عيسى. والثالث: كان ميتاً بالجهل فأحييناه بالعمل , أنشدني بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة. (وفي الجهل قبل الموت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور) (وإن امرءا لم يحيى بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور) ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن النور القرآن , قاله الحسن. والثاني: انه العلم الذي يهدي إلى الرشد. والثالث: أنه حُسْنُ الإيمان. وقوله: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ينشر به ذكر دينه بين الناس في الدنيا حتى يصير كالماشي. والثاني: يهتدي به بين الناس إلى الجنة فيكون هو الماشي. ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الظلمات الكفر. والثاني: الجهل , وشبهه بالظلمة لأن صاحبه في حيرة تفضي به إلى الهلكة كحيرة الماشي في الظلمة. واختلفوا في هذه الآية على قولين. أحدهما: أنها على العموم في كل مؤمن وكافر , قاله الحسن وغيره من أهل العلم. والثاني: أنها على الخصوص في مُعَيَّن. وفيمن تعين نزول ذلك فيه قولان: أحدهما: أن المؤمن عمر بن الخطاب , والكافر أبو جهل , قاله الضحاك. ومقاتل.

стр. 1004

والثاني: أن المؤمن عمار بن ياسر , والكافر أبو جهل , قاله عكرمة , والكلبي.

стр. 1005

﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْءَايَةٌ﴾ يعني علامة تدل على صدق النبي ﷺ وصحة رسالته. ﴿قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لن نؤمن بالآية. والثاني: لن نؤمن بالنبي ﷺ . ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مثل ما أوتي رسل الله من الكرامة. الثاني: مثل ما أوتوا من النبوة. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قصد بذلك أمرين: أحدهما: تفرد الله تعالى بعلم المصلحة فيمن يستحق الرسالة. والثاني: الرد عليهم في سؤال ما لا يستحقونه , والمنع مما لا يجوز أن يسألوه. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجرَمُواْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الصَّغَار: الذل سمي صَغَاراً لأنه يصغر إلى الإنسان نفسه. وفي قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: من عند الله , فحذف (من) إيجازاً. والثاني: أن أنفتهم من اتباع الحق صَغَار عند الله وذل إن كان عندهم تكبراً وعزاً , قاله الفراء. والثالث: صَغَار في الآخرة , قاله الزجاج.

стр. 1006

﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿فَمَن يُرِِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يهديه إلى نيل الثواب واستحقاق الكرامة.

стр. 1007

والثاني: يهديه إلى الدلائل المؤدية إلى الحق. ﴿يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ يعني بشرح الصدر سعته لدخول الأسلام إيه وثبوته فيه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشَرْحْ لَكَ صَدْرَك﴾ [الشرح: ١]. روى عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال: سئل رسول الله ﷺ أي المؤمنين أكْيَس؟ قال: (أَكْثَرُهُم ذِكْراً لِلْمَوتِ وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَاداً) قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية: قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: (نُوْرٌ يُقْذَفُ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنفَسِحُ) قالوا: فهل لذلك أمارة يُعْرَفُ بها؟ قال: (الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرورِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوتِ قَبْلَ لِقَاءِ المَوتِ) وروى ابن مسعود مثل ذلك. ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يضله عن الهداية إلى الحق. والثاني: عن نيل الثواب واستحقاق الكرامة. ﴿يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ يعني ضيقاً لا يتسع لدخول الإسلام. ﴿حَرَجاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون شديد الصلابة حتى لا يثبت فيه شيء. والثاني: شديد الضيق حتى لا يدخله شيء. والثالث: أن موضعه مُبْيَض. ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: كأنه كُلِّف الصعود إلى السماء في امتناعه عليه وبعده منه. والثاني: كأنه لا يجد مسلكاً لضيق المسالك عليه إلا صعوداً في السماء يعجز عنه. والثالث: كأنه قلبه بالنبو عنه والنفور منه صاعداً إلى السماء. والرابع: كأن قلبه يصعد إلى السماء بمشقته عليه وصعوبته عنده. ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في الرجس خمسة تأويلات: أحدها: أنه ما لا خير فيه , قاله مجاهد. والثاني: أنه العذاب , قاله ابن زيد. والثالث: السخط , قاله ابن بحر. والرابع: انه الشيطان , قاله ابن عباس. والخامس: أن الرجس والنجس واحد , وهو قول بعض نحويي الكوفة , وحكاه عَلِيُّ بن عيسى. وقد روى قتادة عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل الخلاء قال:

стр. 1008

(اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ وَالنَّجَسِ الهَبِيثِ الخَبِيثِ الشِّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

стр. 1009

﴿وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿وَهَذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ قد ذكرنا أن الصراط هو الطريق , ومنه قول عامر ابن الطفيل: (شحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط) وفيه ها هنا قولان: أحدهما: يريد أن الإِسلام هو الصراط المستقيم إلى الله تعالى , قاله الكلبي. والثاني: يريد أن ما في القرآن من البيان هو الصراط المستقيم. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بيَّنَّا. والثاني: ميَّزنا. قوله : ﴿لَهُم دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهي الجنة , وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأنها دار السلامة الدائمة من كل آفة , قاله الزجاج. والثاني: أن السلام هو الله , والجنة داره , فلذلك سُمِّيَتْ دار السلام , وهذا معنى قول الحسن , والسدي. وفي قوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وجهان: أحدهما: أن دار السلام عند ربهم في الآخرة لأنها أخص به. والثاني: معناه أن لهم عن ربهم أن ينزلهم دار السلام. ﴿وُهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وهو ناصرهم في الدنيا على إيمانهم. والثاني: وهو المتولِّي لثوابهم في الآخرة على أعمالهم.

стр. 1010

﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ قوله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ يعني يحشر الجن والإنس جميعاً يوم القيامة. ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإِنسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: قد استكثرتم من إغوئهم وإضلالهم , قاله ابن عباس , والحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني قد استكثرتم من الإنس بإغوائكم لهم. ﴿وَقَالَ أَولِيَاؤُهُمْ مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَغْضٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه استمتع بعضنا بصحبة بعض في التعاون والتعاضد. والثاني: استمتع بعضنا ببعض فيما زينوه من اتباع الأهواء وارتكاب المعاصي. والثالث: أن الاستمتاع بهم ما كانوا عليه من التعوذ بهم كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ , قال الحسن , وابن جريج. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه استمتاع الإنس بالجن. والثاني: أنه استمتاع الإنس بعضهم ببعض. وفيه وجه ثالث: أن الإنس استمتعوا بالجن , والجن استمتعوا بالإنس في اعتقادهم أنهم يقدرون على النفع. ﴿وَبَلَغْنآ أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الموت , قاله الحسن , والسدي. والثاني: الحشر. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ أي منزل إقامتكم , لأن المثوى الإقامة , ومنه قول الشاعر: (لقد كان في حول ثواءً ثويته ... تقضي لبانات وتسأم سائم)

стр. 1011

﴿خَالِدِينَ فِيهَآ إِلَاّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ في ﴿إِلَاّ﴾ في هذا الموضوع ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى لكن , قاله سيبويه. والثاني: أنها بمعنى سوى , قاله الفراء. والثالث: أنها مستعملة على حقيقتها , وهو قول الجمهور. وفي هذا الاستثناء ثلاثة أقاويل. أحدها: أن مدة الاستثناء هي مدة العرض في القيامة وذلك ما بين بعثهم من قبورهم إلى حين مصيرهم إلى جهنم , فكأنه قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا هذه المدة التي ذكرها , فإنهم فيها غير خالدين في النار. والثاني: معناه خالدين فيها إلا ما شاء الله من تجديد جلودهم بعد إحراقها وتصريفهم في أنواع العذاب أو تركهم فيها على حالتهم الأولى , فيكون الاستثناء في صفة العذاب لا في الخلود في النار. والثالث: أنه جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدته إلى مشيئته تعالى , قاله ابن عباس , قال: ولا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه , ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.

стр. 1012

﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِِمِينَ بَعْضاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: معناه وكذلك نَكِلُ بعضهم إلى بعض , فلا نعينهم , ومن سُلِبَ معونة الله كان هالكاً.

стр. 1013

والثاني: وكذلك نجعل بعضهم لبعض ولياً على الكفر. والثالث: وكذلك نولِّي بعضهم عذاب بعض في النار. والرابع معناه أن بعضهم يتبع بعضاً في النار من الموالاة وهي المتابعة , قاله قتادة. والخامس: تسليط بعضهم على بعض بالظلم والتعدي , قاله ابن زيد.

стр. 1014

﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ قوله : ﴿يَا مَعشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ المعشر: الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف , ومنه قيل للعَشَرَة لأنها تمام العِقْد. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَقُصُّون عَلَيْكُمْءَايَاتِي﴾ اختلفوا في الرسالة إلى الجن على ثلاثة أقاويل. أحدها: ان الله بعث إلى الجن رسلاً منهم , كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم , قاله الضحاك وهو ظاهر الكلام. والثاني: أن الله لم يبعث إليهم رسلاً منهم , وإنما جاءتهم رسل الإنس , قاله ابن جريج , والفراء , والزجاج , ولا يكون الجمع في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنُكُمْ﴾ مانعاً من أن يكون الرسل من أحد الفريقين , كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما هو خارج من أحدهما. والثالث: أن رسل الجن هم الذين لمَّا سمعوا القرآن ﴿وَلَّواْ إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] , قاله ابن عباس. وفي دخولهم الجنة قولان: أحدهما: قاله الضحاك.

стр. 1015

والثاني: أن ثوابهم أن يجاروا من النار , ثم يُقَال لهم كونوا تراباً كالبهائم , حكاه سفيان عن ليث. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ينذرونكم خذلان بعضكم لبعض وتبرؤ بعضكم من بعض في يوم القيامة. والثاني: ينذرونكم ما تلقونه فيه من العذاب على الكفر , والعقاب على المعاصي. ﴿قالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إقرارهم على أنفسهم بأن الرسل قد أنذروهم. والثاني: شهادة بعضهم على بعض بإنذار الرسل لهم. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان:

стр. 1016

أحدهما: وغرتهم زينة الحياة الدنيا. والثاني: وغرتهم الرياسة في الدنيا. ويحتمل ثالثاً: وغرتهم حياتهم في الدنيا حين أمهلوا. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم﴾ وفي هذه الشهادة أيضاً الوجهان المحتملان إلا أن تلك شهادة بالإنذار وهذا بالكفر.

стр. 1017

﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كان ربك مهلك القرى بظلم منه ولكن بحق استوجبوا به الهلكة , وهو معنى قول مقاتل. والثاني: وما كان ربك مهلك القرى بظلم أهلها حتى يقدم إنذارهم ويرفع أعذارهم ويخرجوا من حكم الغافلين فيما ينزل بهم , وهو معنى قول مجاهد. قوله : ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ معناه ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته درجات , يعني منازل , وإنما سُمِّيت درجات لتفاضلها كتفاضل الدَرَجِ في الارتفاع والانحطاط. وفيها وجهان: أحدهما: أن المقصود بها الأعمال المتفاضلة. والثاني: أن المقصور بها الجزاء المتفاضل. ويحتمل هذا التفضيل بالدرجات على أهل الجنة , وأهل النار , لأن أهل النار يَتفاضلون في العقاب بحسب تفاضلهم في السيئات , كما يتفاضل أهل الجنة في الثواب لتفاضلهم في الحسنات , لكن قد يعبر عن تفاضل أهل الجنة بالدَرَج , وعن تفاضل أهل النار بالدرك , فإذا جمع بينهما بالتفاضل عبر عن تفاضلهما بالدرج تغليباً لصفة أهل الجنة.

стр. 1018

﴿وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ قوله : ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُم﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: على طريقتكم. والثاني: على حالتكم.

стр. 1019

والثالث: على ناحيتكم , قاله ابن عباس , والحسن. والرابع: على تمكنكم , قاله الزجاج. والخامس: على منازلكم , قاله الكلبي. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ يعني أنذركم من جزاء المطيع بالثواب , والعاصي بالعقاب. ﴿فَسَوفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونَ لَهُ عاقِبَةٌ الدَّارِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعلمون ثواب الآخرة بالإيمان , وعقابها بالكفر ترغيباً منه في ثوابه وتحذيراُ من عقابه. والثاني: تعلمون نصر الله في الدنيا لأوليائه , وخذلانه لأعدائه , قاله ابن بحر.

стр. 1020

﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون﴾ قوله : ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾. . ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ مما خلق , مأخوذ من الظهور , ومنه قيل ملح ذُرْ أي لبياضه , وقيل لظهور الشيب ذُرْأَة , والحرث: الزرع , والأنعام: الإبل والبقر والغنم , مأخوذ من نعمة الوطء. وهذا إخبار منه عن كفار قريش ومن تابعهم من مشركي العرب , كانوا يجعلون لله في زروعهم ومواشيهم نصيباً , ولأوثانهم وأصنامهم نصيباً , فجعل الله أوثانهم شركاءهم؛ لأنهم قد أشركوهم في أموالهم بالنصيب الذي قد جعلوه فيها لهم , ونصيبهم في الزرع جزء منها يجعلونه مصروفاً في النفقة عليها وعلى خدامها. وفي نصيبهم من الأنعام ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كنصيبهم من الزرع مصروف في النفقة عليها وعلى خدامها. والثاني: أنه قربان لأوثانهم كانوا يتقربون به إليها.
следующие страницы →