Полный текст (4 439 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا
стр. 107
هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ قوله : ﴿وَقُلْنَا يا آدَمَ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم , ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج. وسُمِّيت امرأةً لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ , فأما تسميتها حواء , ففيه قولان: أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ , وهذا قول ابن عباسٍ , وابن مسعود. والثاني: أنها سميت بذلك , لأنها أم كل حيٍّ. واختُلِف في الوقت الذي خلقت فيه حواءُ على قولين: أحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ , فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة , وهذا قول ابن عباسٍ , وابن مسعود. والثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة , ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ , لقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ , وهذا قول أبي إسحاق. واختلف في الجَنَّةِ التي أُسْكِنَاهَا على قولين: أحدهما: أنها جنةُ الخُلد. والثاني: أنها جنةٌ أعدها الله لهما , والله أعلم. قوله : ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. في الرغدِ ثلاثةُ تأويلاتٍ:
стр. 108
أحدها: أنه العيش الهني , وهذا قول ابن عباس وابن مسعود , ومنه قول امرئ القيس:
(بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمِنُ الأحْدَاثَ في عَيْشٍ رَغَدْ)
والثاني: أنه العيش الواسع , وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه , وهو قول مجاهد. قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها , على أربعةِ أقاويل: أحدها: أنها البُرُّ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها الكَرْمُ , وهذا قول السُّدِّيِّ , وجعدة بن هبيرة. والثالث: أنها التِّين , وهذا قول ابن جريجٍ , ويحكيه عن بعض الصحابة. والرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. وفي قوله تعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قولان: أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما. والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما. واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة , على أي وجهٍ وقعت منه , على أربعة أقاويل: أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وزعم صاحب هذا القول , أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم , فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً.
стр. 109
والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ , وإن كان غير قاصدٍ له , كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً , وهو قول سعيد بن المسيب. والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي , وتأول قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ , ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ. والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل , فصار عاصياً بإغفال الدليل , لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر , ولقوله تعالى في إبليس: ﴿فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل. واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل , على ثلاثةِ أقاويلَ: أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم. والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها , وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ. والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قوله : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قرأ حمزة وحده: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ بمعنى نحَّاهُما من قولك: زُلْتُ عن المكان , إذا تنحَّيْتَ عنه , وقرأ الباقون: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ بالتشديد بمعنى استزلَّهما من الزلل , وهو الخطأ , سمي زلَلاً لأنه زوال عن الحقَّ , وكذلك الزّلة زوال عن الحق , وأصله الزوال.
стр. 110
والشيطان الذي أزلهما هو إبليس. واختلف المفسرون , هل خلص إليهما حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فقال عبد الله بن عباس , ووهب بن منبه , وأكثر المفسرين أنه خلص إليهما , واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وقال محمد بن إسحاق: لم يخلص إليهما , وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما , ووسوس لهما من غير مشاهدة , لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] , والأول أظهر وأشهر. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعني إبليس , سبب خروجهما , لأنه دعاهما إلى ما أوجب خروجهما. قوله : ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. الهُبوط بضم الهاء النزول , وبفتحها موضع النزول , وقال المفضل: الهبوط الخروج من البلدة , وهو أيضاً دُخولها , فهو من الأضداد , وإذا كان الهبوط في الأصل هو النزول , كان الدخُول إلى البلدة لسكناها نزولاً بها , فصار هُبوطاً. واختلفوا في المأمور بالهبوط , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه آدم , وحواء , وإبليس , والحيَّةُ , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه آدم وذريته , وإبليس وذريته , وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه آدم , وحواء , والمُوَسْوِسُ. والعدو اسم يستعمل في الواحد , والاثنين , والجمع , والمذكر ,
стр. 111
والمؤنث , والعداوة مأخوذة من المجاوزة من قولك: لا يَعْدوَنَّكَ هذا الأمْرُ , أيْ لا يُجاوِزَنَّكَ , وعداهُ كذا , أي جازوه , فَسُمِّيَ عَدُوّاً لمجاوزةِ الحدِّ في مكروه صاحبه , ومنه العَدْوُ بالقَدَم لمجاوزة المشْيِ , وهذا إخبار لهم بالعداوة وتحذير لهم , وليس بأمر , لأن الله تعالى لا يأمر بالعداوة. واخْتُلِفَ في الَّذينَ قِيلَ لهم: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عدُوٌّ﴾ , على قولين: أحدهما: أنهم الذين قيل هلم اهبطوا , على ما ذكرنا من اختلاف المفسرين فيه. والثاني: أنهم بنو آدم , وبنو إبليس , وهذا قول الحسن البصري. قوله : ﴿وَلَكُمْ في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن المستقر من الأرض موضع مقامهم عليها , لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً﴾ [غافر: ٦٤] , وهذا قول أبي العالية. والثاني: أنه موضع قبورهم منها , وهذا قول السُّدِّيِّ. قوله : ﴿وَمَتَاعٌ إلى حينٍ﴾: والمتاع كل ما اسْتُمْتِعَ به من المنافع , ومنه سُمِّيَتْ متعة النكاح , ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] , أي ادفعوا إليْهِنَّ ما ينتفعْنَ به , قال الشاعر:
(وَكُلُّ غَضَارَةٍ لَكَ من حَبِيب ... لها بِكَ , أو لَهَوْتَ بِهِ , مَتَاعُ)
والحين: الوقت البعيد , ف (حِينئِذٍ) تبعيد قولِكَ: (الآن) , وفي المراد بالحين في هذا الموضع ثلاثة أقاويل: أحدها: إلى الموت , وهو قول ابن عباس والسُّدِّيِّ. والثاني: إلى قيام الساعة , وهو قول مجاهد. والثالث: إلى أجلٍ , وهو قول الربيع.
стр. 112
﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم
стр. 113
يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَاتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾: أما (الكلام) فمأخوذ من التأثير , لأن له تأثيراً في النفس بما يدلُّ عليه من المعاني؛ ولذلك سُمِّيَ الجُرْحُ كَلْماً لتَأْثِيره في البدن , واللفظُ مشتق من قولك: لفظت الشيء , إذا أخْرجْتَهُ من قلبك. واختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على ثلاثة أقاويل: أحدها: قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وهذا قول الحسن , وقتادة , وابن زيد. والثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت , سبحانك وبحمدك , ربِّ إني ظلمت نفسي , فاغفر لي , إنك خير الغافرين , اللهم لا إله إلا أنت , سبحانك وبحمدك , إنِّي ظلمت نفسي , فتُب عليَّ , إِنَّك أنت التوابُ الرحيم , وهذا قول مجاهد. والثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ , وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه , وهذا قول ابن عباسٍ. قوله : ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ , أي قبل توبته , والتوبةُ الرجوع , فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه , والإقلاع عنه , وهي من الله تعالى على عبده , رجوع له إلى ما كان عليه.
стр. 114
فإن قيل: فِلمَ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ , ولم يقُلْ: فتابَ علَيْهِما , والتوبة قد توجهت إليهما؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: لما ذكر آدم وحده بقوله: ﴿فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ , ذكر بعده قبول توبته , ولم يذكر توبة حوَّاء وإن كانت مقبولة التوبة , لأنه لم يتقدم ذكرها. والثاني: أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً , جاز أن يذكرَ أحدهما , ويكونَ المعنى لهما , كما قال تعالى: ﴿وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وكما قال : ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ , أي الكثيرُ القبولِ للتوبةِ , وعقَّبه بالرحمة , لئلا يخلِّيَ الله تعالى عباده من نِعَمِهِ. وقال الحسن: لم يخلق الله تعالى آدم إلا للأرض , فلو لم يعص لخرج على غير تلك الحال , وقال غيره: يجوز أن يكون خَلَقَهُ للأرض إن عَصَى , ولغيرها إن لم يعصِ. ولم يُخْرجِ اللهُ تعالى آدمَ من الجنة ويُهْبِطهُ على الأرض عقوبةً , لأمرين: أحدهما: أن ذنبه كان صغيراً. والثاني: أنه أُهْبِطَ بعد قبول توبته. وإنما أُهْبِطَ لأحد أمرين: إِمَّا تأديباً , وإمَّا تغليظاً للمحنة.
стр. 115
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون﴾ قوله : ﴿يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُا نعمتي الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. وإسرائيل هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيمَ , قال ابنُ عباس: (إسرا) بالعبرانية: عبد , و (إيل) هو الله , فكان اسمه عبدَ الله.
стр. 116
وقوله: ﴿اذْكُروا نِعْمَتِيَ﴾ والذكر اسم مشترك , فالذكر بالقلب ضد النسيان , والذكر باللسان ضد الإنصات , والذكر الشرف , وقال الكسائي: ما كان بالقلب فهو مضموم الذال , وقال غيره: هو لغتان: ذِكر وذُكر , ومعناهما واحد. والمراد بالآية الذكر بالقلب , وتقديره: لا تغفلوا عن نعمتي , التي أنعَمْتُ عليكم ولا تَنَاسَوْها. وفي النعمة التي أنعمها عليهم قولان: أحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ , كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. والثاني: وهو قول الحسن البصري , أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم , إذ نجَّاهم من آل فرعون , وجعل منهم الأنبياء , وأنزل عليهم الكتب , وفجَّر لهم الحَجَرَ , وأنزل عليهم المنَّ والسلوى , والنعم على الآباء , نعم على الأبناء , لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قولان: أحدهما: أوفوا بعهدي الذي أخذتُ عليكم من الميثاق , أن تؤمنوا بي وتصدقوا رُسُلي , أُوفِ بعهدكم على ما وعدتكم من الجنة. والثاني: قاله عبد الله بن عباس: أَوْفُوا بما أَمَرْتُكم , أُوفِ بما وَعَدْتُكم إِيَّاهُ. وفي تسمية ذلك عهداً قولان: أحدهما: لأنه عَهْدُهُ في الكتب السالفةِ. والثاني: أنه جعله كالعهد , الذي هو يمين لِلُزُوم الوفاءِ بهما معاً. قوله : ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ يعني من القرآن على محمد ﷺ , ﴿مُصَدٍِّقاً لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني من التوراة , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مصدقاً لما في التوراة , من توحيد الله وطاعته. والثاني: مصدقاً لما في التوراة , أنها من عند الله. والثالث: مصدقاً لما في التوراة من ذكر القرآن , وبَعْثِهِ مُحمداً ﷺ نبيّاً.
стр. 117
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أُوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: ولا تكونوا أول كافرٍ بالقرآن من أهل الكتاب , وهو قول ابن جريجٍ. والثاني: ولا تكونوا أول كافر بمحمدٍ ﷺ , وهذا قول أبي العالية. والثالث: ولا تكونوا أول كافرٍ بما في التوراة والإنجيل من ذكر محمدٍ وتصديقِ القرآن. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: لا تأخذوا عليه أجراً , وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: (يا ابن آدم علِّم مجَّاناً كما عُلِّمْتَ مجَّاناً) , وهذا قول أبي العالية. والثاني: لا تأخذوا على تغييره وتبديله ثمناً , وهذا قول الحسن البصري. والثالث: لا تأخذوا ثمناً قليلاً على كتم ما فيه من ذكر محمدٍ ﷺ , وتصديق القرآن , وهذا قول السدي.
стр. 118
﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ قوله : ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل﴾ بعني لا تخلطوا الْحَقَّ بالباطلِ , واللبس خلط الأمور , وفيه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] قال ابن عباسٍ: معناه: ولخلطنا عليهم ما كانوا يخلطون , ومنه قول العجاج:
(لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ واسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي)
وفي قوله: ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الصدق , وهو قول ابن عباس. والثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام , وهو قول مجاهد. والثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى , والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم.
стр. 119
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني محمداً , ومعرفة نبوَّته , ﴿وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه في الكتب التي بأيديكم , وهذا قول الجميع. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أما الصلاة: فقد مضى الكلام فيها. وأما الزكاة: ففي تسمية صدقة الأموال بها , قولان: أحدهما: أنه من تثمير المال وزيادته , ومنه قولهم: زَكا الزرع , إذا زاد , ويقال: زكا الفرد إذا صار زوجاً بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعاً كما قال الشاعِرُ:
(كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِج)
فخساً: الوِتر , وزكاً: الشفع , وقال الراجز:
(فَلَا خَساً عَدِيدُهُ وَلَا زَكاً ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا)
السَّفَا: شوك البهمي , والبهمي: الشوك الممدود مثل السبلى. والقول الثاني: أنَّها مأخوذة من التطهير , ومنه قوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفَساً زَاكِيَةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي طاهرة من الذنوب. وفيما يُطهَّر قولان: أحدهما: أنه تطهير المال حتى صار بأداء الحقِّ منه حلالاً ولولاه لخَبُثَ. الثاني: تطهير نفس المزكي , فكأن المزكي طهَّر نفسه من الشُحِّ والبخل. قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أراد جملة الصلاة , فعبر عنها بالركوع , كما يقول الإنسان: فَرَعْتُ من ركوعي , أي من صلاتي. والثاني: أنه أراد الركوع الذي في الصلاة , لأنه لم يكن في صلاة أهل
стр. 120
الكتاب ركوعٌ , فأَمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم. وفي أصل الركوع قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء , وهو قول الخليل , وابن زيدٍ , قال لبيد بنُ ربيعة:
(أخبّر أخبار القرون التي مضت ... أدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ)
والثاني: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع , وهو قول الأصمعي والمفضل , قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ:
(لَا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ)
стр. 121
﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله , وهم يَعْصُونَهُ , وهو قولُ السدي , وقتادة , لأنه قد يعبر بالبر عن الطاعة , قال الشاعِرُ:
(لَاهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا ... يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا)
أي يُطِيعونك. والثاني: أنهم كانوا يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ ﷺ , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنهم كانوا يأمرون بالصدقة ويضنون بها.
стр. 122
﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ قوله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾:
стр. 123
أما الصبر: فهو حبس النفس عما تُنازع إليه , ومنه صبر صاحب المصيبة , أن يحبس نفسه عن الجزع , وسُمِّي الصوم صبراً لحبس النفس عن الطعام والشراب , ولذلك سُمِّي شهرُ رمضانَ شهر الصبرِ , وجاء في الحديث: (اقْتُلُوا الْقَاتِلَ , وَاصْبِرُوا الصَّابِرَ) وذلك فيمن أمسك رجلاً حتى قتله آخر , فأمر بقتل القاتل , وحبس الممسك. وفي الصبر المأمور به , قولان: أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته , والكف عن معصيته. والثاني: أنه الصوم , وقد كان النبيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام , ورُويَ أنه رأى سلمان منبطحاً على وجهه , فقال له: أشكو من بردٍ. قال: (قم فصلِّ الصلاة تُشْفَ). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ على الْخَاشِعِينَ﴾ ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني: وإن الصلاة لثقيلة إلا على المؤمنين , لعود الكناية إلى مؤنثِ اللفظِ.
стр. 124
والثاني: يعني الصبر والصلاة , فأرادهما , وإن عادت الكناية إلى الصلاة؛ لأنها أقرب مذكور , كما قال الشاعِرُ:
(فَمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ)
والثالث: وإن إجابة محمد ﷺ لشديدة إلا على الخاشعين. والخشوع في الله: التواضع , ونظيره الخضوع , وقيل: إن الخضوع في البدن , والخشوعَ في الصوت , والبصر. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو ربِّهِمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم , لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم. والثاني: وهو قول الجمهور: أن الظن ها هنا اليقين , فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم , وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّي مُلَاقٍ حسَابِيَهْ﴾ أي تيقَّنت , قال أبو داود:
(رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ ... وَغُيوبٍ كَشَفْتَهَا بِظُنُونِ)
)
﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد بالرجوع الموت. والثاني: أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة , وهو قول أبي العالية. والثالث: راجعون إليه , أي لا يملك أحد لهم ضرّاً ولا نفعاً غيره كما كانوا في بدءِ الخلق.
стр. 125
﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ فيه تأويلان:
стр. 126
أحدهما: معناه: لا تُغنِي , كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني , وهو قول السدي. والثاني: معناه لا تقضي , ومنه قولهم جزى الله فلاناً عني خيراً , أي قضاه , وهو قول المفضل. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قال الحسن: معناه لا يجِيءُ بشفيعٍ تقبل شفاعته لعجزه عنه , وقال غيره: بل معناه , أن الشفيع لا يجيبه إلى الشفاعة له , وأنَّه لو شُفِّعَ لشَفَعَ. قوله : ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: العَدْلُ بفتح العَيْنِ: الفِدْيَةُ , وبكسرِ العَيْنِ: المِثلُ. فأما قولهم: لا قَبل الله منه صرفاً , ولا عدلاً , ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الصرف العمل , والعدل الفدية , وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أن الصرف الدية , والعدل رجل مكانه , وهذا قول الكلبي. والثالث: أن الصرف التطوع , والعدل الفريضة , وهذا قول الأصمعي. والرابع: أن الصرف الحِيلَةُ , والعدل الفدْية , وهذا قول أبي عبيدة.
стр. 127
﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ قوله : ﴿وَإِذْ نَجَّيناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني من قوم فرعون , وآل الرَّجُلِ: هم الَّذين تؤول أمورهم إليه , إما في نسب , أو في صحبة , وَاختُلِف في الآل والأهل على قولين: أحدهما: أنهما سواء. والثاني: وهو قول الكسائي: أنه يقال: آل الرجل , إذا ذكر اسمهُ , فإن
стр. 128
كُنَيَ عنه قيل أهله , ولم يُقَلْ آله , كما يقال: أهل العلم , وأهل البصرة , ولا يقال: آل العلم , وآل البصرة. وفِرْعَوْنُ: قيل إنه ذلك الرجل بعينه , وقيل إنه اسمُ كلِّ ملكٍ من ملوك العمالقة , مثل قيصر للروم , وكسرى للفرس , وأن اسْمَ فِرْعَوْنِ مَوسَى: الوليدُ بنُ مُصْعَبٍ. وفي قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: معناه يولونكم , مِنْ قولهم: سَامَهُ خطة خَسْفٍ , إذا أولاه. والثاني: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. والثالث: يزيدونكم على سوء العذاب , ومنه مساومة البيع , إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ , ويزيد المشتري على ثمنٍ , وهذا قول المفضل. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي يستبقون , وهو استفعال من الحياة , لأنهم كانوا يُذَبِّحُونَ الذكور , ويستبقون الإناث. وأما اسم النساء , فقد قيل: إنه ينطلق على الصغار , والكبار , وقيل: بل ينطلق على الكبار , وإنما سَمَّي الصغار نساءً , على معنى أنهُنَّ يبقِين , حتَّى يصِرْنَ نساءً. وإنما كان استبقاءُ النساء من سوء العذاب , لأنهم كانوا يستبقونهن للاسترقاق والخدمة , فصار ذلك هو سُوءَ العذاب , لا الاستبقاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ تأويلان: أحدهما: أن فيما كانوا يفعلونه بهم: مِنْ سوء العذاب , وذبح الأبناء , واستحياء النساءِ شدةً وجهداً عظيماً. والثاني: أن في إنجائهم من آل فرعونَ , الذين كانوا يفعلون ذلك بهم نعمةٌ من ربِّهم عظيمةٌ , وهو قول ابن عباسٍ , ومجاهدٍ , والسدي. وأصل البلاء الاختبار في الخير والشر , كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] لأن الاختبار قد يكون بالخير كما
стр. 129
يكون بالشر , غير أن الأكثر في الشر أن يقال: بَلَوْتُه أَبْلُوهُ بلاءً , وفي الخير: أَبْلَيْتُهُ أُبْلِيهِ إبْلاءً , ومن ذلك قولُ زُهَيْرٍ:
(جَزَى اللهُ بِالإْحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ ... فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلاءِ الَّذِي يَبْلُو)
فجمع بين اللُّغَتين. قوله : ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر , لأن الفرْقَ: الفصل بين الشيئين , فَفَرَقَ البحر اثني عشر طريقاً , وكان عددهم ستمائة ألفٍ وعشرين ألفاً , لا يُعَدُّ فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره , وكان على مقدمة فرعونَ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ , وسبعمائة حصانٍ , وذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ , ٥٤] وهذا قول السدي. والثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر , أي ميزنا , فأصل الفرق التمييز بين الشيئين , والفِرْقَةُ من الناس: الطائفة المتميزة من غيرهم. والبحر سُمِّيَ بحراً لسعته وانبساطه , ومنه قولهم: تبحَّر في العلم , إذا اتَّسع فيه , والبَحِيرَةُ: الناقةُ تُشَقُّ أُذُنُها شَقّاً واسعاً. قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فحذف ذِكْرَ فرْعَوْنَ وإن غَرِقَ معهم , لأنه قد عُلِمَ دخوله فيهم. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني إلى فَرْقِ البحر , حتى سلكوا فيه , وانطباقه على آل فرعون , حتى غرقوا فيه.
стр. 130
﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ قوله تعالى: ﴿وّإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾:
стр. 131
أما مُوسَى , فاسم يَجْمَعُ بين كلمتين بالقبطية وهما: ماء وشجر , ف: مُوهو الماء , و (سا) هو الشجر , وإنما سُمِّيَ بهذا الاسم الجامع لهاتين الكلمتين , لما ذكره السدي من أنَّ أمه لما خافت عليه جعلته في التابوت , وألقته في اليم , كما أُوحِيَ إليها , فألقاه بين أشجار عند بيت فرعون , فخرجت حَواريُّ آسيةَ امرأةِ فرعون يغتسلن , فوجدنه , فسُمِّيَ باسم المكان. قال ابن إسحاق: وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهر بنِ فاهت بنِ لاوى بن يعقوب (إسرائيل) بنِ إسحاق بنِ إبراهيم. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال ابنُ الكلبي: لما جاوز موسى ببني إسرائيل البحر , قال له بنو إسرائيل: أليس وعدتنا أن تأتينا بكتابٍ من الله تعالى؟ فوعده الله أربعين ليلة , ووعدها بني إسرائيل , قال أبو العالية: هي ذو القِعْدةِ وعَشْرٌ من ذي الحِجَّة , ثم اقتصر على ذكر الليالي دون الأيام , وإن كانت الأيام تبعاً معها , لأن أوَّلَ الشهورِ الليالي , فصارت الأيامُ لها تبعاً. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يعني اتخذتموه إلهاً من بعد خروج موسى إلى الميقات , واستخلافِهِ هارونَ عليهم. وسببُ ذلك فيما ذكر ابن عباسٍ , أنَّ السامِرِيَّ كان من قومٍ يعبدون البقر , فكان حبُّ ذلك في نفسه بعْدَ إظهاره الإسلام , وكان قد عَرَفَ جبريل لأن أمه حين خافت عليه أن يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غار , وأطبقت عليه , وكان جبريل يأتيه , فيغذوه بأصابعه , فلمَّا رآه حين عبر البحر عرفه , فقبض قبضةً من أثر فرسه , وكان ابن مسعودٍ يقرأ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ﴾ ولم تزل القبضة في يده , حتى فصل موسى إلى ربه , وخلَّف هارون في بني إسرائيل , فقال لهم هارون: قد تحمَّلْتُمْ أوزاراً من زينة القوم , يعني أمتعةً وحُلِيَاً , فَتَطهَّرُوا منها فإنها نَجَسٌ , فأوقد لهم ناراً , وأمرهم بقذف ما كان معهم ففعلوا , فأقبل السامِرِيُّ إلى النار وقال: يا نبيَّ الله أُلْقِي ما في يدي؟ قال: نعم , وهو يظن أنَّهُ حُلِيٌّ , فقذفه , وقال: كن عجلاً جسداً له خوار. واختلفوا: هل صار حيواناً لحماً ودماً أم لا؟
стр. 132
فقال الحسن: انقلب حيواناً لحماً ودماً , وقال غيره لا يجوز لأن ذلك من آيات الله التي لا يُظْهِرُها إلَاّ لمعجزَةِ نبيٍّ , وإنما جعل فيه خروقاً تَدْخُلُها الرِّيحُ , فَيَحْدُثُ فيهِ صوتٌ كالخوار. ودافع من تابع الحسن على قوله هذا , بوجهين: أحدهما: أنه لما قال: هذا إلهكم وإلهُ موسى , فقد أبطل على نفسه أن يدَّعِيَ بذلك إعجاز الأنبياء , فجاز أن يصح ذلك منه امتحاناً. والثاني: أن ذلك لا يجوز في غير زمان الأنبياء , ويجوز في زمان الأنبياء , لأنهم يُظهِرُون إبطاله , وقد كان ذلك في زمان نبيَّيْنِ. واختلفوا في تسميته عجلاً: فقال أبو العالية: لأنهم عَجِلُوا , فاتخذوه إلهاً , قبل أن يأتيهم موسى , وقال غيره: بل سُمِّيَ بذلك , لأنه صار عجلاً جسداً له خُوَارٌ. ثُمَّ إنهم عكفوا على العجل يعبدونه , فقال لهم هارون من قبل: يا قومِ إنما فتنتم به , وإن ربكم الرحمن , فاتبعوني , وأطيعوا أمري , قالوا: لن نبرح عليه عاكفين , حتى يرجع إلينا موسى. قوله : ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [طه: ٩٠؛ ٩١]: أما (إذ) فاسم للوقت الماضي , و (إذا) اسم للوقت المستقبل , و (الكتاب) هو التوراة. وفي الفرقان أربعةُ أقاويلَ: أحدها: أن الفُرْقان هو الكتاب فذكره باسمين تأكيداً , وهو قول الفراء. والثاني: أن الفُرْقَانَ: ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ , فيكون ذلك نعتاً للتوراة , وهذا قول ابن عباس وأبي العالية. والثالث: أن الفرقان النصر , الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون , حتى أنجى موسى وقومَهُ , وأغرق فرعون وقومهُ , وهذا قول أبي زيدٍ.
стр. 133
والرابع: أن الفرقان: انفراق البحر لِبَنِي إسرائيلَ , حتى عبروا فيه.
стр. 134
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ قوله : ﴿فَتُوبُوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ يعني: فارجعوا إلى طاعة خالقكم , والبارئ الخالق , والبريَّة الخلق , وهي فعيلة , بمعنى مفعولة , غير أنها لا تهمز. واختلفوا في هذه التسمية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها مأخوذة من برأ اللهُ الخلْق , يبرَؤُهُم برءاً. والثاني: أنها فعلية من البرء , وهو التراب. والثالث: أنها مأخوذة من برئ الشيء من الشيء , وهو انفصاله عنه , ومنه البراءة من الدين لانفصاله عنه , وأبرأه الله من المرض , إذا أزاله عنه. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه: ليقتل بعضكم بعضاً , وهذا قول ابن عباس , وسعيد بن جبيرٍ , ومجاهد. والثاني: استسلموا للقتل , وجعل ذلك بمنزلة القتل , وهذا قول أبي إسحاق. وأصل القتل: إماتةُ الحركة , ومنه: قتلت الخمر بالماء , إذا مَزَجتها , لأنك أمتَّ حركتها , وإنما جُعل القتل توبة , لأن من كفَّ عن الإنكار لعبادة العجل , إنما كف خوفاً من القتال والقتل , فجُعِلَت توبتهم بالقتل , الذي خافوه , هكذا قال ابن جريج. قال ابن عباسٍ: احْتَبَى الَّذِين عكفوا على العجل فجلسوا , وقام الذين لم يعكُفُوا عليه , وأخذوا الخناجر , وأصابتهم ظلمة فجعل بعضهم يقتل بعضاً , حتى
стр. 135
انجلت الظلمة من سبعين ألفَ قتيلٍ في ساعة من نهار , وكانوا ينادون في تلك الحال: رحم الله عبداً صبر حتى يبلغ الله رضاه , فحزِن موسى وبنو إسرائيل لذلك القتل , فأوحى الله إلى موسى: لا تحزن , أَمَّا من قُتِل منكم فأحياء عندي يرزقون , وأَمًّا من بقِيَ فقد قُبِلَتْ توبته , فَبَشَّرَ بذلك بني إسرائيل.
стр. 136
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ قوله : ﴿ ... حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: علانية , وهو قول ابن عباس. والثاني: عياناً , وهو قول قتادة. وأصل الجهر الظهور , ومنه الجهر بالقراءة , إنما هو إظهارها , والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرة بها. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني الموت , ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ما نزل بكم من الموت. قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ يعني الذين ماتوا بالصاعقة , وهم السبعون الذين اختارهم موسى ليستمعوا مناجاة ربَّه له بعد أن تاب على من عبد العجل. وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء , وهذا قول السُّدِّيِّ. وأصل البعث الإرسال , وقيل: بل أصله: إثارة الشيء من محلِّه.
стр. 137
﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما
стр. 138
رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ قوله : ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: والغمام: هو ما غَمَّ السماء , فغطَّاها من سحاب وقتام , وكلُّ مُغَطٍّ فهُو غمام , ومنه: غُمَّ الهلال , أي غطاه الغَيْمُ. وفي الغمام الذي ظلله الله عليهم تأويلان: أحدهما: أنه السحابة , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه الذي أتى الملائكة في يوم بدر , مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ منَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وهذا قول مجاهد. قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ والسَّلْوَى﴾ فيه سبعة أقاويل: أحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس , وهو قول ابن عباس. والثاني: أن المنَّ صمغة , وهو قول مجاهد. والثالث: أن المنَّ شرابٌ , كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء , وهو قول الربيع بن أنس. والرابع: أن المنَّ عسل , كان ينزل عليهم , وهو قول ابن زيدٍ. والخامس: أن المن الخبز الرقاق , هو قول وهب. والسادس: أنه الزنجبيل , وهو قول السدي. والسابع: أنه الترنجين. وفي السلوى قولان: أحدهما: أنه السماني. والثاني: أنه طائر يشبه السماني كانت تحشره عليهم الريح الجنوب , وهذا قول ابن عباس , واشتقاقه من السلو , كأنَّه مُسَلِّي عن غيره. قال ابن جريج: كان الرجل منهم إن أخذ من المنِّ والسلوى زيادة على طعام يوم واحدٍ فسد , إلا يومَ الجمعة , فإنهم كانوا إذا أخذوا طعامَ يومَيْنِ لم يفسد. وفي قوله : ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثلاثة تأويلاتٍ:
стр. 139
أحدها: الشَّهيَّات اللذيذة. والثاني: أنه الحلال. والثالث: أنها المباح.
стр. 140
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ قولُهُ : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: اختلفوا فيها على ثلاثةِ أقاويلَ: أحدها: أنها بيت المقدس , وهو قول قتادة , والربيع بن أنس. والثاني: أنها قريةٌ ببيت المقدس , وهو قول السدي. والثالث: أنها (أريحا) قرب بيت المقدس , وهو قول ابن زيد. قوله : ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾. اختلفوا في الباب على قولين: أحدهما: أنه باب حِطَّةَ وهو الباب الثامن ببيت المقدس , وهذا قول مجاهد , والسُّدِّيِّ. والثاني: أنه باب القرية , التي أمروا بدخولها. وفي قوله: ﴿سُجَّداً﴾ تأويلان: أحدهما: يعني: رُكَّعاً , وهذا قول ابن عباس. والثاني: معناه: خاضعين متواضعين. وأصل السجود الانحناء تعظيماً لمن يُسجَد له , وخضوعاً , ومنه قول الشاعر:
стр. 141
(بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ)
وقال أعشى قيس:
(يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَي ... كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً)
وفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أربعةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه قول: لا إله إلا الله , وهو قول عكرمة. والثاني: أن (حِطَّة) المغفرة , فكأنه أمر بالاستغفار , وهو رواية سعيد بن جبيرٍ , عن ابن عباسٍ. والثالث: هو قولهم: هذا الأمر حق كما قيل لكم , وهو رواية الضحاك , عن ابن عباسٍ. والرابع: معناه: حُطَّ عنا خطايانا , وهو قول الحسن , وقتادة , وابن زيدٍ , وهو أشبهُ بظاهر اللفظ. قوله : ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي نرحمْكم , ونسترها عليكم , فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. والخطأ: العدولُ عن القصد , يقال خَطِئ الشيءَ خَطَأً , إذا أصابه ولم يُرِدْهُ , وأَخْطَأَ يُخْطِئُ , إذا أراده ولم يُصِبْهُ , فالأول خاطئ والثاني مُخطِئ. وأصل المغفرة: التغطية والستر؛ ولذلك قيل للبيضة من الحديد: مِغْفَرٌ , لأنها تُغَطِّي الرأسَ وتُغَطِّي الرأسَ وتُجِنُّهُ , ومنه قول أوسِ بنِ حجر:
(وَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ مُخْطِئاً ... وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ جَاهِلاً)
стр. 142
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني أنهم بَدَّلوا ما أمِروا به من قول وفعل , فأُمِرُوا أن يدخُلُوا الباب سُجَّداً , فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم , وأن يقولوا: حِطَّةٌ , فقالوا: حنطة في شعير , مستهزئين بذلك. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً من السَّمَاءِ﴾: وفي الرجز ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العذاب , وهو قول ابن عباس وقتادة. والثاني: أنه الغضب , وهو قول أبي العالية. والثالث: أنه الطاعون , بعثه الله عليهم فأهلكهم , وبقي الأبناء , وهو قول ابن زيد.
стр. 143
﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ تقديره: وإذ استسقانا موسى لقومه , والاستسقاء: طلب السَّقْيِ , والعربُ تقول: سَقَيْتُهُ , وأسقيتُه , فقيل: إنهما لغتان ومعناهما واحد , وقيل بل سقيته من سَقْيِ الشَّفةِ , وأسْقَيْتُهُ: دللته على الماء. ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا﴾: وفي الكلام محذوف , وتقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. والانفجارُ: الانشقاق , والأنبجاسُ أضيق منه , لأنه يكون انبجاساً ثم يصير انفجاراً. والعين من الأسماء المشتركة: فالعين من الماء مُشَبَّهَةٌ بالعين من الحيوان , لخروج الماء منها , كخروج الدمع من عين الحيوان.
стр. 144
فأمر موسى عند استسقائه , أن يضرب بعصاه حجراً مُرَبَّعاً طُورِيّاً (من الطور) , فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً , من كل جانب ثلاثةُ أعينٍ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ يعني أن لكلِّ سبطٍ منهم عيناً , قد عرفها لا يشرب من غيرها , فإذا ارتحلوا انقطع ماؤه , وحُمِلَ في الجوالق , وكان بقدر الرأس. ﴿وَلَا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تطغوا , وهذا قول ابن زيد. والثاني: معناه لا تسعوا في الأرض مفسدين , وهو قول ابن عباس , وأبي العالية الرياحي. والعيثُ: شدة الفساد , ومنه قول رؤبة:
(وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ ... مُصَدِّقٌ أو فَاجِرٌ مُناكِثُ)
стр. 145
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ فيه ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه الحنطة , وهو قول ابن عباسٍ , وقتادة , والسدي , وأنشد ابن عباسٍ مَنْ سأله عن الفوم , وأنه الحُنْطة قَوْلَ أُحيحة بن الجُلاح:
(قَدْ كُنْتُ أَغْنَىَ النَّاسِ شَخْصاً وَاحِداً ... وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومٍ)
والثاني: أنَّه الخُبز , وهو قول مجاهد , وابن زيد , وعطاء.
следующие страницы →