Полный текст (4 439 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ)
وقال أعشى قيس:
(يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَي ... كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً)
وفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أربعةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه قول: لا إله إلا الله , وهو قول عكرمة. والثاني: أن (حِطَّة) المغفرة , فكأنه أمر بالاستغفار , وهو رواية سعيد بن جبيرٍ , عن ابن عباسٍ. والثالث: هو قولهم: هذا الأمر حق كما قيل لكم , وهو رواية الضحاك , عن ابن عباسٍ. والرابع: معناه: حُطَّ عنا خطايانا , وهو قول الحسن , وقتادة , وابن زيدٍ , وهو أشبهُ بظاهر اللفظ. قوله : ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي نرحمْكم , ونسترها عليكم , فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. والخطأ: العدولُ عن القصد , يقال خَطِئ الشيءَ خَطَأً , إذا أصابه ولم يُرِدْهُ , وأَخْطَأَ يُخْطِئُ , إذا أراده ولم يُصِبْهُ , فالأول خاطئ والثاني مُخطِئ. وأصل المغفرة: التغطية والستر؛ ولذلك قيل للبيضة من الحديد: مِغْفَرٌ , لأنها تُغَطِّي الرأسَ وتُغَطِّي الرأسَ وتُجِنُّهُ , ومنه قول أوسِ بنِ حجر:
(وَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ مُخْطِئاً ... وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ جَاهِلاً)
стр. 142
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني أنهم بَدَّلوا ما أمِروا به من قول وفعل , فأُمِرُوا أن يدخُلُوا الباب سُجَّداً , فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم , وأن يقولوا: حِطَّةٌ , فقالوا: حنطة في شعير , مستهزئين بذلك. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً من السَّمَاءِ﴾: وفي الرجز ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العذاب , وهو قول ابن عباس وقتادة. والثاني: أنه الغضب , وهو قول أبي العالية. والثالث: أنه الطاعون , بعثه الله عليهم فأهلكهم , وبقي الأبناء , وهو قول ابن زيد.
стр. 143
﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ تقديره: وإذ استسقانا موسى لقومه , والاستسقاء: طلب السَّقْيِ , والعربُ تقول: سَقَيْتُهُ , وأسقيتُه , فقيل: إنهما لغتان ومعناهما واحد , وقيل بل سقيته من سَقْيِ الشَّفةِ , وأسْقَيْتُهُ: دللته على الماء. ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا﴾: وفي الكلام محذوف , وتقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. والانفجارُ: الانشقاق , والأنبجاسُ أضيق منه , لأنه يكون انبجاساً ثم يصير انفجاراً. والعين من الأسماء المشتركة: فالعين من الماء مُشَبَّهَةٌ بالعين من الحيوان , لخروج الماء منها , كخروج الدمع من عين الحيوان.
стр. 144
فأمر موسى عند استسقائه , أن يضرب بعصاه حجراً مُرَبَّعاً طُورِيّاً (من الطور) , فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً , من كل جانب ثلاثةُ أعينٍ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ يعني أن لكلِّ سبطٍ منهم عيناً , قد عرفها لا يشرب من غيرها , فإذا ارتحلوا انقطع ماؤه , وحُمِلَ في الجوالق , وكان بقدر الرأس. ﴿وَلَا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تطغوا , وهذا قول ابن زيد. والثاني: معناه لا تسعوا في الأرض مفسدين , وهو قول ابن عباس , وأبي العالية الرياحي. والعيثُ: شدة الفساد , ومنه قول رؤبة:
(وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ ... مُصَدِّقٌ أو فَاجِرٌ مُناكِثُ)
стр. 145
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ فيه ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه الحنطة , وهو قول ابن عباسٍ , وقتادة , والسدي , وأنشد ابن عباسٍ مَنْ سأله عن الفوم , وأنه الحُنْطة قَوْلَ أُحيحة بن الجُلاح:
(قَدْ كُنْتُ أَغْنَىَ النَّاسِ شَخْصاً وَاحِداً ... وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومٍ)
والثاني: أنَّه الخُبز , وهو قول مجاهد , وابن زيد , وعطاء.
стр. 146
والثالث: أنه الثومُ بالثاء , وذلك صريح في قراءة ابن مسعود , وهو قول الربيع بن أنس والكسائي. قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْراً﴾: قرأ عامةُ القُرّاءِ بالتنوين , وقرأ بعضهم بغير تنوين , وهي كذلك , وقراءة ابن مسعود بغير ألف. وفي المصر الذي عناه قولان: أحدهما: أنه أراد أيَّ مِصْرٍ , أرادوا من غير تعيين؛ لأنَّ ما سألوا من البقل والقثَّاء والفوم , لا يكون إلا في الأمصار , وهذا قول قتادة , والسدي ومجاهد , وابن زيد. والثاني: أنه أراد مصر فرعون , الذي خرجوا منه , وهذا قول الحسن , وأبي العالية والربيع. واختلف في اشتقاق المِصْرِ , فمنهم من قال: إنه مشتق من القطع , لانقطاعه بالعمارة , ومنهم من قال: إنه مشتق من الفصل بينه وبين غيره , قال عدي بن زيد:
(وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لَا خَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلَا)
وفي قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تأويلان: أحدهما: أنَّه من الذِّلَّة والصغار. والثاني: أنَّه فَرَضَ الجِزْيَةَ عليهم , وهذا قول الحسن وقتادة. وفي (المسكنة) تأويلان: أحدهما: أنها الفاقة , وهو قول أبي العالية. والثاني: أنه الفقر , وهو قول السدي.
стр. 147
وفي قوله تعالى: ﴿وَباءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: وهو قول أبي العباس المَبِّرد: أن أصل ذلك: المنزلة , ومعناه أنهم نزلوا بمنزلة غضب الله , ورُوي: أن رجلاً جاء برجلٍ إلى النبيِّ ﷺ , فقال: هذا قاتل أخي , قال (فَهُوَ بَوَاءٌ بِهِ) أي أنه مقتول , فيصير في منزلته , وتقول ليلى الأخيليَّةُ:
(فَإِنْ يَكُنِ الْقَتْلَى بَوَاءً فَإِنَّكُمْ ... فَتىً مَا قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ)
والثاني: وهو قول أبي إسحاق الزجّاج: أن أصل ذلك التسوية , ومعناه: أنهم تساووا بغضب من الله , ومنه ما يروى عن عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيِّه ﷺ , فقسمها بينهم على بَوَاءٍ) , أي على سواء بينهم في القسم. والثالث: وهو قول الكسائي , أن معناه أنهم رجعوا بغضب من الله , قال: البواء: الرجوع , إلا أنه لا يكون رجوعاً إلا بشيء: إمَّا بشرٍّ , وإِمَّا بخيرٍ. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قولان: أحدهما: أن الله ؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء , لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره , وليس ذلك بخذلان لهم , كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته. والثاني: وهو قول الحسن , أن الله , ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ , وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء. و (الأنبياء) جمعُ (نبيٍّ) وقد جاء في جمع (نبيٍّ): (نُبَّاء) , قال العباس ابن مرداس السُّلمي , يمدح النبيَّ ﷺ :
стр. 148
(يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا)
وهو غير مهموز في قراءة الجمهور إلا نافعاً , فإنه قرأ الأنبياء , والنبيئين بالهمز. وفيما أُخذ منه اسمُ النبيِّ , ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مأخوذ من النبأ , وهو الخبر , لأنه يُنْبِئُ عن الله , أي يُخْبِرُ , ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦]. والثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق , قال القطامي:
(لَمَّا وَرَدْنَا نبِيَاً وَاسْتَتَبَّ لَنَا ... مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ)
فَسُمِّيَ رسُول الله ﷺ نبيّاً , لأنه الطريق إليه. والثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة.
стр. 149
﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدقوا بمحمدٍ ﷺ . ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود , وفي تسميتهم بذلك , ثلاثة أقاويل: أحدها: نُسِبُوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب , فقلبت العربُ الذال دالاً , لأن الأعجمية إذا عُرِّبت , غيرت من لفظها.
стр. 150
والثاني: أنه مأخوذ من قولهم: هَادَ القومُ يَهُودُون هَوْدَةً وهِيَادةً , إذا تابوا , قال زهير:
(سِوَى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخَافَةً ... وَلَا رَهَقاً مِنْ عَابِدٍ مُتَهَوِّدِ)
يعني من عابد تائب , فسموا يهوداً لتوبتهم من عبادة العجل. والثالث: أنهم سُمُّوا يهوداً , من أجل قولهم: إِنَّا هُدْنا إليك , وهذا قول ابن جُرَيج. و ﴿والنصارى﴾ , جمع وواحده (نصرانيٌّ) , وقيل: (نصران) بإسقاط الياء , وهذا قول سيبويه , وقال الخليل بن أحمد: واحده نصْرِي , والأول هو المستعمل. وفي تسميتهم بذلك , ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك , لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة) , كان ينزلها عيسى ﵇ , فَنُسِبَ إليها , فقيل: عيسى الناصري , ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى , وهذا قول ابن عباس , وقتادة. والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك , لنصرة بعضهم لبعضٍ , قال الشاعر:
(لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا)
٨٩ (كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا﴾ ٩
والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك , لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ﴾. ﴿والصابئين﴾ , جمع , واحده: صابئ , واخْتُلِفَ في همزِهِ , فهمزه الجمهور إلا نافعاً. واخْتُلِف في المأخوذ منه هذا الاسم , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مأخوذ من الطُّلُوعِ والظُّهُورٍ , من قولهم: صبأ نابُ البعير , إذا طلع , وهذا قول الخليل. والثاني: أن الصابِئ: الخارج من شيء إلى شيءٍ , فسُمِّي الصابئون بهذا
стр. 151
الاسم , لخروجهم من اليهودية والنصرانية , وهذا قول ابن زيدٍ. والثالث: أنه مأخوذ من قولهم: صبا يصبو , إذا مال إلى الشيء وأحبه , وهذا قول نافع؛ ولذلك لم يهمز. وَاخْتُلِفِ فيهم: فقال مجاهد , والحسن , وابن أبي نجيحٍ: الصابئون بين اليهود والمجوس , وقال قتادة: الصابئون قوم يعبدون الملائكة , ويصلون إلى القِبْلة , [ويقرأون الزبور ويصلون الخميس] وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب , وقال الخليل: هم قوم شبيه دينهم بدين النصارى , إلا أن قبلتهم نَحْوَ مهب الجنوب حيال منتصف النهار , يزعمون أنهم على دين نوح. وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قولان: أحدهما: أنها نزلت في سلمان الفارسيِّ وأصحابه النصارى الذين كان قد تنصَّر على أيديهم , قبل مبعث رسول الله ﷺ , وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث , وأنهم مؤمنون به إن أدركوه , وهذا قول السدي. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإْسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] , وهو قول ابن عباس. فإن قيل: فَلِمَ قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على التوحيد , ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ على الجمع؟ قيل: لأن اللفظ (مَنْ) لفظ الواحد , ومعناه الجمع , فمرةً يجمع على اللفظ , ومرةً يجمع على المعنى , قال الشاعر:
(أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا ... وَقُولَا: لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا)
стр. 152
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ قوله تعالى: ﴿ ... . وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وفي الطور ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اسم الجبل , الذي كلم الله عليه موسى , وأنزلت عليه التوراة دون غيره , وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس. والثاني: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة , دون ما لم ينبت , وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن الطور اسم لكل جبل , وهو قول مجاهد , وقتادة , إلا أن مجاهداً قال: هو اسم كل جبل بالسريانية , وقال قتادة: بل هو اسم عربي , قال العجاج:
(داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر)
قال مجاهد: رُفِعَ الجبل فوقهم كالظُّلة , فقيل: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم , فآمنوا. وفي قوله تعالى: ﴿خُذُواْ مَاءَآتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: أن القوة الجِدّ والاجتهاد , وهو قول ابن عباس , وقتادة والسدي. والثاني: يعني بطاعة الله تعالى , وهو قول أبي العالية , والربيع بن أنس. والثالث: أنه العمل بما فيه , وهو قول مجاهد.
стр. 153
﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ في السَّبْتِ﴾ وفي اعتدائهم في السبت قولان:
стр. 154
أحدهما: أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال , وهذا قول الحسن. والثاني: أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد , والسبت هو اليوم المعروف. وفي تسميته بذلك أربعة أقاويل: أحدها: أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به , وهذا قول الزجاج. والثاني: أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء , أي قطع وفرغ منه , وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه سُمِّي بذلك , لأن اليهود يَسْبِتُون فيه , أي يقطعون فيه الأعمال. والرابع: أن أصل السبت , الهدوء والسكون في راحة ودعة , ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده , كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا﴾. فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه. وفي قوله : ﴿ ... فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قولان: أحدهما: مُسِخُوا قردةً , فصاروا لأجل اعتدائهم في السبت في صورة القردة المخلوقين من قبل , في الأيام الستة. قال ابن عباس: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام , ولم يأكل ولم يشرب. والثاني: وهو قول مجاهد: أنهم لم يمسخوا قردة , وإنما هو مَثلَ ضربه الله لهم , كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً﴾ [الجمعة: ٥]. وفي قوله تعالى: ﴿خاسئين﴾ تأويلان: أحدهما: أن الخاسئ المُبْعَد المطرود , ومنه قولهم خسأت الكلب , إذا باعدته وطردته.
стр. 155
والثاني: أن معناه أذلاء صاغرون , وهذا قول مجاهد.
стр. 156
ورُوي عن ابن عباس: خاسئاً أي ذليلاً. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ وفي المجعول نكالاً , ستة أقاويل: أحدها: أنها العقوبة. والثاني: أنها الحيتان. والثالث: أنها القرية التي اعتدى أهلها. والرابع: أنهم الأمة الذين اعتدوا , وهم أهل أيلة. والخامس: أنهم الممسوخون قردة. والسادس: أنهم القردة الممسوخ على صورهم. وفي قوله تعالى: ﴿نَكَالاً﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: عقوبة , وهو قول ابن عباس. والثاني: عبرة ينكل بها من رآها. والثالث: أن النكال الاشتهار بالفضيحة. وفي قوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ خمسة تأويلات: أحدها: ما بين يديها وما خلفها من القرى , وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس. والثاني: ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم , وما خلفها , الذين كانوا معهم باقين , وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس. والثالث: ما بين يديها , يعني من دونها , وما خلفها , يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم , وهذا قول السدي. والرابع: لما بين يديها من ذنوب القوم , وما خلفها للحيتان التي أصابوها , وهذا قول قتادة. والخامس: ما بين يديها ما مضى من خطاياهم , وما خلفها: خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها , وهذا قول مجاهد.
стр. 157
﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنًَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وكان السبب في أمر موسى لقومه بذلك , ما ذكره المفسرون: أن رجلاً من بني إسرائيل كان غنياً , ولم يكن له ولد , وكان له قريب يرثه , فاستبطأ موته , فقتله سراً وألقاه في موضع الأسباط , وادعى قتله على أحدهم , فاحتكموا إلى موسى , فقال: من عنده من ذلك علم؟ فقالوا: أنت نبي الله , وأنت أعلم منا , فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة , فلما سمعوا ذلك وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ والهزء: اللعب والسخرية. قال الراجز:
(قَدْ هَزِئَتْ مَنِّيَ أُمُّ طَيْسَلَة ... قَالَتْ أَرَاهُ مُعْدِماً لَا شَيْءَ لَه)
﴿قَالَ: أعُوذُ بِاللهِ أنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء , جهل , فاستعاذ منه موسى , لأنها صفة تنتفي مع الأنبياء , وإنما أمر والله أعلم بذبح البقرة دون غيرها , لأنها من جنس ما عبدوه من العجل , ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه , وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته. والقبرة اسم للأنثى , والثور للذكر , مثل ناقة وجمل , وامرأة ورجل , فيكون تأنيثه بغير لفظه. واسم البقرة مأخوذ من الشق من قولهم بقر بطنه إذا شقه , لأنها تشق الأرض في الحرث.
стр. 158
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا
стр. 159
ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ قوله : ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ رَوَى الحسن عن النبي ﷺ , أنه قال: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوِ اعْتَرَضُوا بقرة , فَذَبَحُوها , لأَجْزَأَتْ عَنْهُم , وَلكِنَّهُم , شَدًّدوا , فَشَدَّد الله عليهم). ﴿قَالَ: إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ في الفارض تأويلان: أحدهما: أنها الكبيرة الهَرِمَة , وهو قول الجمهور. قال الراجز:
(شيب أصداغي فرأسي أبْيضُ ... محامل فيها رجال فرض)
يعني بقوله: فُرّض , أي هرمى.
стр. 160
والثاني: أنّ الفارض التي قد ولدت بطوناً كثيرة , فيتسع لذلك جوفها , لأن معنى الفارض في اللغة الواسع , وهذا قول بعض المتأخرين , واستشهد بقول الراجز:
(يا رُبَّ ذي ضغن عليّ فارض ... له قروء كقروء الحائض)
والبكر: الصغيرة التي لم تحمل , والبكر من إناث البهائم , وبني آدم , ما لم يفتحله الفحل , وهي مكسورة الباء , فأما البَكْر بفتح الباء , فهو الفتي من الإبل. وقوله تعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلكَ﴾ والعوان النَّصَفُ التي قد ولدت بطناً أو بطنين , ﴿بين ذلك﴾ يعني بين الصغيرة والكبيرة , وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه , قال الشاعر:
(فرحن عليه بين بِكرٍ عزيزة ... وبين عَوانٍ كالغمامة ناصِفِ)
قوله تعالى: ﴿ ... قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ حُكِيَ عن الحسن البصري , أن المراد بقوله صفراء , أي سوداء شديدة السواد , كما تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء , ومنه قول الشاعر:
(تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هُنّ صفر أولادها كالزبيب)
وقال الراجز:
(وصفرٍ ليست بمصفرّة ... ولكنّ سوداءَ مثل الخُمُر)
وقال سائر المفسرين: إنها صفراء اللون , من الصفرة المعروفة , وهو أصح , لأنه الظاهر , ولأنه قال: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ والفاقع من صفات الصفرة , وليس يوصف السواد بذلك , وإنما يقال: أسود حالكٌ , وأحمر قانٍ , وأبيضُ ناصعٌ , وأخضرُ ناضرٌ , وأصفرُ فاقعٌ.
стр. 161
ثم فيما أُرِيدَ بالصفرة قولان: أحدهما: صفراء القرن والظلف , وهو قول سعيد بن جبير. والثاني: صفراء اللون كله , وهذا قول مجاهد. وفي قوله تعالى: ﴿فاقع لونها﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: الشديدة الصفرة , وهذا قول ابن عباس , والحسن. والثاني: الخالص الصفرة , وهذا قول قطرب. والثالث: الصافي , وهذا قول أبي العالية , وقتادة. ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعجب الناظرين بصفرتها , فتعجب بالسرور , وهو ما يتأثر به القلب , والفرح ما فرحت به العين , ويحتمل قوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وجهين: أحدهما: بحسن لونها فتكون ... . لصفرتها. والثاني: حسن سمتها , وصفت بذلك , ليكون ذلك زيادة شرط في صفتها , غير ما تقدم من ذكر صفرتها , فتصير البقرة على الوجه الأول , ذات وصف واحد , وعلى الوجه الثاني , ذات وصفين. قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ فسألوا سؤالاً ثالثاً , ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان الثاني , فروى ابن جريج , عن قتادة , أن رسول الله ﷺ قال: (أُمِرُوا بِأَدْنَى بَقَرةٍ وَلَكِنَّهُم لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم شَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِم , وَأيمُ اللهِ لَو أَنَّهُم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُم آخرُ الأَبَدِ) يعني أنهم لو لم يقولوا: ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً. قوله : ﴿قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرةٌ لَاّ ذَلُولٌ﴾ يعني لم يذللها العمل.
стр. 162
﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ والإثارة تفريق الشيء , أي ليست مما يثير الأرض للزرع , ولا يسقى عليها الزرع. [وقيل يثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى]. وليس هذا الوجه بشيء , بل نفي عنها جميع ذلك. ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيها﴾ وفي ذلك أربعة تأويلات: أحدها: مُسَلَّمَةٌ من العيوب , وهذا قول قتادة , وأبي العالية. والثاني: مُسَلَّمَةٌ من العمل. والثالث: مُسَلَّمَةٌ من غصب وسرقة , فتكون حلالاً. والرابع: مُسَلَّمَةٌ من ... . . . وفي ﴿شِيَةَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: ليس فيها علامة خاصة , حكاه السدي. والثاني: أنه ليس فيها لون , يخالف لونها من سواد أو بياض. والثالث: أنه الوضَح وهو الجمع بين ألوان من سواد وبياض. وأصله من وشي الثوب , وهو تحسين عيوبه بألوان مختلفة , ومنه قيل للساعي بالرجل عند السلطان واشٍ , لأنه يحسّن كذبه عنده , حتى يقبله منه. ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: الآن بَيّنْت الحق , وهو قول قتادة. والثاني: معناه أنه حين بيّنها لهم , قالوا هذه بقرة فلان , الآن جئت بالحق فيها , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وفي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ تأويلان: أحدهما: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها , لأنهم اشتروها على ما حَكَى
стр. 163
ابن عباس , ومحمد بن كعب: بملء مَسْكها ذهباً من مال المقتول. وقيل بوزنها عشر مرات. والثاني: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل , وهذا قول وهب , وقال عكرمة: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. وقيل: كانت البقرة وحشية.
стр. 164
﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ قوله : ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه , وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لبنت له حسناء , أحب أن يتزوجها. والثاني: طلباً لميراثه , وادعى قتله على بعض الأسباط. وفي قوله تعالى: ﴿ ... فَادَّارَأْتُم فيها﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ الَّدْرءَ الاعوجاج , ومنه قول الشاعر:
(أمسكت عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون)
يعني اعوجاج الأعادي. والثاني: وهو المشهور , أن الدرء المدافعة , ومعناه أي تدافعتم في القتل , ومنه قول رؤبة بن العجاج:
(أدركتها قدام كل مدره ... بالدفع عني درء كل منجه)
والثالث: معناه اختلفتم وتنازعتم , قاله السدي , وقيل إن هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة , فهي متقدمة في الخطاب على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مَوسَى لِقَومِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُم﴾ الآية. لأنهم أُمِرُوا بذبحها , بعد قتلهم , واختلفوا في قاتله.
стр. 165
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي والله مظهر ما كنتم تُسِرّون من القتل , فعند ذلك قال النبي ﷺ : (لَو أَنَّ أَحَدَكُم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ , لأَخْرَجَ اللهُ عَمَلَهُ). قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ اختلف العلماء في البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة , على خمسة أقاويل: أحدها: أنه ضُرِبَ بفخذ البقرة , وهذا قول مجاهد , وعكرمة وقتادة. والثاني: أنه ضُرِبَ بالبضعة التي بين الكتفين , وهذا قول السدي. والثالث: أنه ضُرِبَ بعظم من عظامها , وهذا قول أبي العالية. والرابع: أنه ضُرِبَ بأُذنها , وهذا قول ابن زيد. والخامس: أنه ضُرِبَ بعجب ذنبها , وهو الذي لا تأكله الأرض , وهذا قول الفراء. والبعض: يَقِلُّ عن النصف. ﴿كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى﴾ يعني , أنه لما ضُرِبَ القتيل ببعض البقرة , أحياه الله وكان اسمه عاميل , فقال قتلني ابن أخي , ثم قبض , فقال بنو أخيه: والله ما قتلناه , فكذّبوا بالحق بعد معاينته. قال الفراء: وفي الكلام حذف , وتقديره: فقلنا اضربوه ببعضها , ليحيا
стр. 166
فضربوه , فَحَيِيَ. كذلك يحيي الله الموتى , فدل بذلك على البعث والنشور , وجعل سبب إحيائه الضرب بميت , لا حياة فيه , لئلا يلتبس على ذي شبهة , أن الحياة إنما انتقلت إليه مما ضرب به , لتزول الشبهة , وتتأكد الحجة. وفي قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى﴾ وجهان: أحدهما: أنه حكاية عن قول موسى لقومه. والثاني: أنه خطاب من الله لمشركي قريش. ﴿وَيُرِيكُمءَايَاتِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: علامة قدرته. والثاني: دلائل بعثكم بعد الموت. ﴿لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعملون. والثاني: تعتبرون.
стр. 167
﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون﴾ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ اختلف في المُشَار إليه بالقسوة , على قولين: أحدهما: بنو أخي الميت حين أنكروا قتله , بعد أن سمعوه منه عند إحياء الله له , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه أشار إلى بني إسرائيل كلهم , ومن قال بهذا قال: من بعد ذلك: أي من بعد آياته كلها التي أظهرها على موسى. وفي قسوتها وجهان: أحدهما: صلابتها حتى لا تلين.
стр. 168
والثاني: عنفها حتى لا ترأف. وفي قوله تعالى: ﴿مِّنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ وجهان: أحدهما: من بعد إحياء الموتى , ويكون هذا الخطاب راجعاً إلى جماعتهم. والثاني: من بعد كلام القتيل , ويكون الخطاب راجعاً إلى بني أخيه. وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ يعني القلوب التي قست. واختلف العلماء في معنى ﴿أَوْ﴾ في هذا الموضع وأشباهه كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوسَين أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] على خمسة أقاويل: أحدها: أنه إبهام على المخاطبين , وإن كان الله تعالى عالماً , أي ذلك هو , كما قال أبو الأسود الدؤلي:
(أحب محمداً حباً شديداً ... وعباساً وحمزة أو علياً)
(فإن يك حبهم رشدا أُصِبه ... ولستُ بمخطئ إن كان غياً)
ولا شَكَّ , أن أبا الأسود الدؤلي , لم يكن شاكّاً في حبِّهم , ولكن أَبْهَمَ على مَنْ خاطبه , وقد قِيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شَكَكْتُ , فقال كلا , ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال: أفكان شاكاً مَنْ أخبر بهذا؟ والثاني: أن ﴿أَوْ﴾ ها هنا بمعنى الواو , وتقديره فهو كالحجارة وأشد قسوة , ومثله قول جرير:
(جاءَ الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ)
والثالث: أن ﴿أَوْ﴾ في هذا الموضع , بمعنى بل أشد قسوة , كما قال
стр. 169
تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] يعني بل يزيدون. والرابع: أن معناها الإباحة وتقديره , فإن شبهتموها بالحجارة كانت مثلها , وإن شبهتموها بما هو أشد , كانت مثلها. والخامس: فهي كالحجارة , أو أشد قسوة عندكم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ﴾ يعني أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية , لِتَفَجِّرِ الأنهار منها. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فاختلفوا في ضمير الهاء في (منها) , إلى ماذا يرجع؟ على قولين: أحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة , فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله , ذكره ابن بحر. والقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة , لأنها أقرب مذكور. واختلف من قال بهذا , في هذه الحجارة على قولين: أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب , وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين. والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة , لأنها أشد صلابة. واختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه الجبل الذي جعله الله دَكاً , حين كلم موسى. والثاني: أنه عام في جميع الجبال. واختلف من قال بهذا , في تأويل هبوطها , على أربعة أقاويل: أحدها: إن هبوط ما هبط من حشية الله , نزل في ذلك القرآن. والثاني: ... ... ... والثالث: أن مِنْ عَظَّم مَنْ أمر الله , يُرَى كأنه هابط خاشع , كما قال جرير:
стр. 170
(لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع)
والرابع: أن الله أعطى بعض الجبال المعرفة , فعقل طاعة الله , فأطاعه , كالذي رُوِيَ عن الجذع , الذي كان يستند إليه النبي ﷺ , فلما تحول عنه حَنَّ , رُوِيَ عن النبي أنه قال: (إِنَّ حَجَراً كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهِليَّةِ إِنِّي لأَعْرَفُهُ الآَنَ) ويكون معنى الكلام , إِنَّ من الجبال ما لو نزل عليه القرآن , لهبط من خشية الله تذللاً وخضوعاً.
стр. 171
﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ قوله تعالى: ﴿ ... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُون كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ في ذلك قولان: أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي. والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه , فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا
стр. 172
أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم , وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق. وفي كلام الله الذي يسمعونه قولان: أحدهما: أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود. والثاني: الوحي الذي كانوا يسمعونه كما تسمعه الأنبياء. وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وجهان: أحدهما: من بعد ما سمعوه , وهم يعلمون أنهم يحرفونه. والثاني: من بعد ما عقلوه , وهم يعلمون , ما في تحريفه من العقاب. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود , إذا خلوا مع المنافقين , قال لهم المنافقون: أتحدثون المسلمين , بما فتح الله عليكم. والثاني: أنهم اليهود , قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم﴾ وفيه أربعة أقاويل: أحدها: بما فتح الله عليكم , أي مما أذكركم الله به , رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة , من نبوة محمد ﷺ وبعثه , ﴿ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس , وهو قول أبي العالية وقتادة. والثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة , حين شبههم النبي ﷺ , بأنهم إخوة القردة , فقالوا: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم , علي بن أبي طالب كرم الله وجهه , وهذا قول مجاهد. والرابع: أن ناساً من اليهود أسلموا , ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من
стр. 173
العرب , بما عُذِّبَ به (آباؤهم) , فقال بعضهم لبعض , أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب , وهذا قول السدي. وفي ﴿فتح الله﴾ وجهان: أحدهما: بما علمكم الله. والثاني: بما قضاه الله , والفتح عند العرب القضاء والحكم , ومنه قول الشاعر:
(ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً ... بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ)
ويُقَالُ للقاضي: الفتّاح , ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]. قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ , فَحُذِفَ ذكُر الكتاب إيجازاً. والثاني: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ فتظهر له الحُجَّة عليكم , فيكونوا أولى بالله منكم , وهذا قول الحسن. والثالث: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾ يوم القيامة , كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القيِامَةِ عِنْدَ رَبِّكُم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١].
стр. 174
﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ , وهو قول مجاهد وأظهرُ تأويله.
стр. 175
والثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله , ولا كتاباً أنزله الله , وكتبوا كتاباً بأيديهم , وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله , وهذا قول ابن عباس. وفي تسمية الذي لا يكتب بالأمي قولان: أحدها: أنه مأخوذ من الأمة , أي على أصل ما عليه الأمّة , لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب , ومنه قول الأعشى:
(وإنّ معاويةَ الأكرمين ... حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ)
والثاني: أنه مأخوذ من الأُم , وفي أخذه من الأُم تأويلان: أحدهما: أنه مأخوذ منها , لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب. والثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ , لأن الكتاب في الرجال دون النساء , فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه , لجهلها بالكتاب دونه أبيه. وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: إِلَاّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً , قاله ابن عباس ومجاهد , قال الشاعر:
(ولكنما ذاك الذي كان منكما ... أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا)
والثاني: إِلَاّ أَمَانِيَّ , يعني , أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم , قاله قتادة. والثالث: إِلَاّ أَمَانِيَّ , يعني [إلا أماني يعني إلا تلاوة من غير فهم قاله الفراء والكسائي ومنه قوله تعالى: ﴿إلَاّ إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشيْطَانُ في أمنيِّتِه﴾ [سورة الحج: ٥٢] يعني ألقى الشيطانُ في أُمنيِّتِه , وقال كعب بن مالك:
(تمنّى كتاب الله أول ليلهِ ... وآخرَه لاقي حمام المقادر)
والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير , حكاه ابن بحر وأنشد قول الشاعر:
(ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يمني لك الماني)
)
(وإلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع
стр. 176
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة:
(حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب)
﴿وَإِنْ هُم إِلَاّ يَظُنُّونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يكذبون , قاله مجاهد. والثاني: يحدثون , قاله البصريون. قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ في الويل ستة أقاويل: أحدها: أنه العذاب , قاله ابن عباس. والثاني: أنه التقبيح , وهو قول الأصمعي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال الشاعر:
(كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ)
والثالث: أنه الحزن , قاله المفضل. والرابع: أنه الخزي والهوان. والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم , وهذا قول أبي سعيد الخدري. والسادس: أنه جبل في النار , وهو قول عثمان بن عفان. ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ أي يغيرون ما في الكتاب من نبوة محمد ﷺ ونعته. وفي قوله تعالى: ﴿بِأَيدِيهِم﴾ تأويلان: أحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة , وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد , كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾. والثاني: أن معنى ﴿بِأَيْدِيهِم﴾ أي من تلقاء أنفسهم , قاله ابن السراج.
стр. 177
وفي قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً﴾ تأويلان: أحدهما: ليأخذوا به عرض الدنيا , لأنه قليل المدة , كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وهذا قول أبي العالية. والثاني: أنه قليل لأنه حرام. ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من تحريف كتبهم. والثاني: من أيام معاصيهم.
стр. 178
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ والفرق بين اللمس والمس , أن مع اللمس إحساساً. وفي الأيام المعدودة قولان: أحدهما: أنها أربعون يوماً , وهذا قول قتادة , والسدي , وعكرمة , وأبي العالية , ورواه الضحاك عن ابن عباس , ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين: فقال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. وقال ابن عباس: أن اليهود يزعمون أنهم , وجدوا في التوراة مكتوباً , أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة , وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم , فإذا انقطع المسير انقضى العذاب , وهلكت النار , وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين. والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام , لأنهم
стр. 179
زعموا , أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة , وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً , وهذا قول مجاهد , ورواية سعيد بن جبير , عن ابن عباس.
стр. 180
﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ قوله تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أما (بلى) , فجوات النفي , وأما (نعم) فجواب الإيجاب , قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك عَليَّ شيء , فقال الآخر: نعم , كان ذلك تصديقاً أن لا شيء عليه , ولو قال بَلَى: كان رداً لقوله , وتقديره: بَلَى لِيَ عليك. وقوله: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ اختلفوا في السيئة ها هنا , على قولين: أحدهما: أنها الشرك , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنها الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار , وهذا قول السدي. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه مات عليها , وهذا قول ابن جبير. والثاني: أنها سَدَّتْ عليه المسالك , وهذا قول ابن السراج.
следующие страницы →