Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
والثاني: أنه قول طائفة من سلفهم. والثالث: أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله ﷺ . واختلف فيهم على قولين: أحدهما: أنه فنحاص وحده , ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج. والثاني: أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف , وهذا مروي عن ابن عباس. فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟ قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره , فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهذا قول جميعهم , واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله , تعالى الله عن ذلك. الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى. ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ﴾ معنى ذلك: وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه: أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان , فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به. ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ﴾ أي يشابهون , مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث: (أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ) أي يشبهون به. وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله , قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله , قاله الطبري. والثالث: أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم , قاله الزجاج. ﴿قَاتََلَهُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لعنهم الله , قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص:
стр. 1332
(قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي)
والثاني: معناه قتلهم الله , قاله بعض أهل العربية. والثالث: أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب. قوله ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أما الأحبار منهم العلماء , واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها. وأما الرهبان فجمع راهب , مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته , غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى. وقوله ﴿أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم , فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب , وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 1333
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وفي نوره قولان: أحدهما: أنه القرآن والإسلام , قاله الحسن وقتادة. والثاني: أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار. وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل تاماً. ويحتمل المراد به وجهين: أحدهما: إظهار دلائله. والثاني: معونة أنصاره. قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يعني محمداً ﷺ أرسله الله إلى خلقه بالهدى ودين الحق. وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن الهدى البيان , ودين الحق الإسلام , قاله الضحاك. والثاني: أن الهدى الدليل , ودين الحق المدلول عليه. والثالث: معناه بالهدى إلى دين الحق. والرابع: أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني عند نزول عيسى ﵇ فإنه لا يعبد الله تعالى إلاّ بالإٍسلام , قاله أبو هريرة.
стр. 1334
والثاني: معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه , قاله ابن عباس. والثالث: ليظهر دلائله وحججه , وقد فعل الله تعالى ذلك , وهذا قول كثير من العلماء. والرابع: ليظهره برغم المشركين من أهله. والخامس: أنه وارد على سبب , وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة في الدين فذكروا ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما. والسادس: أن الظهور الاستعلاء , ودين الإسلام أعلى الأديان كلها وأكثرها أهلاً , قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر , فروى الربيع بن أنس عن الحسن أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهِ يُؤَيِّدُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الأَخِرَةِ مِن خَلَاقٍ).
стр. 1335
﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون
стр. 1336
الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ قوله ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُون أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية: في قولان: أحدهما: أنه أخذ الرشا في الحكم , قاله الحسن. والثاني: أنه على العموم من أخذه بكل وجه محرم. وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون , وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل , كما قال الشاعر:
(ذر الآكلين الماء فما أرى ... ينالون خيراً بعد أكلهم الماء)
أي ثمن الماء. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا. والثاني: أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته , سواء كان مدفوناً أو غير مدفون , قاله ابن عمر والسدي والشافعي والطبري. والثاني: أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم , أديت منه الزكاة أم لم تؤد ,
стр. 1337
قاله عليّ بن أبي طالب ﵁ فقد قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة , وما فوقها كنز. والثالث: أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه , روى عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ الآية. قال النبي ﷺ : (تبّاً لِلذَهَبِ وَالْفِضَّةِ) قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر ابن الخطاب: أنا أعلم لكم ذلك , فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: (لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِه). وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزرة دينار , فقال النبي ﷺ : (كَيَّةٌ) ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي ﷺ : (كَيَّتَانِ) والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض سواء كان ظاهراً على الأرض أو مدفوناً فيها , ومنه كنز البُرّ , قال الشاعر:
(لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم ... قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز)
الحتى: سَويق المقل. يعني وعندي البُرّ مجموع. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فذكر جنسين ثم قال ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد , ولم يقل: وَلَا يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما.
стр. 1338
فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى الكنوز , وتقديره: ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله. والثاني: أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على اشتراكهما فيه , كما قال تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ [الجمعة: ١١] ولم يقل إليهما , وكقول الشاعر:
٨٩ (إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً﴾ ٩
ولم يقل يعاصيا. ثم إن الله تعالى غلَّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ وإنما غلظ بهذا الوعيد لما في طباع النفوس من الشح بالأموال ليسهل لهم تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق.
стр. 1339
﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهْراً﴾ يعني شهور السنة , وإنما كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً يجريان فيها على حساب متفق كما قال الله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ﴿ ... مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم , يعني
стр. 1340
بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها , وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهراً مِنهَا أَرْبَعَةٌ حَرُمٌ , أَوّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ). ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي , قاله ابن قتيبة. والثاني: يعني القضاء الحق المستقيم , قاله الكلبي. ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: فلا تظلموها بمعاصي الله تعالى في الشهور الاثني عشر كلها , قاله ابن عباس. والثاني: فلا تظلموها بمعاصي الله في الأربعة الأشهر , قاله قتادة. والثالث: فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم الله تعالى لها , قاله الحسن وابن إسحاق. والرابع: فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم , قاله ابن بحر. فإن قيل: فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟ قيل: ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم.
стр. 1341
﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين﴾
стр. 1342
قوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ... ﴾ أما النسيء في الأشهر فهو تأخيرها , مأخوذ من بيع النسيئة , ومنه قوله تعالى ﴿مَا نَنسَخُ مِنْءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا﴾ أي نؤخرها. وفي نَسْء الأشهر قولان. أحدهما: أنهم كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يوماً حتى يجعلوا المحرم صفراً , قاله ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهراً. قال مجاهد: فحج المسلمون في ذي الحجة عامين , ثم حجوا في المحرم عامين: ثم حجوا في صفر عامين , ثم في ذي القعدة عامين الثاني منهما حجة أبي بكر قبل حجة النبي ﷺ من قابل في ذي الحجة فذلك حين يقول: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وكان المنادى بالنسيء في الموسم: من بني كنانة على ما حكاه أبو عبيدة , وقال شاعرهم عمير بن قيس:
(ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ ... شهور الحل نجعلُها حَراماً)
واختلف في أول من نسأ الشهور منهم , فقال الزبير بن بكار: أول من نسأ الشهور نعيم بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة. وقال أيوب بن عمر الغفاري: أول من نسأ الشهور القَلمّس الأكبر وهو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة , وآخر من نسأ الشهور أبو ثمامة جنادة بن عوف إلى أن نزل هذا التحريم سنة عشر وكان ينادي إني أنسأ الشهور في كل عام , ألا أن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب , فحرم الله سبحانه بهذه الآية النسيء وجعله زيادة في الكفر.
стр. 1343
ثم قال تعالى ﴿ ... لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي ليوافقوا فحرموا أربعة أشهر كما حرم الله تعالى أربعة أشهر. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى زينها بالشهرة لها والعلامة المميزة بها لتجتنب. الثاني: أن أنفسهم والشيطان زين لهم ذلك بالتحسين والترغيب ليواقعوها , وهو معنى قول الحسن. وفي ﴿سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ ها هنا وجهان: أحدهما: أنه ما قدمه من إحلالهم ما حرم الله تعالى وتحريمهم ما أحله الله. الثاني: أنه الرياء , قاله جعفر بن محمد.
стр. 1344
﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾ قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ قال الحسن ومجاهد: دُعوا إلى غزوة تبوك فتثاقلوا فنزل ذلك فيهم. وفي قوله ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: إلى الإقامة بأرضكم ووطنكم. والثاني: إلى الأرض حين أخرجت الثمر والزرع. قال مجاهد: دعوا إلى ذلك أيام إدراك النخل ومحبة القعود في الظل. الثالث: اطمأننتم إلى الدنيا , فسماها أرضاً لأنها فيها , وهذا قول الضحاك. وقد بينه قوله تعالى ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخَرَةِ﴾ يعني بمنافع الدنيا بدلاً من ثواب الآخرة.
стр. 1345
والفرق بين الرضا والإرادة أن الرضا لما مضى , والإرادة لما يأتي. ﴿فَمَا مَتَاعُ الَْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ لانقطاع هذا ودوام ذاك. قوله ﴿إِلَاّ تَنفِرُواْ﴾ يعني في الجهاد. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قال ابن عباس: احتباس القطر عنهم هو العذاب الأليم الذي أوعدتم ويحتمل أن يريد بالعذاب الأليم أن يظفر بهم أعداؤهم. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يعني ممن ينفر إذا دُعي ويجيب إذا أُمر. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا تضروا الله بترك النفير , قاله الحسن. والثاني: ولا تضرّوا الرسول , لما تكفل الله تعالى به من نصرته , قاله الزجاج.
стр. 1346
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ قوله تعالى ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ يعني إلا تنصروا أيها الناس النبي ﷺ بالنفير معه وذلك حين استنفرهم إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله. ﴿إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني من مكة ولم يكن معه من يحامي عنه ويمنع منه إلا الله تعالى , ليعلمهم بذلك أن نصره نبيه ليس بهم فيضره انقطاعهم وقعودهم , وإنما هو من قبل الله تعالى فلم يضره قعودهم عنه. وفي قوله ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وجهان: أحدهما: بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه عن معونتهم. والثاني: بما تكفل به من إمداده بملائكته.
стр. 1347
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي أحد اثنين , وللعرب في هذ مذهب أن تقول خامس خمسة أي أحد خمسة. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ يعني النبي ﷺ وأبا بكر حين خرجا من مكة دخلا غاراً في جبل ثور ليخفيا على من خرج من قريش في طلبهم. والغار عمق في الجبل يدخل إليه. قال مجاهد: مكث رسول الله ﷺ في الغار مع أبي بكر ثلاثاً. قال الحسن: جعل الله على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة , وقال غيره: ألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار. وذهب بعض المتعمقة في غوامض المعاني إلى أن قوله تعالى ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أي في غيرة على ما كانوا يرونه من ظهور الكفر فغار على دين ربه. وهو خلاف ما عليه الجمهور. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لَا تَحْزَنْ﴾ يريد أن النبي ﷺ قال لصاحبة أبي بكر (لا تَحْزَنْ) فاحتمل قوله ذلك له وجهين: أحدهما: أن يكون تبشيراً لأبي بكر بالنصر من غير أن يظهر منه حزن. والثاني: أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفاً وتسلية. وليس الحزن خوفاً وإنما هو تألم القلب بما تخيله من ضعف الدين بعد الرسول فقال له النبي ﷺ (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) أي ناصرنا على أعدائنا. ﴿ ... فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فيها قولان: أحدهما: على النبي ﷺ , قاله الزجاج. والثاني: على أبي بكر لأن الله قد أعلم نبيه بالنصر. وفي السكينة أربعة أقاويل: أحدها: أنها الرحمة , قاله ابن عباس. والثاني: أنها الطمأنينة , قاله الضحاك. والثالث: الوقار , قاله قتادة.
стр. 1348
والرابع: أنها شيء يسكن الله به قلوبهم , قاله الحسن وعطاء. ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالملائكة. والثاني: بالثقة بوعده واليقين بنصره. وفي تأييده وجهان: أحدهما: إخفاء أثره في الغار حين طلب. والثاني: المنع من التعرض له حين هاجر. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْسُّفْلَى﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بانقطاع الحجة. والثاني: جعل كلمة الذين كفروا السفلى بذُلّ الخوف , وكلمة الله هي العليا بعز الظفر.
﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُلْيَا﴾ بظهور الحجة.
стр. 1349
﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ قوله ﴿انفِرُواْ خِفَافاً وثِقَالاً﴾ فيه عشرة تأويلات: أحدها: يعني شباباً وشيوخاً , قاله الحسن وعكرمة ومجاهد. والثاني: في اليسر والعسر فقراء وأغنياء , قاله أبو صالح. والثالث: مشاغيل وغير مشاغيل , قاله الحكم. والرابع: نشاطاً وغير نشاط , قاله ابن عباس وقتادة. والخامس: ركباناً ومشاة , قاله أبو عمرو الأوزاعي. والسادس: ذا صنعة وغير ذي صنعة , قاله ابن زيد. والسابع: ذا عيال وغير ذي عيال , قاله زيد بن أسلم. والثامن: أصحاء وغير أصحاء ومرضى , قاله جويبر.
стр. 1350
والتاسع: على خفة البعير وثقله , قاله علي بن عيسى والطبري. والعاشر: خفافاً إلى الطاعة وثقالاً عن المخالفة. ويحتمل حادي عشر: خفافاً إلى المبارزة , وثقالاً في المصابرة. ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أما الجهاد بالنفس فمن فروض الكفايات إلا عند هجوم العدو فيصير متعيناً. وأما بالمال فبزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه , فإن عجز عنه بنفسه فقد ذهب قوم إلى أن بذل المال يلزم بدلاً عن نفسه. وقال جمهورهم: لا يجب لأن المال في الجهاد تبع النفس إلا سهم سبيل الله من الزكاة. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الجهاد خير لكم من تركه إلى ما أبيح من القعود عنه. والثاني: معناه أن الخير في الجهاد لا في تركه. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إن كنتم تعلمون صدق الله تعالى فيما وعد به من ثوابه وجنته. والثاني: إن كنتم تعلمون أن الخير في الجهاد. ويحتمل وجهاً ثالثاً: إن كنتم تعلمون أن لله تعالى يريد لكم الخير.
стр. 1351
﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾
стр. 1352
قوله ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ أي لو كان الذي دُعيتم إليه عرضاً قريباً. وفيه وجهان: أحدهما: يعني بالعرض ما يعرض من الأمور السهلة. والثاني: يعني الغنيمة. ﴿وَسَفَراً قَاصِداً﴾ أي سهلاً مقتصداً. ﴿لَاّتَّبُعُوكَ﴾ يعني في الخروج معك. ﴿وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ والشقة هي القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لو استطعنا فراق أوطاننا وترك ثمارنا. والثاني: لو استطعنا مالاً نستمده ونفقةً نخرج بها لخرجنا معكم في السفر الذي دعوا إليه فتأخروا عنه وهو غزوة تبوك. ثم جاءوا بعد ذلك يحلفون بما أخبر الله عنهم من أنهم لو استطاعوا لخرجوا تصديقاً لقوله تعالى وتصحيحاً لرسالة نبيه ﷺ . ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة. والثاني: يهلكون أنفسهم بالتأخر عن الإجابة.
стр. 1353
﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا
стр. 1354
فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ قوله ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: صدق العزم ونشاط النفس. والثاني: الزاد والراحلة في السفر , ونفقة الأهل في الحضر. ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبَِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ وإنما كره انبعاثهم لوقوع الفشل بتخاذلهم كعبد الله بن أبي بن سلول , والجد بن قيس. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مع القاعدين بغير عذر , قاله الكلبي. والثاني: مع القاعدين بعذر من النساء والصبيان , حكاه علي بن عيسى. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنه النبي ﷺ , غضباً عليهم , لعلمه بذلك منهم. والثاني: أنه قول بعضهم لبعض. قوله ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ يعني اضطراباً حكاه ابن عيسى. والثاني: فساداً , قاله ابن عباس. فإن قيل: فلم يكونوا في خبال فيزدادوا بهؤلاء الخارجين خبالاً. قيل هذا من الاستثناء المنقطع , وتقديره: ما زادوكم قوة , ولكن أوقعوا بينكم خبالاً. ﴿وَلأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أما الإيضاع فهو إسراع السير , ومنه قول الراجز:
(يا ليتني فيها جذع ... أخُبّ فيها وأضَعْ)
стр. 1355
وأما الخلال فهو من تخلل الصفوف وهي الفُرَج تكون فيها , ومنه قول النبي ﷺ : (تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ وَلَا يَتَخَلَّلْكُمْ , كَأَولَادِ الحذف يَعْنِي الشَّيَاطِينَ) والخلال هو الفساد , وفيه ها هنا وجهان: أحدهما: لأسرعوا في إفسادكم. والثاني: لأوضعوا الخلف بينكم. وفي الفتنة التي يبغونها وجهان: أحدهما: الكفر. والثاني: اختلاف الكلمة وتفريق الجماعة. ﴿وَفِيكُمْ سّمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم , قاله قتادة وابن إسحاق. والثاني: وفيكم عيون منكم ينقلون إلى المشركين أخباركم , قاله الحسن.
стр. 1356
﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾ قوله ﴿لَقَدْ ابْتَغَؤا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ يعين إيقاع الخلاف وتفريق الكلمة. ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معاونتهم في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن. والثاني: قولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والثالث: توقع الدوائر وانتظار الفرص. والرابع: حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم.
стр. 1357
﴿حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ﴾ يعني النصر. ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني الدين. ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ يعني النصر وظهور الدين.
стр. 1358
﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ قوله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ يعني في التأخر عن الجهاد. ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة , قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج. والثاني: لا تصرفني عن شغلي , قاله ابن بحر. والثالث: أنها نزلت في الجد بن قيس قال: ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء , قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ فيها وجهان: أحدهما: في عذاب جهنم لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ والثاني: في محنة النفاق وفتنة الشقاق.
стр. 1359
﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ قوله ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ يعني بالحسنة النصر. ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾ أي أخذنا حذرنا فسلمنا. ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ أي بمصيبتك وسلامتهم. قال الكلبي: عنى بالحسنة النصر يوم بدر , وبالمصيبة النكبة يوم أحد.
стр. 1360
قوله ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر , لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد , وهو معنى قول الحسن. والثاني: إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا. ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. والثاني: حافظنا وناصرنا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي على معونته وتدبيره.
стр. 1361
﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ قوله ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَآ إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يعني النصر أو الشهادة وكلاهما حسنة لأن في النصر ظهور الدين , وفي الشهادة الجنة. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عذاب الاستئصال في الدنيا. والثاني: عقاب العصيان في الآخرة. ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يعني بقتل الكافر عند الظفر والمنافق مع الإذن فيه.
стр. 1362
﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ويحلفون بالله إنهم لمنكم
стр. 1363
وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون﴾ قوله ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلآ أَوْلَادُهُمْ ... ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة , قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير. والثاني: إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم , يعني المنافقين. وهذا قول الحسن. والثالث: ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم , قاله ابن زيد. والرابع: ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم , يعني المشركين , قاله بعض المتأخرين. والخامس: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها , وكل هذا عذاب. ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ﴾ أي تهلك بشدة , من قوله تعالى ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإٍسراء: ٨١]. قوله ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ ... ﴾ الآية , أما الملجأ ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه الحرز , قاله ابن عباس. والثاني: الحصن , قاله قتادة. والثالث: الموضع الحريز من الجبل , قاله الطبري. والرابع: المهرب , قاله السدي. ومعاني هذه كلها متقاربة. وأما المغارات ففيها وجهان:
стр. 1364
أحدهما: أنها الغيران في الجبال , قاله ابن عباس. والثاني: المدخل الساتر لمن دخل فيه , قاله علي بن عيسى. وأما المدَّخل ففيه وجهان: أحدهما: أنه السرب في الأرض , قاله الطبري. والثاني: أنه المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ يعني هرباً من القتال وخذلاناً للمؤمنين. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي يسرعون , قال مهلهل:
(لقد جمحت جماحاً في دمائهم ... حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا)
стр. 1365
﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ قوله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ... ﴾ الآية , فيه قولان: أحدهما: أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء ويتكلم بالنفاق فإن أعطي رضي وإن منع سخط , فنزلت فيه الآية. الثاني: ما روى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم قسماً إذ جاءه الخويصرة التميمي فقال: اعدْل يا رسول الله , فقال: (وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلْ إِن لَّمْ أَعْدِلْ)؟ (فقال عمر ﵁: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه , فقال) دَعْهُ (. فأنزل الله تعالى ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. وفي معنى يلمزك ثلاثة أوجه:
стр. 1366
أحدها: يروزك ويسألك , قاله مجاهد. والثاني: يغتابك , قاله ابن قتيبة. والثالث: يعيبك , قال رؤبة:
(قاربت بين عَنَقي وحجزي ... في ظل عصري باطلي ولمزي)
стр. 1367
﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ قوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ اختلف أهل العلم فيها على ستة أقاويل: أحدها: أن الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة. والمسكين: المحتاج السائل , قاله ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد وزيد. والثاني: أن الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة , والمسكين: هو الصحيح الجسم منهم , قاله قتادة. والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون , والمساكين: غير المهاجرين , قاله الضحاك بن مزاحم وإبراهيم. والرابع: أن الفقير من المسلمين , والمسكين: من أهل الكتاب , قاله عكرمة. والخامس: أن الفقير الذي لا شيء له لأن الحاجة قد كسرت فقاره , والمسكين الذي له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه , قاله الشافعي. وقال عمر بن الخطاب ﵁: ليس المسكين الذي لا مال له ولكن
стр. 1368
المسكين الأخلق الكسب. قال ابن عليّة: الأخلق المحارف عندنا وقال الشاعر:
(لما رأى لُبَدُ النُّسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل)
والسادس: أن الفقير الذي له ما لا يكفيه , والمسكين: الذي ليس له شيء يسكن إليه قاله أبو حنيفة. ثم قال ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم السعاة المختصون بجبايتها وتفريقها قال الشاعر:
(إن السُّعاة عصوك حين بعثتهم ... لم يفعلوا مما أمرت فتيلا)
وليس الإمام من العاملين عليها ولا والي الإقليم. وفي قدر نصيبهم منها قولان: أحدهما: الثمن , لأنهم أحد الأصناف الثمانية , قال مجاهد والضحاك. والثاني: قدر أجور أمثالهم , قاله عبد الله بن عمر. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قوم كان رسول الله ﷺ يتألفهم بالعطية , وهم صنفان: مسلمون ومشركون. فأما المسلمون فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم , كعقبة بن زيد وأبي سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس. وصنف آخر منهم كانت نياتهم في الإسلام حسنة فأعطوا تألفاً لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم. ويعطي كِلا الصنفين من سهم المؤلفة قلوبهم. وأما المشركون فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعاً
стр. 1369
لأذاهم مثل عامر بن الطفيل , وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية. وفي تألفهم بعد رسول الله ﷺ بالسهم المسمى لهم من الصدقات قولان: أحدهما: يعطونه ويتألفون به , قاله الحسن وطائفة. والثاني: يمنعون منه ولا يعطونه لإعزاز الله دينه عن تألفهم , قاله جابر , وكلا القولين محكي عن الشافعي. وقد روى حسان بن عطية قال: قال عمر ﵁ وأتاه عيينة بن حصن يطلب من سهم المؤلفة قلوبهم فقال قد أغنى الله عنك وعن ضربائك ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿الكهف: ٢٩) أي ليس اليوم مؤلفة. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم المكاتبون , قاله علي بن أبي طالب ﵁ والشافعي. والثاني: أنهم عبيد يُشترون بهذا السهم قاله ابن عباس ومالك. ﴿وَاْلْغَارِمِينَ﴾ وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه , فإن ادّانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر , وإن ادّانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغنى والفقر. واختلف فيمن ادّان في معصية على ثلاثة أقاويل: أحدها لا يعطى لئلا يعان على معصية. والثاني: يعطى لأن الغرم قد وجب , والمعصية قد انقضت. والثالث: يعطى التائب منها ولا يعطى إن أصر عليها. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله يعطون سهمهم من الزكاة مع الغنى والفقر. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فيه قولان: أحدهما: هو المسافر لا يجد نفقة سفره , يعطى منها وإن كان غنياً في بلده , وهو قول الجمهور. والثاني: أنه الضيف , حكاه ابن الأنباري.
стр. 1370
﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم
следующие страницы →