Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الغزاة وهي تبوك (أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكباً مَا كَانَ مُنْتَعِلاً). وفيمن نزلت فيه خمسة أقاويل: أحدها: في العرباض بن سارية , قاله يحيى بن أبي المطاع. والثاني: في عبد الله بن الأزرق وأبي ليلى , قاله السدي. والثالث: في بني مقرّن من مُزينة , قاله مجاهد. والرابع: في سبعة من قبائل شتى , قاله محمد بن كعب. والخامس: في أبي موسى وأصحابه , قاله الحسن.
стр. 1402
﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ قوله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيآءُ﴾ في السبيل ها هنا وجهان: أحدهما: الإنكار. الثاني: الإثم.
стр. 1403
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ يعني في التخلف عن الجهاد. ﴿وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾ يعني بالمال والقدرة. ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم الذراري من النساء والأطفال. الثاني: أنهم المتخلفون بالنفاق.
стр. 1404
﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم﴾ قوله : ﴿الأعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكفر والنفاق فيهم أكثر منه في غيرهم لقلة تلاوتهم القرآن وسماعهم السنن. الثاني: أن الكفر والنفاق فيهم أشد وأغلظ منه في غيرهم لأنهم أجفى طباعاً وأغلظ قلوباً. ﴿وَأَجْدَرُ أَلَاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ومعنى أجدر أي أقرب , مأخوذ من الجدار الذي يكون بين مسكني المتجاورين. وفي المراد بحدود الله ما أنزل الله وجهان: أحدهما: فروض العبادات المشروعة. الثاني: الوعد والوعيد في مخالفة الرسول ﷺ والتخلف عن الجهاد. قوله ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما يدفع من الصدقات.
стр. 1405
الثاني: ما ينفق في الجهاد مع الرسول ﷺ مغرماً , والمغرم التزام ما لا يلزم , ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥] أي لازماً , قال الشاعر:
(فَمَا لَكَ مَسْلُوبَ العَزَاءِ كَأَنَّمَا ... تَرَى هَجْرَ لَيْلَى مَغْرَماً أَنْتَ غارِمُهُ)
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَآئِرَ﴾ جمع دائرة وهي انقلاب النعمة إلى ضدها , مأخوذة من الدور ويحتمل تربصهم الدوائر وجهين: أحدهما: في إعلان الكفر والعصيان. والثاني: في انتهاز الفرصة بالانتقام. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ رد لما أضمروا وجزاء لما مكروا. قوله ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنها تقربة من طاعة الله ورضاه. الثاني: أن ثوابها مذخور لهم عند الله تعالى فصارت قربات عند الله ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنه استغفاره لهم , قاله ابن عباس. الثاني: دعاؤه لهم , قاله قتادة. ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون راجعاً إلى إيمانهم ونفقتهم أنها قربة لهم. الثاني: إلى صلوات الرسول أنها قربة لهم.
стр. 1406
﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ قوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ﴾ فيهم أربعة أقاويل:
стр. 1407
أحدها: أنهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ , قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب. الثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان , قاله الشعبي وابن سيرين. الثالث: أنهم أهل بدر , قاله عطاء. الرابع: أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى ثواب الله تعالى وحسن جزائه. ويحتمل خامساً: أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا بمكة قبل هجرة رسول الله ﷺ عنهم , والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم. ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإِحْسَانٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الإيمان. الثاني: من الأفعال الحسنة. ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ﵃ بالإيمان , ورضوا عنه بالثواب , قاله ابن بحر. الثاني: ﵃ في العبادة. ورضوا عنه بالجزاء , حكاه علي بن عيسى. الثالث: ﵃ بطاعة الرسول ﷺ , ورضوا عنه بالقبول.
стр. 1408
﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ قوله : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعْرابِ مُنَافِقُونَ﴾ يعني حوله المدينة: قال ابن عباس: مزينة وجهينة وأسلم وغِفار وأشجع كان فيهم بعد إٍسلامهم منافقون كما كان من الأنصار لدخول جميعهم تحت القدرة فتميزوا بالنفاق وإن عمتهم الطاعة. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه , قاله عبد الرحمن بن زيد. الثاني: مردوا عليه أي عتوا فيه , ومنه قوله ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ [النساء: ١١٧]. الثالث: تجردوا فيه فظاهروا , مأخوذ منه تجرد خد الأمرد لظهوره وهو محتمل. ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تعلمهم حتى نعلمك بهم. الثاني: لا تعلم أنت عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها , وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدهما: أن أحد العذابين الفضيحة في الدنيا والجزع من المسلمين , والآخر عذاب القبر , قاله ابن عباس.
стр. 1409
والثاني: أن أحدهما عذاب الدنيا والآخر عذاب الآخرة , قاله قتادة. والثالث: أن أحدهما الأسر والآخر القتل , قاله ابن قتيبة. والرابع: أن أحدهما الزكاة التي تؤخذ منهم والآخر الجهاد الذي يؤمرون به لأنهم بالنفاق يرون ذلك عذاباً. قال الحسن. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 1410
أحدهما: أنه عذاب النار في الآخرة. الثاني: أنه إقامة الحدود في الدنيا. الثالث: إنه أخذ الزكاة منهم.
стр. 1411
﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ قوله : ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم سبعة من الأنصار منهم أو لبابة بن عبد المنذر , وأوس بن ثعلبة , ووديعة بن حزام , كانوا من جملة العشرة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك , فربطوا أنفسهم لما ندموا على تأخرهم إلى سواري المسجد ليطلقهم رسول الله ﷺ إن عفا عنهم , فلما عاد رسول الله ﷺ مر بهم وكانوا على طريقة فسأل عنهم فأخبر بحالهم فقال: (لَا أَعذُرُهُمْ وَلَا أُطْلِقُهم حَتَّى يَكونَ اللَّهَ تَعالَى هُوَ الَّذِيَ يَعْذُرُهم وَيُطْلِقُهُمْ) فنزلت هذه الآية فيهم فأطلقهم , وهذا قول ابن عباس. الثاني: أنه أبو لبابة وحده قال لبني قريظة حين أرادوا النزول على حكم النبي ﷺ إنه ذابحكم إن نزلتم على حكمه , قاله مجاهد. ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحَاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصالح: الجهاد , والسيء , التأخر عنه , قاله السدي. الثاني: أن السيىء: الذنب والصالح: التوبة , قاله بعض التابعين. الثالث: ما قاله الحسن: ذنباً وسوطاً لا ذهباً فروطاً , ولا ساقطاً سقوطاً.
стр. 1412
﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس: لما نزل في أبي لبابة وأصحابه ﴿وَءَاخَرُونَ اعْترَفُواْ بِذُنُوبِهِم﴾ الآية. ثم تاب عليهم قالوا يا رسول الله خذ منا صدقة أموالنا لتطهرنا وتزكينا , قال: لا أفعل حتى أؤمر , فأنزل الله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وفيها وجهان: أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها من أموالهم تطوعاً , قاله ابن زيد. والثاني: أنها الزكاة التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضاً , قاله عكرمة. ولذلك قال: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لأن الزكاة لا تجب في الأموال كلها وإنما تجب في بعضها. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: استغفر لهم: قاله ابن عباس. الثاني: ادع لهم , قاله السدي. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ فيه خمسة تأويلات:
стр. 1413
أحدها: قربة لهم , قاله ابن عباس في رواية الضحاك. الثاني: رحمة لهم , رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً. الثالث: وقار لهم , قاله قتادة. الرابع: تثبت لهم , قاله ابن قتيبة. الخامس: أمن لهم , ومنه قول الشاعر:
(يَا جَارَةَ الحَيِّ كُنتِ لي سَكَناً ... إذْ ليْسَ بعضُ الجِيرَانِ بِالسَّكَنِ)
وفي الصلاة عليهم والدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ستة أوجه: أحدها: يجب على الآخذ الدعاء للمعطي اعتباراً بظاهر الأمر. الثاني: لا يجب ولكن يستحب لأن جزاءها على الله تعالى لا على الآخذ. والثالث: إن كانت تطوعاً وجب على الآخذ الدعاء , وإن كانت فرضاً استحب ولم يجب. والرابع: إن كان آخذها الوالي استحب له الدعاء ولم يجب عليه , وإن كان آخذها الفقير وجب عليه الدعاء له , لأن الحق في دفعها إلى الوالي معيّن , وإلى الفقير غير معيّن. والخامس: إن كان آخذها الوالي وجب , وإن كان الفقير استحب ولم يجب. لأنه دفعها إلى الوالي إظهار طاعة فقوبل عليها بالشكر وليس كذلك الفقير. والسادس: إن سأل الدافع الدعاء وجب , وإن لم يسأل استحب ولم يجب. روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أتيت النبي ﷺ بصدقات قومي فقلت يا رسول الله صلِّ عليّ , فقال: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى).
стр. 1414
﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ قوله : ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ وهم الثلاثة الباقون من العشرة المتأخرين عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك ولم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة , وهم هلال بن أمية , ومرارة بن الربيع , وكعب بن مالك.
стр. 1415
﴿مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم. ﴿إِمَّا يُعَذِبُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يميتهم على حالهم , قاله السدي. الثاني: يأمر بعذابهم إذا لم يعلم صحة توبتهم. ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعلم صدق توبتهم فيطهر ما فيهم. الثاني: أن يعفو عنهم ويصفح عن ذنوبهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بما يؤول إليه حالهم , حكيم فيما فعله من إرجائهم.
стр. 1416
﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ قوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾ هؤلاء هم بنو عمرو بن عوف وهم اثنا عشر رجلاً من الأنصار المنافقين , وقيل: هم خذام بن خالد ومن داره أخرج مسجد الشقاق , وثعلبة بن حاطب , وَمُعَتِّب بن قشير , وأبو حبيبة بن الأزعر , وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف , وجارية بن عامر , وابناه مُجمِّع وزيد ابنا جارية , ونبتل بن الحارث , وبجاد بن عثمان , ووديعة بن ثابت , وبحرج وهو جد عبد الله بن حنيف , وله قال النبي ﷺ (وَيْلَكَ يَا بَحْرَج مَاذَا أَرَدْتَ بِمَا أَرَى؟)
стр. 1417
فقال يا رسول الله ما أردت إلا الحسنى , وهو كاذب , فصدقه , فبنى هؤلاء مسجد الشقاق والنفاق قريباً من مسجد قباء. ﴿ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني ضراراً , وكفراً بالله , وتفريقاً بين المؤمنين أن لا يجتمعوا كلهم في مسجد قباء فتجتمع كلمتهم , ويتفرقوا فتتفرق كلمتهم , ويختلفوا بعد ائتلافهم. ﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ وفي الإرصاد وجهان: أحدهما: أنه انتظار سوء يتوقع. الثاني: الحفظ المقرون بفعل. وفي محاربة الله تعالى ورسوله وجهان: أحدهما: مخالفتهما. الثاني: عداوتهما. والمراد بهذا الخطاب أبو عامر الراهب والد حنظلة بن الراهب كان قد حزّب على رسول الله ﷺ , ثم خاف فهرب إلى الروم وتنصر واستنجد هرقل على رسول الله ﷺ . فبنوا هذا المسجد له حتى إذا عاد من هرقل صلى فيه , وكانوا يعتقدون أنه إذا صلى فيه نُصِر , وكانوا ابتدأوا بنيانه ورسول الله ﷺ خارج إلى تبوك , فسألوه أن يصلي لهم فيه فقال: (أَنَا عَلَى سَفَرٍ وَلَو قَدِمْنَا إِن شَآءَ اللَّهُ أَتَينَاكُم وَصَلَّينَا لَكُم فِيهِ). فلما قدم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد , وقالوا قد فرغنا منه , فأتاه خبر المسجد وأنزل الله تعالى فيه ما أنزل. وحكى مقاتل أن الذي أمّهم فيه مجمع بن جارية وكان قارئاً , ثم حسن إٍسلامه بعد ذلك فبعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة يعلمهم القرآن , وهو علم ابن مسعود بقية القرآن. ﴿ ... وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ الْحُسْنَى﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: طاعة الله تعالى. والثاني: الجنة.
стр. 1418
والثالث: فعل التي هي أحسن , من إقامة الدين والجماعة والصلاة , وهي يمين تحرُّج. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: والله يعلم إنهم لكاذبون في قولهم خائنون في إيمانهم. والثاني: والله يعلمك أنهم لكاذبون خائنون. فصار إعلامه له كالشهادة منه عليهم. ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ أي لا تصلَّ فيه أبداً , يعني مسجد الشقاق والنفاق فعند ذلك أنفذ رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم وعاصم بن عدي فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه. فذهبا إليه وأخذا سعفاً وحرقاه. وقال ابن جريج: بل انهار المسجد في يوم الاثنين ولم يُحرَّق. ﴿لَّمَسْجِدٌ أسِسَّ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة , قاله أبو سعيد الخدري ورواه مرفوعاً. الثاني: أنه مسجد قباء , قاله الضحاك وهو أول مسجد بني في الإسلام , قاله ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
стр. 1419
الثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة أسس على التقوى , قاله محمد بن كعب ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: من المسجد الذي أسس على التقوى رجال يحبون أن يتطهروا من الذنوب والله يحب المتطهرين منها بالتوبة , قاله أبو العالية. والثاني: فيه رجال يحبون أن يتطهروا من البول والغائط بالاستنجاء بالماء. والله يحب المتطهرين بذلك. روى أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن النبي ﷺ قال للأنصار عند نزول هذه الآية: (يَا مَعْشَرَ الأَنصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنى عَلَيكُم خَيراً فِي الطَّهُورَ فَمَا طَهُورُكُم هَذَا) قالوا: يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة , فقال رسول الله ﷺ : (فَهَلْ مَعَ ذلِكَ غَيرُهُ؟) قالوا لا , غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء , فقال: (هُوَ ذلِكَ فَعَلَيكُمُوهُ) الثالث: أنه عني المتطهرين عن إتيان النساء في أدبارهن , وهو مجهول , قاله مجاهد.
стр. 1420
﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم﴾ قوله : ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾ يعني مسجد قباء والألف من ﴿أَفَمَنْ﴾ ألف إنكار. ويحتمل قوله ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ وجهين:
стр. 1421
أحدهما: أن التقوى اجتناب معاصيه , والرضوان فعل طاعته. الثاني: أن التقوى اتقاء عذابه , والرضوان طلب ثوابه. وكان عمر بن شبة يحمل قوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ على مسجد المدينة , ويحتمل ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مَنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ على مسجد قباء , فيفرق بين المراد بهما في الموضعين. ﴿أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ يعني شفير جرف وهو حرف الوادي الذي لا يثبت عليه البناء لرخاوته وأكل الماء له ﴿هَارٍ﴾ يعني هائر , والهائر: الساقط. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمسجد الضرار. ويحتمل المقصود بضرب هذا المثل وجهين: أحدهما: أنه لم يبق بناؤهم الذي أسس على غير طاعة الله حتى سقط كما يسقط ما بني على حرف الوادي. الثاني: أنه لم يخف ما أسرُّوه من بنائه حتى ظهر كما يظهر فساد ما بنى على حرف الوادي بالسقوط. ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم ببنيانهم له سقطوا في نار جهنم. الثاني: أن بقعة المسجد مع بنائها وبُناتها سقطت في نار جهنم , قاله قتادة والسدي. قال قتادة: ذكر لنا أنه حفرت منه بقعة فرئي فيها الدخان وقال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار. قوله عزوجل ﴿لَا يََزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ﴾ يعني مسجد الضرار. ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِم﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الريبة فيها عند بنائه. الثاني: أن الريبة عند هدمه.
стр. 1422
فإن قيل بالأول ففي الريبة التي في قلوبهم وجهان: أحدهما: غطاء على قلوبهم , قاله حبيب بن أبي ثابت. الثاني: أنه شك في قلوبهم , قاله ابن عباس وقتادة والضحاك , ومنه قول النابغة الذبياني:
(حَلَفْتُ فلم أترك لنَفْسِكَ ريبة ... وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب)
ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون الريبة ما أضمروه من الإضرار برسول الله ﷺ والمؤمنين. وإن قيل بالثاني أن الريبة بعد هدمه ففيها وجهان: أحدهما: أنها حزازة في قلوبهم , قاله السدي. الثاني: ندامة في قلوبهم , قاله حمزة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون الريبة الخوف من رسول الله ﷺ ومن المؤمنين. ﴿إِلَاّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إلا أن يموتوا , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: إلا أن يتوبوا , قاله سفيان. الثالث: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم , قاله عكرمة. وكان أصحاب ابن مسعود يقرأُونها: ﴿وَلَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
стр. 1423
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في
стр. 1424
التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ اشترى أنفسهم بالجهاد , ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نفقاتهم في الجهاد. والثاني: صدقاتهم على الفقراء. ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني الجنة , وهذا الكلام مجاز معناه أن الله تعالى أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم بالجنة , فعبر عنه بالشراء لما فيه من عوض ومعوض مضار في معناه , ولأن حقيقة الشراء لما لا يملكه المشتري. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأن الثواب على الجهاد إنما يستحق إذا كان في طاعته ولوجهه. ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ يعني أن الجنة عوض عن جهادهم سواء قَتَلُوا أو قُتِلُوا. فروى جابر بن عبد الله الأنصاري أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد فكبّر الناس , فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرف ردائه على أحد عاتقيه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ فقال: نَعَم , فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقبل ولا نستقبل. وقال بعض الزهاد: لأنه اشترى الأنفس الفانية بالجنة الباقية.
стр. 1425
﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ قوله : ﴿التَّآئِبُونَ﴾ يعني من الذنوب.
стр. 1426
ويحتمل أن يراد بهم الراجعون إلى الله تعالى في فعل ما أمر واجتناب ما حظر لأنها صفة مبالغة في المدح , والتائب هو الراجع , والراجع إلى الطاعة أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين. ﴿العَابِدُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العابدون بتوحيد الله تعالى , قاله سعيد بن جبير.
стр. 1427
والثاني: العابدون بطول الصلاة , قاله الحسن. والثالث: العابدون بطاعة الله تعالى , قاله الضحاك. ﴿الحَامِدُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الحامدون لله تعالى على دين الإسلام , قاله الحسن. الثاني: الحامدون لله تعالى على السراء والضراء , رواه سهل بن كثير. ﴿السَّآئِحُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: المجاهدون روى أبو أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله ﷺ وفي السياحة فقال: (إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ) والثاني: الصائمون , وهو قول ابن مسعود وابن عباس , وروى أبو هريرة مرفوعاً عن النبي ﷺ أنه قال: (سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ). الثالث: المهاجرون , قاله عبد الرحمن بن زيد. الرابع: هم طلبة العِلم , قاله عكرمة. ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ يعني في الصلاة. ﴿الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوْفِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالتوحيد , قاله سعيد بن جبير. الثاني: بالإسلام. ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكُرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن الشرك , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنهم الذين لم ينهوا عنه حتى انتهوا قبل ذلك عنه , قاله الحسن. ﴿وَاْلحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: القائمون بأمر الله تعالى. والثاني: الحافظون لفرائض الله تعالى من حلاله وحرامه , قاله قتادة. والثالث: الحافظون لشرط الله في الجهاد , قاله مقاتل بن حيان. ﴿وَبَشّرِ الْمُؤْمنِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني المصدقين بما وعد الله تعالى في هذه الآيات. قاله سعيد بن جبير. والثاني: العاملين بما ندب الله إليه في هذه الآيات , وهذا أشبه بقول الحسن. وسبب نزول هذه الآية ما روى ابن عباس أنه لما نزل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ الآية. أتى رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فأنزل الله تعالى ﴿التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ الآية.
стр. 1428
﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه
стр. 1429
عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾ قوله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روى مسروق عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه , ثم قام , فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ , فدعاه ثم دعانا فقال: (مَا أَبْكَاكُم؟) قلنا: بكينا لبكائك , قال: (إن القبر الذي جلست عنده قبر آمِنَةَ وَإِنِّي اسْتَأْذَنتُ رَبِّي فِي زيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي , وَإِنِّي استَأْذَنتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَن لِي , وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُربَى﴾ الآية. ﴿فأخذني ما يأخذ الولد للوالد , وكنتُ نَهَيتُكُم عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا فإنها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ) (والثاني: أنها نزلت في أبي طالب , روى سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال ﷺ :) أَي عَمِّ قُلْ لَاّ إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحَاج لَكَ بِهَا عِندَ اللَّهِ (فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر شيء كلمهم به أن قال: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ :) لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنكَ (فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ﴾ الآية. والثالث: أنها نزلت فيما رواه أبو الخليل عن عليّ بن أبي طالب رضي الله
стр. 1430
عنه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان , فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبويه؟ فذكرته للنبي ﷺ , فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءآمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. قوله ﴿وَمَا كَانَ استِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَاّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهآ إِيَّاهُ﴾ الآية. عذر الله تعالى إبراهيم ﵇ في استغفاره لأبيه مع شركه لسالف موعده ورجاء إيمانه. وفي موعده الذي كان يستغفر له من أجله قولان: أحدهما: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن. والثاني: أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له لما كان يرجوه أنه يؤمن. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ﴾ وذلك بموته على شركه وإياسه من إيمانه ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ أي من أفعاله ومن استغفاره له , فلم يستغفر له بعد موته. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ فيه عشرة تأويلات: أحدها: أن الأوّاه: الدعَّاء , أي الذي يكثر الدعاء , قاله ابن مسعود. الثاني: أنه الرحيم , قاله الحسن. الثالث: أنه الموقن , قاله عكرمة وعطاء. الرابع: أنه المؤمن , بلغة الحبشة , قاله ابن عباس. الخامس: أنه المسبِّح , قاله سعيد بن المسيب. السادس: أنه الذي يكثر تلاوة القرآن , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. السابع: أنه المتأوّه , قاله أبو ذر. الثامن: أنه الفقيه , قاله مجاهد. التاسع: أنه المتضرع الخاشع , رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي ﷺ .
стр. 1431
العاشر: أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها , قاله أبو أيوب. وأصل الأواه من التأوه وهو التوجع , ومنه قول المثقب العبدي.
(إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ)
стр. 1432
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ الآية. سبب نزولها أن قوماً من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله ﷺ يعمله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام الأيام البيض , ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله ﷺ فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان: فقالوا: يا رسول الله أضلنا الله بعدك بالصلاة. إنك على أمر وإنا على غيره فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 1433
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم﴾ قوله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. هي غزوة تبوك قِبل الشام , كانوا في عسرة من الظهر , كان الرجلان والثلاثة على بعير وفي عسرة من الزاد , قال قتادة حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما , وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها من الماء , ثم يمصها الآخر , وفي عسرة من الماء , وكانوا في لهبان الحر وشدته.
стр. 1434
قال عبد الله بن محمد بن عقيل: وأصابهم يوماً عطش شديد فجعلوا ينحرون إبلهم ويعصرون أكراشها فيشربون ماءها , قال عمر بن الخطاب فأمطر الله السماء بدعاء النبي ﷺ فغشينا. وفي هذه التوبة من الله على النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار وجهان محتملان: أحدهما: استنقاذهم من شدة العسر. والثاني: أنها خلاصهم من نكاية العدوّ. وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى. ﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تتلف بالجهد والشدة. والثاني: تعدِل عن الحق في المتابعة والنصرة , قاله ابن عباس. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذه التوبة غير الأولى , وفيها قولان: أحدهما: أن التوبة الأولى في الذهاب , والتوبة الثانية في الرجوع. والقول الثاني: أن الأولى في السفر , والثانية بعد العودة إلى المدينة. فإن قيل بالأول , أن التوبة الثانية في الرجوع , احتملت وجهين: أحدهما: أنها الإذن لهم بالرجوع إلى المدينة. الثاني: أنها بالمعونة لهم في إمطار السماء عليهم حتى حيوا , وتكون التوبة على هذين الوجهين عامة. وإن قيل إن التوبة الثانية بعد عودهم إلى المدينة احتملت وجهين: أحدهما: أنها العفو عنهم من ممالأة من تخلف عن الخروج معهم. الثاني: غفران ما همَّ به فريق منهم من العدول عن الحق , وتكون التوبة على هذين الوجهين خاصة.
стр. 1435
﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت
стр. 1436
عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قوله : ﴿وَعلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ يعني وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا وفيه وجهان: أحدهما: خلفوا عن التوبة وأخرت عليهم حين تاب عليهم , أي على الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة , قاله الضحاك وأبو مالك. الثاني: خلفوا عن بعث رسول الله ﷺ , قاله عكرمة. وهؤلاء الثلاثة هم: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك. ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ لأن المسلمين امتنعوا من كلامهم. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ بما لقوه من الجفوة لهم. ﴿وَظَنُّوآ أَن لَاّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَاّ إِلَيْهِ﴾ أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ قال كعب بن مالك: بعد خمسين ليلة من مقدم رسول الله ﷺ من غزاة تبوك. ﴿لِيَتُوبُوآ﴾ قال ابن عباس ليستقيموا لأنه قد تقدمت توبتهم وإنما امتحنهم بذلك استصلاحاً لهم ولغيرهم. قوله : ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها في أهل الكتاب , وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من اليهود بموسى , ومن النصارى بعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد ﷺ فآمنوا به , وكونوا مع الصادقين يعني مع النبي ﷺ وأصحابه في جهاد المشركين , قاله مقاتل بن حيان.
стр. 1437
الثاني: أنها في المسلمين: وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من المسلمين اتقوا الله وفي المراد بهذه التقوى وجهان: أحدهما: اتقوا الله من الكذب , قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جدٍّ ولا هزل , اقرأُوا إن شئتم ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وهي قراءة ابن مسعود هكذا: من الصادقين. والثاني: اتقوا الله في طاعة رسوله إذا أمركم بجهاد عدوِّه. ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: مع أبي بكر وعمر , قاله الضحاك. الثاني: مع الثلاثة الذين خُلفوا حين صدقوا النبي ﷺ عن تأخرهم ولم يكذبوا. قاله السدي. والثالث: مع من صدق في قوله ونيته وعمله وسره وعلانيته , قاله قتادة. والرابع: مع المهاجرين لأنهم لم يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ قاله ابن جريج.
стр. 1438
﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾
стр. 1439
قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كان عليهم أن ينفروا جميعاً لأن فرضه صار على الكفاية وهذا ناسخ لقوله تعالى ﴿انفِرُو خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ قاله ابن عباس. والثاني: معناه وما كان للمؤمنين إذا بعث رسول الله ﷺ سَرية أن يخرجوا جميعاً فيها ويتركوا رسول الله ﷺ وحده بالمدينة حتى يقيم معه بعضهم , قاله عبد الله بن عبيد الله بن عمير. قال الكلبي: وسبب نزول ذلك أن المسلمين بعد أن عُيّروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا على الخروج في سرايا رسول الله ﷺ وتركوه وحده بالمدينة , فنزل ذلك فيهم. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيه قولان: أحدهما: لتتفقه الطائفة الباقية إما مع رسول الله ﷺ في جهاده , وإما مهاجرة إليه في إقامته , قاله الحسن. الثاني: لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله ﷺ عن النفور في السرايا , ويكون معنى الكلام: فهلَاّ إذا نفروا أن تقيم من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا مع رسول الله ﷺ في الدين , قاله مجاهد. وفي قوله تعالى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ تأويلان: أحدهما: ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع ويتحملوا عنه ما يقع به البلاغ وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم. الثاني: ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه وتصديق وعده ومشاهدة معجزاته ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم.
стр. 1440
﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الروم قاله ابن عمر.
следующие страницы →