← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قوله : ﴿وَعلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ يعني وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا وفيه وجهان: أحدهما: خلفوا عن التوبة وأخرت عليهم حين تاب عليهم , أي على الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة , قاله الضحاك وأبو مالك. الثاني: خلفوا عن بعث رسول الله ﷺ , قاله عكرمة. وهؤلاء الثلاثة هم: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك. ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ لأن المسلمين امتنعوا من كلامهم. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ بما لقوه من الجفوة لهم. ﴿وَظَنُّوآ أَن لَاّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَاّ إِلَيْهِ﴾ أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ قال كعب بن مالك: بعد خمسين ليلة من مقدم رسول الله ﷺ من غزاة تبوك. ﴿لِيَتُوبُوآ﴾ قال ابن عباس ليستقيموا لأنه قد تقدمت توبتهم وإنما امتحنهم بذلك استصلاحاً لهم ولغيرهم. قوله : ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها في أهل الكتاب , وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من اليهود بموسى , ومن النصارى بعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد ﷺ فآمنوا به , وكونوا مع الصادقين يعني مع النبي ﷺ وأصحابه في جهاد المشركين , قاله مقاتل بن حيان.

стр. 1437

الثاني: أنها في المسلمين: وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من المسلمين اتقوا الله وفي المراد بهذه التقوى وجهان: أحدهما: اتقوا الله من الكذب , قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جدٍّ ولا هزل , اقرأُوا إن شئتم ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وهي قراءة ابن مسعود هكذا: من الصادقين. والثاني: اتقوا الله في طاعة رسوله إذا أمركم بجهاد عدوِّه. ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: مع أبي بكر وعمر , قاله الضحاك. الثاني: مع الثلاثة الذين خُلفوا حين صدقوا النبي ﷺ عن تأخرهم ولم يكذبوا. قاله السدي. والثالث: مع من صدق في قوله ونيته وعمله وسره وعلانيته , قاله قتادة. والرابع: مع المهاجرين لأنهم لم يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ قاله ابن جريج.

стр. 1438

﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾

стр. 1439

قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كان عليهم أن ينفروا جميعاً لأن فرضه صار على الكفاية وهذا ناسخ لقوله تعالى ﴿انفِرُو خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ قاله ابن عباس. والثاني: معناه وما كان للمؤمنين إذا بعث رسول الله ﷺ سَرية أن يخرجوا جميعاً فيها ويتركوا رسول الله ﷺ وحده بالمدينة حتى يقيم معه بعضهم , قاله عبد الله بن عبيد الله بن عمير. قال الكلبي: وسبب نزول ذلك أن المسلمين بعد أن عُيّروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا على الخروج في سرايا رسول الله ﷺ وتركوه وحده بالمدينة , فنزل ذلك فيهم. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيه قولان: أحدهما: لتتفقه الطائفة الباقية إما مع رسول الله ﷺ في جهاده , وإما مهاجرة إليه في إقامته , قاله الحسن. الثاني: لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله ﷺ عن النفور في السرايا , ويكون معنى الكلام: فهلَاّ إذا نفروا أن تقيم من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا مع رسول الله ﷺ في الدين , قاله مجاهد. وفي قوله تعالى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ تأويلان: أحدهما: ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع ويتحملوا عنه ما يقع به البلاغ وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم. الثاني: ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه وتصديق وعده ومشاهدة معجزاته ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم.

стр. 1440

﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَآمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الروم قاله ابن عمر.

стр. 1441

الثاني: أنهم الديلم , قاله الحسن. الثالث: أنهم العرب , قاله ابن زيد. الرابع: أنه على العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى , قاله قتادة.

стр. 1442

﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتُ سُورَةٌ فِمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيَُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً﴾. هؤلاء هم المنافقون. وفي قولهم ذلك عند نزول السورة وجهان: أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض على وجه الإنكار , قاله الحسن. الثاني: أنهم يقولون ذلك لضعفاء المسلمين على وجه الاستهزاء. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَءَآمَنُوا فَزَادَتْهُمُ إيمَاناً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: فزادتهم خشية , قاله الربيع بن أنس. الثاني: فزادتهم السورة إيماناً لأنهم قبل نزولها لم يكونوا مؤمنين بها , قاله الطبري. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شك. ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إثماً إلى إثمهم , قاله مقاتل. الثاني: شكاً إلى شكِّهم , قاله الكلبي. الثالث: كفراً إلى كفرهم , قاله قطرب.

стр. 1443

﴿أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل

стр. 1444

يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ قوله : ﴿أَوَ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية. في معنى الافتتان هنا ثلاثة أوجه: أحدها: يبتلون , قاله ابن عباس. الثاني: يضلون , قاله عبد الرحمن بن زيد. الثالث: يختبرون , قاله أبو جعفر الطبري. وفي الذي يفتنون به أربعة أقاويل: أحدها: أنه الجوع والقحط , قاله مجاهد. الثاني: أنه الغزو والجهاد في سبيل الله , قاله قتادة. الثالث: ما يلقونه من الكذب على رسول الله ﷺ , قاله حذيفة بن اليمان. الرابع: أنه ما يظهره الله تعالى من هتك أستارهم وسوء نياتهم , حكاه علي بن عيسى. وهي في قراءة ابن مسعود: ﴿أَوَ لَا تَرَى أَنَّهُم يُفْتَنُونَ﴾ خطاباً لرسول الله ﷺ .

стр. 1445

﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ قوله : ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: من أنفسكم بفتح الفاء ويحتمل تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: من أكثركم طاعة لله تعالى. الثاني: من أفضلكم خلقاً. الثالث: من أشرفكم نسباً.

стр. 1446

والقراءة الثانية: بضم الفاء , وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: يعني من المؤمنين لم يصبه شيء من شرك , قاله محمد بن علي. الثاني: يعني من نكاح لم يصبه من ولادة الجاهلية , قاله جعفر بن محمد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (خَرَجْتُ مِن نِكَاحٍ وَلَمْ أَخَرُجْ مِنْ سِفَاحٍ) الثالث: ممن تعرفونه بينكم , قاله قتادة. الرابع: يعني من جميع العرب لأنه لم يبق بطن من بطون العرب إلا قد ولدوه , قاله الكلبي. ﴿عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عنِتُّمُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: شديد عليه ما شق عليكم , قاله ابن عباس. الثاني: شديد عليه ما ضللتم , قاله سعيد بن أبي عروبة. الثالث: عزيز عليه عنت مؤمنكم , قاله قتادة. ﴿حَرِيصٌ عَلَيكُمْ﴾ قاله الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فيه وجهان:

стр. 1447

أحدهما: بما يأمرهم به من الهداية ويؤثره لهم من الصلاح. الثاني: بما يضعه عنهم من المشاق ويعفو عنهم من الهفوات , وهو محتمل. قوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ فيه وجهان: أحدهما: عن طاعة الله , قاله الحسن. الثاني: عنك , ذكره عليّ بن عيسى. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: حسبي الله معيناً عليكم. الثاني: حسبي الله هادياً لكم. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لسعته. الثاني: لجلالته. روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أن آخر ما أُنزل من القرآن هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ وهذه الآية. وقال أُبي بن كعب: هما أحدث القرآن عهداً بالله وقال مقاتل: تقدم نزولهما بمكة , والله أعلم.

стр. 1448

سورة يونس

стр. 1449

﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين﴾ قوله : ﴿الر﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه أنا الله أرى , قاله ابن عباس والضحاك. والثاني: هي حروف من اسم الله الذي هو الرحمن , قاله سعيد بن جبير والشعبي. وقال سالم بن عبد الله: ﴿الر﴾ و ﴿حمٌ﴾ و ﴿ن﴾ للرحمن مقاطع. الثالث: هو اسم من أسماء القرآن , قاله قتادة. الرابع: أنها فواتح افتتح الله بها القرآن , قاله ابن جريج. ﴿تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ يعني بقوله ﴿تِلْكَءَايَاتُ﴾ أي هذه آيات , كما قال الأعشى: (تلك خَيْلِي مِنْهُ وتلكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُها كالزَّبِيبِ)

стр. 1450

أي هذه خيلي. وفي ﴿الكِتَابِ الْحِكيمِ﴾ ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: التوراة والإنجيل , قاله مجاهد. الثاني: الزبور , قاله مطر. الثالث: القرآن , قاله قتادة. وفي قوله ﴿الحَكِيمِ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى محكم , قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه كالناطق بالحكمة , ذكره علي بن عيسى. قوله : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: سبب نزولها أن الله تعالى لما بعث محمداً ﷺ رسولاً أنكر العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد , فنزلت هذه الآية. وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الإنكار والتعجب مَن كفر من كفر بالنبي ﷺ لأنه جاءهم رسول منهم , وقد أرسل الله إلى سائر الأمم رسلاً منهم. ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَءَآمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِّم﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن لهم ثواباً حسناً بما قدموا من صالح الأعمال , قاله ابن عباس. الثاني: سابق صدق عند ربهم أي سبقت لهم السعادة في الذكر الأول , قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أن لهم شفيع صدق يعني محمداً ﷺ يشفع لهم , قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أن لهم سلف صدق تقدموهم بالإيمان , قاله مجاهد وقتادة.

стр. 1451

والخامس: أن لهم السابقة بإخلاص الطاعة , قال حسان بن ثابت: (لنا القدم العُلْيَا إليكَ خَلْفَنَا ... لأَوَّلنا في طَاعَةِ اللَّهِ تابعُ) ويحتمل سادساً: أن قدم الصدق أن يوافق الطاعة صدق الجزاء , ويكون القدم عبارة عن التقدم , والصدق عبارة عن الحق.

стр. 1452

﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون﴾ قوله : ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يقضيه وحده , قاله مجاهد. الثاني: يأمر به ويمضيه. ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما من شفيع يشفع إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له في الشفاعة. الثاني: ما من أحد يتكلم عنده إلا بإذنه , قاله سعيد بن جبير. الثالث: لا ثاني معه , مأخوذ من الشفع الذي هو الزوج لأنه خلق السموات والأرض وهو واحد فرد لا حي معه , ثم خلق الملائكة والبشر.

стр. 1453

وقوله ﴿إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ يعني من بعد أمره أن يكون الخلق فكان , قاله ابن بحر. قوله : ﴿ ... إِنَّهُ يَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يَعِيدُهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه ينشئه ثم يفنيه. الثاني: ما قاله مجاهد: يحييه ثم يميته ثم يبيده ثم يحييه.

стр. 1454

﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا يخافون عقابنا. ومنه قول الشاعر: (إِذَا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ) الثاني: لا يطمعون في ثوابنا , ومنه قول الشاعر: (أَيَرْجُوا بَنُوا مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيْمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا)

стр. 1455

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بإِيمَانِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يجعل لهم نوراً يمشون به , قاله مجاهد. الثاني: يجعل عملهم هادياً لهم إلى الجنة , وهذا معنى قول ابن جريج. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (يَتَلَقَّى الْمُؤْمِنَ عَمَلُهُ فِي أَحْسَنِ صُوَرَةٍ

стр. 1456

فَيُؤْنِسُهُ وَيَهْدَيهِ , وَيَتَلَقَّى الْكَافِرَ عَمَلُهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ وَيُضِلُّهُ). الثالث: أن الله يهديهم إلى طريق الجنة. الرابع: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من تحت منازلهم قاله أبو مالك. الثاني: تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو لقوله تعالى ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] يعني بين يدي. وحكى أبو عبيدة عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. قوله : ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن أهل الجنة إذا اشتهوا الشيء أو أرادوا أن يدعوا بالشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم , ذلك الشيء , قاله الربيع وسفيان. الثاني: أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله في دعاء يدعونه كان دعاؤهم له: سبحانك اللهم: قاله قتادة. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه وملكهم فيها سالم. والتحية الملك , ومنه قول زهير بن جنان الكلبي: (ولكلُّ ما نال الفتى ... قد نِلتُه إلا التحية) الثاني: أن تحية بعضهم لبعض فيها سلام. أي: سلمت وأمنت مما بلي به أهل النار , قاله ابن جرير الطبري. ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن آخر دعائهم: الحمد لله رب العالمين , كما كان أول دعائهم: سبحانك اللهم , ويشبه أن يكون هذا قول قتادة.

стр. 1457

الثاني: أنهم إذا أجابهم فيما دعوه وآتاهم ما اشتهوا حين طلبوه بالتسبيح قالوا بعده: شكراً لله والحمد لله رب العالمين.

стр. 1458

﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ قوله : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة , قاله ابن إسحاق. الثاني: معناه أن الرجل إذا غضب على نفسه أو ماله أو ولده فيدعو بالشر فيقول: لا بارك الله فيه وأهلكه الله , فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب منه الخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا. فيكون تأويلاً على الوجه الأول خاصاً في الكافر , وعلى الوجه الثاني عاماً في المسلم والكافر. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ قال قتادة: يعني مشركي أهل مكة. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في شركهم , قاله ابن عباس. الثاني: في ضلالهم , قاله الربيع بن أنس. الثالث: في ظلمهم , قاله عليّ بن عيسى. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يترددون , قاله ابن عباس وأبو مالك وأبو العالية. الثاني: يتمادون , قاله السدي. الثالث: يلعبون , قاله الأعمش.

стр. 1459

﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دََعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قآئِماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا مسه الضر دعا ربه في هذه الأحوال. الثاني: دعا ربه فيكون محمولاً على الدعاء في جميع أحواله.

стр. 1460

﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون﴾ قوله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْءَآيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يعني آيات القرآن التي هي تبيان كل شيء. ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقآءَنَا﴾ يعني مشركي أهل مكة. ﴿ائتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا

стр. 1461

يجوز أن يكون معه , والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه. وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم سألوه الوعد وعيداً , والوعيد وعداً , والحلال حراماً , والحرام حلالاً , قاله ابن جرير الطبري. الثاني: أنهم سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم , قاله ابن عيسى. الثالث: أنه سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور , قاله الزجاج. ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءي نَفْسِي﴾ أي ليس لي أن أتلقاه بالتبديل والتغيير كما ليس لي أَن أتلقاه بالرد والتكذيب. ﴿إِنْ أَتَّبعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ فيما أتلوه عليكم من وعد ووعيد وتحليل وتحريم أو أمر أو نهي. ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ في تبديله وتغييره. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة. قوله : ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن: ﴿وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولا أعلمكم به , قاله ابن عباس. الثاني: ولا أنذركم به , قاله شهر بن حوشب. الثالث: ولا أشعركم به , قاله قتادة. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد ما تقدم من عمره قبل الوحي إليه لأن عمر الإنسان مدة حياته طالت أو قصرت. الثاني: أنه أربعون سنة , لأن النبي ﷺ بعث بعد الأربعين وهو المطلق من عمر الإنسان , قاله قتادة. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أني لم أدَّع ذلك بعد أن لبثت فيكم عمراً حتى أُوحِي إليّ , ولو كنت افتريته لقدمته.

стр. 1462

﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿ ... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلمُ فِي السَّمَواتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أتخبرونه بعبادة من لا يعلم ما في السموات ولا ما في الأرض. الثاني: أتخبرونه بعبادة غيره وليس يعلم له شريكاً في السموات ولا في الأرض. قوله : ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَاّ أُمَّةً وَاحِدً﴾ في الناس ها هنا أربعة أقاويل: أحدها: أنه آدم ﵇ , قاله مجاهد والسدي. الثاني: أنهم أهل السفينة , قاله الضحاك. الثالث: أنهم من كان على عهد إبراهيم ﵇ , قاله الكلبي. الرابع: أنه بنو آدم , قاله أُبي بن كعب. وفي قوله تعالى: ﴿إِِلَاّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: على الإسلام حتى اختلفوا , قاله ابن عباس وأُبي بن كعب. الثاني: على الكفر حتى بعث الله تعالى الرسل , وهذا قول قد روي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: على دين واحد , قاله الضحاك. ﴿فاخْتَلَفُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فاختلفوا في الدين فمؤمن وكافر , قاله أبي بن كعب.

стр. 1463

الثاني: هو اختلاف بني بن آدم حين قَتل قابيل أخاه هابيل , قاله مجاهد. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأجيلهم إلى يوم القيامة لقضي بينهم من تعجيل العذاب في الدنيا , قاله السدي. الثاني: ولولا كلمة سبقت من ربك في أن لا يعاجل العصاة إنعاماً منه يبتليهم به لقضى بينهم فيما فيه يختلفون بأن يضطرهم إلى معرفة المحق من المبطل , قاله عليّ بن عيسى.

стр. 1464

﴿ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون﴾ قوله : ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: رخاء بعد شدة. الثاني: عافية بعد سقم. الثالث: خصباً بعد جدب , وهذا قول الضحاك. الرابع: إسلاماً بعد كفر وهو المنافق , قاله الحسن.

стр. 1465

﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيءَايَاتِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المكر ها هنا الكفر والجحود , قاله ابن بحر. الثاني: أنه الاستهزاء والتكذيب , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن يكون المكر ها هنا النفاق لأنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر. ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ يعني أسرع جزاء على المكر. وقيل إن سبب نزولها أن رسول الله ﷺ لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين كسني يوسف إجابة لدعوته , أتاه أبو سفيان فقال يا محمد قد كنت دعوت بالجدب فأجدبنا فادع الله لنا بالخصب فإن أجابك وأخصبنا صدقناك وآمنا بك , فدعا لهم واستسقى فسقوا وأخصبوا , فنقضوا ما قالوه وأقاموا على كفرهم , وهو معنى قوله ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيءَايَاتِنَا﴾.

стр. 1466

﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ قوله : ﴿ ... فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ذاهباً. الثاني: يابساً. ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِألأَمْسِ﴾ فيه أربعه تأويلات: أحدها: كأن لم تعمر بالأمس , قاله الكلبي. الثاني: كأنه لم تعش بالأمس , قاله قتادة , ومنه قول لبيد:

стр. 1467

(وغنيت سبتاً بعد مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود) الثالث: كأن لم تقم بالأمس , ومن قولهم غنى فلان بالمكان إذا أقام فيه , قاله عليّ بن عيسى. الرابع كأن لم تنعم بالأمس , قاله قتادة أيضاً. قوله : ﴿وَاللَّهَ يَدُعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ يعني الجنة. وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأن السلام هو الله , والجنة داره. الثاني: لأنها دار السلامة من كل آفة , قاله الزجاج. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في هدايته وجهان: أحدهما: بالتوفيق والمعونة. الثاني: بإظهار الأدلة وإقامة البراهين. وفي الصراط المستقيم أربعة تأويلات: أحدها: أنه كتاب الله تعالى , روى علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى). الثاني: أنه الإسلام , رواه النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ .

стр. 1468

الثالث: أنه رسول الله ﷺ وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر , قاله الحسن وأبو العالية. الرابع: أنه الحق , قاله مجاهد وقتادة. روى جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله يوماً فقال: (رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِندَ رَأْسِي وَمِيكآئِيلَ عِندَ رِجْلَيّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلاً , فَقَالَ: اسْمَعْ سَمْعَتْ أُذُنُكَ , وَاعْقِلْ , عَقَلَ قَلْبُكَ , إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ أتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنهُم مَّنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنهُم مَّن تَرَكَهُ , فَاللَّهُ الْمَلِكُ , وَالدَّارُ الإسْلَامُ , وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ , وََأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ , وَمَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ دَخَلَ الْجَنَّةَ , وَمَن دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِمَّا فيهَا) ثم تلا قتادة ومجاهد. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾.

стр. 1469

﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ يعني عبادة ربهم. ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الحسنى الجنة , والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى. وهذا قول

стр. 1470

أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري. والثاني: أن الحسنى واحدة من الحسنات , والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها , قاله ابن عباس. الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة. والزيادة مغفرة ورضوان , قاله مجاهد. والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا , قاله ابن زيد. والخامس: أن الحسنى الثواب , والزيادة الدوام , قاله ابن بحر. ويحتمل سادساً: أن الحسنى ما يتمنونه , والزيادة ما يشتهونه. ﴿وَلَا يَْرهَقُ وَجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ في معنى يرهق وجهان: أحدهما: يعلو. الثاني: يلحق , ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال. وفي قوله تعالى: ﴿قَتَرٌ﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنه سواد الوجوه , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الحزن , قاله مجاهد. الثالث: أنه الدخان ومنه قتار اللحم وقتار العود وهو دخانه , قاله ابن بحر. الرابع: أنه الغبار في محشرهم إلى الله تعالى , ومنه قول الشاعر: (متوجٌ برداء الملك يتبعه ... موجٌ ترى فوقه الرايات والقترا) ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ فيها ها هنا وجهان: أحدهما: الهوان. الثاني: الخيبة.

стр. 1471

﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم

стр. 1472

إن كنا عن عبادتكم لغافلين هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: بتاءين قرأ بها حمزة والكسائي , وفي تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا , قاله السدي , ومنه قول الشاعر: (إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلو الذيبا) الثاني: تتلو كتاب حسناتها وكتاب سيئاتها , ومن التلاوة. والثالث: تعاين كل نفس جزاء ما عملت. والقراءة الثانية: وهي قراءة الباقين تتلو بالباء وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسلم كل نفس. الثاني: تختبر كل نفس , قاله مجاهد. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِ﴾ أي مالكهم , ووصف تعالى نفسه بالحق , لأن الحق منه , كما وصف نفسه بالعدل , لأن العدل منه. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْكَافرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فكيف صار ها هنا مولى لهم؟ قيل ليس بمولى في النصرة والمعونة , وهو مولى لهم في الملكية. ﴿وَضلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي بطل عنهم ما كانوا يكذبون.

стр. 1473

﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى

стр. 1474

تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون﴾ قوله : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَاّ ظَنّاً﴾ هم رؤساؤهم. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ شَيْئاً﴾ في الظن وجهان: أحدهما: أنه منزلة بين اليقين والشك , وليست يقيناً وليست شكاً. الثاني: إن الظن ما تردد بين الشك واليقين وكان مرة يقيناً ومرة شكاً.

стр. 1475

﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين﴾ قوله : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يعني أنه يختلق ويكذب. ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: شاهد بصدق ما تقدم من التوراة والإنجيل والزبور. الثاني: لما بين يديه من البعث والنشور والجزاء والحساب. ويحتمل ثالثاً: أن يكون معناه ولكن يصدقه الذي بين يديه من الكتب السالفة بما فيها من ذكره فيزول عنه الافتراء. قوله : ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ فيه وجهان:
следующие страницы →