← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم

стр. 1472

إن كنا عن عبادتكم لغافلين هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: بتاءين قرأ بها حمزة والكسائي , وفي تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا , قاله السدي , ومنه قول الشاعر: (إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلو الذيبا) الثاني: تتلو كتاب حسناتها وكتاب سيئاتها , ومن التلاوة. والثالث: تعاين كل نفس جزاء ما عملت. والقراءة الثانية: وهي قراءة الباقين تتلو بالباء وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسلم كل نفس. الثاني: تختبر كل نفس , قاله مجاهد. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِ﴾ أي مالكهم , ووصف تعالى نفسه بالحق , لأن الحق منه , كما وصف نفسه بالعدل , لأن العدل منه. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْكَافرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فكيف صار ها هنا مولى لهم؟ قيل ليس بمولى في النصرة والمعونة , وهو مولى لهم في الملكية. ﴿وَضلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي بطل عنهم ما كانوا يكذبون.

стр. 1473

﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى

стр. 1474

تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون﴾ قوله : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَاّ ظَنّاً﴾ هم رؤساؤهم. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ شَيْئاً﴾ في الظن وجهان: أحدهما: أنه منزلة بين اليقين والشك , وليست يقيناً وليست شكاً. الثاني: إن الظن ما تردد بين الشك واليقين وكان مرة يقيناً ومرة شكاً.

стр. 1475

﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين﴾ قوله : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يعني أنه يختلق ويكذب. ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: شاهد بصدق ما تقدم من التوراة والإنجيل والزبور. الثاني: لما بين يديه من البعث والنشور والجزاء والحساب. ويحتمل ثالثاً: أن يكون معناه ولكن يصدقه الذي بين يديه من الكتب السالفة بما فيها من ذكره فيزول عنه الافتراء. قوله : ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ فيه وجهان:

стр. 1476

أحدهما: لم يعلموا ما عليهم بتكذيبهم لشكهم فيه. الثاني: لم يحيطوا بعلم ما فيه من وعد ووعيد لإعراضهم عنه. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: علم ما فيه من البرهان. الثاني: ما يؤول إليه أمرهم من العقاب.

стр. 1477

﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يستمعون الكذب عليك فلا ينكرونه. الثاني: يستمعون الحق منك فلا يَعُونَه. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن من لا يعي ما يسمع فهو كمن لا يعقل. الثاني: معناه أنه كما لا يعي من لا يسمع كذلك لا يفهم من لا يعقل. والألف التي في قوله تعالى ﴿أَفَأَنتَ﴾ لفظها الاستفهام ومعناها معنى النفي.

стр. 1478

﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾

стр. 1479

قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنَ لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَاّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار. الثاني: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من النهار لقربه. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعرف بعضهم بعضاً. قال الكلبي: يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة. الثاني: يعرفون أن ما كانوا عليه باطل.

стр. 1480

﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ يعني نبياً يدعوهم إلى الهدى ويأمرهم بالإيمان. ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم ليكون رسولهم شاهداً عليهم , قاله مجاهد. الثاني: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة وقد كذبوه في الدنيا قضى الله تعالى بينهم وبين رسولهم في الآخرة , قاله الكلبي. الثالث: فإذا جاء رسولهم في الدنيا واعياً بعد الإذن له في الدعاء عليهم قضى الله بينهم بتعجيل الانتقام منهم , قاله الحسن.

стр. 1481

﴿قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم

стр. 1482

إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون﴾ قوله : ﴿وَيَسْتَنْبئُونَكَ﴾ أي يستخبرونك , وهو طلب النبأ. ﴿أََحَقٌّ هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: البعث , قاله الكلبي. الثاني: العذاب في الآخرة. ﴿قُلْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فأقسم مع إخباره أنه حق تأكيداً. ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بممتنعين. الثاني: بسابقين , قاله ابن عباس. قوله : ﴿وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُْ الْعَذَابَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أخفوا الندامة وكتموها عن رؤسائهم , وقيل بل كتمها الرؤساء عن أتباعهم. الثاني: أظهروها وكشفوها لهم. وذكر المبرد فيه وجهاً ثالثاً: أنه بدت بالندامة أَسِرّةُ وجوههم وهي تكاسير الجبهة. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: قضي بينهم وبين رؤسائهم , قاله الكلبي. الثاني: قضى عليهم بما يستحقونه من عذابهم.

стр. 1483

﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل

стр. 1484

الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ قوله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن فضل الله معرفته , ورحمته توفيقه. الثاني: أن فضل الله القرآن , ورحمته الإسلام , قاله ابن عباس وزيد بن أسلم والضحاك. الثالث: أن فضل الله الإسلام , ورحمته القرآن , قاله الحسن ومجاهد وقتادة. ﴿فَبَذلِكَ فَلْيَفُرَحُواْ﴾ يعين بالمغفرة والتوفيق على الوجه الأول , وبالإٍسلام والقرآن على الوجهين الآخرين. وفيه ثالث: فلتفرح قريش بأن محمداً منهم , قاله ابن عباس. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يعني في الدنيا. روى أبان عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ هَدَاهُ اللهُ لِلإِسْلَامِ وَعَلَّمَهُ القُرآنَ ثُمَّ شَكَا الفَاقَةَ كَتبَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) ثم تلا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

стр. 1485

﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾ قوله : ﴿أَلَاّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في ﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ ها هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنهم أهل ولايته والمستحقون لكرامته , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثاني: هم ﴿الَّذِينَءَامَنُوا وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. الثالث: هم الراضون بالقضاء , والصابرون على البلاء , والشاكرون على النعماء.

стр. 1486

الرابع: هم من توالت أفعالهم على موافقة الحق. الخامس: هم المتحابون في الله تعالى. روى جرير عن عمارة بن غزية عن أبي زرعة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ (إِنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ أُنَاسَاً مَّا هُم بِأَنْبِيْآءٍ وَلَا شُهَدَآءٍ يَغْبِطُهُم الأنبِياءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَمَكَانِهِم مِّن اللَّهِ) قالوا: يا رسول الله خبّرنا من هم وما أعمالهم فإنا نحبهم لذلك , قال: (هُمْ قَوْمٌ تَحآبُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُم وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَونَهَا. فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُم لَعَلَى مَنَابَرَ مِن نُّورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حِزَنَ النَّاسُ) وقرأ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهمِ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وفيه وجهان: أحدهما: لا يخافون على ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على دنياهم لأن الله تعالى يعوضهم عنها , وهو محتمل. الثاني: لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون عند الموت. قوله : ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن البشرى في الحياة الدنيا هي البشارة عند الموت بأن يعلم أين هو من قبل أن يموت , وفي الآخرة الجنة , قاله قتادة والضحاك , وروى علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال (إِنّ لِخَدِيجَةَ بِنتِ خُوَيِلدِ بَيْتاً مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَب). الثاني: أن البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى

стр. 1487

له، وفي الآخرة الجنة , روى ذلك عن رسول الله ﷺ أبو الدرداء وأبو هريرة وعبادة بن الصامت. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن البشرى في الحياة الدنيا الثناء الصالح , وفي الآخرة إعطاؤه كتابه بيمينه. ﴿لَا تَبْديلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا خلف لوعده. الثاني: لا نسخ لخيره.

стр. 1488

﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين﴾ قوله : ﴿ ... فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكآءَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم لنصرتكم , قاله الفراء. الثاني: فاجمعوا أمركم مع شركائكم على تناصركم , قاله الزجاج. وفي هذا الإجماع وجهان: أحدهما: أنه الإعداد.

стр. 1489

الثاني: أنه العزم. ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم. الثاني: أنه المغطى , من قولهم: قد غم الهلال إذا استتر. وفي المراد بالأمر ها هنا وجهان: أحدهما: من يدعونه من دون الله تعالى. الثاني: ما هم عليه من عزم. ﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثم انهضوا , قاله ابن عباس. الثاني: ثم اقضوا إليّ ما أنتم قاضون , قاله قتادة. الثالث: اقضوا إليّ ما في أنفسكم , قاله مجاهد. ﴿وَلَا تُنظِرُونَ﴾ قال ابن عباس: ولا تؤخروني. قوله : ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني عن الإيمان. ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فما سألتكم من أجر تستثقلونه فتمتنعون من الإجابة لأجله , ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ﴾. والثاني: فما سألتكم من أجر إن انقطع عني ثقُل علي. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ﴾ وقد حصل بالدعاء لكم إن أجبتم أو أبيتم. ﴿أمِرتُ أن أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ﴾ أي من المستسلمين لأمر الله بطاعته. قوله : ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ في الْفُلْكِ﴾ قال ابن عباس: كان في سفينة نوح ﵇ ثمانون رجلاً أحدهم جرهم وكان لسانه عربياً , وحمل فيها من كل زوجين اثنين , قال ابن عباس فكان أول ما حمل الذرة وآخر ما حمل الحمال ودخل معه إبليس يتعلق بذنبه. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ﴾ أي خلفاً لمن هلك بالغرق. ﴿وَأَغْرَقُنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِنَا﴾ حكى أبو زهير أن قوم نوح عاشوا في الطوفان

стр. 1490

أربعين يوماً. وذكر محمد بن إسحاق أن الماء بقي بعد الغرق مائة وخمسين يوماً , فكان بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن غاض الماء ستة أشهر وعشرة أيام وذلك مائة وتسعون يوماً. قال محمد بن إسحاق لما مضت على نوح أربعون ليلة فتح كوة السفينة ثم أرسل منها الغراب لينظر ما فعل الماء فلم يعد , فأرسل الحمامة فرجعت إليه ولم تجد لرجلها موضعاً , ثم أرسلها بعد سبعة أيام فرجعت حيث أمست وفي فيها ورقة زيتونة فعلم أن الماء قد قل على الأرض , ثم أرسلها بعد سبعة أيام فلم تعد فعلم أن الأرض قد برزت , وكان استواء السفينة على الجودي لسبع عشرة ليلة من الشهر السابع فيما ذكر , والله أعلم.

стр. 1491

﴿ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين﴾ قوله : ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَابَاءَنَا﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لتلوينا , قاله قتادة. الثاني: لتصدنا , قاله السدي. الثالث: لتصرفنا , من قولهم لفته لفتاً إذا صرفه ومنه لفت عنقه أي لواها , قاله عليّ بن عيسى. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الأَرْضِ﴾ فيه أربعة أوجه:

стр. 1492

أحدها: الملك , قاله مجاهد. الثاني: العظمة , حكاه الأعمش. الثالث: العلو , قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. الرابع: الطاعة , قاله الضحاك.

стр. 1493

﴿وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين﴾ قوله : ﴿فَمَاءَآمَنَ لِمُوسَى إِلَاّ ذِرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الذرية القليل , قاله ابن عباس. الثاني: أنهم الغلمان من بني إسرائيل لأن فرعون كان يذبحهم فأسرعوا إلى الإيمان بموسى , قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنهم أولاد الزمن قاله مجاهد. الرابع: أنهم قوم أمهاتهم من بني إسٍرائيل وآباؤهم من القبط. ويحتمل خامساً: أن ذرية قوم موسى نساؤهم وولدانهم. ﴿عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ﴾ يعني وعظمائهم وأشرافهم. ﴿أَنَ يَفْتِنَهُمْ﴾ فيه وجهان:

стр. 1494

أحدهما: أن يعذبهم , قاله ابن عباس. الثاني: أن يكرههم على استدامة ما هم عليه. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي متجبر , قاله السدي. الثاني: باغ طاغ , قاله ابن إسحاق. ﴿وِإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يعني في بغيه وطغيانه.

стр. 1495

﴿وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين﴾ قوله : ﴿ ... فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَنْا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: في الإسلام إليه. الثاني: في الثقة به. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَومِ الظَّالِمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا , قاله مجاهد. الثاني: لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا لظنهم أنهم على حق , قاله أبو الضحى وأبو مجلز. قوله : ﴿وَأوْحَيْنَآ إِلَى مَوسَى وَأخِيهِ أَن تَبَوَّءَاْ لِقَوْمِكُمَا بِمصْرَ بُيُوتاً﴾. يعني تخيّرا واتخذا لهم بيوتاً يسكنونها , ومنه قول الراجز: (نحن بنو عدنان ليس شك ... تبوَأ المجد بنا والملك) وفي قوله ﴿بِمِصْرَ﴾ قولان: أحدهما: أنها الإسكندرية , وهو قول مجاهد. الثاني: أنه البلد المسمى مصر , قاله الضحاك. وفي قوله ﴿بُيُوتاً﴾ وجهان:

стр. 1496

أحدهما: قصوراً , قاله مجاهد.

стр. 1497

الثاني: مساجد , قاله الضحاك. ﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: واجعلوها مساجد تصلون فيها , لأنهم كانوا يخافون فرعون أن يصلّوا في كنائسهم ومساجدهم , قاله الضحاك وابن زيد والنخعي. الثاني: واجعلوا مساجدكم قِبل الكعبة , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثالث: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم قاله ابن بحر. الرابع: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً , قاله سعيد بن جبير. ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في بيوتكم لتأمنوا فرعون. الثاني: إلى قبلة مكة لتصح صلاتكم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا , وبالجنة في الآخرة.

стр. 1498

﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ قوله : ﴿ ... رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أي أهلكها , قاله قتادة. فذكر لنا أن زروعهم وأموالهم صارت حجارة منقوشة , قاله الضحاك. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: بالضلالة ليهلكوا كفاراً فينالهم عذاب الآخرة , قاله مجاهد. الثاني: بإعمائها عن الرشد. الثالث: بالموت , قاله ابن بحر. الرابع: اجعلها قاسية. ﴿فَلَا يُؤْمنُوا حَتَّى يَرَُواْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ قال ابن عباس هو الغرق. قوله : ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبت دَّعْوَتُكُمَا﴾ قال أبو العالية والربيع: دعا موسى وأمَّن هارون فسمي هارون وقد أمّن على الدعاء داعياً , والتأمين على الدعاء أن يقول آمين. واختلف في معنى آمين بعد الدعاء وبعد فاتحة الكتاب في الصلاة على ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه اللهم استجب , قاله الحسن. الثاني: أن آمين اسم من أسماء الله تعالى , قاله مجاهد , قال ابن قتيبة وفيه حرف النداء مضمر وتقديره يا آمين استجب دعاءنا. الثالث: ما رواه سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (آمين خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ) يعني أنها تمنع من وصول الأذى والضرر كما يمنع الختم من الوصول إلى المختوم عليه. وفرق ابن عباس في معنى آمين بين وروده بعد الدعاء وبين وروده بعد فاتحة الكتاب فقال: معناه بعد الدعاء: اللهم استجب , ومعناه بعد الفاتحة: كذلك فليكن. قال محمد بن علي وابن جريج: وأخّر فرعون بعد إجابته دعوتهما أربعين سنة. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: فامضيا لأمري فخرجا في قومهم , قاله السدي. الثاني: فاستقيما في دعوتكما على فرعون وقومه , وحكاه علي بن عيسى. وقيل: إنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن لأن دعاءه موجب لحلول الانتقام وقد يجوز أن يكون فيهم من يتوب.

стр. 1499

﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ قوله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ معنى ننجيك نلقيك على نجوة من الأرض , والنجوة المكان المرتفع وقوله تعالى ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بجسدك من غير روح , قاله مجاهد. الثاني: بدرعك , وكان له درع من حديد يعرف بها , قاله أبو صخر , وكان من تخلف من قوم فرعون ينكر غرقه. وقرأ يزيد اليزيدي ﴿نُنَجِّيكَ﴾ بالحاء غير معجمة وحكاها علقمة عن ابن مسعود. أن يكون على ناحية من البحر حتى يراه بنو إسرائيل , وكان قصير أحمر كأنه ثور. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَءَايَةً﴾ يعني لمن بعدك عبرة وموعظة.

стр. 1500

﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه الشام وبيت المقدس , قاله قتادة. الثاني: أنه مصر والشام: قاله الضحاك. وفي قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه كالصدق في الفضل. والثاني: أنه تصدق به عليهم.

стр. 1501

ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنه وعدهم إياه فكان وَعْدُه وعْد صدق. ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني وأحللنا لهم من الخيرات الطيبة. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَآءَهُمُ العِلْمُ﴾ يعني أن بني إسرائيل ما اختلفوا أن محمداً نبي. ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: حتى جاءهم محمد ﷺ الذي كانوا يعلمون أنه نبي , وتقديره حتى جاءهم المعلوم , قاله ابن بحر وابن جرير الطبري. والثاني: حتى جاءهم القرآن , قاله ابن زيد.

стр. 1502

﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ قوله : ﴿فَإن كُنتَ في شَكٍّ مِّمَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ هذا خطاب من الله لنبيه يقول: إن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك , وفيه وجهان: أحدهما: في شك أنك رسول. الثاني: في شك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكَتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد مَنْ منهم مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار , قاله ابن زيد. الثاني: أنه عنى أهل الصدق والتقوى منهم , قاله الضحاك. فإن قيل: فهل كان النبي ﷺ شاكاً؟ قيل قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لَا أَشُكُ وَلَا أَسْأَلُ)

стр. 1503

وفي معنى الكلام وجهان: أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره من أمته , كما قال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]. والثاني: أنه خطاب ورد على عادة العرب في توليد القبول والتنبيه على أسباب الطاعة. كقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فبرّني , ولعبده إن كنت مملوكي فامتثل أمري , ولا يدل ذلك على شك الولد في أنه ابن أبيه ولا أن العبد شاك في أنه ملك لسيده. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي من الشاكّين. قوله : ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إن الذين وجبت عليهم كلمة ربك بالوعيد والغضب لا يؤمنون أبداً. الثاني: إن الذين وقعت كلمته عليهم بنزول العذاب بهم لا يؤمنون أبداً.

стр. 1504

﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾ قوله : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌءَامَنَتُ فَنَفَعَهآ إيمَانُهَا﴾ والمراد بالقرية أهل القرية. ﴿إلَاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ وهم أهل نينوى من بلاد الموصل فإن يونس ﵇ وعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام , فقالوا: انظروا يونس فإن خرج عنا فوعيده حق , فلما خرج عنهم تحققوه ففزعوا إلى شيخ منهم فقال: توبوا وادعوا وقولوا يا حي حين لاحي , ويا حي يا محيي الموتى , ويا حي لا إله إلا أنت , فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل والدة وولدها , وخرجوا من قريتهم تائبين داعين فكشف الله عنهم العذاب كما قال تعالى: ﴿ ... كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنهم تابوا قبل أن يروا العذاب فلذلك قبل توبتهم , ولو رأوه لم يقبلها كما لم يقبل من فرعون إيمانه لما أدركه الغرق. الثاني: أنه تعالى خصهم بقبول التوبة بعد رؤية العذاب , قال قتادة: كشف

стр. 1505

عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم ولم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حينٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إلى أجلهم , قاله السدي. الثاني: إلى أن يصيرهم إلى الجنة أو النار , قاله ابن عباس. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إن الحذر لا يرد القدر , وإن الدعاء يرد القدر , وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ قال عليّ ﵁ ذلك يوم عاشوراء.

стр. 1506

﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين﴾ قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه إلا بأمر الله تعالى , قاله الحسن. الثاني: إلا بمعونة الله. الثالث: إلا بإعلام الله سبل الهدى والضلالات. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الرجس السخط , قاله ابن عباس. الثاني: أنه العذاب , قاله الفراء. الثالث: أنه الإثم , قاله سعيد بن جبيرٍ. الرابع: أنه ما لا خير فيه , قاله مجاهد. الخامس: أنه الشيطان , قاله قتادة.

стр. 1507

وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني لا يعقلون عن الله تعالى أمره ونهيه ويحتمل أنهم الذين لا يعتبرون بحججه ودلائله.

стр. 1508

﴿قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾ قوله : ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّدِينِ حَنِيفاً﴾ أي استقم بإقبال وجهك على ما أمرت به من الدين حنيفاً , وقيل أنه أراد بالوجه النفس. و ﴿حَنِيفاً﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أي حاجاً , قاله ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي. الثاني: متبعاً , قاله مجاهد. الثالث: مستقيماً , قاله محمد بن كعب. الرابع: مخلصاً , قاله عطاء. الخامس: مؤمناً بالرسل كلهم , قاله أبو قلابة قال حمزة بن عبد المطلب: (حمدت الله حين هدى فؤادي ... من الإشراك للدين الحنيف) السادس: سابقاً إلى الطاعة , مأخوذ من الحنف في الرجلين وهو أن تسبق إحداهما الأخرى.

стр. 1509

﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى

стр. 1510

إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ قوله : ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِنَّ ربِّكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: القرآن. الثاني: الرسول ﷺ . ﴿فَمِنِ اهْتَدَى فإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فيه وجهان محتملان: أحدهما: فمن اهتدى لقبول الحق فإنما يهتدي بخلاص نفسه. الثاني: فمن اهتدى إلى معرفة الحق فإنما يهتدي بعقله.
следующие страницы →