Полный текст (4 439 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة:
(حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب)
﴿وَإِنْ هُم إِلَاّ يَظُنُّونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يكذبون , قاله مجاهد. والثاني: يحدثون , قاله البصريون. قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ في الويل ستة أقاويل: أحدها: أنه العذاب , قاله ابن عباس. والثاني: أنه التقبيح , وهو قول الأصمعي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال الشاعر:
(كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ)
والثالث: أنه الحزن , قاله المفضل. والرابع: أنه الخزي والهوان. والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم , وهذا قول أبي سعيد الخدري. والسادس: أنه جبل في النار , وهو قول عثمان بن عفان. ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم﴾ أي يغيرون ما في الكتاب من نبوة محمد ﷺ ونعته. وفي قوله تعالى: ﴿بِأَيدِيهِم﴾ تأويلان: أحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة , وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد , كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾. والثاني: أن معنى ﴿بِأَيْدِيهِم﴾ أي من تلقاء أنفسهم , قاله ابن السراج.
стр. 177
وفي قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً﴾ تأويلان: أحدهما: ليأخذوا به عرض الدنيا , لأنه قليل المدة , كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وهذا قول أبي العالية. والثاني: أنه قليل لأنه حرام. ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من تحريف كتبهم. والثاني: من أيام معاصيهم.
стр. 178
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ والفرق بين اللمس والمس , أن مع اللمس إحساساً. وفي الأيام المعدودة قولان: أحدهما: أنها أربعون يوماً , وهذا قول قتادة , والسدي , وعكرمة , وأبي العالية , ورواه الضحاك عن ابن عباس , ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين: فقال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. وقال ابن عباس: أن اليهود يزعمون أنهم , وجدوا في التوراة مكتوباً , أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة , وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم , فإذا انقطع المسير انقضى العذاب , وهلكت النار , وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين. والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام , لأنهم
стр. 179
زعموا , أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة , وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً , وهذا قول مجاهد , ورواية سعيد بن جبير , عن ابن عباس.
стр. 180
﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ قوله تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أما (بلى) , فجوات النفي , وأما (نعم) فجواب الإيجاب , قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك عَليَّ شيء , فقال الآخر: نعم , كان ذلك تصديقاً أن لا شيء عليه , ولو قال بَلَى: كان رداً لقوله , وتقديره: بَلَى لِيَ عليك. وقوله: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ اختلفوا في السيئة ها هنا , على قولين: أحدهما: أنها الشرك , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنها الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار , وهذا قول السدي. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه مات عليها , وهذا قول ابن جبير. والثاني: أنها سَدَّتْ عليه المسالك , وهذا قول ابن السراج.
стр. 181
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة
стр. 182
وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ اللهَ﴾ يعني في التوراة بمجيء محمد ﷺ . ويقال الميثاق الأول (حين أُخرِجوا) من صلب آدم. ﴿وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْناً﴾ فمن قرأ حَسَناً , يعني قولاً صدقاً في بعث محمد ﷺ , وبالرفع , أي قولوا لجميع الناس حسناً , يعني خالقوا الناس بِخُلُقٍ حسن.
стр. 183
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ أما النفس فمأخوذة من النفاسة , وهي الجلالة , فنفس الإنسان أنفس ما فيه , وأما الديار فالمنزل , الذي فيه أبنية المقام , بخلاف منزل الارتحال , وقال الخليل: كل موضع حَلَّهُ قوم , فهو دار لهم , وإن لم يكن فيه أبنية. فإن قيل: فهل يسفك أحد دمه , ويخرج نفسه من داره؟ ففيه قولان:
стр. 184
أحدهما: معناه لا يقتل بعضكم بعضاً , ولا يخرجه من داره , وهذا قول قتادة , وأبي العالية. والثاني: أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه. وفيه قول ثالث: أن قوله (أنفسكم) أي إخوانكم فهو كنفس واحدة. قوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَليْهِم بالإثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ يعني تتعاونون , والإثم هو الفعل الذي يستحق عليه الذم , وفي العدوان قولان: أحدهما: أنه مجاوزة الحق. والثاني: أنه في الإفراط في الظلم. ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُم﴾ وقرأ حمزة ﴿أُسْرَى﴾. وفي الفرق بين أَسْرَى وأُسَارَى قولان: أحدهما: أن أَسْرَى جمع أسير , وأُسَارَى جمع أَسْرَى. والثاني: أن الأَسْرى الذين في اليد وإنْ لم يكونوا في وَثَاق , وهذا قول أبي عمرو بن العلاء , والأُسارَى: الذين في وَثَاق.
стр. 185
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ﴾ يعني التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ والتَّقْفِيَةُ: الإتْباع , ومعناه: وأَتْبَعْنَا , يقال اسْتَقْفَيْتُهُ إِذَا جئت من خلفه , وسميت قافية الشعر قافية لأنها خلفه. ﴿وَءاتينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ وفيها ثلاثة أقاويل:
стр. 186
أحدها: أن البينات الحجج. والثاني: أنها الإنجيل. والثالث: وهو قول ابن عباس , أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى , وخلقه من الطين كهيئة الطير , فيكون طيراً بإذن الله , وإبراء الأسْقَام. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدْسِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن روح القدس الاسم الذي يحيي به عيسى الموتى , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه الإنجيل , سماه روحاً , كما سمى الله القرآن روحاً في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾. والثالث: وهو الأظهر , أنه جبريل ﵇ , وهذا قول الحسن وقتادة , والربيع , والسدي , والضحاك. واختلفوا في تسمية جبريل بروح القدس , على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سُمِّيَ رُوحاً , لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان , يحيي بما يأتي به من البينات من الله . والثاني: أنه سمي روحاً , لأن الغالب على جسمه الروحانية , لرقته , وكذلك سائر الملائكة , وإنما يختص به جبريل تشريفاً. والثالث: أنه سمي روحاً , لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة. والقُدُس فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: هو الله تعالى , ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس , لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب , وهذا قول الحسن والربيع وابن زيد. قال ابن زيد: القدس والقدوس واحد. والثاني: هو الظهر , كأنه دل به على التطهر من الذنوب. والثالث: أن القدس البركة , وهو قول السدي.
стр. 187
﴿وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فيه تأويلات: أحدهما: يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد وقتادة , والسدي. والثاني: يعني أوعية للعلم , وهذا قول عطية , ورواية الضحاك عن ابن عباس. ﴿بَّل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وَاللَّعن: الطرد والإبعاد , ومنه قول الشماخ:
(ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين)
ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل. في قوله تعالى: ﴿فَقَليلاً مَّا يُؤْمنُونَ﴾ تأويلان: أحدهما: معناه فقليل منهم من يؤمن , وهذا قول قتادة , لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب. والثاني: معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم , وهو مروي عن قتادة. ومعنى ﴿مَا﴾ هنا الصلة للتوكيد كما قال مهلهل:
(لو بأبانين جاء يخطبها ... خُضَّب ما أنف خاضب بدم)
стр. 188
﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ فيه تأويلان:
стр. 189
أحدهما: مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما. والثاني: مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله . ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني يستنصرون , قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه , فلما بعثه الله تعالى من العرب كفروا به , فقال لهم معاذ بن جبل , وبشر بن البراء بن معرور: أو ما كنتم تخبروننا أنه مبعوث؟ فقال سلام بن مشكم: ما جاءنا بشيء نعرفه , وما هو بالذي كنا نذكر لكم , فأنزل الله تعالى ذلك.
стр. 190
﴿بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾ قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ اشتروا بمعنى باعوا. ﴿أن يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً﴾ يعني حسداً , هكذا قال قتادة والسدي , وأبو العالية , وهم اليهود. والبغي شدة الطلب للتطاول , وأصله الطلب , ولذلك سميت الزانية بَغِياً , لأنها تطلب الزنى. وفي قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الغضب الأول لكفرهم بعيسى , والغضب الثاني لكفرهم بمحمد ﷺ , وهذا قول الحسن , وعكرمة , والشعبي , وقتادة , وأبي العالية. والثاني: أنه ما تقدم من كفرهم في قولهم عُزير ابن الله , وقولهم يد الله مغلولة , وتبديلهم كتاب الله , ثم كفرهم بمحمد.
стр. 191
والثالث: أنه لما كان الغضب لازماً لهم كان ذلك توكيداً. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ المهين: المذل. والعذاب على ضربين: فالمهين منها عذاب الكافرين لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم. والثاني: غير مهين وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه , كقطع يد السارق من المسلمين , وحد الزاني.
стр. 192
﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: ءَامِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللهُ﴾ يعني القرآن. ﴿قَالُواْ: نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني التوراة. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني بما بعده. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ يعني التوراة , لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ﴾ معناه فلم قتلتم , فعبر عن الفعل الماضي بالمستقبل , وهذا يجوز , فيما كان بمنزلة الصفة , كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ أي ما تلت , وقال الشاعر:
(وإني لآتيكم بشكر ما مضى ... من الأمر واستحباب ما كان في غد)
يعني ما يكون في غد , وقيل معناه: فلم ترضون بقتل أنبياء الله , إن كنتم مؤمنين؟
стр. 193
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿ ... خُذُوا مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ يعني بجد واجتهاد. ﴿وَاسْمَعُواْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني فاعملوا بما سمعتم. الثاني: أي اقبلوا ما سمعتم , كما قيل سمع الله لمن حمده , أي قبل الله حمده , وقال الراجز:
(السمعُ والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم)
﴿قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك حقيقة , ومعناه سمعنا قولك وعصينا أمرك. والثاني: أنهم لم يقولوه ولكن فعلوا ما دل عليه , فقام الفعل منهم مقام القول كما قال الشاعر:
(امتلأ الحوض وقال قَطْني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني)
﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن موسى برد العجل وذرّاه في الماء , فكان لا يشربه أحد يحب العجل إلا ظهرت نخالة الذهب على شفتيه , وهذا قول السدي , وابن جريج. والثاني: أنهم أُشربوا حب العجل في قلوبهم , يقال أُشرِبَ قلبه حبَّ كذا , قال زهير:
(فصحوتُ عنها بعد حبٍّ داخل ... والحبُّ تُشربه فؤادَك: داءُ)
стр. 194
﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُون النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني اليهود تزعم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس , وفيه قولان: أحدهما: من دون الناس كلهم. والثاني: من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به , وهذا قول ابن عباس.
стр. 195
فقيل: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأنه من اعتقد أنه من أهل الجنة , كان الموت أحب إليه من الحياة , لما يصير إليه من نعم الجنة , ويزول عنه من أذى الدنيا , ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (لَو أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَامَهُم مِنَ النَّارِ). ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوهُ أَبَدا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تحقيقاً لكذبهم , وفي تركهم إظهار التمني قولان: أحدهما: أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا , كما قاله النبي ﷺ , فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس. الثاني: أن الله صرفهم عن إظهار التمني , ليجعل ذلك آية لنبيه ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ يعني اليهود. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني المجوس , لأن المجوس هم الذين ﴿يَودُّ أَحَدُهُمْ لو يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ , كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم (عش ألف سنة) حرصاً على الحياة , فهؤلاء الذين يقولون: أن لهم الجنة خالصة أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء. ﴿وَمَا هُو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي بمباعده من العذاب ﴿أَن يُعْمَّرُ﴾ لأنه لو عمَّر ما تمنى , لما دفعه طول العمر من عذاب الله على معاصيه.
стр. 196
﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وسبب نزول هذه الآية , أن ابن صوريا وجملة من يهود (فدك) , لما قدم النبي ﷺ المدينة سألوه , فقالوا: يا محمد كيف نومك؟ فإنه قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان , فقال: (تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ) قالوا: صدقت يا محمد , فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال: (أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ , وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْر وَالشَّعْر فَمِنَ المَرْأَةِ) قالوا: صدقت يا محمد , فما بال الولد يشبه أعمامه , ليس فيه من شبه أخواله شيء , أو يشبه أخواله , ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: (أيهما علا ماؤه كان الشبه له) قالوا: صدقت يا محمد , فأخبرنا عن ربك ما هو؟ فأنزل الله
стр. 197
تعالى: قال ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١] إلى آخر السورة , قال له ابن صوريا: خصلة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتُك , أي ملك يأتيك بما يقول الله؟ قال: (جبريل) , قال: ذاك عدونا , ينزل بالقتال والشدة والحرب , وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء , فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك , فقال: عمر بن الخطاب ﵁ عند ذلك: فإني أشهد أن من كان عدّواً لجبريل , فإنه عدو لميكائيل , فأنزل الله تعالى هذه الآية , فأما جبريل وميكائيل فهما اسمان , أحدهما عبد الله والآخر عبيد الله , لأن إيل هو الله وجبر هو عبد , وميكا هو عبيد , فكان جبريل عبد الله , وميكائيل عبيد الله , وهذا قول ابن عباس , وليس له من المفسرين مخالف. فإن قيل: فلم قال: ﴿مَن كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهما خُصَّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً. والثاني: أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا , وميكائيل ولينا , خُصَّا بالذكر , لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته , لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة , فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص , ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ , ولم يقل لهم , لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان.
стр. 198
﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين
стр. 199
ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾ قوله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ اختلف أهل التفسير في سبب ذلك , على قولين: أحدهما: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر , فَأَطْلَعَ الله سليمان ابن داود عليه , فاستخرجه من أيديهم , ودفنه تحت كرسيه , فلم تكن الجن تقدر على أن تدنو من الكرسي , فقالت الإنس بعد موت سليمان: إن العلم الذي كان سليمان يُسَخِّر به الشياطين والرياح هو تحت كرسيه , فاستخرجوه وقالوا: كان ساحراً ولم يكن نبياً , فتعلموه وعلّموه , فأنزل الله تعالى براءة سليمان بهذه الآية. والثاني: أن (آصف بن برخيا) وهو كاتب سليمان وَاطَأَ نَفَراً من الشياطين على كتاب كتبوه سحراً ودفنوه تحت كرسي سليمان , ثم استخرجوه بعد موته وقالوا هذا سحر سليمان , فبرأه الله تعالى من قولهم , فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ , وهم ما نسبوه إلى الكفر , ولكنهم نسبوه إلى السحر , لكن لما كان السحر كفراً صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر. قال تعالى: ﴿وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر. والثاني: أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فيه وجهان:
стр. 200
أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه. والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه. ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ وفي ﴿مَا﴾ ها هنا وجهان: أحدهما: بمعنى الذي , وتقديره الذي أنزل على الملكين. والثاني: أنها بمعنى النفي , وتقديره: ولم ينزل على الملكين. وفي الملكين قراءتان: إحداهما: بكسر اللام , كانا من ملوك بابل وعلوجها هاروت وماروت , وهذا قول أبي الأسود الدؤلي , والقراءة الثانية: بفتح اللام من الملائكة. وفيه قولان: أحدهما: أن سحرة اليهود زعموا , أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود , فأكذبهم الله بذلك , وفي الكلام تقديم وتأخير , وتقديره: وما كفر سليمان , وما أنزل على الملكين , ولكن الشياطين كفروا , يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت , وهما رجلان ببابل. والثاني: أن هاروت وماروت مَلَكان , أَهْبَطَهُما الله إلى
стр. 201
الأرض , وسبب ذلك , أن الله تعالى لما أطلع الملائكة على معاصي بني آدم , عجبوا من معصيتهم له مع كثرة أَنْعُمِهِ عليهم , فقال الله تعالى لهم: أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم , فقالوا: سبحانك ما ينبغي لنا , فأمرهم الله أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض , فاختاروا هاروت وماروت فأُهْبِطَا إلى الأرض , وأحل لهما كل شيء , على ألا يُشْرِكا بالله شيئاً , ولا يسرقا , ولا يزنيا , ولا يشربا الخمر , ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق , فعرضت لهما امرأة وكان يحكمان بين الناس تُخَاصِمُ زوجها واسمها بالعربية: الزهرة , وبالفارسية: فندرخت , فوقعت في أنفسهما , فطلباها , فامتنعت عليهما إلا أن يعبدا صنماً ويشربا الخمر , فشربا الخمر , وعبدا الصنم , وواقعاها , وقتلا سابلاً مر بهما خافا أن يشهر أمرهما , وعلّماها الكلام الذي إذا تكلم به المتكلم عرج إلى السماء , فتكلمت وعرجت , ثم نسيت ما إذا تكلمت به نزلت فمسخت كوكبا , قال: كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي هبطا فيه , حتى استكملا جميع ما نهيا عنه , فتعجب الملائكة من ذلك. ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء , فكانا يعلّمان السحر. وذكر عن الربيع أن نزولهما كان في زمان (إدريس). وأما السحر فقد اختلف الناس في معناه: فقال قوم: يقدر الساحر أن يقلب الأعيان بسحره , فيحول الإنسان حماراً , وينشئ أعياناً وأجساماً. وقال آخرون: السحر خِدَع وَمَعَانٍ يفعلها الساحر , فيخيل إليه أنه بخلاف ما هو , كالذي يرى السراب من بعيد , فيخيل إليه أنه ماء , وكواكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً , يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائرة معه.
стр. 202
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ يهوديٌ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم , حتى كان رسول الله ﷺ يُخيّل إليه أنه يفعل الشيءَ وما فعله. قالوا: ولو كان في وسع الساحر إنشاء الأجسام وقلب الأعيان عما هي به من الهيئات , لم يكن بين الباطل والحق فصل , ولجاز أن يكون جميع الأجسام مما سحرته السحرة , فقلبت أعيانها , وقد وصف الله تعالى سحرة فرعون ﴿ ... فَإِذَا حِبَالُهُمُ وَعِصِيُّهُمُ يُخَيَّلُ إِليْهِ مِن سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وقال آخرون: وهو قول الشافعي إن الساحر قد يوسوس بسحره فيمرض وربما قتل , لأن التخيل بدء الوسوسة , والوسوسة بدء المرض , والمرض بدء التلف. فأما أرض ﴿ببابل﴾ ففيها ثلاثة أقاويل:
стр. 203
أحدها: أنها الكوفة وسوادها , وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس عين , وهذا قول قتادة. والثالث: أنها جبل نهاوند. وهي [فطر] من الأرض. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ بما تتعلمه من سحرنا. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ في المراد بقوله (منهما) ثلاثة أوجه: أحدها: يعني من هاروت وماروت. والثاني: من السحر والكفر. والثالث: من الشيطان والملكين , فيتعلمون من الشياطين السحر , ومن الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ يعني السحر. ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني بأمر الله. والثاني: بعلم الله. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ يعني ما يضرهم في الآخرة , ولا ينفعهم في الدنيا. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ يعني السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه. ﴿مَا لهُ فِي الأَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الخلاق النصيب , وهو قول مجاهد والسدي.
стр. 204
والثاني: أن الخلاق الجهة , وهو قول قتادة. والثالث: أن الخلاق الدين , وهو قول الحسن. قوله : ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَواْ بِهِ أَنفُسَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله. والثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان , وتحريضهم على الكذب.
стр. 205
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تقولوا ... وهو قول عطاء. والثاني: يعني ارعنا سمعك , أي اسمع منا ونسمع منك , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد. واختلفوا لِمَ نُهِي المسلمون عن ذلك؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله ﷺ على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا , واسمع غير مسمع , وراعنا ليّاً بألسنتهم , فَنُهِيَ المسلمون عن قولها , وهذا قول ابن عباس وقتادة. والثاني: أن القائل لها , كان رجلاً من اليهود دون غيره , يقال له رفاعة بن زيد , فَنُهِيَ المسلمون عن ذلك , وهذا قول السدي. والثالث: أنها كلمة , كانت الأنصار في الجاهلية تقولها , فنهاهم الله في الإسلام عنها.
стр. 206
﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أَفْهِمْنَا وبين لنا , وهذا قول مجاهد. والثاني: معناه أَمْهِلْنا. والثالث: معناه أَقْبِلْ علينا وانظر إلينا. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ يعني ما تؤمرون به.
стр. 207
﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْءَايَةٍ﴾ في (معنى) نسخها ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه قبضها , وهو قول السدي. والثاني: أنه تبديلها , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه إثبات خطها وتبديل حكمها , وهو قول ابن مسعود. ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ فيه قراءتان: أحدهما: هذه , والثانية: ﴿أو ننسأها﴾. فمن قرأ: ﴿أو ننسها﴾ ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: أنه بمعنى أو نمسكها , وقد ذكر أنها كانت في مصحف عبد الله ابن مسعود: ﴿ما نُمْسِكُ مِنْءَايَةٍ أَوْ نَنْسَخْهَا نَجِيءُ بِخَيرٍ مِنْهَا أَو مِثْلِهَا﴾ وذلك أن النبي ﷺ , كان يقرأ الآية , ثم يَنْسَى وَتُرْفَعُ , وكان سعد بن أبي وقاص
стр. 208
يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْءَايَةٍ نَنَسَهَا﴾ , بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ , فيكون تقديره أو تنسى أنت يا محمد , وقال القاسم بن ربيعة لسعد بن أبي وقاص: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿أو ننسها﴾ , فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب , ولا على آل المسيب قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وآذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهذا معنى قول مجاهد وقتادة. والثاني: أن ذلك بمعنى الترك , من قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم﴾ , أي تركوه فتركهم , فيكون تقدير الكلام: ﴿ما ننسخ من آية﴾ يعني نَرفَعُها ونبدِّلُها , ﴿أو نُنْسِهَا﴾ أي نتركها ولا نبدلها ولا ننسخها , وهذا قول ابن عباس والسدي. والثالث: أن قوله ما ننسخ من آية أو ننسها قال: الناسخ والمنسوخ , وهذا قول الضحاك. والرابع: أن معنى ننسها أي نَمْحُها , وهذا قول ابن زيد. وأما من قرأ: ﴿أو نَنْسَأُهَا﴾ فمعناه نؤخرها , من قولهم نَسَأْتُ هذا الأمر , إذا أخرته , ومن ذلك قولهم: بعت بنسَاءٍ أي بتأخير , وهذا قول عطاء وابن أبي نجيح. ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِّنْها أو مِثْلِهَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أي خير لكم في المنفعة , وأرفق بكم , وهذا قول ابن عباس: والثاني: أن معنى خير منها , أي أخف منها , بالترخيص فيها , وهذا معنى قول قتادة. فيكون تأويل الآية , ما نغير من حكم آية فنبدله , أو نتركه فلا نبدله , نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكماً منها , إما بالتخفيف في العاجل , كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفاً , وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل , كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان. وقوله تعالى: ﴿أَوَ مِثْلِهَا﴾ يعني مثل حكمها , في الخفة والثقل والثواب والأجر , كالذي كان من نسخ استقبال بيت المقدس , باستقبال الكعبة , وذلك
стр. 209
مثله في المشقة والثواب ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٌُ قَدِيرٌ﴾. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ﴾ فإن قيل: أو كان النبي ﷺ غير عالم بأن الله على كل شيء قدير , وأن الله له ملك السموات والأرض؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن قوله ألم تعلم بمعنى أعلمت. والثاني: أنه خارج مخرج التقرير , لا مخرج الاستفهام. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ: اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦] خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام. والثالث: أن هذا الخطاب للنبي ﷺ , والمراد به أمته , ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
стр. 210
﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يرُدَّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ سبب نزولها , ما رُوِيَ أن نفراً من اليهود , منهم فنحاص , وزيد بن قيس , دعوا حذيفة وعمار إلى دينهما , وقالوا نحن أهدى منكم سبيلاً ,
стр. 211
فقال لهم عمار: وكيف نقض العهد عندكم؟ قالوا: شديد , قال عمار: فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً , ولا أتبع ديناً غير دينه , فقالت اليهود: أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل , فكيف أنت يا حذيفة؟ فقال حذيفة: الله ربي , ومحمد نبيي , والقرآن إمامي , أطيع ربي , وأقتدي برسولي , وأعمل بكتاب ربي. فقالا: وإلهِ موسى , لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد , فأنزل الله هذه الآية. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق﴾ يعني من بعد ما تبين لليهود , أن محمداً نبي صادق , وأن الإسلام دين حق. ﴿فَاْعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ يعني بقوله فاعفوا , أي اتركوا اليهود , واصفحوا عن قولهم ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني مَا أَذِنَ بِهِ في (بني قريظة) , من القتل والسبي , وفي (بني النضير) من الجلاء والنفي.
стр. 212
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أما المساجد فهي مواضع العبادات , وفي المراد بها هنا قولان: أحدهما: ما نسب إلى التعبد من بيوت الله تعالى استعمالاً لحقيقة الاسم.
стр. 213
والثاني: أنَّ كُلَّ موضع من الأرض , أقيمت فيه عبادة من بيوت الله وغيرها مسجد , لقول النبي ﷺ : (جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً). وفي المانع مساجد الله أن يُذْكَرَ فيها اسمه , أربعة أقاويل: أحدها: أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم النصارى الذين أعانوا (بُخْتَ نَصّر) على خرابه , وهذا قول السدي. والثالث: أنهم مشركو قريش , منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام عام الحديبية , وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: أنه عَامٌّ في كل مشرك , منع من كل مسجد. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَى في خَرَابِهَا﴾ تأويلان: أحدهما: بالمنع من ذكر الله فيها. والثاني: بهدمها. ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَاّ خَآئِفِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: خائفين بأداء الجزية , وهذا قول السدي. والثاني: خائفين من الرعب , إن قُدر عليهم عوقبوا , وهذا قول قتادة.
стр. 214
﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ فيه تأويلان:
стр. 215
أحدهما: أنه قتل الحربي وجزية الذمي. والثاني: أنه فتح مدائنهم عمورية , وقسطنطينية , ورومية , وهذا قول ابن عباس. ﴿وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو أشد من كل عذاب , لأنهم أظلم من كل ظالم.
следующие страницы →