← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين﴾ قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه إلا بأمر الله تعالى , قاله الحسن. الثاني: إلا بمعونة الله. الثالث: إلا بإعلام الله سبل الهدى والضلالات. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الرجس السخط , قاله ابن عباس. الثاني: أنه العذاب , قاله الفراء. الثالث: أنه الإثم , قاله سعيد بن جبيرٍ. الرابع: أنه ما لا خير فيه , قاله مجاهد. الخامس: أنه الشيطان , قاله قتادة.

стр. 1507

وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني لا يعقلون عن الله تعالى أمره ونهيه ويحتمل أنهم الذين لا يعتبرون بحججه ودلائله.

стр. 1508

﴿قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾ قوله : ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّدِينِ حَنِيفاً﴾ أي استقم بإقبال وجهك على ما أمرت به من الدين حنيفاً , وقيل أنه أراد بالوجه النفس. و ﴿حَنِيفاً﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أي حاجاً , قاله ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي. الثاني: متبعاً , قاله مجاهد. الثالث: مستقيماً , قاله محمد بن كعب. الرابع: مخلصاً , قاله عطاء. الخامس: مؤمناً بالرسل كلهم , قاله أبو قلابة قال حمزة بن عبد المطلب: (حمدت الله حين هدى فؤادي ... من الإشراك للدين الحنيف) السادس: سابقاً إلى الطاعة , مأخوذ من الحنف في الرجلين وهو أن تسبق إحداهما الأخرى.

стр. 1509

﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى

стр. 1510

إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ قوله : ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِنَّ ربِّكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: القرآن. الثاني: الرسول ﷺ . ﴿فَمِنِ اهْتَدَى فإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فيه وجهان محتملان: أحدهما: فمن اهتدى لقبول الحق فإنما يهتدي بخلاص نفسه. الثاني: فمن اهتدى إلى معرفة الحق فإنما يهتدي بعقله.

стр. 1511

سورة هود

стр. 1512

﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير﴾ قوله : ﴿الر كِتَابٌ﴾ يعني القرآن. ﴿أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أحكمت آياته بالأمر والنهي ثم فصلت بالثواب والعقاب , قاله الحسن. الثاني: أحكمت آياته من الباطل ثم فصلت بالحلال والحرام والطاعة والمعصية , وهذا قول قتادة.

стр. 1513

الثالث: أحكمت آياته بأن جعلت آيات هذه السورة كلها محكمة ثم فصلت بأن فسرت , وهذا معنى قول مجاهد. الرابع: أحكمت آياته للمعتبرين , وفصلت آياته للمتقين. الخامس: أحكمت آياته في القلوب , وفصلت أحكامه على الأبدان. ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من عند حكيم في أفعاله , خبير بمصالح عباده. الثاني: حكيم بما أنزل , خبير بمن يتقبل. قوله ﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ اللَّهَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن كتبت في الكتاب ﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ اللَّهَ﴾ الثاني: أنه أمر رسوله أن يقول للناس ﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ اللَّهَ﴾. ﴿إنَّنِي لَكُم مِّنُهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ قال ابن عباس: نذير من النار , وبشير بالجنة. قوله : ﴿وَأَنِ اسْتَغفْفِرُواْ رَبَّكمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: استغفروه من سالف ذنوبكم ثم توبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض العلماء: الإٍستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. الثاني: أنه قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب والتوبة هي السبب إليها , فالمغفرة أولٌ في الطلب وآخر في السبب. ويحتمل ثالثاً: أن المعنى استغفروه من الصغائر وتوبوا إليه من الكبائر ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً﴾ يعني في الدنيا وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه طيب النفس وسعة الرزق. الثاني: أنه الرضا بالميسور , والصبر على المقدور. الثالث: أنه ترْك الخلق والإقبال على الحق , قاله سهل بن عبد الله ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الحلال الكافي. الثاني: أنه الذي لا كد فيه ولا طلب. الثالث: أنه المقترن بالصحة والعافية. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1514

أحدها: إلى يوم القيامة , قاله سعيد بن جبير. الثاني: إلى يوم الموت , قاله الحسن. الثالث: إلى وقت لا يعلمه إلا الله تعالى , قاله ابن عباس. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يهديه إلىالعمل الصالح , قاله ابن عباس. الثاني: يجازيه عليه في الآخرة , على قول قتادة. ويجوز أن يجازيه عليه في الدنيا , على قول مجاهد. ﴿وَإن تَوَلَّوْا﴾ يعني عما أُمرتم له. ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وفيه إضمار وتقدير: فقل لهم إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير يعني يوم القيامة وصفه بذلك لكبر الأمور التي هي فيه.

стр. 1515

﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور﴾ قوله : ﴿أَلَا إنَّهُمُ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: يثنون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله تعالى , قاله مجاهد. الثاني: يثنونها على عداوة النبي ﷺ ليخفوها عنه , قاله الفراء والزجاج. الثالث: يثنونها على ما أضمروه من حديث النفس ليخفوه عن الناس , قاله الحسن. الرابع: أن المنافقين كانوا إذا مرّوا بالنبي ﷺ غطوا رؤوسهم وثنوا صدورهم ليستخفوا منه فلا يعرفهم , قاله أبو رزين. الخامس: أن رجلاً قال إذا أغلقت بابي وضربت ستري وتغشيت ثوبي وثنيت صدري فمن يعلم بي؟ فأعلمهم الله تعالى أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون. ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمُ﴾ يعني يلبسون ثيابهم ويتغطون بها، ومنه قول الخنساء:

стр. 1516

(أرعى النجوم وما كُلّفتُ رعيتها ... وتارةً أتغشّى فضل أطماري) وفي المراد ب ﴿حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: الليل يقصدون فيه إخفاء أسرارهم فيما يثنون صدورهم عليه. والله تعالى لا يخفى عليه ما يسرونه في الليل ولا ما يخفونه في صدروهم , فكنى عن الليل باستغشاء ثيابهم لأنهم يتغطون بظلمته كما يتغطون إذا استغشوا ثيابهم. الثاني: أن قوماً من الكفار كانوا لشدة بغضتهم لرسول الله ﷺ يستغشون ثيابهم يغطون بها وجوههم ويصمون بها آذنهم حتى لا يروا شخصه ولا يسمعوا كلامه , وهو معنى قول قتادة. الثالث: أن قوماً من المنافقين كانوا يظهرون لرسول الله ﷺ بألسنتهم أنهم على طاعته ومحبته , وتشتمل قلوبهم على بغضه ومعصيته , فجعل ما تشتمل عليه قلوبهم كالمستغشي بثيابه. الرابع: أن قوماً من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء , فبين الله تعالى أن المنسك ما اشتملت قلوبهم عليه من معتقد وما أظهروه من قول وعمل. ثم بيَّن ذلك فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما يسرون في قلوبهم وما يعلنون بأفواههم. الثاني: ما يسرون من الإيمان وما يعلنون من العبادات. الثالث: ما يسرون من عمل الليل وما يعلنون من عمل النهار , قاله ابن عباس. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قيل بأسرار الصدور. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق الثقفي.

стр. 1517

﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾

стр. 1518

قوله : ﴿وَيَعْلَمُ مُستَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدعَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مستقرها حيث تأوي , ومستودعها حيث تموت. الثاني: مستقرها في الرحم , ومستودعها في الصلب , قاله سعيد بن جبير. الثالث: مستقرها في الدنيا , ومستودعها في الآخرة. ويحتمل رابعاً: أن مستقرها في الآخرة من جنة أو نار , ومستودعها في القلب من كفر أو إيمان.

стр. 1519

﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون﴾ قوله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أيكم أتم عقلاً , قاله قتادة. الثاني: أيكم أزهد في الدنيا , وهو قول سفيان. الثالث: أيكم أكثر شكراً , قاله الضحاك. الرابع: ما روى كليب بن وائل عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (أَيُكُم أَحْسَنُ عَمَلاً) أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلاً وَأَوْرَعُ عَن مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى , وَأَسَرَعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ (.

стр. 1520

قوله : ﴿ولئن أخْرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني إلى فناء أمة معلومة , ذكره علي بن عيسى. الثاني: إلى أجل معدود , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين. وتكون الأمة عبارة عن المدة , واصلها الجماعة فعبر بها عن المدة لحلولها في مدة. ﴿ليقولن ما يحبسه﴾ يعني العذاب. وفي قولهم ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك تكذيباً للعذاب لتأخره عنهم. الثاني: أنهم قالوا ذلك استعجالاً للعذاب واستهزاء , بمعنى ما الذي حبسه عنا؟

стр. 1521

﴿ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن

стр. 1522

يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ قوله : ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّه﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن , قاله عبد الرحمن بن زيد. الثاني: محمد ﷺ , قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية وأبو صالح وقتادة والسري والضحاك. الثالث: الحجج الدالة على توحيد الله تعالى ووجوب طاعته , قاله ابن بحر. وذكر بعض المتصوفة قولاً رابعاً: أن البينة هي الإشراف على القلوب والحكمة على الغيوب. ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه لسانه يشهد له بتلاوة القرآن , قاله الحسن وقتادة , ومنه قول الأعشى: (فلا تحبسنّي كافراً لك نعمةً ... على شاهدي يا شاهد الله فاشهد.) ) الثاني: أنه محمد ﷺ شاهد من الله تعالى , قاله علي بن الحسين. الثالث: أنه جبريل ﵇ , قاله ابن عباس والنخعي وعكرمة والضحاك. الرابع: أنه علي بن أبي طالب ﵁ , روى المنهال عن عباد بن عبد الله قال: قال عليّ: ما في قريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية , قيل له: فما نزل فيك؟ قال ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنُهُ﴾ الخامس: أنه ملك يحفظه , قاله مجاهد وأبو العالية.

стр. 1523

ويحتمل قولاً سادساً: ويتلوه شاهد من نفسه بمعرفة حججه ودلائله وهو عقله ووحدته , قال ابن بحر. ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة , قاله ابن زيد. الثاني: ومن قبل محمد كتاب موسى , قاله مجاهد. ﴿إِمَاماً وَرَحْمَةًً﴾ فيه وجهان: أحدهما يعني متقدماً علينا ورحمة لهم. الثاني: إماماً للمؤمنين لاقتدائهم بما فيه ورحمة لهم. ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الأديان كلها لأنهم يتحزبون: قاله سعيد بن جبير. الثاني: هم المتخزبون على رسول الله ﷺ المجتمعون على محاربته. وفي المراد بهم ثلاثة أوجه: أحدها: قريش , قال السدي. الثاني: اليهود والنصارى , قاله سعيد بن جبير. الثالث: أهل الملل كلها. ﴿فَالْنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي أنها مصيره , قال حسان بن ثابت: (أوردتموها حياض الموت ضاحيةً ... فالنار موعِدُها والموت لاقيها) ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه﴾ فيه وجهان: أحدهما: في مرية من القرآن قاله مقاتل. الثاني: في مرية من أن النار موعد الكفار , قاله الكلبي , وهذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به جميع المكلفين.

стр. 1524

﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين

стр. 1525

الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ معناه ومن أظلم لنفسه ممن افترى على الله كذباً بأن يدعي إنزال ما لم ينزل عليه أو ينفي ما أنزل عليه. ﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ وهو حشرهم إلى موقف الحساب كعرض الأمير لجيشه , إلا أن الأمير يعرضهم ليراهم وهذا لا يجوز على الله تعلى لرؤيته لهم قبل الحشر. ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هؤلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ والأشهاد جمع , وفيما هو جمع له وجهان: أحدهما: أنه جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. والثاني: جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وفي الأشهاد أربعة أقاويل: احدها: أنه الأنبياء , قاله الضحاك. الثاني: أنهم الملائكة , قاله مجاهد. الثالث: الخلائق , قاله قتادة. الرابع: أن الأشهاد أربعة: الملائكة والأنبياء والمؤمنون والأجساد , قاله زيد بن أسلم. قوله : ﴿الَّذِينَ يَصُّدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني قريشاً. وفي سبيل الله التي صدوا عنها وجهان: أحدهما: أنه محمد ﷺ صدت قريش عنه الناس , قاله السدي. والثاني: دين الله تعالى , قاله ابن عباس.

стр. 1526

﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني يؤمنون بملة غير الإسلام ديناً , قاله أبو مالك. الثاني: يبغون محمداً هلاكاً , قاله السدي. الثالث: أن يتأولوا القرآن تاويلاً باطلاً , قاله عليّ بن عيسى. قوله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى لا جرم: لا بد. الثاني: أن ﴿لا﴾ عائد على الكفار , أي لا دافع لعذابهم , ثم استأنف فقال: جرم , أي كسب بكفره استحقاق النار , ويكون معنى جرم: كسب , أي بما كسبت يداه , قال الشاعر: (نَصَبنا رأسه في جذع نخل ... بما جَرَمت يداه وما اعتدينا) أي بما كسبت يداه. الثالث: أن ﴿لا﴾ زائدة دخلت توكيداً , يعني حقاً إنهم في الآخرة هم الأخسرون. قال الشاعر: (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارُة بعدها أن يغضبوا.) أي أحقتهم الطعنة بالغضب.

стр. 1527

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون﴾ قوله : ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم , قاله ابن عباس. الثاني: يعني اطمأنوا , قاله مجاهد. الثالث: أنابوا , قاله قتادة.

стр. 1528

الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم , رواه معمر. الخامس: أخلصوا إلى ربهم , قاله مقاتل.

стр. 1529

﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾ قوله عزوجل: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَك إلَاّ الَّذينَ هُمْ أرَاذِلُنا﴾ الاراذل جمع أرذل , وارذل جمع رذل , والرذل الحقير , وعنوا بأراذلهم الفقراء وأصحاب المهن المتضعة. ﴿باديَ الرأي﴾ أي ظاهر الرأي , وفيه ثلاثة اوجه: احدها: إنك تعمل بأول الرأي من غير فكر , قاله الزجاج. الثاني: أن ما في نفسك من الرأي ظاهر , تعجيزاً له , قال ابن شجرة. الثالث: يعني ان أراذلنا اتبعوك بأقل الرأي وهم إذا فكروا رجعوا عن اتباعك , حكاه ابن الأنباري. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: من فضل تفضلون به علينا من دنياكم. والثاني: من فضل تفضلون به علينا في أنفسكم.

стр. 1530

﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ قوله : ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني على ثقة من ربي , قاله أبو عمران الجوني. الثاني: على حجة من ربي , قاله عليّ بن عيسى.

стр. 1531

﴿وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْدِهِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: الإيمان. والثاني: النبوة , قاله ابن عباس. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني البينة في قوله ﴿إنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةِ مِن رَبِّي﴾ وإنما قال ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ وهم الذين عموا عنها , لأنها خفيت عليهم بترك النظر فأعماهم الله عنها. وقرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿فعميت عليكم﴾ بضم العين وتشديد الميم , وفي قراءة أُبي ﴿فعمّاها﴾ وهي موافقة لقراءة من قرأ بالضم على ما لم يسم فاعله. وفي الذي عماها على هاتين القراءتين وجهان: أحدهما: أن الله تعالى عماها عليهم. الثاني: بوسوسة الشيطان. وما زينه لهم من الباطل حتى انصرفوا عن الحق. وإنما قصد نبي الله نوح بهذا القول لقومه أن يرد عيهم قولهم ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ ليظهر فضله عليهم بأنه على بينة من ربه وآتاه رحمة من عنده وهم قد سلبوا ذلك , فأي فضل أعظم منه. ثم قال تعالى: ﴿أَنُلْزِمْكَمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ فيها وجهان: أنلزمكم الرحمة , قاله مقاتل. الثاني: أنلزمكم البينة وأنتم لها كارهون , وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة عليها. قال قتادة والله لو استطاع نبي الله نوح ﵇ لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك.

стр. 1532

﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون﴾

стр. 1533

قوله : ﴿. . وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَءَامَنُواْ﴾ لأنهم سألوه طرد من اتبعه من أراذلهم , فقال جواباً لهم ورداً لسؤالهم: وما أنا بطارد الذين آمنوا. ﴿إِنَّهُم مُّلَاقُوْا رَبِّهِم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال ذلك على وجه الإعظام لهم بلقاء الله تعالى. الثاني: على وجه الاختصام , بأني لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تجهلون في استرذالكم لهم وسؤالكم طردهم. الثاني: تجلون في أنهم خير منكم لإيمانهم وكفركم.

стр. 1534

﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون﴾ قوله : ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ احتمل هذا القول من نوح ﵇ وجهين: أحدهما: أن يكون جواباً لقومه على قولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَراً مِثْلَنَا﴾ الثاني: أن يكون جواباً لهم على قولهم ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ فقال الله تعالى له قل: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِن اللَّهِ﴾ وفيها وجهان: أحدهما: أنها الرحمة أي ليس بيدي الرحمة فأسوقها إليكم , قاله ابن عباس. الثاني: أنها الأموال , أي ليس بيدي أموال فأعطيكم منها على إيمانكم. ﴿وَلَا أعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبركم بما في انفسكم. ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ يعني فأباين جنسكم.

стр. 1535

﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً﴾ والازدراء الإحتقار. يقال ازدريت عليه إذاعبته , وزريت عليه إذا حقرته. وأنشد المبرد: (يباعده الصديق وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير.) ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً﴾ أي ليس لاحتقاركم لهم يبطل أجرهم أو ينقص ثوابهم , وكذلك لستم لعلوكم في الدنيا تزدادون على أجوركم. ﴿اللَّهَ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني أنه يجازيهم عليه ويؤاخذهم به. ﴿إِني إذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني إن قلت هذا الذي تقدم ذكره.

стр. 1536

﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون﴾ قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني النبي ﷺ , افترى افتعل من قبل نفسه ما أخبر به عن نوح وقومه. ﴿قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَليَّ إجرامي﴾ وفي الإجرام وجهان: أحدهما: أنه الذنوب المكتسبة. حكاه ابن عيسى. الثاني: أنها الجنايات المقصودة , قاله ابن عباس ومنه قول الشاعر: (طريد عشيرةٍ ورهين جرم ... بما جرمت يدي وجنى لساني.) ومعناه: فعلىّ عقاب إجرامي. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي وعليكم من عقاب جرمكم في تكذيبي ما أنا بريء منه.

стр. 1537

﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا

стр. 1538

منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ قوله : ﴿وَأوحِيَ إِلَى نُوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ حقق الله تعالى استدامة كفرهم تحقيقاً لنزول الوعيد بهم , قال الضحاك , فدعا عليهم لما أُخبر بهذا فقال: ﴿ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ديَّاراً. إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٧: ٢٦]. ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَ كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فلا تأسف ومنه قول يزيد بن عبد المدان: (فارسُ الخيل إذا ما ولولت ... ربّهُ الخِدر بصوتٍ مبتئس) الثاني: فلا تحزن , ومنه قول الشاعر: (وكم من خليلٍ أو حميم رُزئته ... فلم أبتئس والرزءُ فيه جَليلُ) والأبتئاس: الحزن في استكانة , وأصله من البؤس , وفي ذلك وجهان: أحدهما: فلا تحزن لهلاكهم. الثاني: فلا تحزن لكفرهم المفضي إلى هلاكهم. قوله : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: بحيث نراك , فعبر عن الرؤية بالأعين لأن بها تكون الرؤية. الثاني: بحفظنا إياك حفظ من يراك.

стр. 1539

الثالث: بأعين أوليائنا من الملائكة. ويحتمل وجهاً رابعاً: بمعونتنا لك على صنعها. ﴿وَوَحْيِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. الثاني: تعليمنا لك كيف تصنعها. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظلَمُواْ إِنَّهُمْ مُغْرَقونَ﴾ نهاه الله عن المراجعة فيهم فاحتمل نهيه أمرين: أحدهما: ليصرفه عن سؤال ما لا يجاب إليه. الثاني: ليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة. قوله : ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ قال زيد بن أسلم: مكث نوح ﵇ مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها , ومائة سنة يعملها , واختلف في طولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله الحسن كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع , وعرضها ستمائة ذراع , وكانت مطبقة. الثاني: ما قاله ابن عباس: كان طولها أربعمائة ذراع , وعلوها ثلاثون ذراعاً. وقال خصيف: كان طولها ثلاثمائة ذراع , وعرضها خمسون ذراعاً , وكان في أعلاها الطير , وفي وسطها الناس وفي أسفلها السباع. ودفعت من عين وردة في يوم الجمعة لعشر مضين من رجب ورست بباقردي على الجودي يوم عاشوراء. قال قتادة وكان بابها في عرضها.

стр. 1540

﴿وكلّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِّنْ قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما: أنهم كانوا يرونه يبني في البر سفينة فيسخرون منه ويستهزئون به ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً. الثاني: أنهم لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا يا نوح: ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً يمشي علىالماء فعجبوا من قوله وسخروا منه. ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: إن تسخروا من قولنا فسنسخر من غفلتكم. الثاني: إن تسخروا من فِعلنا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق. والمراد بالسخرية ها هنا الاستجهال. ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم. قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه. قال: ومياه البحار بقية الطوفان. فإن قيل: فلم جاز أن يقول فإنا نسخر منكم مع قبح السخرية؟ قيل: لأنه ذمٌّ جعله مجازاة على السخرية فجاء به على مزاوجة الكلام , وكان الزجاج لأجل هذا الاعتراض يتأوله على معنى إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا.

стр. 1541

﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾

стр. 1542

قوله : ﴿حَتَّى إذا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: وجه الأرض , والعرب تسمي وجه الأرض تَنُّوراً , قاله ابن عباس وقيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني: أن التنور العين التي بالجزيرة (عين وردة) , رواه عكرمة. الثالث: أنه مسجد بالكوفة من قبل أبواب كندة , قاله علي بن أبي طالب ﵁. الرابع: أن التنور ما زاد على وجه الأرض فأشرف منها , قاله قتادة. الخامس: أنه التنور الذي يخبز فيه , قيل له: إذا رأيت الماء يفور منه فاركب أنت ومن معك , قاله مجاهد. قال الحسن: كان تنوراً من حجارة وكان لحواء ثم صار لنوح , وقال مقاتل: فارَ من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام , قال أمية بن الصلت: (فار تنورهم وجاش بماءٍ ... صار فوق الجبال حتى علاها) السادس: أن التنور هو تنوير الصبح , من قولهم: نور الصبح تنويراً , وهو مروي عن علي ﵁. ﴿قُلْنَا احِملْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجِيْن اثْنَينِ﴾ يعني من الآدميين والبهائم ذكراً وأنثى. ﴿وَأهْلَكَ﴾ أي احمل أهلك. ﴿إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله تعالى أنه يهلكهم وهو ابنه كنعان وامرأته كانا كافرين: قاله الضحاك وابن جريج. ﴿وَمَن آمَنَ﴾ أي احمل من آمن. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيْلٌ﴾ واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: ثمانون رجلاً منهم جرهم , قاله ابن عباس. الثاني: ثمانين , قاله ابن جريج. الثالث: سبعة , قاله الأعمش ومطر , وكان فيهم ثلاثة بنين: سام وحام

стр. 1543

ويافث , وثلاث بنات له ونوح معهم فصاروا سبعة. وعلى القول الثاني: كانت فيهم امرأة نوح فصاروا ثمانية. قال محمد بن عباد بن جعفر: فأصاب حام امرأته في السفينة , فدعا نوح أن يغير الله نطفته فجاء السودان.

стр. 1544

﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ قوله : ﴿وقال اركبوا فيها بِاسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيمٌ﴾ قال قتادة: ركب نوح ﵇ في السفينة في اليوم العاشر من رجب , ونزل منها في اليوم العاشر من المحرم , وهو يوم عاشوراء , فقال لمن معه: من كان صائماً فليتم صومه , ومن لم يكن صائماً فليصمه. وقوله ﴿بسم الله مجريها﴾ أي مسيرها , ﴿ومُرساها﴾ أي مثبتها , فكان إذا أراد السير قال: بسم الله مجريها , فتجري , وإذا أراد الوقوف قال: بسم الله مرساها. فتثبت واقفة. قوله : ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ قال ذلك لبقائه على كفره تكذيباً لأبيه , وقيل إن الجبل الذي أوى إليه طور زيتا. ﴿قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلا من رحم الله وهم أهل السفينة. الثاني: إلا من رحم نوح فحمله في سفينته وقوله ﴿لا عاصم﴾ يعني لا معصوم. ﴿من أمر الله﴾ يعني الغرق.

стр. 1545

﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين﴾ قوله : ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءَك﴾ جعل نزول الماء فيها بمنزلة البلع , ومعناه ابلعي الماء الذي عليك , فروى الحسن والحسين ﵉ أن بعض البقاع امتنع أن يبلع ماءه فصار ماؤه مراً وترابه سبخا. ﴿ويا سماء أقلعي﴾ أي لا تمطري , من قولهم أقلع عن الشيء إذا تركه. ﴿وغيض الماء﴾ أي نقص حتى ذهبت زيادته عن الأرض. ﴿وَقضي الأمر﴾ يعني بهلاك من غرق من قوم نوح. ﴿وَاستوت﴾ يعني السفينة. ﴿على الجودي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جبل بالموصل , قاله الضحاك. الثاني: أنه جبل بالجزيرة , قاله مجاهد. قال قتادة. هو بباقردى من أرض الجزيرة. الثالث: أن الجودي اسم لكل جبل , ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل. (سبحانه ثم سُبحاناً يعود له ... وقبلنا سبح الجوديُّ والجمد)
следующие страницы →