Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾
стр. 1542
قوله : ﴿حَتَّى إذا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: وجه الأرض , والعرب تسمي وجه الأرض تَنُّوراً , قاله ابن عباس وقيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني: أن التنور العين التي بالجزيرة (عين وردة) , رواه عكرمة. الثالث: أنه مسجد بالكوفة من قبل أبواب كندة , قاله علي بن أبي طالب ﵁. الرابع: أن التنور ما زاد على وجه الأرض فأشرف منها , قاله قتادة. الخامس: أنه التنور الذي يخبز فيه , قيل له: إذا رأيت الماء يفور منه فاركب أنت ومن معك , قاله مجاهد. قال الحسن: كان تنوراً من حجارة وكان لحواء ثم صار لنوح , وقال مقاتل: فارَ من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام , قال أمية بن الصلت:
(فار تنورهم وجاش بماءٍ ... صار فوق الجبال حتى علاها)
السادس: أن التنور هو تنوير الصبح , من قولهم: نور الصبح تنويراً , وهو مروي عن علي ﵁. ﴿قُلْنَا احِملْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجِيْن اثْنَينِ﴾ يعني من الآدميين والبهائم ذكراً وأنثى. ﴿وَأهْلَكَ﴾ أي احمل أهلك. ﴿إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله تعالى أنه يهلكهم وهو ابنه كنعان وامرأته كانا كافرين: قاله الضحاك وابن جريج. ﴿وَمَن آمَنَ﴾ أي احمل من آمن. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيْلٌ﴾ واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: ثمانون رجلاً منهم جرهم , قاله ابن عباس. الثاني: ثمانين , قاله ابن جريج. الثالث: سبعة , قاله الأعمش ومطر , وكان فيهم ثلاثة بنين: سام وحام
стр. 1543
ويافث , وثلاث بنات له ونوح معهم فصاروا سبعة. وعلى القول الثاني: كانت فيهم امرأة نوح فصاروا ثمانية. قال محمد بن عباد بن جعفر: فأصاب حام امرأته في السفينة , فدعا نوح أن يغير الله نطفته فجاء السودان.
стр. 1544
﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ قوله : ﴿وقال اركبوا فيها بِاسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيمٌ﴾ قال قتادة: ركب نوح ﵇ في السفينة في اليوم العاشر من رجب , ونزل منها في اليوم العاشر من المحرم , وهو يوم عاشوراء , فقال لمن معه: من كان صائماً فليتم صومه , ومن لم يكن صائماً فليصمه. وقوله ﴿بسم الله مجريها﴾ أي مسيرها , ﴿ومُرساها﴾ أي مثبتها , فكان إذا أراد السير قال: بسم الله مجريها , فتجري , وإذا أراد الوقوف قال: بسم الله مرساها. فتثبت واقفة. قوله : ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ قال ذلك لبقائه على كفره تكذيباً لأبيه , وقيل إن الجبل الذي أوى إليه طور زيتا. ﴿قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلا من رحم الله وهم أهل السفينة. الثاني: إلا من رحم نوح فحمله في سفينته وقوله ﴿لا عاصم﴾ يعني لا معصوم. ﴿من أمر الله﴾ يعني الغرق.
стр. 1545
﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين﴾ قوله : ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءَك﴾ جعل نزول الماء فيها بمنزلة البلع , ومعناه ابلعي الماء الذي عليك , فروى الحسن والحسين ﵉ أن بعض البقاع امتنع أن يبلع ماءه فصار ماؤه مراً وترابه سبخا. ﴿ويا سماء أقلعي﴾ أي لا تمطري , من قولهم أقلع عن الشيء إذا تركه. ﴿وغيض الماء﴾ أي نقص حتى ذهبت زيادته عن الأرض. ﴿وَقضي الأمر﴾ يعني بهلاك من غرق من قوم نوح. ﴿وَاستوت﴾ يعني السفينة. ﴿على الجودي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جبل بالموصل , قاله الضحاك. الثاني: أنه جبل بالجزيرة , قاله مجاهد. قال قتادة. هو بباقردى من أرض الجزيرة. الثالث: أن الجودي اسم لكل جبل , ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل.
(سبحانه ثم سُبحاناً يعود له ... وقبلنا سبح الجوديُّ والجمد)
стр. 1546
﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما
стр. 1547
ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ قوله : ﴿ونادى نوحٌ ربه فقال رَبِّ إنَّ ابني من أهلي﴾ وإنما قال ﴿من أهلي﴾ لأن الله تعالى وعده أن ينجي أهله معه. ﴿وإن وعدك الحق﴾ يحتمل وجهين: أحدهما الذي يحق فلا يخلف. الثاني: الذي يلزم كلزوم الحق. ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ يعني بالحق: فاحتمل هذا من نوح أحد أمرين: إما أن يكون قبل علمه بغرق ابنه فسأل الله تعالى له النجاة , وإما أن يكون بعد علمه بغرقه فسأل الله تعالى له الرحمة. قوله : ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه وكان لغيره رشدة , قاله الحسن ومجاهد. الثاني: أنه ابن امرأته. الثالث: أنه كان ابنه , قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.
стр. 1548
وقيل إن اسمه كان كنعان , وقيل بل كان اسمه يام. قال الحسن: وكان منافقاً ولذلك استعجل نوح أن يناديه فعلى هذا يكون في تأويل قوله تعالى ﴿إنه ليس من أهلك﴾ وجهان: أحدهما: ليس من أهل دينك وولايتك , وهو قول الجمهور. الثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك , قاله سعيد بن جبير. ﴿إنه عملٌ غير صالحٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن مسألتك إياي أن أنجيه عمل غير صالح , قاله قتادة وإبراهيم وهو تأويل من قرأ عملٌ غير صالح بالتنوين. والثاني: معناه أن ابنك الذي سألتني أن أنجيه هو عملٌ غير صالحٍ , أي أنه لغير رشدة , قاله الحسن. والثالث: أنه عملٌ غير صالحٍ , قاله ابن عباس , وهو تأويل من لمن ينون. ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فيما نسبته إلى نفسك وليس منك. الثاني: في دخوله في جملة من وعدتك بإنجائهم من أهلك وليس منهم. ﴿إني أعظُك أن تكون من الجاهلين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الجاهلين بنسبك. الثاني: من الجاهلين بوعدي لك. وفي قوله ﴿إني أعظك﴾ تأويلان: أحدهما: معناه إني رافعك أن تكون من الجاهلين. الثاني: معناه أني أحذرك ومنه قوله تعالى ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً﴾ أي يحذرّكم.
стр. 1549
﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة
стр. 1550
للمتقين وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ قوله : ﴿يُرْسِلِ السماء عليكم مدراراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه المطر في إبانه , قاله هارون التيمي. الثاني: المطر المتتابع , قاله ابن عباس. ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: يُدرُّه عند الحاجة. والثاني: يُدرُّ به البركة , وهو مأخوذ من درور اللبن من الضرع. ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني شدة إلى شدتك , قاله مجاهد. الثاني: خصباً إلى خصبكم , قاله الضحاك. الثالث: عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم , قاله علي بن عيسى. الرابع: أنه ولد الولد , قاله عكرمة. ويحتمل خامساً يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوتكم في أبدانكم.
стр. 1551
﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون
стр. 1552
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود﴾ قوله : ﴿ ... إن ربي على صراط مستقيم﴾ فيه وجهان: أحدهما: على الحق , قاله مجاهد. الثاني: على تدبير محكم , قاله علي بن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنه على طريق الآخرة في مصيركم إليه للجزاء وفصل القضاء.
стр. 1553
﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ قوله : ﴿ ... هو أنشأكم من الأرض﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خلقكم من الأرض لأنكم من آدم وآدم من الأرض , قاله السدي. والثاني: معناه أنشأكم في الأرض. والثالث: أنشأكم بنبات الأرض.
стр. 1554
﴿واستعمركم فيها﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أعمركم فيها بأن جعلكم فيها مدة أعماركم , قاله مجاهد , من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى. الثاني: امركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها بناء مساكن وغرس أشجار قاله علي بن عيسى. الثالث: أطال فيها أعمالكم , قال الضحاك , كانت أعماركم ألف سنة إلى ثلاثمائة سنة.
стр. 1555
﴿قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير﴾ قوله ﴿قالوا يا صالحُ قد كنت فينا مرجُوّاً قَبل هذا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي مؤملاً برجاء خيرك. الثاني: أي حقيراً من الإرجاء وهو التأخير , فيكون على الوجه الأول عتباً , وعلى الثاني زجراً. قوله : ﴿قال يا قوم أرأيتم إن كُنْتُ على بينةٍ من ربي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على حق بَيّن. الثاني: على حجة ظاهرةٍ. وقال الكلبي على دين من ربي. ﴿وآتاني منه رحمة﴾ قال ابن جرير الطبري يعني النبوة والحكمة.
стр. 1556
﴿فمن ينصرني من الله إن عصيته﴾ أي فمن يدفع عني عذاب الله إن عصيته بطاعتكم. ﴿فما تزيدونني غير تخسير﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني ما تزيدونني في احتجاجكم بتباع آبائكم إلا خساراً تخسرونه أنتم , قاله مجاهد. الثاني: فما تزيدونني مع الرد والتكذيب إن أجبتم إلى ما سألتم إلا خساراً لاستبدال الثواب بالعقاب.
стр. 1557
﴿ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود﴾ قوله : ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحةُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن جبريل ﵇ صاح بهم. الثاني: أن الله تعالى أحدثها في حيوان صاح بهم. الثالث: أن الله تعالى أحدثها من غير حيوان. ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ لأن الصيحة أخذتهم ليلاً فأصبحوا منها هلكى. ﴿في ديارهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: في منازلهم وبلادهم , من قولهم هذه ديار بكر وديار ربيعة. الثاني: في دار الدنيا لأنها دار لجميع الخلق. وفي ﴿جاثمين﴾ وجهان: أحدهما: مبيتين , لأن الصحية كانت بياتاً في الليل , قاله عبد الرحمن بن زيد.
стр. 1558
الثاني: هلكى بالجثوم. وفي الجثوم تأويلان: أحدهما: أنه السقوط على الوجه. الثاني: أنه القعود على الرُّكب. قوله : ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ فيه وجهان: أحدهما: كأن لم يعيشوا فيها. الثاني: كأن لم ينعموا فيها. ﴿ألا إنَّ ثمود كفروا ربهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: كذبوا وعيد ربهم. الثاني: كفروا بأمر ربهم. ﴿ألا بُعْداً لثمود﴾ فقضى عليهم بعذاب الاستئصال فهلكوا جيمعاً إلا رجلاً منهم وهو أبو رمحان كان في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى.
стр. 1559
﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ قوله : ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾. أما إبراهيم ففيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي , قاله الأكثرون. وقيل معناه أب رحيم.
стр. 1560
الثاني: أنه عربي مشتق من البرهمة وهي إدامة النظر. والرسل جبريل ومعه ملكان قيل إنهما ميكائيل وإسرافيل ﵇ وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان المرسل مع جبريل اثني عشر ملكاً. وفي البشرى التي جاءوه بها أربعة أقاويل: أحدها: بشروه بنبّوته , قاله عكرمة. الثاني: بإسحاق , قاله الحسن. الثالث: بشروه بإخراج محمد ﷺ من صلبه وأنه خاتم الأنبياء. الرابع: بشروه بهلاك قوم لوط , قاله قتادة. ﴿قالوا سلاماً قال سلامٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما تحية من الملائكة لإبراهيم ﵇ فحياهم بمثله فدل على أن السلام تحية الملائكة والمسلمين جميعاً. الثاني: سلمت أنت وأهلك من هلاك قوم لوط. وقوله ﴿سلام﴾ أي الحمد لله الذي سلّمني , فمعنى سلام: سلمت. وقرأ حمزة والكسائي ﴿سِلم﴾ بكسر السين وإسقاط الألف. واختلف في السلم والسلام على وجهين: أحدهما: أن السلم من المسالمة والسلام من السلامة. الثاني: أنهما بمعنى واحد , قال الشاعر , وقد أنشده الفراء لبعض العرب:
(وقفنا فقلنا إيه سِلْم فسَلّمَتْ ... كما اكتلَّ بالبرْقِ الغمامُ اللوائحُ)
﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ ظنَّ رُسُل ربه أضيافاً لأنهم جاؤُوه في صورة الناس فعجل لهم الضيافة فجاءهم بعجل حنيذ. وفي الحنيذ قولان:
стр. 1561
أحدهما: أنه الحار , حكاه أبان بن تغلب عن علقمة النحوي. الثاني: هو المشوي نضيجاً وهو المحنوذ مثل طبيخ ومطبوخ وفيه قولان: أحدهما: هو الذي حُفر له في الأرض ثم غُمَّ فيها , قال الشاعر:
(اذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القِرى ... حنذناه حتى عَين اللحم آكله)
الثاني: هو أن يوقد عل الحجارة فإذا اشتد حرها ألقيت في جوفه ليسرع نضجه , قال طرفة بن العبد:
(لهم راحٌ وكافور ومسكٌ ... وعِقر الوحش شائله حنوذ)
قوله : ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ في نكرهم وأنكرهُم وجهان: أحدهما: أن معناهما مخلتف , فنكرهم إذا لم يعرفهم ونكرهم إذا وجدهم على منكر. الثاني: أنهما بمعنى واحد , قال الأعشى:
(وأنكَرَتْني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلَعا)
واختلف في سبب إنكاره لهم على قولين: أحدهما: أنهم لم يطعموا , ومن شأن العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا به سوءاً وخافوا منه شراً , فنكرهم إبراهيم لذلك , قاله قتادة. والثاني: لأنه لم تكن لهم أيدي فنكرهم , قاله يزيد بن أبي حبيب. وامتنعوا من طعامه لأنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون. ﴿وَأَْوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أضمر في نفسه خوفاً منهم. والثاني: أحسّ من نفسه تخوفاً منهم , كما قال يزيد بن معاوية:
(جاء البريد بقرطاس يُخَبُّ به ... فأوجس القلبُ من قرطاسه جزعا)
﴿قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط﴾ يعني بهلاكهم.
стр. 1562
وفي إعلامهم إبراهيم بذلك وجهان: أحدهما: ليزول خوفه منهم. والثاني: لأن إبراهيم قد كان يأتي قوم لوط فيقول: ويحكم أينهاكم عن الله أن تتعرضوا لعقوبته فلا يطيعونه. ﴿وَامْرأَتُهُ قَائِمَتٌ فَضَحِكَتْ﴾ وفي قيامها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم , قاله وهب. الثاني: أنها كانت قائمة تخدمهم , قاله مجاهد. الثالث: أنها كانت قائمة تُصَلّي , قاله محمد بن إسحاق. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حاضت , قاله مجاهد والعرب تقول ضحكت المرأة إذا حاضت , والضحك الحيض في كلامهم , قال الشاعر:
(وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الخوف يوم اللّقا)
والثاني: أن معنى ضحكت: تعجبت , وقد يسمى التعجب ضحكاً لحدوث الضحك عنه , ومنه قول أبي ذؤيب.
(فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلاّ انه عمل النحل)
)
الثالث: أنه الضحك المعروف في الوجه , وهو قول الجمهور. فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان: أحدهما: أنه وافق وقت عاتها فخافت ظهور دمها وأرادت شداده فتحيرت مع حضور الرسل. والقول الثاني: ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته , وقد تتغير عادة الحيض باختلاف الأحوال وتغير الطباع. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن يكون الحيض بشيراً بالولادة لأن من لم تحض لا تلد. وإن حمل تأويله على التعجب ففيما تعجب منه أربعة أقاويل:
стр. 1563
أحدها: أنها تعجبت من أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمة لهم وهم لا يأكلون , قاله السدي. الثاني: تعجبت من أن قوم لوط قد أتاهم العذاب وهم غافلون , قاله قتادة. الثالث: أنها عجبت من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها , قاله وهب بن منبه. الرابع: أنها تعجبت من إحياء العجل الحنيذ لأن جبريل ﵇ مسحه بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار , قاله عون بن أبي شداد. وإن حمل تأويله على ضحك الوجه ففيما ضحكت منه أربعة أقاويل: أحدها: ضحكت سروراً بالسلامة. الثاني: سروراً بالولد. الثالث: لما رأت ما بزوجها من الورع , قاله الكلبي. الرابع: أنها ضحكت ظناً بأن الرسل يعملون عمل قوم لوط , قاله محمد بن عيسى. ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ وفي ﴿وراء﴾ ها هنا قولان: أحدهما: أن الوراء ولد الولد , قاله ابن عباس والشعبي. الثاني: أنه بمعنى بعد , قاله مقاتل , وقال النابغة الذبياني:
(حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراءَ اللهِ للمرء مذهبُ)
فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب , فاحتمل أن يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما , واحتمل أن تكون البشارة بهما وسماها أبوهما. فإن قيل: فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى.
стр. 1564
الثاني: أنهم كافأُوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها. الثالث: لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً. قال ابن عباس: سمي إسحاق لأن سارة سحقت بالضحك حين بشرت به. قوله : ﴿قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوزٌ وهذا بَعْلي شيخا﴾ لم تقصد بقولها يا ويلتا الدعاء على نفسها بالويل ولكنها كلمة تخفُّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه , وعجبت من ولادتها وهي عجوز وكون بعلها شيخاً لخروجه عن العادة , وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. واختلف في سنها وسن إبراهيم حينئذ , فقال مجاهد: كان لسارة تسع وتسعون سنة وكان لإبراهيم مائة سنة. وقال محمد بن إسحاق: كانت سارة بنت تسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقال قتادة: كان كل واحد منهما ابن تسعين سنة. وقيل انها عرّضت بقولها ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ عن ترك غشيانه لها , والبعل هو الزوج في هذا الموضع , ومنه قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والبعل: المعبود , ومنه قوله تعالى ﴿أتدعون بعلاً﴾ [الصافات: ١٢٥] أي اليها معبوداً. والبعل السيد , ومنه قول لبيد.
(حاسري الديباج عن أذرعهم ... عند بعل حازم الرأي بَطل)
فسمي الزوج بعلاً لتطاوله على الزوجة كتطاول السيد على المسود. ﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ أي منكر , ومنه قوله تعالى ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ [ق: ٢] أي أنكروا. ولم يكن ذلك منها تكذيباً ولكن استغراباً له.
стр. 1565
﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾
стр. 1566
قوله : ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع﴾ يعني الفزع , والرُّوع بضم الراء النفس , ومنه قولهم ألقى في رُوعي أي في نفْسي. ﴿وجاءتْهُ البشرى﴾ أي بإسحاق ويعقوب. ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جادل الملائكة بقوله ﴿إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينة وأهله﴾ [العنكبوت: ٣٢] قاله الحسن. الثاني: أنه سألهم أتعذبونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين؟ قالوا لا , قال: فإن كان فيها أربعون؟ قالوا: لا , إلى أن أنزلهم إلى عشرة , فقالوا: لا , قاله قتادة. الثالث: أنه سألهم عن عذابهم هل هو عذاب الاستئصال فيقع بهم لا محالة على سبيل التخويف ليؤمنوا , فكان هذا هو جداله لهم وإن كان سؤالاً لأنه خرج مخرج الكشف عن أمر غامض. قال أبو مالك: ولم يؤمن بلوط إلا ابنتاه رقية وهي الكبرى وعروبة وهي الصغرى.
стр. 1567
﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد﴾ قوله : ﴿ولما جاءَت رُسُلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذراعاً﴾ قال ابن عباس: ساء ظنه بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه. ويحتمل وجهاً آخر أنه ساء ظنه برسل ربه , وضاق ذراعاً بخلاص نفسه لأنه نكرهم قبل معرفتهم. ﴿وقال هذا يومٌ عصيب﴾ أي شديد لأنه خاف على الرسل من قومه أن يفضحوهم على قول ابن عباس , وعلى الاحتمال الذي ذكرته خافهم على نفسه فوصف يومه بالعصيب وهو الشديد , قال الشاعر:
стр. 1568
(وإنك إلاّ ترض بكر بن وائل ... يكن لك يومٌ بالعراق عصيب.)
قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر , قال الكلبي: كان بين قرية إبراهيم وقف لوط أربعة فراسخ. قوله : ﴿وجاءه قومُه يهرعون إليه﴾ أي يسرعون , والإهراع بين الهرولة والحجزى. قال الكسائي والفراء: لا يكون الإهراع إلا سراعاً مع رعدة. وكان سبب إسراعهم إليه أن أمرأة لوط أعلمتهم بأضيافه وجَمالهم فأسرعوا إليه طلباً للفاحشة منهم. ﴿ومن قبل كانوا يعملون السيئات﴾ فيه وجهان: أحدهما: من قبل إسراعهم اليه كان ينكحون الذكور , قاله السدي. الثاني: أنه كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة , قاله عمر بن أبي زائدة. ﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم﴾ قال لهم لوط ذلك ليفتدي أضيافه منهم. ﴿هؤلاء بناتي﴾ فيهن قولان: أحدهما: أنه أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه. قال مجاهد وكل نبي أبو أمّته وهم أولاده. وقال سعيد بن جبير: كان في بعض القرآن: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاجه أمهاتهم وهوأب لهم. الثاني: أنه أراد بنات نفسه وأولاد صلبه لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في غيرهن , وهو معنى قول حذيفة بن اليمان. فإن قيل: كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة , وكان هذا في صدر الإسلام جائزاً حتى نسخ , قاله الحسن. الثاني: أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح. الثالث: أنه قال ذلك ترغيباً في الحلال وتنبيهاً على المباح ودفعاً للبادرة من غير بذل نكاحهن ولا بخطبتهن , قاله ابن أبي نجيح.
стр. 1569
﴿هن أطهر لكم﴾ أي أحل لكم بالنكاح الصحيح. ﴿فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تذلوني بعار الفضيحة , ويكون الخزي بمعنى الذل. الثاني: لا تهلكوني بعواقب فسادكم , ويكون الخزي بمعنى الهلاك. الثالث: أن معنى الخزي ها هنا الاستحياء , يقال خزي الرجل إذا استحى , قال الشاعر:
(من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مِرطها أو زايل الحلي جيدها)
والضيف: الزائر المسترقد , ينطلق على الواحد والجماعة , قال الشاعر:
(لا تعدمي الدهر شفار الجازر ... للضيف والضيف أحق زائر)
﴿أليس منكم رجلٌ رشيد﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي مؤمن , قاله ابن عباس. الثاني: آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر , قاله أبو مالك. ويعني: رجل رشيد ليدفع عن أضيافه , وقال ذلك تعجباً من اجتماعهم على المنكر. قوله : ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما لنا فيهن حاجة , قاله الكلبي. الثاني: ليس لنا بأزواج , قاله محمد بن إٍسحاق. ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعلم أننا لا نتزوج إلا بامرأة واحدة وليس منا رجل إلا له امرأة , قاله الكلبي. الثاني: أننا نريد الرجال.
стр. 1570
﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ قوله : ﴿قال لو أن لي بكم قوة﴾ يعني أنصاراً. وقال ابن عباس: أراد الولد. ﴿أو آوي إلى رُكنٍ شديد﴾ يعني إلى عشيرة مانعة. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد). يعني الله تعالى قال رسول الله ﷺ : (فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه). قال وهب بن منبه: لقد وجدت الرسل على لوط وقالوا: إن ركنك لشديد. قوله : ﴿قالوا يا لوط إنا رُسُل ربِّك لن يصلوا إليك﴾ وفي اسمه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثيرين. الثاني: أنه اسم عربي مأخوذ من قولهم: لطتُ الحوض إذا ملسته بالطين. وقيل إن لوطاً كان قائماً على بابه يمنع قومه من أضيافه , فلما أعلموه أنهم رسل ربه مكّن قومه من الدخول فطمس جبريل ﵇ على أعينهم فعميت , وعلى أيديهم فجفت. ﴿فأسْرِ بأهلك﴾ أي فسِرْ بأهلك ليلاً , والسُري سير الليل , قال عبد الله بن رواحة:
(عند الصباح يحمد القوم السُرَى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى)
يقال وأسرى وفيها وجهان: أحدهما: أن معناهما في سير الليل واحد. الثاني: أن معناهما مختلف , فأسرى إذا سار من أول الليل , وسرى إذا سار في آخره , ولا يقال في النهار إلا سار , قال لبيد:
стр. 1571
(إذا المرءُ أسرى ليلة ظن أنه ... قضى عملاً , والمرءُ ما عاش عامِلُ)
﴿بقطعٍ من الليل﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه سواد الليل , قاله قتادة. الثاني: أنه نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين , ومنه قول الشاعر:
(ونائحةٍ تنوح بقطع ليل ... على رجلٍ بقارعة الصّعيد)
الثالث: أنه الفجر الأول , قاله حميد بن زياد. الرابع: أنه قطعة من الليل , قاله ابن عباس. ﴿ولا يلتفت منك أحد﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا ينظر وراءه منكم أحد , قاله مجاهد. الثاني: يعني لا يتخلف منك أحد , قاله ابن عباس: الثالث: يعني لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو امتناع , حكاه علي بن عيسى. ﴿إلا امرأتك إنّه مُصيبها ما أصابهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن قوله ﴿إلا امرأتك﴾ استثناء من قوله ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل الا امرأتك﴾ وهذا قول من قرأ ﴿إلا امرأتك﴾ بالنصب. الثاني: أنه استثناء من قوله ﴿ولا يلتفت منك أحد إلا امرأتك﴾ وهو على معنى البدل إذا قرىء بالرفع. ﴿إنه مصيبها ما أصابهم﴾ فذكره قتادة أنها خرجت مع لوط من القرية فسمعت الصوت فالتفتت , فأرسل الله عليهم حجراً فأهلكها. ﴿إنّ موعدهم الصبح أليْسَ الصُّبحُ بقريبٍ﴾ فروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لوطاً لما علم أنهم رسل ربه قال: فالآن إذن فقال له جبريل ﵇ ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) ويجوز أن يكون قد جعل الصبح ميقاتاً
стр. 1572
لهلاكهم لأن النفوس فيه أودع والناس فيه أجمع.
стр. 1573
﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ قوله : ﴿فلمّا جاء أمرُنا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أمر الله تعالى للملائكة. الثاني: أنه وقوع العذاب بهم. الثالث: أنه القضاء بعذابهم. ﴿جعلنا عاليَها سافلَها﴾ قال محمد بن كعب القرظي إن الله تعالى بعث جبريل إلى مؤتفكات قوم لوط فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى إن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم , ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعها بحجارة من سجّيل حتى أهلكها وما حولها , وكن خمساً: صبغة ومقرة وعمرة ودوما وسدوم وهي القرية العظمى. وقال قتادة: كانوا في ثلاث قرى يقال لها سدوم بين المدينة والشام وكان فيها أربعة آلاف ألف. ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أنه فارسي معرب وهو (سنك وكيل) فالسنك: الحجر , والكيل الطين , قاله ابن عباس. الثاني: أنه طين قد طبخ حتى صار كالأرحاء , ذكره ابن عيسى. الثالث: أنه الحجارة الصلبة الشديدة , قاله أبو عبيدة وأنشد قول ابن مقبل:
стр. 1574
(ورحلة يضربون البيض عن عَرَضٍ ... ضربا تواصى به الأبطال سجّينا)
إلا أن النون قلبت لاماً. الرابع: من سجيل يعني من سماء اسمها سجيل , قاله ابن زيد. الخامس: من سجيل من جهنم واسمها سجين فقلبت النون لاماً. السادس: أن السجيل من السجل وهو الكتاب وتقديره من مكتوب الحجارة التي كتب الله تعالى أن يعذب بها أو كتب عليها , وفي التنزيل ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم﴾ [المطففين: ٧ - ٩] السابع: أنه فِعِّيل من السجل وهو الإرسال , يقال أسجلته أي أرسلته , ومنه سمي الدلو سجلاً لإرساله فكان السجل هو المرسل عليهم. الثامن: أنه مأخوذ من السجل الذي هو العطاء , يقال سجلت له سجلاً من العطاء , فكأنه قال سُجلوا البلاء أي أعطوه. ﴿منضود﴾ فيه تأويلان: أحدهما: قد نُضَّد بعضه على بعض , قال الربيع. الثاني: مصفوف , قاله قتادة. قوله : ﴿مسومة عند ربك﴾ والمسومة: المعلّمة , مأخوذ من السيماء وهي العلامة , قال الشاعر:
(غُلامٌ رماه الله بالحُسْن يافعا ... له سيمياءٌ لا تشقُ على البصر)
وفي علامنها قولان: أحدهما: أنها كانت مختمة , على كل حجر منها اسم صاحبه. الثاني: معلمة ببياض في حمرة , على قول ابن عباس , وقال قتادة: مطوقة بسواد في حمرة. ﴿عند ربك﴾ فيه وجهان:
стр. 1575
أحدهما: في علم ربك , قال ابن بحر. الثاني: في خزائن ربك لا يملكها غيره ولا يتصرف فيها أحد إلا بأمره. ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه ذكر ذلك وعيداً لظالمي قريش , قاله مجاهد. الثاني: وعيد لظالمي العرب , قال عكرمة. الثالث: وعيد لظالمي هذه الأمة , قاله قتادة. الرابع: وعيد لكل ظالم , قاله الربيع. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما: أنه أمطرت على المدن حين رفعها. الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها.
стр. 1576
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط﴾ قوله : ﴿وإلى مَدِين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ومدين هم قوم شعيب , وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم , فقيل مدين والمراد بنو مدين , كما يقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني: أن مدين اسم مدينتهم فنسبوا إليها ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفاً. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي. الثاني: أنه اسم عربي وفي اشتقاقه وجهان: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان إذا أقام فيه , والياء زائدة , وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة.
стр. 1577
الثاني: أنه مشتق من قولهم دَيَنْت أي ملكت والميم زائدمة , وهذا قول من زعم أنه اسم رجل. وأما شعيب فتصغير شعب وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل. الثاني: أنه القبيلة العظيمة. الثالث: أنه مأخوذ من شَعْب الإناء المكسور. ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك , وبالوفاء نهياً عن التطفيف. ﴿إني أراكم بخير﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه رخص السعر , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: أنه المال وزينة الدنيا , قال قتادة وابن زيد. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنه الخصب والكسب. ﴿إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ محيط﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غلاء السعر , وهو مقتضى قول ابن عباس والحسن. الثاني: عذاب الاستصال في الدنيا. الثالث: عذاب النار بالآخرة.
стр. 1578
﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾ قوله : ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ فيها ستة أقاويل: أحدها: يعني طاعة الله تعالى خير لكم , قاله مجاهد. الثاني: وصية من الله , قاله الربيع. الثالث: رحمة الله , قاله ابن زيد. الرابع: حظكم من ربكم خير لكم , قاله قتادة. الخامس: رزق الله خير لكم , قاله ابن عباس.
стр. 1579
السادس: ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان خير لكم , قاله ابن جرير الطبري. ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: حفيظ من عذاب الله تعالى أن ينالكم. الثاني: حفيظ لنعم الله تعالى أن تزول عنكم. الثالث: حفيظ من البخس والتطفيف إن لم تطيعوا فيه ربكم.
стр. 1580
﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ قوله : ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾ في ﴿صلاتك﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: قراءتك , قاله الأعمش. الثاني: صلاتك التي تصليها لله تعبّداً. الثالث: دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه لأن أصل الصلاة الاتباع , ومنه أخذ المصلي في الخيل. ﴿تأمرك﴾ فيه وجهان: أحدهما: تدعوك إلى أمرنا. الثاني: فيها أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام. ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف. الثاني: الزكاة , كان يأمرهم بها فيمتنعون منها , قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري. الثالث: قطع الدراهم والدنانير لأنه كان ينهاهم عنه , قال زيد بن أسلم. ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به , قاله قتادة.
следующие страницы →