← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط﴾ قوله : ﴿وإلى مَدِين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ومدين هم قوم شعيب , وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم , فقيل مدين والمراد بنو مدين , كما يقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني: أن مدين اسم مدينتهم فنسبوا إليها ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفاً. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي. الثاني: أنه اسم عربي وفي اشتقاقه وجهان: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان إذا أقام فيه , والياء زائدة , وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة.

стр. 1577

الثاني: أنه مشتق من قولهم دَيَنْت أي ملكت والميم زائدمة , وهذا قول من زعم أنه اسم رجل. وأما شعيب فتصغير شعب وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل. الثاني: أنه القبيلة العظيمة. الثالث: أنه مأخوذ من شَعْب الإناء المكسور. ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك , وبالوفاء نهياً عن التطفيف. ﴿إني أراكم بخير﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه رخص السعر , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: أنه المال وزينة الدنيا , قال قتادة وابن زيد. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنه الخصب والكسب. ﴿إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ محيط﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غلاء السعر , وهو مقتضى قول ابن عباس والحسن. الثاني: عذاب الاستصال في الدنيا. الثالث: عذاب النار بالآخرة.

стр. 1578

﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾ قوله : ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ فيها ستة أقاويل: أحدها: يعني طاعة الله تعالى خير لكم , قاله مجاهد. الثاني: وصية من الله , قاله الربيع. الثالث: رحمة الله , قاله ابن زيد. الرابع: حظكم من ربكم خير لكم , قاله قتادة. الخامس: رزق الله خير لكم , قاله ابن عباس.

стр. 1579

السادس: ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان خير لكم , قاله ابن جرير الطبري. ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: حفيظ من عذاب الله تعالى أن ينالكم. الثاني: حفيظ لنعم الله تعالى أن تزول عنكم. الثالث: حفيظ من البخس والتطفيف إن لم تطيعوا فيه ربكم.

стр. 1580

﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ قوله : ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾ في ﴿صلاتك﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: قراءتك , قاله الأعمش. الثاني: صلاتك التي تصليها لله تعبّداً. الثالث: دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه لأن أصل الصلاة الاتباع , ومنه أخذ المصلي في الخيل. ﴿تأمرك﴾ فيه وجهان: أحدهما: تدعوك إلى أمرنا. الثاني: فيها أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام. ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف. الثاني: الزكاة , كان يأمرهم بها فيمتنعون منها , قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري. الثالث: قطع الدراهم والدنانير لأنه كان ينهاهم عنه , قال زيد بن أسلم. ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به , قاله قتادة.

стр. 1581

الثاني: معناه أنك لست بحليم ولا رشيد على وجه النفي , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد على وجه والحقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلِم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك من فعل ما يشاء في ماله , قال ابن بحر.

стр. 1582

﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ قوله : ﴿قال يا قوم أرأيتُم إن كُنتُ على بيِّنةٍ من ربي﴾ قد ذكرنا تأويله. ﴿ورزقني منه رِزقاً حسناً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال الحلال , قاله الضحاك. قال ابن عباس وكان شعيب كثير المال. الثاني: أنه النبوة , ذكره ابن عيسى , وفي الكلام محذوف وتقديره , أفأعدل مع ذلك عن عبادته. ثم قال ﴿وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ أي لا أفعل ما نهيتكم عنه كما لا أترك ما أمرتكم به. ﴿إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ ومعناه ما أريد إلا فعل الصلاح ما استطعت , لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة. ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلْتُ وإليه أُنيب﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنّ الإنابة الرجوع ومعناه وإليه أرجع , قاله مجاهد. الثاني: أن الإنابة الدعاء , ومعناه وإليه أدعو , عبيد الله بن يعلى.

стр. 1583

﴿ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود﴾ قوله : ﴿ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي﴾ في ﴿يجرمنكم﴾ تأويلان: أحدهما: معناه لا يحملنكم , قاله الحسن وقتادة. والثاني: معناه لا يكسبنكم , قاله الزجاج. وفي قوله ﴿شقاقي﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: إضراري , قاله الحسن. الثاني: عداوتي , قاله السدي ومنه قول الأخطل: (ألا من مبلغ قيساً رسولاً ... فكيف وجدتم طعمَ الشقاق) الثالث: فراقي , قاله قتادة. ﴿أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ﴾ وهم أول أمة أهلكوا بالعذاب. ﴿أو قوم هودٍ أو قوم صالحٍ وما قوم لوطٍ منكم ببعيدٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بعد الدار لقربهم منهم , قاله قتادة. الثاني: بعد العهد لقرب الزمان. ويحتمل أن يكون مراداً به قرب الدار وقرب العهد. وقد أهلك قوم هود بالريح العاصف , وقوم صالح بالرجفة والصيحة , وقوم لوط بالرجم.

стр. 1584

﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط﴾

стр. 1585

قوله : ﴿قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول﴾ أي ما نفهم , ومنه سمي عِلم الدين فقهاً لأنه مفهوم , وفيه وجهان: أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من العبث والجزاء. الثاني: أنهم قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه واحتقاراً لكلامه. ﴿وإنا لنراك ضعيفاً﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: ضعيف البصر , قاله سفيان. الثاني: ضعيف البدن , حكاه ابن عيسى. الثالث: أعمى , قاله سعيد بن جبير وقتادة. الرابع: قليل المعرفة وحيداً , قاله السدي. الخامس: ذليلاً مهيناً , قاله الحسن. السادس: قليل العقل. السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. ﴿ولولا رهطك﴾ فيه وجهان: أحدهما: عشيرتك , وهو قول الجمهور. الثاني: لولا شيعتك , حكاه النقاش. ﴿لرجمناك﴾ فيه وجهان: أحدهما: لقتلناك بالرجم. الثاني: لشتمناك بالكلام , ومنه قول الجعدي.

стр. 1586

(تراجمنا بمُرِّ القول حتى ... نصير كأننا فَرسَا رِهان) ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ فيه وجهان: أحدهما: بكريم. الثاني: بممتنع لولا رهطك. قوله : ﴿قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله﴾ أي تراعون رهطي فيّ ولا تراعون الله فيّ. ﴿واتخذتموه وراءَكم ظهرياً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: اطرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعملون به , قاله السدي , ومنه قول الشاعر: ( ... ... ... ... وجَدْنا بني البرصاءِ من وَلَدِ الظّهْرِ) أي ممن لا يلتفت إليهم ولا يعتد بهم. الثاني: يعني أنكم حملتم أوزار مخالفته على ظهوركم , قاله السدي , من قولهم حملت فلاناً على ظهري اذا أظهرت عناده. الثالث: يعني أنكم جعلتم الله ظهرياً إن احتجتم استعنتم به , وإن اكتفيتم تركتموه. كالذي يتخذه الجمَّال من جماله ظهرياً إن احتاج إليها حمل عليها وإن استغنى عنها تركها , قاله عبد الرحمن بن زيد. الرابع: إن الله تعالى جعلهم وراء ظهورهم ظهرياً , قاله مجاهد. ﴿إنّ ربي بما تعملون محيط﴾ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1587

أحدها: حفيظ. الثاني: خبير. الثالث: مُجَازٍ.

стр. 1588

﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود﴾ قوله : ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ فيه وجهان: أحدهما: على ناحيتكم , قاله ابن عباس. الثاني: على تمكنكم , قاله ابن عيسى. وقوله ﴿اعملوا﴾ يريد ما وعدوه من إهلاكه , قال ذلك ثقة بربة. ثم قال جواباً لهم فيه تهديد ووعيد ﴿إني عاملٌ سوف تعلمون﴾ فيه وجهان: أحدهما: تعلمون الإجابة. الثاني: عامل في أمر من يأتي بهلاككم ليطهر الأرض منكم , وسترون حلول العذاب بكم. ﴿من يأتيه عذابٌ يخزيه﴾ قال عكرمة: الغرق. وفي ﴿يخزيه﴾ وجهان: أحدهما: يذله. الثاني: يفضحه. ﴿ومن هو كاذب﴾ فيه مضمر محذوف تقديره: ومن هو كاذب يخزى بعذاب الله , فحذفه اكتفاء بفحوى الكلام. ﴿وارتقبوا﴾ أي انتظروا العذاب. ﴿إني معكم رقيب﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إني معكم شاهد.

стр. 1589

الثاني: إني معكم كفيل. وفيه وجه ثالث: إني منتظر , قاله الكلبي.

стр. 1590

﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ قوله : ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن اللعنة في الدنيا من المؤمنين وفي الآخرة من الملائكة. الثاني: أنه عنى بلعنة الدنيا الغرق , وبلعنة الآخرة النار , قاله الكلبي ومقاتل. ﴿بئس الرِّفد المرفود﴾ فيه ثلاث أوجه: أحدها: بئس العون المعان , قاله أبو عبيدة. الثاني: أن الرَّفد بفتح الراء: القدح , والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب , حكي ذلك عن الأصمعي فكأنه ذم بذلك ما يُسقونه في النار. الثالث: أن الرفد الزيادة , ومعناه بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار , قاله الكلبي.

стр. 1591

﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب﴾ قوله : ﴿ذلك من أنباء القُرى نقصُّه عليك﴾ فيه وجهان: أحدهما: نخبرك. الثاني: نتبع بعضه بعضاً. ﴿منها قائمٌ وحصيدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن القائم: العامرة , والحصيد: الخاوية قاله ابن عباس.

стр. 1592

الثاني: أن القائم: الآثار , والحصيد: الدارس , قاله قتادة , قال الشاعر: (والناس في قسم المنية بينهم ... كالزرع منه قائم وحصيد) قوله : ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن التتبيب الشر , قاله ابن زيد. الثاني: أنه الهلكة , قاله قتاة. قال لبيد: (فلقد بَليتُ وكلُّ صاحب جِدّةٍ ... لبِلىً يعودُ وذاكم التتبيب) ومنه قول جرير: (عرابة من بقية قوم لوطٍ ... ألا تباً لما فعلوا تبابا) الثالث: التخسير , وهو الخسران , قاله مجاهد وتأول قوله تعالى ﴿تبَّتْ يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] أي خسرت.

стр. 1593

﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾ قوله : ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: لا تشفع إلا بإذنه. الثاني: لا تتكلم إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام لأنهم ملجؤون إلى ترك القبيح. الثالث: أن لهم في القيامة وقت يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. ﴿فمنهم شقيٌ وسعيد﴾ فيه وجهان: أحدهما: محروم ومرزوق , قاله ابن بحر.

стр. 1594

الثاني: معذب ومكرم , قال لبيد. (فمنهم سعيد آخذٌ بنصيبه ... ومنهم شقي بالمعيشة قانعُ) ثم في الشقاء والسعادة قولان: أحدهما: أن الله تعالى جعل ذلك جزاء على عملهما فأسعد المطيع وأشقى العاصي , قاله ابن بحر. الثاني: أن الله ابتدأهما بالشقاوة والسعادة من غير جزاء. وروى عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال: لما نزلت ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ قلت: يا رسول الله فعلام نعمل؟ أعلى شيء قد فرغ منه أم على ما لم يفرغ منه؟ فقال: (بلى على شيء قد فرغ منه يا عمر , وجرت به الأقلام ولكن كل شيء ميسور لما خلق له).

стр. 1595

﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قوله : ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الزفير الصوت الشديد , والشهيق الصوت الضعيف , قاله ابن عباس. الثاني: أن الزفير في الحلق من شدة الحزن , مأخوذ من الزفير , والشهيق في الصدر , قاله الربيع بن أنس. الثالث: أن الزفير تردد النفس من شدة الحزن , مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر الشدته , والشهيق النفس الطويل الممتد , مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي طويل , قاله ابن عيسى. الرابع: أن الزفير أول نهيق الحمار , والشهيق آخر نهيقه , قال الشاعر:

стр. 1596

(حشرج في الجوف سحيلاً أو شهق ... حتى يقال ناهق وما نهق) ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلى ما شاء ربك﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: خالدين فيها ما دامت سماء الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها بعد فناء مدتها حكاه ابن عيسى. الثاني: ما دامت سموات الآخرة وأرضها إلا ما شاء ربك من قدر وقوفهم في القيامة , قاله بعض المتأخرين. الثالث: ما دامت السموات والأرض , أي مدة لبثهم في الدنيا , قاله ابن قتيبة. الرابع: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من أهل التوحيد أن يخرجهم منها بعد إدخالهم إليها , قاله قتادة , فيكونون أشقياء في النار سعداء في الجنة , حكاه الضحاك عن ابن عباس , وروى يزيد بن أبي حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحمحمة أخرجوا منها وأدخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون) الخامس: إلا ما شاء من أهل التوحيد أن لا يدخلهم إليها , قاله أبو نضرة يرويه مأثوراً عن النبي ﷺ . السادس: إلا ما شاء ربك من كل من دخل النار من موحد ومشرك أن يخرجه منها إذا شاء , قاله ابن عباس. السابع: أن الاستثناء راجع إلى قولهم ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي ليست بزفير ولا شهيق مما لم يسم ولم يوصف ومما قد

стр. 1597

سمّي ووصف , ثم استأنف ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ حكاه ابن الأنباري. الثامن: أن الاستثناء واقع على معنى لو شاء ربك أن لا يخلدهم لفعل ولكن الذي يريده ويشاؤه ويحكم به تخليدُهم وفي تقدير خلودهم بمدة السموات والأرض وجهان: أحدهما: أنها سموات الدنيا وأرضها , ولئن كانت فانية فهي عند العرب كالباقية على الأبد فذكر ذلك على عادتهم وعرفهم كما قال زهير: (ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا) والوجه الثاني: أنها سموات الآخرة وأرضها لبقائها على الأبد.

стр. 1598

﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ قوله : ﴿وأمّا الذين سُعدُوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ فيها خمسة تأويلات: أحدها: دامت سموات الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها في الخلود فيها: الثاني: إلا ما شاء ربك من مدة يوم القيامة. الثالث: إلا ما شاء ربك من مدة مكثهم في النار إلى أن يخرجوا منها , قاله الضحاك.

стр. 1599

الرابع: خالدين فيها يعني أهل التوحيد , إلا ما شاء ربك يعني أهل الشرك , وهو يشبه قول أبي نضرة. الخامس: خالدين فيها إلا ما شاء ربك أي ما شاء من عطاء غير مجذوذ , فتكون ﴿إلا﴾ هنا بمعنى الواو كقول الشاعر: (وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان.) أي والفرقدان. ﴿عطاءً غير مجذوذ﴾ فيه وجهان: أحدهما: غير مقطوع. الثاني: غير ممنوع.

стр. 1600

﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير﴾ قوله : ﴿ ... وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نصيبهم من الرزق , قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب , قاله ابن زيد. الثالث: ما وعدوا به من خير أو شر , قاله ابن عباس.

стр. 1601

﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾ قوله : ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ فيه أربعة تأويلات:

стр. 1602

أحدها: لا تميلوا , قاله ابن عباس. الثاني: لا تدنوا , قاله سفيان. الثالث: لا ترضوا أعمالهم , قاله أبو العالية. الرابع: لا تدهنوا لهم في القول وهو أن يوافقهم في السر ولا ينكر عليهم في الجهر. ومنه قوله تعالى ﴿ودّوا لو تدهن فيدهنون﴾ [القلم: ٩] , قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿فتمسكم النار﴾ يحتمل وجيهن: أحدهما: فيمسكم عذاب النار لركونكم إليهم. الثاني: فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها , ويكون ذكر النار على هذا الوجه استعارة وتشبيهاً , وعلى الوجه الأول خبراً ووعيداً.

стр. 1603

﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ قوله : ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ أما الطرف الأول فصلاة الصبح باتفاق وأما الطرف الثاني ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى صلاة الظهر والعصر , قاله مجاهد. الثاني: صلاة العصر وحدها , قاله الحسن. الثالث: صلاة المغرب , قاله ابن عباس. ﴿وزلفاً من الليل﴾ والزلف جمع زلفة , والزلفة المنزلة , فكأنه قال ومنازل من

стр. 1604

الليل , أي ساعات من الليل , وقيل إنما سميت مزدلفة من ذلك لأنها منزل بعد عرفة , وقيل سميت بذلك لازدلاف آدم من عرفة إلى حواء وهي بها , ومنه قول العجاج في صفة بعير: (ناجٍ طواه الأين مما وجفا ... طيَّ الليالي زُلَفاً فزلفا) وفي معنى ﴿زلفاً من الليل﴾ قولان: أحدهما: صلاة العشاء الآخرة , قاله ابن عباس ومجاهد. الثانية: صلاة المغرب والعشاء والآخرة , قاله الضحاك ولحسن ورواه مرفوعاً. ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ في هذا الحسنات أربعة أقاويل: أحدها: الصلوات الخمس , قاله ابن عباس والحسن وابن مسعود والضحاك. الثاني: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر , قاله مجاهد قال عطاء: وهن الباقيات الصالحات. الثالث: أن الحسنات المقبولة يذهبن السيئات المغفورة. الرابع: أن الثواب الطاعات يذهبن عقاب المعاصي. ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فيه وجهان: أحدهما: توبة للتائبين , قاله الكلبي. الثاني: بيان للمتعظين , وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (واتبع السيئة الحسنة تمحها) وسبب نزول هذه الآية ما روى الأسود عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في بعض أقطار المدينة فأصبت منها دون أن أمسّها وأنا هذا فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على

стр. 1605

نفسك. ولم يردّ عليه النبي صلى الله عيله وسلم شيئاً. فنزلت هذه الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذركى للذاكرين﴾ فدعاه رسول الله ﷺ فقرأها عليه فقال عمر: يا رسول الله أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: (بل للناس كافة) قال أبو موسى طمحان: إن هذا الرجل أبو اليسر الأنصاري وقال ابن عابس هو عمرو بن غزية الأنصاري , وقال مقاتل: هو عامر بن قيس الأنصاري.

стр. 1606

﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ قوله : ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أولو طاعة الثاني: أولو تمييز. الثالث: أولو حذر من الله تعالى. ﴿ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكان مجرمين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم اتبعوا على ظلمهم ما أترفوا فيه من استدامة نعمهم استدراجاً لهم. الثاني: أنهم أخذوا بظلمهم فيما أترفوا فيه من نعمهم. والمترف: المنعّم. وقال ابن عباس: أترفوا فيه: معناه انظروا فيه.

стр. 1607

﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ قوله : ﴿ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمّةً واحدةً﴾ فيه وجهان: أحدهما: على ملة الإسلام وحدها , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أهل دين واحد , أهل ضلالة وأهل هدى , قاله الضحاك. ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رَحِمَ ربّك﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: مختلفين في الأديان إلا من رحم ربك من أهل الحق , قاله مجاهد وعطاء. الثاني: مختلفين في الحق والباطل إلا من رحم ربك من أهل الطاعة , قاله ابن عباس. الثالث: مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير إلا من رحم ربك من أهل القناعة. قاله الحسن. الرابع: مختلفين بالشقاء والسعادة إلا من رحم ربك بالتوفيق. الخامس: مختلفين في المغفرة والعذاب إلا من رحم ربك بالجنة. السادس: أنه معنى مختلفين أي يخلف بعضهم بعضاً , فيكون من يأتي خلفاً للماضي لأن سوءاً في كل منهم خلف بعضهم بعضاً , فاقتتلوا ومنه قولهم: ما اختلف الجديدان , أي جاء هذا بعد ذاك , قاله ابن بحر. ﴿ولذلك خلقهم﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: للاختلاف خلقهم , قاله الحسن وعطاء. الثاني: للرحمة خلقهم , قاله مجاهد. الثالث: للشقاء والسعادة خلقهم , قاله ابن عباس.

стр. 1608

الرابع: للجنة والنار خلقهم , قاله منصور بن عبد الرحمن.

стр. 1609

﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ قوله : ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبتُ به فؤادك﴾ أي نقوّي به قلبك وتسكن إليه نفسك , لأنهم بُلُوا فصبروا , وجاهدوا فظفروا. ﴿وجاءَك في هذه الحقُّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في هذه السورة , قاله ابن عباس وأبو موسى. الثاني: في هذه الدنيا , قاله الحسن وقتادة. الثالث: في هذه الأنباء , حكاه ابن عيسى.

стр. 1610

﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾ وفي هذا ﴿الحق﴾ وجهان: أحدهما: صدق القصص وصحة الأنباء وهذا تأويل من جعل المراد السورة. الثاني: النبوة , وهذا تأويل من جعل المراد الدنيا. ﴿وموعظةُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: القرآن الذي هو وعظ الله تعالى لخلقه. الثاني: الاعتبار بأنباء من سلف من الأنبياء ولذلك قال النبي ﷺ (والسعيد من وعظ بغيره).

стр. 1611

سورة يوسف مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة إلاّ أربع آيات منها. بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 1612

﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ قوله عزوجل: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنها الآيات المتقدم ذكرها في السورة التي قبلها. الثاني: الآيات التي في هذه السورة , ويكون معنى قوله تعالى ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين. الثالث: أن تلك الآيات إشارة إلى ما افتتحت به السورة من الحروف وأنها علامات الكتاب العربي , قاله ابن بحر. وفي قوله تعالى: ﴿الكتاب المبين﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: المبين حلاله وحرامه , قاله مجاهد. الثاني: المبين هداه ورشده , قاله قتادة. الثالث: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف , قاله معاذ.

стр. 1613

قوله : ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنا أنزلنا الكتاب قرآناً عربياً بلسان العرب , وهو قول الجمهور. الثاني: إنا أنزلنا خبر يوسف قرآناً , أي مجموعاً عربياً أي يعرب عن المعاني بفصيح من القصص وهو شاذ. ﴿لعلكم تعقلون﴾. ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ أي نبين لك أحسن البيان , والقاصّ الذي يأتي بالقصة على حقيقتها.

стр. 1614

﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ قوله : ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحَدَ عشر كوكباً والشمس والقمر﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه رأى إخوته وأبويه ساجدين له فثنى ذكرهم , وعنى بأحد عشر كوكباً إخوته وبالشمس أباه يعقوب , وبالقمر أمه راحيل رآهم له ساجدين , فعبر عنه بما ذكره , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فتأول الكواكب إخوته , والشمس أباه , والقمر أمه , وهو قول الأكثرين. وقال ابن جريج: الشمس أمه والقمر أبوه , لتأنيث الشمس وتذكير القمر. وروى السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1615

رجلٌ من اليهود يقال له بستانة فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رأها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها , فسكت رسول الله ﷺ ولم يجب بشيء , فنزل عليه جبريل بأسمائها قال فبعث رسول الله ﷺ إليه وقال (أنت تؤمن إن أخبرتك بأسمائها) فقال نعم , فقال: (جريان , والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس والوثّاب والعمودان والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور) فقال اليهودي: بلى والله إنها لأسماؤها. وفي إعادة قوله ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ وجهان: أحدهما: تأكيداً للأول لبعد ما بينهما قاله الزجاج. الثاني: أن الأول رؤيته لهم والثاني رؤيته لسجودهم. وفي قوله ﴿ساجدين﴾ وجهان: أحدهما: أنه السجود المعهود في الصلاة إعظاماً لا عبادة. الثاني: أنه رآهم خاضعين فجعل خضوعهم سجوداً , كقول الشاعر: ( ... ... ... ... ... ترى الأكم فيه سُجّداً للحوافر)
следующие страницы →