Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون﴾ قوله تعالى: ﴿ ... ويخلق ما لا تعلمُون﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما لا تعلمون من الخلق , وهو قول الجمهور. الثاني: في عين تحت العرش، قاله ابن عباس.
стр. 1892
الثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنها أرض بيضاء مسيرة الشمس ثلاثين يوماً. مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله يعصى في الأرض , قالوا: يا رسول الله فأين إبليس عنهم؟ قال (لا يعلمون أن الله خلق إبليس) ثم تلا ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾.
стр. 1893
﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون﴾ ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وعلى الله قصد الحق في الحكم بين عباده ومنهم جائر عن الحق في حكمه. الثاني: وعلى الله أن يهدي إلى قصد الحق في بيان السبيل , ومنهم جائر عن سبيل الحق , أي عادل عنه لا يهتدي إليه. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الأهواء المختلفة , قاله ابن عباس. الثاني: ملل الكفر.
стр. 1894
﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله
стр. 1895
ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿وَتَرَى الفلك مواخِرَ فيه﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن المواخر المواقر , قاله الحسن. الثاني: أنها التي تجري فيه معترضة , قاله أبو صالح. الثالث: أنها تمخر الريح من السفن , قاله مجاهد: لأن المخر في كلامهم هبوب الريح. الرابع: أنها تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة , قاله قتادة. الخامس: أنها التي تشق الماء من عن يمين وشمال , لأن المخر في كلامهم شق الماء وتحريكه قاله ابن عيسى. ﴿ولتبتغوا من فضله﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالتجارة فيه. الثاني: بما تستخرجون من حليته , وتأكلونه من لحومه. قوله : ﴿وعلاماتٍ وبالنجم هم يهتدون﴾ في العلامات ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها معالم الطريق بالنهار , وبالنجوم يهتدون بالليل , قاله ابن عباس. الثاني: أنها النجوم أيضاً لأن من النجوم ما يهتدي بها , قاله مجاهد وقتادة والنخعي. الثالث: أن العلامات الجبال. وفي ﴿النجم﴾ قولان:
стр. 1896
أحدهما: أنه جمع النجوم الثابتة , فعبر عنها بالنجم الواحد إشارة إلى الجنس. الثاني: أنه الجدي وحده لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه. وفي المراد بالاهتداء بها قولان: أحدهما: أنه أراد الاهتداء بها في جميع الأسفار , قاله الجمهور. الثاني: أنه أراد الاهتداء به في القِبلة. قال ابن عباس: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ قال (هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم , وبه تهتدون في بركم وبحركم). قوله : ﴿وإن تعدوا نعمة اللهِ لا تحصوها﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا تحفظوها , قال الكلبي. الثاني: لا تشكروها وهو مأثور. ويحتمل المقصود بهذا الكلام وجهين: أحدهما: أن يكون خارجاً مخرج الامتنان تكثيراً لنعمته أن تحصى. الثاني: أنه تكثير لشكره أن يؤدى. فعلى الوجه الأول يكون خارجاً مخرج الامتنان. وعلى الوجه الثاني خارجاً مخرج الغفران.
стр. 1897
﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين
стр. 1898
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ قوله : ﴿وَإذَا قيل لهم ماذا أنزل ربُّكم﴾ يعني وإذا قيل لمن تقدم ذِكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث. ﴿مَّاذَا أنزل ربكم﴾ يحتمل القائل ذلك لهم وجهين: أحدهما: أنه قول بعض لبعض , فعلى هذا يكون معناه ماذا نسب إلى إنزال ربكم , لأنهم منكرون لنزوله من ربهم. والوجه الثاني: أنه من قول المؤمنين لهم اختباراً لهم , فعلى هذا يكون محمولاً على حقيقة نزوله منه. ﴿قالوا أساطير الأولين﴾ وهذا جوابهم عما سئلوا عنه ويحتمل وجهين: أحدهما: أي أحاديث الأولين استرذالاً له واستهزاءَ به. الثاني: أنه مثل ما جاء به الأولون , تكذيباً له ولجميع الرسل.
стр. 1899
﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ قوله : ﴿ليحملوا أوزارهم﴾ أي أثقال كفرهم وتكذيبهم. ﴿كاملة يوم القيامة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنها لم تسقط بالتوبة. الثاني: أنها لم تخفف بالمصائب. ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علمٍ﴾ يعني أنه قد اقترن بما حملوه من أوزارهم ما يتحملونه من أوزار من أضلوهم. ويحتمل وجهين: أحدهما: أن المضل يتحمل أوزار الضال بإغوائه. الثاني: أن الضال يتحمل أوزار المضل بنصرته وطاعته. ويحتمل قوله تعالى ﴿بغير علمٍ﴾ وجهين: أحدهما: بغير علم المضلّ بما دعا إليه.
стр. 1900
الثاني: بغير علم الضال بما أجاب إليه. ويحتمل المراد بالعلم وجهين: أحدهما: يعني أنهم يتحملون سوء أوزارهم لأنه تقليد بغير استدلال ولا شبهة. الثاني: أراد أنهم لا يعلمون بما تحملوه من أوزار الذين يضلونهم. ﴿ألا ساءَ ما يزرون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أنهم يتحملون سوء أوزارهم. الثاني: معناه أنه يسوؤهم ما تحملوه من أوزارهم. فيكون على الوجه الأول معجلاً في الدنيا , وعلى الوجه الآخر مؤجلاً في الآخرة.
стр. 1901
﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ قوله : ﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه هدم بنيانهم من قواعدها وهي الأساس. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لاستئصالهم. ﴿فخرّ عليهم السقف من فوقهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: فخرّ أعالي بيوتهم وهم تحتها , فلذلك قال ﴿من فوقهم﴾ وإن كنا نعلم أن السقف عال إلا أنه لا يكون فوقهم إذ لم يكونوا تحته , قاله قتادة. الثاني: يعني أن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم , قاله ابن عباس. وفي الذين خر عليهم السقف من فوقهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه النمرود بن كنعان وقومه حين أراد صعود السماء وبنى الصرح.
стр. 1902
فهدمه الله تعالى عليه , قاله ابن عباس وزيد بن أسلم. الثاني: أنه بختنصر وأصحابه , قاله بعض المفسرين. الثالث: يعني المقتسمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الحجر , قاله الكلبي.
стр. 1903
﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾
стр. 1904
قوله : ﴿. . ولدار الآخرة خيرٌ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الجنة خير من النار، وهذا وإن كان معلوماً فالمراد به تبشيرهم بالخلاص منها: الثاني: أنه أراد أن الآخرة خير من دار الدنيا، قاله الأكثرون. ﴿ولنعم دار المتقين﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولنعم دار المتقين الآخرة. الثاني: ولنعم دار المتقين الدنيا، قال الحسن: لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة. قوله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين﴾ قيل معناه صالحين. ويحتمل طيبي الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى. ويحتمل - وجهاً ثالثاً - أن يكون وفاتهم وفاة طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم بخلاف ما تقبض عليه روح الكافر. ﴿يقولون سلام عليكم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون السلام عليكهم إنذاراً لهم بالوفاة. الثاني: أن يكون تبشيراً لهم بالجنة، لأن السلام أمان. ﴿ادخلوا الجنة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة. الثاني: أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. ﴿بما كنتم تعملون﴾ يعني في الدنيا من الصالحات.
стр. 1905
﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من
стр. 1906
دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ قوله : ﴿والذين هاجروا في الله من بَعْدِ ما ظُلِموا﴾ يعني من بعد ما ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم إلى الحبشة بعد العذاب والإبعاد. ﴿لنبوئنهم في الدنيا حسنة﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: نزول المدينة , قاله ابن عباس والشعبي وقتادة. الثاني: الرزق الحسن , قاله مجاهد. الثالث: أنه النصر على عدوهم , قاله الضحاك. الرابع: أنه لسان صدق , حكاه ابن جرير. ويحتمل قولاً خامساً: أنه ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات.
стр. 1907
ويحتمل قولاً سادساً: أنه ما بقي لهم في الدنيا من الثناء , وما صار فيها لأولادهم من الشرف. وقال داود بن إبراهيم: نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهل , وقال الكلبي: نزلت في بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرتّ عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا في الدنيا , فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا , وما خولكم في الآخرة أكثر , ثم تلا عليهم هذه الآية:
стр. 1908
﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ قوله : ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم﴾ هذا خطابٌ لمشركي قريش. ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن أهل الذكر العلماء بأخبار من سلف من القرون الخالية الذين يعلمون أن الله تعالى ما بعث رسولاً إلا من رجال الأمة , وما بعث إليهم ملكاً. الثاني: أنه عنى بأهل الذكر أهل الكتاب خاصة , قاله ابن عباس ومجاهد. الثالث: أنهم أهل القرآن , قاله ابن زيد. قوله تعالى: ﴿ ... وأنزلنا إليك الذِّكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم﴾ تأويلان:
стр. 1909
أحدهما: أنه القرآن. الثاني: أنه العلم.
стр. 1910
﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم﴾ قوله : ﴿أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: في إقبالهم وإدبارهم , قاله ابن بحر. الثاني: في اختلافهم , قاله ابن عباس. الثالث: بالليل والنهار , قاله ابن جريج. الرابع: في سفرهم. ﴿أو يأخذهم على تخوفٍ﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: يعني على تنقص بأن يهلك واحد بعد واحد فيخافون الفناء , قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك. الثاني: على تقريع بما قدموه من ذنوبهم , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: على عجل , وهذا قول الليث. الرابع: أن يهلك القرية فتخاف القرية الأخرى , قاله الحسن. الخامس: أن يعاقبهم بالنقص من أموالهم وثمارهم , قاله الزجاج. ﴿فإن ربكم لرءُوف رحيم﴾ أي لا يعاجل بل يمهل.
стр. 1911
﴿أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾
стр. 1912
قوله : ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظِلالُهُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يرجع ظلالُه , لأن الفيء الرجوع , ولذلك كان اسماً للظل بعد الزوال لرجوعه. الثاني: معناه تميل ظلاله , قاله ابن عباس. الثالث: تدور ظلاله , قاله ابن قتيبة. الرابع: تتحول ظلاله , قاله مقاتل. ﴿عن اليمين والشمائل﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني تارة إلى جهة اليمين , وتارة إلى جهة الشمال , قاله ابن عباس. لأن الظل يتبع الشمس حيث دارت. الثاني: أن اليمين أول النهار , والشمال آخر النهار , قاله قتادة والضحاك. ﴿سجداً لله﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن ظل كل شيء سجوده , قاله قتادة. الثاني: أن سجود الظلال سجود أشخاصها , قاله الضحاك. الثالث: أن سجود الظلال كسجود الأشخاص تسجد لله خاضعة , قاله الحسن. ومجاهد. وقال الحسن: أما ظلك فيسجد لله , وأما أنت فلا تسجد لله , فبئس والله ما صنعت. ﴿وهم داخرون﴾ أي صاغرون خاضعون , قال ذو الرمة:
(فلم يبق إلا داخرُ في مخيس ... ومنحجر في غير أرضك حُجر)
قوله : ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة﴾ أما سجود ما في السموات فسجود خضوع وتعبد , وأما سجود ما في الأرض من دابة فيحتمل وجهين: أحدهما: أن سجوده خضوعه لله تعالى. الثاني: أن ظهور ما فيه من قدرة الله يوجب على العباد السجود لله سبحانه.
стр. 1913
وفي تخصيص الملائكة بالذكر , وإن دخلوا في جملة من في السموات والأرض وجهان: أحدهما: أنه خصهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة فميزهم من الجملة بالذكر وإن دخلوا فيها. الثاني: لخروجهم من جملة من يدب , لما جعل الله تعالى لهم من الأجنحة فلم يدخلوا في الجملة , فلذلك ذكروا. وجواب ثالث: أن في الأرض ملائكة يكتبون أعمال العباد لم يدخلوا في جملة ملائكة السماء فلذلك أفردهم بالذكر. ﴿وهم لا يستكبرون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يستكبرون عن السجود لله تعالى. الثاني: لا يستكبرون عن الخضوع لقدرة الله. ﴿يخافون رَبَّهم من فوقهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني عذاب ربهم من فوقهم لأن العذاب ينزل من السماء. الثاني: يخافون قدرة الله التي هي فوق قدرتهم وهي في جميع الجهات. ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ فيه وجهان: أحدهما: من العبادة , قاله ابن عباس. الثاني: من الانتقام من العصاة.
стр. 1914
﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون﴾
стр. 1915
قوله تعالى: ﴿ ... وله الدين واصباً﴾ في ﴿الدين﴾ ها هنا قولان: أحدهما: أنه الإخلاص , قاله مجاهد. الثاني: أنه الطاعة , قاله ابن بحر. وفي قوله تعالى: ﴿واصباً﴾ أربعة تأويلات: أحدها: واجباً , قاله ابن عباس. الثاني: خالصاً , حكاه الفراء والكلبي. الثالث: مُتعِباً , والوصب: التعب والإعياء , قال الشاعر:
(لا يشتكي الساق مِن أين ولا وصَبٍ ... ولا يزال أمام القوم يقتَفِرُ)
الرابع: دائماً , قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك , ومنه قوله تعالى ﴿ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات: ٩] أي دائم , وقال الدؤلي:
(لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوماً بذم الدهر أجمع واصبا)
قوله : ﴿ ... ثم إذا مَسّكُم الضُّرُّ فإليه تجأرون﴾ في ﴿الضر﴾ ها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه القحط , قاله مقاتل. الثاني: الفقر , قاله الكلبي. الثالث: السقم , قاله ابن عباس. ﴿فإليه تجأرون﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تضجون , قاله ابن قتيبة. الثاني: تستغيثون. الثالث: تضرعون بالدعاء , وهو في اللغة الصياح مأخوذ من جؤار الثور وهو صياحه.
стр. 1916
﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ قوله : ﴿وإذا بُشِّر أحَدُهُم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مسودّاً وهو كظيمٌ﴾ في قوله ﴿مسودّاً﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: مسود اللون , قاله الجمهور. الثاني: متغير اللون بسواد أو غيره , قاله مقاتل. الثالث: ان العرب تقول لكل من لقي مكروهاً قد اسودّ وجهه غماً وحزناً , قاله الزجاج. ومنه: سَوَّدْت وجه فلان , إذا سُؤتَه. ﴿وهو كظيم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الكظيم الحزين , قاله ابن عباس. الثاني: أنه الذي يكظم غيظه فلا يظهر , قاله الأخفش. الثالث: أنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الفم , مأخوذ من الكظامة وهو سد فم القربة , قاله ابن عيسى. ﴿ ... أيمسكُهُ على هُونٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو الهوان بلغة قريش , قاله اليزيدي. الثاني: هو القليل بلغة تميم , قاله الفراء. الثالث: هو البلاء والمشقة , قاله الكسائي. قالت الخنساء:
(نهينُ النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أبقى لها)
стр. 1917
﴿أم يدُسُّهُ في التراب﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها الموءُودة التي تدس في التراب قتلاً لها. الثاني: أنه محمول على إخفائه عن الناس حتى لا يعرفوه كالمدسوس في التراب لخفائه عن الأبصار. وهو محتمل. قوله : ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: صفة السوء من الجهل والكفر. الثاني: وصفهم الله تعالى بالسوء من الصاحبة والولد. ﴿ولله المَثلُ الأعلى﴾ فيه وجهان: أحدهما: الصفة العليا بأنه خالق ورزاق وقادر ومُجازٍ. الثاني: الإخالص والتوحيد , قاله قتادة.
стр. 1918
﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون﴾ قوله : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ يعني في الدنيا بالانتقام لأنه يمهلهم في الأغلب من أحوالهم. ﴿ما ترك عليها من دابّةٍ﴾ يعني بهلاكهم بعذاب الاستئصال من أخذه لهم بظلمهم. ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلى يوم القيامة. الثاني: تعجيله في الدنيا. فإن قيل: فكيف يعمهم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء , وهلاك المؤمن معوضاً بثواب الآخرة.
стр. 1919
الثاني: ما ترك عليها من دابة من أهل الظلم. الثالث: يعني أنه لو أهلك الآباء بالكفر لم يكن الأبناء ولا نقطع النسل فلم يولد مؤمن. قوله : ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ يعني من البنات. ﴿وتصف ألسنتهم الكذب أنّ لهم الحُسنَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن لهم البنين مع جعلهم لله ما يكرهون من البنات , قاله مجاهد. الثاني: معناه أن لهم من الله الجزاء الحسن , قاله الزجاج. ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ فيه أربعة أوجه: أحدهما: معناه حقاً أن لهم النار. الثاني: معناه قطعاً أن لهم النار. الثالث: اقتضى فعلهم أن لهم النار. الرابع: معناه بلى إن لهم النار , قاله ابن عباس. ﴿وأنهم مفرطون﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: معناه منسيون , قاله مجاهد. الثاني: مضيّعون , قاله الحسن. الثالث: مبعدون في النار , قاله سعيد بن جبير. الرابع: متروكون في النار , قاله الضحاك. الخامس: مقدَّمون إلى النار , قاله قتادة. ومنه قول النبي ﷺ : (أنا فَرَطكم على الحوض) أي متقدمكم , وقال القطامي:
(فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجّل فرّاطٌ لوُرّادِ)
والفرّاط: المتقدمون في طلب الماء , والورّاد: المتأخرون. وقرأ نافع ﴿مُفْرِطون﴾ بكسر الراء وتخفيفها , ومعناه مسرفون في الذنوب , من الإفراط فيها.
стр. 1920
وقرأ الباقون من السبعة ﴿مفرطون﴾ أي معجلون إلى النار متروكون فيها. وقرأ أبو جعفر القارىء ﴿مفَرِّطون﴾ بكسر الراء وتشديدها , ومعناه من التفريط في الواجب.
стр. 1921
﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ قوله : ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بُطونه﴾ أي نبيح لكم شرب ما في بطونه , فعبر عن الإباحة بالسقي. ﴿مِن بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: خالصاً من الفرث والدم. الثاني: أن المراد من الخالص هنا الأبيض , قاله ابن بحر ومنه قول النابغة:
(يصونون أجساداً قديمها نعيمُها ... بخالصةِ الأردان خُضْر المناكب)
فخالصة الأردان أي بيض الأكمام , وخضر المناكب يعني من حمائل السيوف. ﴿سائغاً للشاربين﴾ فيه وجهان: أحدهما: حلال للشاربين. الثاني: معناه لا تعافه النفس. وقيل: إنه لا يغص أحد باللبن.
стр. 1922
قوله : ﴿ومن ثَمَرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكراً ورزقاً حسَناً﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: أن السكر الخمر , والرزق الحسن التمر والرطب والزبيب. وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت من بعد. قال ابن عباس: السَّكر ما حرم من شرابه , والرزق الحسن ما حل من ثمرته , وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومن ذلك قول الأخطل:
(بئس الصُّحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاءُ والسكُرُ)
والسكر: الخمر , والمزاء: نوع من النبيذ المسكر. واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين: أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ. قاله قتادة. الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل , قاله ابن عباس. الثاني: أن السّكَر: النبيذ المسكر , والرزق الحسن التمر والزبيب , قاله الشعبي والسدي. وجعلها أهل العراق دليلاً على إباحة النبيذ. الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة , الرزق الحسن: الطعام. الرابع: أن السكر ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن , وبه قال أبو جعفر الطبري وأنشد قول الشاعر:
٨٩ (وَجَعلت عيب الأكرمين سكرا﴾ ٩
стр. 1923
﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي
стр. 1924
من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾ قوله : ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الوحي إليها هو إلهاماً , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: يعني أنه سخرها , حكاه ابن قتيبة. الثالث: أنه جعل ذلك في غرائزها بما يخفى مثله على غيرها , قاله الحسن. ﴿أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشُون﴾ فذكر بيوتها لما ألهمها وأودعه في غرائزها من صحة القسمة وحسن المنعة. ﴿ومما يعرشون﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الكرم , قاله ابن زيد. الثاني: ما يبنون , قاله أبو جعفر الطبري. ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك﴾ أي طرق ربك. ﴿ذللاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: مذللة , قاله أبو جعفر الطبري. الثاني: مطيعة , قاله قتادة. الثالث: أي لا يتوعر عليها مكان تسلكه , قاله مجاهد. الرابع: أن الذلل من صفات النحل وأنها تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا , قاله ابن زيد. ﴿يخرج من بطونها شرابٌ﴾ يعني العسل. ﴿مختلف ألوانُهُ﴾ لاختلاف أغذيتها. ﴿فيه شفاءٌ للناس﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك عائد إلى القرآن، وأن في القرآن شفاء للناس أي بياناً للناس، قاله مجاهد.
стр. 1925
الثاني: أن ذلك عائد إلى الاعتبار بها أن فيه هدى للناس , قاله الضحاك. الثالث: أن ذلك عائد إلى العسل , وأن في العسل شفاء للناس , قاله ابن مسعود وقتادة. روى قتادة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ , فذكر أن أخاه اشتكى بطنه فقال النبي ﷺ : (اذهب فاسق أخاك عسلاً) ثم جاء فقال: ما زاده إلا شدة. فقال النبي ﷺ (اذهب فاسق أخاك عسلاً). ثم جاء فقال له: ما زاده إلا شدة , فقال النبي ﷺ : (اذهب فاسق أخاك عسلاً , صدق الله وكذب بطن أخيك , فسقاه فكأنه نشط من عِقال)
стр. 1926
﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير﴾ قوله : ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العُمرِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أوضعه وأنقصة , قاله الجمهور. الثاني: أنه الهرم , قاله الكلبي. الثالث: ثمانون سنة , حكاه قطرب. الرابع: خمس وسبعون سنة , قاله علي بن أبي طالب ﵁. ﴿لكيلا يعلم بعد عِلْمٍ شيئاً﴾ يعني أنه يعود جاهلاً لا يعلم شيئاً كما كان في حال صغره. أو لأنه قد نسي ما كان يعلم , ولا يستفيد ما لا يعلم. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون معناه لكي لا يعمل بعد علم شيئاً , فعبر عن العمل
стр. 1927
بالعلم لافتقاره إليه , لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه.
стр. 1928
﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون﴾ قوله : ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أغنى وأفقر , ووسّع وضيّق. الثاني: في القناعة والرغبة. الثالث: في العلم والجهل. قال الفضيل بن عياض: أجلُّ ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه , وعقل يدله على رشده. وفي التفضيل وجهان: أحدهما: أنه فضل السادة على العبيد , قاله ابن قتيبة ومن يرى أن التفضيل في المال. الثاني: أنه فضل الأحرار بعضهم على بعض , قاله الجمهور. ﴿فما الذين فُضِّلُوا بِرادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانُهم فهم فيه سواء﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن عبيدهم لما لم يشركوهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في ملكه , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة , وفي هذا دليل على أن العبد لا يملك. الثاني: أنهم وعبيدهم سواء في أن الله تعالى رزق جميعهم , وأنه لا يقدر أحد على رزق عبده إلا أن يرزقه الله تعالى إياه كما لا يقدر أن يرزق نفسه , حكاه ابن عيسى. ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ وفيه وجهان: أحدهما: بما أنعم الله عليهم من فضله ورزقه ينكرون. الثاني: بما أنعم الله عليهم من حججه وهدايته يضلون.
стр. 1929
﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون﴾ قوله : ﴿والّلهُ جَعَل لكُم مِن أنفسِكم أزواجاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني جعل لكم من جنسكم مثلكم , فضرب المثل من أنفسكم , قاله ابن بحر. الثاني: يعني آدم خلق منه حوّاء , قاله الأكثرون. ﴿وجعل لكم مِن أزواجكم بنين وحفدة﴾ وفي الحفدة خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته , قاله ابن مسعود وأبو الضحى. وسعيد بن جبير وإبراهيم , ومنه قول الشاعر:
(ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حَفَدٌ مما يُعَدّث كثيرُ)
(ولكنها نفس عليَّ أبيّة ... عَيُوفٌ لأَصهارِ للئام قَذور)
الثاني: أنهم أولاد الأولاد , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أنهم الأعوان , قاله الحسن. الخامس: أنهم الخدم , قاله مجاهد وقتادة وطاووس , ومنه قول جميل:
(حفد الولائدُ حولهم وأسلمت ... بأكفهن أزِمّةَ الأجمال)
وقال طرفة بن العبد:
(يحفدون الضيف في أبياتهم ... كرماً ذلك منهم غير ذل)
وأصل الحفد الإسراع , والحفدة جمع حافد , والحافد هو المسرع في العمل , ومنه قولهم في القنوت وإليك نسعى ونحفد , أي نسرع إلى العمل بطاعتك , منه قول الراعي:
стр. 1930
(كلفت مجهولها نوقاً ثمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا)
وذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿بنين وحفدة﴾ البنين الصغار والحفدة الكبار. ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الفيىء والغنيمة. الثاني: من المباحات في البوادي. الثالث: ما أوتيه عفواً من غير طلب ولا تعب. ﴿أفبالباطِل يؤمنون﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالأصنام. الثاني: يجحدون البعث والجزاء. ﴿وبنعمة الله يكفرون﴾ فيها وجهان: أحدهما: بالإسلام. الثاني: بما رزقهم الله تعالى من الحلال آفة من أصنامهم. حكاه الكلبي.
следующие страницы →