Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير﴾ قوله : ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العُمرِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أوضعه وأنقصة , قاله الجمهور. الثاني: أنه الهرم , قاله الكلبي. الثالث: ثمانون سنة , حكاه قطرب. الرابع: خمس وسبعون سنة , قاله علي بن أبي طالب ﵁. ﴿لكيلا يعلم بعد عِلْمٍ شيئاً﴾ يعني أنه يعود جاهلاً لا يعلم شيئاً كما كان في حال صغره. أو لأنه قد نسي ما كان يعلم , ولا يستفيد ما لا يعلم. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون معناه لكي لا يعمل بعد علم شيئاً , فعبر عن العمل
стр. 1927
بالعلم لافتقاره إليه , لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه.
стр. 1928
﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون﴾ قوله : ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أغنى وأفقر , ووسّع وضيّق. الثاني: في القناعة والرغبة. الثالث: في العلم والجهل. قال الفضيل بن عياض: أجلُّ ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه , وعقل يدله على رشده. وفي التفضيل وجهان: أحدهما: أنه فضل السادة على العبيد , قاله ابن قتيبة ومن يرى أن التفضيل في المال. الثاني: أنه فضل الأحرار بعضهم على بعض , قاله الجمهور. ﴿فما الذين فُضِّلُوا بِرادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانُهم فهم فيه سواء﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن عبيدهم لما لم يشركوهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في ملكه , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة , وفي هذا دليل على أن العبد لا يملك. الثاني: أنهم وعبيدهم سواء في أن الله تعالى رزق جميعهم , وأنه لا يقدر أحد على رزق عبده إلا أن يرزقه الله تعالى إياه كما لا يقدر أن يرزق نفسه , حكاه ابن عيسى. ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ وفيه وجهان: أحدهما: بما أنعم الله عليهم من فضله ورزقه ينكرون. الثاني: بما أنعم الله عليهم من حججه وهدايته يضلون.
стр. 1929
﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون﴾ قوله : ﴿والّلهُ جَعَل لكُم مِن أنفسِكم أزواجاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني جعل لكم من جنسكم مثلكم , فضرب المثل من أنفسكم , قاله ابن بحر. الثاني: يعني آدم خلق منه حوّاء , قاله الأكثرون. ﴿وجعل لكم مِن أزواجكم بنين وحفدة﴾ وفي الحفدة خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته , قاله ابن مسعود وأبو الضحى. وسعيد بن جبير وإبراهيم , ومنه قول الشاعر:
(ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حَفَدٌ مما يُعَدّث كثيرُ)
(ولكنها نفس عليَّ أبيّة ... عَيُوفٌ لأَصهارِ للئام قَذور)
الثاني: أنهم أولاد الأولاد , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أنهم الأعوان , قاله الحسن. الخامس: أنهم الخدم , قاله مجاهد وقتادة وطاووس , ومنه قول جميل:
(حفد الولائدُ حولهم وأسلمت ... بأكفهن أزِمّةَ الأجمال)
وقال طرفة بن العبد:
(يحفدون الضيف في أبياتهم ... كرماً ذلك منهم غير ذل)
وأصل الحفد الإسراع , والحفدة جمع حافد , والحافد هو المسرع في العمل , ومنه قولهم في القنوت وإليك نسعى ونحفد , أي نسرع إلى العمل بطاعتك , منه قول الراعي:
стр. 1930
(كلفت مجهولها نوقاً ثمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا)
وذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿بنين وحفدة﴾ البنين الصغار والحفدة الكبار. ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الفيىء والغنيمة. الثاني: من المباحات في البوادي. الثالث: ما أوتيه عفواً من غير طلب ولا تعب. ﴿أفبالباطِل يؤمنون﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالأصنام. الثاني: يجحدون البعث والجزاء. ﴿وبنعمة الله يكفرون﴾ فيها وجهان: أحدهما: بالإسلام. الثاني: بما رزقهم الله تعالى من الحلال آفة من أصنامهم. حكاه الكلبي.
стр. 1931
﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ قوله : ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يملك ما لم يؤذن وإن كان باقياً معه. الثاني: أن لسيده انتزاعه من يده وإن كان مالكاً له. ﴿ومَن رزقناه مِنا رزقاً حسناً﴾ يعني الحُرّ , وفيه وجهان: أحدهما: ملكه ما بيده. الثاني: تصرفه في الاكتساب على اختياره.
стр. 1932
وفي هذا المثل قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله للكافر لأنه لا خير عنده , ومن رزقناه منا رزقاً حسناً هو المؤمن , لما عنده من الخير , وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه والأوثان , لأنها لا تملك شيئاً , وإنهم عدلوا عن عبادة الله تعالى الذي يملك كل شيء , قاله مجاهد.
стр. 1933
﴿وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ قوله : ﴿وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكمُ لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأْتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمُرُ بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ اختلف المفسرون في المثل المضروب بهذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن , فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن , والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى , وهذا معنى قول قتادة. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر , فالأبكم: الكافر , والذي يأمر بالعدل: المؤمن , قاله ابن عباس. الثالث: أن الأبكم: عبد كان لعثمان بن عفان ﵁ كان يعرض عليه الإسلام فيأبى. ومن يأمر بالعدل: عثمان , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً.
стр. 1934
﴿ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾
стр. 1935
قوله عزوجل: ﴿ولله غيب السموات والأرض﴾ يحتمل خمسة أوجه: أحدها: ولله علم غيب السموات والأرض , لأنه المنفرد به دون خلقه. الثاني: أن المراد بالغيب إيجاد المعدومات وإعدام الموجودات. الثالث: يعني فعل ما كان وما يكون , وأما الكائن في الحال فمعلوم. الرابع: أن غيب السماء الجزاء بالثواب العقاب. وغيب الأرض القضاء بالأرزاق والآجال. ﴿وما أمْرُ الساعة إلَاّ كلمح البصر أو هو أقرب﴾ لأنه بمنزلة قوله: ﴿كن فيكون﴾ وإنما سماها ساعة لأنها جزء من يوم القيامة وأجزاء اليوم ساعاته. وذكر الكلبي ومقاتل: أن غيب السموات هو قيام الساعة. قال مقاتل: وسبب نزولها أن كفار قريش سألوا رسول الله ﷺ عن قيام الساعة استهزاء بها , فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 1936
﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾ قوله : ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: البيوت , قاله الكلبي. الثاني: الشجر , قاله قتادة. ﴿وجعل لكم من الجبال أكناناً﴾ الأكنان: جمع كِنّ وهو الموضع الذي يستكن فيه، وفيه وجهان:
стр. 1937
أحدهما أنه ظل الجبال. الثاني: أنه ما فيها من غار أو شَرَف. ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ﴾ يعني ثياب القطن والكتان والصوف. ﴿وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ يعني الدروع التي تقي البأس , وهي الحرب. قال الزجاج: كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال. فإن قيل: فكيف قال: ﴿وجعل لكم من الجبال أكناناً﴾ ولم يذكر السهل وقال ﴿تقكيم الحر﴾ ولم يذكر البرد؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل , وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد , فذكر لهم نعمه عليه مما هو مختص بهم , قاله عطاء. الثاني: أنه اكتفى بذكر احدهما عن ذكر الآخر , إذ كان معلوماً أن من اتخذ من الجبال أكناناً اتخذ من السهل , واسرابيل التي تقي الحر تقي البرد , قاله الفراء , ومثله قول الشاعر:
(وما أدري إذا يممتُ أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني.)
فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه. الثالث: أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكناً﴾ وذكر الحرَّ دون البرد تحذيراً من حر جهنم وتوقياً لاستحقاقها بالكف عن المعاصي. ﴿كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون﴾ أي تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم. وقرأ ابن عباس ﴿لعلكم تسلمون﴾ بفتح التاء أي تسلمون من الضرر , فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل , واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم. قوله : ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ فيه خمسة تأويلات:
стр. 1938
أحدها: أنه عنى النبي ﷺ يعرفون نبوته ثم ينكرونها ويكذبونه، قاله السدي. الثاني: أنهم يعرفون منا عدد الله تعالى عليهم في هذه السورة من النعم وأنها من عند الله وينكرونها بقولهم أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم , قاله مجاهد. الثالث: أن انكارها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا ولولا فلانٌ ما أصبت كذا , قاله عون بن عبد الله. الرابع: أن معرفتهم بالنعمة إقرارهم بأن الله رزقهم , وإنكارهم قولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. الخامس: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها , وينكرونها بترك الشكر عليها. ويحتمل سادساً: يعرفونها في الشدة , وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعاً يعرفونها بأقوالهم , وينكرونها بأفعالهم. قال الكلبي: هذه السورة تسمى سورة النعم , لما ذكر الله فيها من كثرة نعمه على خلقه. ﴿وأكثرهم الكفارون﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه وجميعهم كافرون , فعبر عن الجميع بالأكثر , وهذا معنى قول الحسن. الثاني: أنه قال ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ لأن فيهم من جرى عليه حكم الكفر تبعاً لغيره كالصبيان والمجانين , فتوجه الذكر إلى المكلفين.
стр. 1939
﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾
стр. 1940
قوله : ﴿وألقوا إلى الله يومئذ السلم﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: استسلامهم لعذابه , وخضوعهم لعزه. الثاني: إقرارهم بما كانوا ينكرون من طاعته. ﴿وضَلَّ عنهم ما كانوا يفترون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وبطل ما كانوا يأملون. الثاني: خذلهم ما كانوا به يستنصرون. قوله : ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زِدناهُم عذاباً فوق العذاب﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الزيادة هي عذاب الدنيا مع ما يستحق من عذاب الآخرة. الثاني: أن أحد العذابين على كفرهم , والعذاب الآخر على صدهم عن سبيل الله ومنعهم لغيرهم من الإيمان. ﴿بما كانوا يفسدون﴾ في الدنيا بالمعاصي.
стр. 1941
﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ قوله : ﴿ويوم نبعث في كل أمةٍ شهيداً عليهم من أنفسِهم﴾ وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة وفي كل زمان شهيد وإن لم يكن نبياً. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء. الثاني: أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه. ﴿وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾ يعني محمداً ﷺ شهيداً على أمته.
стр. 1942
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾
стр. 1943
قوله : ﴿إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان ... ﴾ الآية. في تأويل هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العدل: شهادة أن لا إله إلا الله , والإحسان: الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله في سره وجهره ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ صلة الرحم , ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ يعني الزنى , ﴿والمنكر﴾ القبائح. ﴿والبغي﴾ الكبر والظلم حكاه ابن جرير الطبري. الثاني: أن العدل: القضاء بالحق , والإحسان: التفضل بالإنعام , وإيتاء ذي القربى: ما يستحقونه من النفقات. وينهى عن الفحشاء ما يستسر بفعله من القبائح. والمنكر: ما يتظاهر به منها فينكر. والبغي: منا يتطاول به من ظلم وغيره , وهذا معنى ما ذكره ابن عيسى. الثالث: أن العدل ها هنا استواء السريرة والعلانية في العمل لله. والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سريرته , قاله سفيان بن عيينة. فأمر بثلاث ونهى عن ثلاث. ﴿يعظكم لعلكم تذكرون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تتذكرون ما أمركم به وما نهاكم عنه. الثاني: تتذكرون ما أعده من ثواب طاعته وعقاب معصيته.
стр. 1944
﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ قوله : ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه النذور.
стр. 1945
الثاني: ما عاهد الله عليه من عهد في طاعة الله. الثالث: أنه التزام أحكام الدين بعد الدخول فيه. ﴿ولا تنقضوا الأيمان بَعْدَ توكيدها﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لا تنقضوها بالامتناع بعد توكيدها بالالتزام. الثاني: لا تنقضوها بالعذر بعد توكيدها بالوفاء. الثالث: لا تنقضوها بالحنث بعد توكيدها بالِبّر. وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في بيعة النبي ﷺ . الثاني: أنها نزلت في الحلف الذي كان في الجاهلية بين أهل الشرك , فجاء الإسلام بالوفاء به. الثالث: أنها نزلت في كل عقد يمين عقده الإنسان على نفسه مختاراً يجب عليه الوفاء به ما لم تدع ضرورة إلى حله. وقول النبي ﷺ : (فليأت الذي هو خير) محمول على الضرورة دون المباح. وأهل الحجاز يقولون. وكّدت هذه اليمين توكيداً , وأهل نجد يقولون أكدتها تأكيداً. قوله : ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً﴾ وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن نقض عهده , وفيه قولان: أحدها: أنه عنى الحبْل , فعبر عنه بالغزل , قاله مجاهد. الثاني: أنه عنى الغزل حقيقة. ﴿من بعد قوة﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد إبرام. قاله قتادة.
стр. 1946
الثاني: أن القوة ما غزل على طاق ولم يثن. ﴿أنكاثاً﴾ يعني أنقاضاً , واحده نكث , وكل شيء نقض بعد الفتل أنكاثٌ. وقيل أن التي نقضت غزلها من بعد قوة امرأة بمكة حمقاء , قال الفراء: إنها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة , سميت جعدة لحمقها , كانت تغزل الصوف ثم تنقضه بعدما تبرمه , فلما كان هذا الفعل لو فعلتموه سفهاً تنكرونه كذلك نقض العهد الذي لا تنكرونه. ﴿تتخذون أيمانكُمْ دَخَلاً بينكُمْ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الدخل الغرور. الثاني: أن الدخل الخديعة. الثالث: أنه الغل والغش. الرابع: أن يكون داخل القلب من الغدر غير ما في الظاهر من لزوم الوفاء. الخامس: أنه الغدر والخيانة , قاله قتادة. السادس: أنه الحنث في الأيمان المؤكدة. ﴿أن تكون أمة هي أربى من أمة﴾ أن أكثر عدداً وأزيد مدداً , فتطلب بالكثرة أن تغدر بالأقل بأن تستبدل بعهد الأقل عهد الأكثر. وأربى: أفعل الربا , قال الشاعر:
(أسمر خطيّاً كأنّ كعوبه ... نوى القسب أو أربى ذراعاً على عشر)
стр. 1947
﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾
стр. 1948
قوله : ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريد به أن الدنيا فانية , والآخرة باقية. الثاني: أن طاعتكم تفنى وثوابها يبقى.
стр. 1949
﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ قوله : ﴿مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينهُ حياةً طيبة﴾ فيها خمسة تأويلات: أحدها: أنها الرزق الحلال , قاله ابن عباس. الثاني: أنها القناعة , قاله علي بن أبي طالب ﵁ والحسن البصري. الثالث: أن يكون مؤمناً بالله عاملاً بطاعته , قاله الضحاك. الرابع: أنها السعادة , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الخامس: أنها الجنة , قاله مجاهد وقتادة. ويحتمل سادساً: أن تكون الحياة الطيبة العافية والكفاية. ويحتمل سابعاً: أنها الرضا بالقضاء. ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة , دون المباح منها. الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن , كما قال تعالى ﴿من جاءَ بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠].
стр. 1950
﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ قوله : ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله تعالى، قاله الزجاج.
стр. 1951
الثاني: فإذا كنت قارئاً فاستعذ بالله. الثالث: أنه من المؤخر الذي معناه مقدم , وتقديره: فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن. والاستعاذة هي استدفاع الأذى بالأعلى من وجه الخضوع والتذلل والمعنى فاستعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل , وفي التأويل من الخطأ. وقد ذكرنا في صدر الكتاب معنى الرجيم. قوله : ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر , قاله سفيان. الثاني: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي , قاله مجاهد. الثالث: ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه , لقوله تعالى ﴿وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: ٣٦]. الرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس ﴿ولأغوينهم أجميعن إلا عبادَك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] فقال الله تعالى ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢] وفي معنى السلطان وجهان: أحدهما: الحجة , ومنه سمي الوالي سلطاناً لأنه حجة الله تعالى في الأرض. الثاني: أنها القدرة , مأخوذ من السُّلْطَة , وكذلك سمي السلطان سلطاناً لقدرته. ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ يعني يتبعونه. ﴿والذين هُمْ به مشركون﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: والذين هم بالله مشركون , قاله مجاهد. الثاني: والذين أشركوا الشيطان في أعمالهم , قاله الربيع بن أنس. الثالث: والذين هم لأجل الشيطان وطاعته مشركون , قاله ابن قتيبة.
стр. 1952
﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما
стр. 1953
أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾ قوله : ﴿وإذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: شريعة تقدمت بشريعة مستأنفة , قاله ابن بحر. الثاني: وهو قول الجمهور أي نسخنا آية بآية , إما نسخ الحكم والتلاوة وإما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. ﴿والله أعلم بما ينزل﴾ يعني أعلم بالمصلحة فيه ينزله ناسخاً ويرفعه منسوخاً. ﴿قالوا إنما مفْتَرٍ﴾ أي كاذب. ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون جواز النسخ. الثاني: لا يعلمون سبب ورود النسخ.
стр. 1954
﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ قوله : ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمُه بشرٌ﴾ اختلف في اسم من أراده المشركون فيما ذكروه من تعليم رسول الله ﷺ على أربعة أقاويل: أحدها: أنه بلعام وكان قيناً بمكة , وكان رسول الله ﷺ يدخل عليه يعلمه , فاتهمته قريش أنه كان يتعلم منه , قاله مجاهد. الثاني: أنه كان عبداً أعجمياً لامرأة بمكة، يقال له أبو فكيهة، كان يغشى رسول الله ﷺ فيقرأ عليه ويتعلم منه، فقالوا لمولاته احبسيه فحبستْه، وقالت له: اكنس
стр. 1955
البيت وكل كناسته، ففعل وقال: والله ما أكلت أطيب منه ولا أحلى، وكان يسأل مولاته بعد ذلك أن تحبسه فلا تفعل. الثالث: أنهما غلامان لبني الحضرمي , وكانا من أهل عين التمر صيقلين يعملان السيوف اسم أحدها يسار , والآخر جبر , وكانا يقرآن التوراة , وكان رسول الله ربما جلس إليهما , قاله حصين بن عبد الله بن مسلم. الرابع: أنه سلمان الفارسي , قاله الضحاك. ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي﴾ في يلحدون تأويلان: أحدهما: يميلون إليه. الثاني: يعترضون به , يعني أن لسان من نسبوا رسول الله ﷺ إلى التعلم منه أعجمي. ﴿وهذا لسانٌ عربيٌ مبين﴾ يعني باللسان القرآن لأنه يقرأ باللسان , والعرب تقول: هذا لسان فلان , تريد كلامه , قال الشاعر:
(لسان السوء تهديها إلينا ... وخُنْتَ وما حسبتُك أن تخونا)
стр. 1956
﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾ قوله : ﴿مَن كفر بالله من بعد إيمانه﴾ ذكر الكلبي أنها نزلت في
стр. 1957
عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل وقيس بن الوليد بن المغيرة , كفروا بعد إيمانهم ثم قال تعالى: ﴿إلا من أُكره وقلبُه مطمئن بالإيمان﴾ قال الكلبي: نزل ذلك في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسُمية وبلال وصهيب وخبّاب , أظهروا الكفر بالإكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان. ثم قال تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكُفْر صدراً﴾ وهم من تقدم ذكرهم , فإذا أكره على الكفر فأظهره بلسانه وهو معتقد الإيمان بقلبه ليدفع عن نفسه بما أظهر , ويحفظ دينه بما أضمر فهو على إيمانه , ولو لم يضمره لكان كافراً. وقال بعض المتكلمين: إنما يجوز للمكرَه إظهارُ الكفر عل وجه التعريض دون التصريح الباتّ. لقبح التصريح بالتكذيب وخطره في العرف والشرع , كقوله إن محمداً كاذب في اعتقادكم , أو يشير لغيره ممن يوافق اسمه لاسمه إذا عرف منه الكذب , وهذا لعمري أولى الأمرين , ولم يَصِرِ المكرَه بالتصريح كافر.
стр. 1958
﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون﴾ قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنةً﴾ يريد بالقرية أهلها ﴿آمنة﴾ يعني من الخوف. ﴿مطمئنة﴾ بالخصب والدعة. ﴿يأتيها رِزقُها﴾ فيه وجهان: أحدهما: أقواتها.
стр. 1959
الثاني: مرادها. ﴿رغداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: طيباً. الثاني: هنيئاً. ﴿من كُلِّ مكانٍ﴾ يعني منها بالزراعة , ومن غيرها بالتجارة , ليكون اجتماع الأمرين لهم أوفر لسكنهم وأعم في النعمة عليها. ﴿فكفرت بأنعم الله﴾ يحتمل وجهين. أحدهما: بترك شكره وطاعته. الثاني: بأن لا يؤدوا حقها من مواساة الفقراء وإسعاف ذوي الحاجات. وفي هذه القرية التي ضربها الله تعالى مثلاً أقاويل: أحدها: أنها مكة , كان أمنها أن أهلها آمنون لا يتفاوزون كالبوادي. ﴿فأذاقها اللهُ لباسَ الجوع والخوْف﴾ وسماه لباساً لأنه قد يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس , وقيل إن القحط بلغ بهم إلى أن أكلوا القد والعلهز وهو الوبر يخلط بالدم , والقِد أديم يؤكل , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: أنها المدينة آمنت برسول الله ﷺ , ثم كفرت بأنعم الله بقتل عثمان بن عفان وما حدث بعد رسول الله ﷺ بها من الفتن , وهذا قول عائشة وحفصة ﵄. الثالث: أنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى.
стр. 1960
﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام
стр. 1961
لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿ثم إنّ ربّك للذين عملوا السُّوء بجهالةٍ﴾ فيه وجهان: أحدها: بجهالة أنها سوء. الثاني: بجهالة لغلبة الشهوة عليهم مع العلم بأنها سوء. ويحتمل ثالثاً: أنه الذي يعجل بالإقدام عليها ويعد نفسه بالتوبة. ﴿ثم تابوا مِنْ بعد ذلك وأصْلَحوا﴾ لأنه مجرد التوبة من السالف إذا لم يصلح عمله في المستأنف لا يستحق ولا يستوجب الثواب.
стр. 1962
﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ قوله : ﴿إنّ إبراهيم كان أمّةً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يُعلّم الخير , قاله ابن مسعود وإبراهيم النخعي. قال زهير:
(فأكرمه الأقوام من كل معشر ... كرام فإن كذبتني فاسأل الأمم)
يعني العلماء. الثاني: أمة يقتدى به , قاله الضحاك. وسمي أمة لقيام الأمة به. الثالث: إمام يؤتم به , قاله الكسائي وأبو عبيدة. ﴿قانتاً لله﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مطيعاً لله , قاله ابن مسعود. الثاني: إن القانت هو الذي يدوم على العبادة لله. الثالث: كثير الدعاء لله . ﴿حنيفاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مخلص , قاله مقاتل. الثاني: حاجّا , قاله الكلبي. الثالث: أنه المستقيم على طريق الحق , حكاه ابن عيسى. ﴿ولم يَكُ من المشركين﴾ فيه وجهان: أحدهما: لم يك من المشركين بعبادة الأصنام. الثاني: لم يك يرى المنع والعطاء إلا من اللَّه. ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الحسنة النبوة , قاله الحسن. الثاني: لسان صدق , قاله مجاهد. الثالث: أن جميع أهل الأديان يتولونه ويرضونه , قاله قتادة. الرابع: أنها تنوية الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه. حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: أنه بقاء ضيافته وزيارة الأمم لقبره. ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ فيه وجهان: أحدهما: في منازل الصالحين في الجنة. الثاني: من الرسل المقربين. قوله : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ فيه قولان: أحدهما: اتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه , وهذا قول بعض أصحاب الشافعي , وهذا دليل على جواز الأفضل للمفضول لأن النبي ﷺ أفضل الأنبياء. الثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام , قاله أبو جعفر الطبري.
стр. 1963
﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ وهم اليهود وفي اختلافهم في السبت ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بعضهم جعله أعظم الأيام حُرْمَةً لأن الله فرغ من خلق الأشياء فيه. الثاني: أن بعضهم جعل الأحد أعظم حُرمة منه لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه. الثالث: أنهم عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة تغليباً لحرمة السبت والأحد , قاله مجاهد وابن زيد.
стр. 1964
﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ قوله : ﴿ادعُ إلى سبيل ربِّك﴾ يعني إلى دين ربك وهو الإسلام. ﴿بالحكمة﴾ فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن , قاله الكلبي. الثاني: بالنبوة , وهو محتمل. ﴿والموعظة الحسنة﴾ فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن في لين من القول , قاله الكلبي. الثاني: بما فيه من الأمر والنهي , قاله مقاتل. ﴿وجادلْهُم بالتي هي أحسنُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بالعفو. الثاني: بأن توقظ القلوب ولا تسفه العقول. الثالث: بأن ترشد الخلف ولا تذم السلف. الرابع: على قدر ما يحتملون. روى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم).
стр. 1965
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ قوله : ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قتلى أحُد حين مثلت بهم قريش. واختلف قائل ذلك في نسخه على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ الثاني: أنها ثابتة غير منسوخة فهذا أحد القولين. والقول الثاني: أنها نزلت في كل مظلوم ان يقتص من ظالمه , قاله ابن سيرين ومجاهد ﴿واصبر﴾ فيه وجهان: أحدهما: اصبر على ما أصابك من الأذى , وهو محتمل. الثاني: واصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة بقتلى أُحد , قاله الكلبي. ﴿وما صبر إلا بالله﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وما صبر إلا بمعونة الله.
следующие страницы →