Полный текст (4 439 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ قوله : ﴿ثم إنّ ربّك للذين عملوا السُّوء بجهالةٍ﴾ فيه وجهان: أحدها: بجهالة أنها سوء. الثاني: بجهالة لغلبة الشهوة عليهم مع العلم بأنها سوء. ويحتمل ثالثاً: أنه الذي يعجل بالإقدام عليها ويعد نفسه بالتوبة. ﴿ثم تابوا مِنْ بعد ذلك وأصْلَحوا﴾ لأنه مجرد التوبة من السالف إذا لم يصلح عمله في المستأنف لا يستحق ولا يستوجب الثواب.
стр. 1962
﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ قوله : ﴿إنّ إبراهيم كان أمّةً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يُعلّم الخير , قاله ابن مسعود وإبراهيم النخعي. قال زهير:
(فأكرمه الأقوام من كل معشر ... كرام فإن كذبتني فاسأل الأمم)
يعني العلماء. الثاني: أمة يقتدى به , قاله الضحاك. وسمي أمة لقيام الأمة به. الثالث: إمام يؤتم به , قاله الكسائي وأبو عبيدة. ﴿قانتاً لله﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مطيعاً لله , قاله ابن مسعود. الثاني: إن القانت هو الذي يدوم على العبادة لله. الثالث: كثير الدعاء لله . ﴿حنيفاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مخلص , قاله مقاتل. الثاني: حاجّا , قاله الكلبي. الثالث: أنه المستقيم على طريق الحق , حكاه ابن عيسى. ﴿ولم يَكُ من المشركين﴾ فيه وجهان: أحدهما: لم يك من المشركين بعبادة الأصنام. الثاني: لم يك يرى المنع والعطاء إلا من اللَّه. ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الحسنة النبوة , قاله الحسن. الثاني: لسان صدق , قاله مجاهد. الثالث: أن جميع أهل الأديان يتولونه ويرضونه , قاله قتادة. الرابع: أنها تنوية الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه. حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: أنه بقاء ضيافته وزيارة الأمم لقبره. ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ فيه وجهان: أحدهما: في منازل الصالحين في الجنة. الثاني: من الرسل المقربين. قوله : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ فيه قولان: أحدهما: اتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه , وهذا قول بعض أصحاب الشافعي , وهذا دليل على جواز الأفضل للمفضول لأن النبي ﷺ أفضل الأنبياء. الثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام , قاله أبو جعفر الطبري.
стр. 1963
﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قوله : ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ وهم اليهود وفي اختلافهم في السبت ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بعضهم جعله أعظم الأيام حُرْمَةً لأن الله فرغ من خلق الأشياء فيه. الثاني: أن بعضهم جعل الأحد أعظم حُرمة منه لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه. الثالث: أنهم عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة تغليباً لحرمة السبت والأحد , قاله مجاهد وابن زيد.
стр. 1964
﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ قوله : ﴿ادعُ إلى سبيل ربِّك﴾ يعني إلى دين ربك وهو الإسلام. ﴿بالحكمة﴾ فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن , قاله الكلبي. الثاني: بالنبوة , وهو محتمل. ﴿والموعظة الحسنة﴾ فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن في لين من القول , قاله الكلبي. الثاني: بما فيه من الأمر والنهي , قاله مقاتل. ﴿وجادلْهُم بالتي هي أحسنُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بالعفو. الثاني: بأن توقظ القلوب ولا تسفه العقول. الثالث: بأن ترشد الخلف ولا تذم السلف. الرابع: على قدر ما يحتملون. روى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم).
стр. 1965
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ قوله : ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قتلى أحُد حين مثلت بهم قريش. واختلف قائل ذلك في نسخه على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ الثاني: أنها ثابتة غير منسوخة فهذا أحد القولين. والقول الثاني: أنها نزلت في كل مظلوم ان يقتص من ظالمه , قاله ابن سيرين ومجاهد ﴿واصبر﴾ فيه وجهان: أحدهما: اصبر على ما أصابك من الأذى , وهو محتمل. الثاني: واصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة بقتلى أُحد , قاله الكلبي. ﴿وما صبر إلا بالله﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وما صبر إلا بمعونة الله.
стр. 1966
الثاني: وما صبرك إلا لوجه الله. ﴿ولا تحزن عليهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: إن لم يقبلوا. الثاني: إن لم يؤمنوا. ﴿ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون﴾ قرأ بن كثير ﴿ضيق﴾ بالكسر وقرأ الباقون بالفتح. وفي الفرق بينهما قولان: أحدهما: أنه بالفتح ما قل , وبالكسر ما كثر , قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه بالفتح ما كان في الصدر، وبالكسر ما كان في الموضع الذي يتسع ويضيق، قاله الفراء. قوله : ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ اتقوا يعني فيما حرم الله عليهم. والذين هم محسنون فيما فرضه الله تعالى، فجمع في هذه الآية اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. وقوله: ﴿مع الذين اتقوا﴾ أي ناصر الذي اتقوا. وقال بعض أصحاب الخواطر: من اتقى الله في أفعاله أحْسَنَ إليه في أحواله، والله أعلم.
стр. 1967
سورة الإسراء
стр. 1968
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ قوله : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ أما قوله ﴿سبحان﴾ ففيه تأويلان: أحدهما: تنزيه الله تعالى من السوء , وقيل بل نزه نفسه أن يكون لغيره في إسراء عبده تأثير. الثاني: معناه برأه الله تعالى من السوء , وقد قال الشاعر:
(أقول لمّا جاءني فَخْرُه ... سبحان مِنْ علقمةَ الفاخِر)
وهو ذكر تعظيم لله لا يصلح لغيره , وإنما ذكره الشاعر على طريق النادر، وهو
стр. 1969
من السبح في التعظيم وهو الجري فيه إلى أبعد الغايات. وذكر أبان بن ثعلبة أنها كلمة بالنبطية (شبهانك). وقد ذكر الكلبي ومقاتل: إن ﴿سبحان﴾ في هذا الموضع بمعنى عجب , وتقدير الآية: عجب من الذي أسرى بعبده ليلاً , وقد وافق على هذا التأويل سيبويه وقطرب , وجعل البيت شاهداً عليه , وأن معناه عجبٌ من علقمة الفاخر. ووجه هذا التأويل أنه إذا كان مشاهدة العجب سبباً للتسبيح صار التسبيح تعجباً فقيل عجب , ومثله قول بشار:
(تلقي بتسبيحةٍ مِنْ حيثما انصرفت ... وتستفزُّ حشا الرائي بإرعاد)
وقد جاء التسبيح في الكلام على أربعة أوجه: أحدها: أن يستعمل في موضع الصلاة , من ذلك قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبِّحينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي من المصلين. الثاني: أن يستعمل في الاستثناء , كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم: ٢٨] أي لولا تستثنون. الثالث: النور , للخبر المروي عن رسول الله ﷺ أنه قال (لأحرقت سبحات وجهه) أي نور وجهه. الرابع: التنزيه , روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن التسبيح فقال: (تنزيه الله تعالى عن السوء). وقوله تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ أي بنبيه محمد ﷺ , والسُّرى: سير الليل , قال الشاعر:
(وليلة ذا ندًى سَرَيت ... ولم يلتني مِنْ سُراها ليت)
وقوله ﴿من المسجد الحرام﴾ فيه قولان:
стр. 1970
أحدهما: يعني من الحرم , والحرم كله مسجد. وكان ﷺ حين أُسرى به نائماً في بيت أم هانىء بنت أبي طالب , روى ذلك أبو صالح عن أم هانىء. الثاني: أنه أسرى به من المسجد , وفيه كان حين أسري به روى ذلك أنس بن مالك. ثم اختلفوا في كيفية إسرائه على قولين: أحدهما: أنه أسريَ بجسمه وروحه , روى ذلك ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان. واختلف قائلو ذلك هل دخل بيت المقدس وصلى فيه أم لا , فروى أبو هريرة أنه صلى فيه بالأنبياء , ثم عرج به إلى السماء , ثم رجع به إلى المسجد الحرام فصلى فيه صلاة الصبح من صبيحة ليلته. وروى حذيفة بن اليمان أنه لم يدخل بيت المقدس ولم يُصلّ فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به , ثم عاد إلى ملكه. والقول الثاني: أن النبي صلى الله ﵇ أسري بروحه ولم يسر بجسمه , روى ذلك عن عائشة ﵂ قالت: ما فُقِدَ جَسَدُ رسول الله ﷺ , ولكن الله أسرى بروحه. وروي عن معاوية قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة , وكان الحسن
стр. 1971
يتأول قوله تعالى ﴿وما جَعَلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنةً للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] أنها في المعراج , لأن المشركين كذبوا ذلك وجعلوا يسألونه عن بيت المقدس وما رأى في طريقه فوصفه لهم , ثم ذكر لهم أنه رأى في طريقه قعباً مغطى مملوءاً ماء , فشرب الماء ثم غطاه كما كان , ثم ذكر لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل متاعاً , وأنها تقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس , يقدمها جمل أورق؛ فخرجوا في ذلك اليوم يستقبلونها , فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت ولم تأت , وقال آخر: هذه والله العير يقدُمها جمل أورق كما قال محمد. وفي هذا دليل على صحة القول الأول أنه أسرى بجسمه وروحه. وقوله تعالى: ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ يعني بيت المقدس , وهو مسجد سليمان بن داود ﵉ وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام. ثم قال تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني بالثمار ومجاري الأنهار. الثاني: بمن جعل حوله من الأنبياء والصالحين ولهذا جعله مقدساً. وروى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال (يقول الله تعالى: يا شام
стр. 1972
أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي). ﴿لنريه من آياتنا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الآيات التي أراه في هذا المسرى أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة , وهي مسيرة شهر. الثاني: أنه أراه في هذا المسرى آيات. وفيها قولان: أحدهما: ما أراه من العجائب التي فيها اعتبار. الثاني: من أري من الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً. ﴿إنه هو السميع البصير﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه وصف نفسه في هذه الحال بالسميع والبصير , وإن كانتا من صفاته اللازمة لذاته في الأحوال كلها لأنه حفظ رسوله عند إسرائه في ظلمة الليل فلا يضر ألا يبصر فيها , وسمع دعاءه فأجابه إلى ما سأل , فلهذين وصف الله نفسه بالسميع البصير. الثاني: أن قومه كذبوه عن آخرهم بإسرائه , فقال: السميع يعني لما يقولونه من تصديق أو تكذيب , البصير لما يفعله من الإسراء والمعراج.
стр. 1973
﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾ قوله : ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ يعني التوراة. ﴿وجعلناه هدًى لبني إسرائيل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن موسى هدى لبني إسرائيل. الثاني: أن الكتاب هدى لبني إسرائيل. ﴿ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: شريكاً , قاله مجاهد. الثاني: يعني ربّاً يتوكلون عليه في أمورهم، قاله الكلبي. الثالث: كفيلاً بأمورهم، حكاه الفراء.
стр. 1974
قوله : ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ذرية من حملهم الله تعالى مع نوح في السفينة وقت الطوفان. ﴿إنّه كان عبداً شكوراً﴾ يعني نوحاً , وفيه قولان: أحدهما: أنه سماه شكوراً لأنه كان يحمد الله تعالى على طعامه , قاله سلمان. الثاني: أنه كان يستجد ثوباً إلا حمد الله تعالى عند لباسه , قاله قتادة. ويحتمل وجهين: أحدهما: أن نوحاً كان عبداً شكوراً فجعل الله تعالى موسى من ذريته. الثاني: أن موسى كان عبداً شكوراً إذ جعله تعالى من ذرية نوح.
стр. 1975
﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾. معنى قضينا ها هنا: أخبرنا. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن معناه حكمنا , قاله قتادة. ومعنى قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ أي قضينا عليهم. ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾ الفاسد الذي فعلوه قتلهم للناس ظلماً وتغلبهم على أموالهم قهراً , وإخراب ديارهم بغياً. وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان:
стр. 1976
أحدهما: أنه زكريا قاله ابن عباس. الثاني: أنه شعياً , قاله ابن إسحاق , وأن زكريا مات حتف أنفه. أما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني فيحيى بن زكريا في قول الجميع قال مقاتل: وإن كان بينهما مائتا سنة وعشر. ﴿فإذا جاء وعْد أولاهما﴾ يعني أولى المرتين من فسادهم. ﴿بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ﴾ في قوله بعثنا وجهان: أحدهما: خلينا بينكم وبينهم خذلاناً لكم بظلمكم , قاله الحسن. الثاني: أمرنا بقتالكم انتقاماً منكم. وفي المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى خمسة أقاويل: أحدها: جالوت وكان ملكهم طالوت إلى أن قتله داود ﵇ , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه بختنصر , وهو قول سعيد بن المسيب. الثالث: أنه سنحاريب , قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنهم العمالقة وكانوا كفاراً , قاله الحسن. الخامس: أنهم كانوا قوماً من أهل فارس يتجسسون أخبارهم , وهو قول مجاهد. ﴿ ... فجاسوا خلال الديار﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مشوا وترددوا بين الدور والمساكن , قال ابن عباس وهو أبلغ في القهر. الثاني: معناه فداسوا خلال الديار , ومنه قول الشاعر:
٨٩ (إِلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ﴾ ٩
الثالث: معناه فقتولهم بين الدور والمساكن , ومنه قول حسان بن ثابت:
(ومِنَّا الَّذِي لاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ... فَجَاس بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ العَسَاكر)
стр. 1977
الرابع: معناه فتشوا وطلبوا خلال الديار , قاله أبو عبيدة. الخامس: معناه نزلوا خلال الديار , قاله قطرب , ومنه قول الشاعر:
(فَجُسنا ديارهم عَنْوَةً ... وأبنا بساداتهم موثَقينا)
قوله : ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ يعني الظفر بهم , وفي كيفية ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما فيه يديه من الأسرى والأموال. الثاني: أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى , وردّ ما في يده من الأموال. الثالث: أنه كان بقتل جالوت حين قتله داود. ﴿وأمددناكم بأموالٍ وبنين﴾ بتجديد النعمة عليهم. ﴿وجعلناكم أكثر نفيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أكثر عزاً وجاهاً منهم. الثاني: أكثر عدداً , وكثرة العدد تنفر عدوهم منهم , قال تُبع بن بكر:
(فأكرِم بقحْطَانَ مِن وَالِدٍ ... وحِمْيَرَ أَكْرِم بقَوْمٍ نَفِيراً)
قال قتادة: فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين , وبعث فيهم أنبياء. قوله : ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ لأن الجزاء بالثواب يعود إليها , فصار ذلك إحساناً لها. ﴿وإن أسأتُم فلها﴾ أي فإليها ترجع الإساءة لما يتوجه إليها من العقاب , فرغَّب في الإحسان وحذر من الإساءة. ثم قال تعالى: ﴿فإذا جاءَ وعْدُ الآخرة ليسوءُوا وجُوهكم﴾ يعني وعد المقابلة على فسادهم في المرة الثانية. وفيمن جاءهم فيها قولان: أحدهما: بختنصّر، قاله مجاهد.
стр. 1978
الثاني: أنه انطياخوس الرومي ملك أرض نينوى، وهو قول مقاتل، وقيل إنه قتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً، وحرق التوراة وأخرب بيت المقدس , ولم يزل على خرابه حتى بناه المسلمون. ﴿وليدخلوا المسجد كما دَخلوه أوّل مرّة﴾ يعني بيت المقدس. ﴿وليتبروا ما علوا تتبيراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الهلاك والدمار. الثاني: أنه الهدم والإخراب , قاله قطرب , ومنه قول لبيد:
(وما النَّاسُ إلا عَامِلان فَعَامِلٌ ... يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وَآخَرُ رَافِعٌ)
)
قوله : ﴿عسى ربُّكم أن يرحمكم﴾ يعني مما حل بكم من الانتقام منكم. ﴿وإن عدتم عدنا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام , فعادوا. قال ابن عباس وقتادة: فبعث الله عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة. الثاني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى القبول , قاله بعض الصالحين. ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني فراشاً ومهاداً , قاله الحسن: مأخوذ من الحصير المفترش. الثاني: حبساً يحبسون فيه , قاله قتادة , مأخوذ من الحصر وهو الحبس. والعرب تسمي الملك حصيراً لأنه بالحجاب محصور , قال لبيد:
(ومقامَةِ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... جِنٌّ لَدَى بَابِ الحَصِير قِيَامُ)
стр. 1979
﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ قوله : ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فيها تأويلان:
стр. 1980
أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله , قاله الكلبي والفراء. الثاني: ما تضمه من الأوامر والنواهي التي هي أصوب , قاله مقاتل.
стр. 1981
﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا﴾ قوله : ﴿ويدعو الإنسان بالشر دُعاءَه بالخير﴾ فيه وجهان من التأويل: أحدها: أن يطلب النفع في العاجل بالضر العائد عليه في الآجل. الثاني: أن يدعوا أحدهم على نفسه أو ولده بالهلاك , ولو استجاب دعاءه بهذا الشر كما استجاب له بالخير لهلك. ﴿وكان الإنسان عجولاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: عجولاً في الدعاء على نفسه وولده وما يخصه , وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد. الثاني: أنه عنى آدم حين نفخ فيه الروح , حتى بلغت إلى سُرّته فأراد أن ينهض عجلاً , وهذا قول إبراهيم والضحاك.
стр. 1982
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾ قوله : ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها ظلمة الليل التي لا نبصر فيها الطرقات كما لا نبصر ما محي من الكتاب , وهذا من أحسن البلاغة , وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: أنها اللطخة السوداء التي في القمر , وهذا قول علي وقتادة ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيميز به الليل من النهار. ﴿وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها الشمس مضيئة للأبصار. الثاني: موقظة.
стр. 1983
﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ قوله : ﴿وكل إنسان ألزمنا طائره في عنقه﴾ فيه قولان: أحدهما: ألزمناه عمله من خير أو شر مثل ما كانت العرب تقوله سوانح الطير وبوارحه , والسانح: الطائر يمر ذات اليمين وهو فأل خير , والبارح: الطائر يمر ذات الشمال وهو فأل شر , وأضيف إلى العنق. الثاني: أن طائره حظه ونصيبه , من قول العرب: طار سهم فلان إذا خرج سهمه ونصيبه منه , قاله أبو عبيدة. ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ يعني كتاب طائره الذي في عنقه من خير أو شر. ويحتمل نشر كتابه الذي يلقاه وجهين: أحدهما: تعجيلاً للبشرى بالحسنة , والتوبيخ بالسيئة. الثاني: إظهار عمله من خير أو شر. ﴿اقرأ كتابك﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لما في قراءته من زيادة التقريع والتوبيخ. والثاني: ليكون إقراره بقراءته على نفسه. ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: يعني حاكماً بعملك من خير أو شر. ولقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك بعملك.
стр. 1984
﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ قوله : ﴿مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه﴾ يعني لما يحصل له من ثواب طاعته. ﴿ومَن ضلّ فإنما يضل عليها﴾ يعني لما يحصل عليه من عقاب معصيته. ﴿ولا تزر وازِرةٌ وزر أخرى﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. الثاني: لا يجوز لأحد أن يعصى لمعصية غيره. الثالث: لا يأثم أحد بإثم غيره. ويحتمل رابعاً: أن لا يتحمل أحد ذنب غيره ويسقط مأثمه عن فاعله. ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كنا معذبين على الشرائع الدينية حتى نبعث رسولاً مبيناً , وهذا قول من زعم أن العقل تقدم الشرع. الثاني: وما كنا معذبين على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولاً داعياً , وهذا قول من زعم أن العقل والشرع جاءا معاً. وفي العذاب وجهان: أحدهما: عذاب الآخرة. وهو ظاهر قول قتادة. الثاني: عذاب بالاستئصال في الدنيا، وهو قول مقاتل.
стр. 1985
﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ قوله : ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها. .﴾ الآية في قوله ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه إذا أردنا أن نحكم بهلاك قرية. والثاني: معناه وإذا أهلكنا قرية , وقوله ﴿أردنا﴾ صلة زائدة كهي في قوله تعالى: ﴿جداراً يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧] الثالث: أنه أراد بهلاك القرية فناء خيارها وبقاء شرارها. ﴿أمرنا مترفيها﴾ الذي عليه الأئمة السبعة من القراء أن أمرنا مقصور مخفف , وفيه وجهان: أحدهما: أمرنا متفريها بالطاعة , لأن الله تعالى لا يأمر إلا بها , ﴿ففسقوا فيها﴾ أي فعصوا بالمخالفة , قاله ابن عباس. الثاني: معناه: بعثنا مستكبريها , قاله هارون , وهي في قراءة أبيِّ: بعثنا أكابر مجرميها. وفي قراءة ثانية ﴿أمّرنا مترفيها﴾ بتشديد الميم , ومعناه جعلناهم أمراء مسلطين , قاله أبو عثمان النهدي. وفي قراءة ثالثة ﴿آمَرْنا مُترفيها﴾ ممدود , ومعناه أكثرنا عددهم , من قولهم آمر
стр. 1986
القوم إذا كثروا , لأنهم مع الكثرة يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم , ومنه قول النبي ﷺ (خير المال مهرة أو سُكة مأبورة) أي كثيرة النسل , وقال لبيد:
(إن يغبطوا يهبطوا وإن أمِروا ... يوماً يصيروا إلى الإهلاك والنكد)
وهذا قول الحسن وقتادة. وفي ﴿مترفيها﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها جباروها , قاله السن. الثاني: رؤساؤها , قاله علي بن عيسى. الثالث: فساقها , قاله مجاهد.
стр. 1987
﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾ قوله : ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نُوح﴾ واختلفوا في مدة القرن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مائة وعشرون سنة , قاله عبد الله بن أبي أوفى. الثاني: أنه مائة سنة , قاله عبد الله بن بُسْر المازني.
стр. 1988
الثالث: أنه أربعون سنة , روى ذلك محمد بن سيرين عن النبي ﷺ .
стр. 1989
﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ قوله : ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربِّكَ﴾ يعني البر والفاجر من عطاء ربك في الدنيا دون الآخرة. ﴿وما كان عطاء ربك محظوراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: منقوصاً , قاله قتادة. الثاني: ممنوعاً , قاله ابن عباس.
стр. 1990
﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ قوله : ﴿وقضى ربُّك ألاّ تبعدوا إلاّ إياه﴾ معناه وأمر ربك , قاله ابن عباس والحسن وقتادة. وكان ابن مسعود وأبيّ بن كعب يقرآن ﴿ووصى ربك﴾ قاله الضحاك , وكانت في المصحف: ﴿ووصى ربك﴾ لكن ألصق الكاتب الواو فصارت ﴿وقضى ربك﴾.
стр. 1991
﴿وبالوالدين أحساناً﴾ معناه ووصى بالوالدين إحساناً , يعني أن يحسن إليهما بالبر بهما في الفعل والقول. ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما﴾ فيه وجهان: أحدهما: يبلغن كبرك وكما عقلك. الثاني: يبلغان كبرهما بالضعف والهرم. ﴿فلا تقل لهما أفٍّ﴾ يعني حين ترى منهما الأذى وتميط عنهما الخلا , وتزيل عنهما القذى فلا تضجر , كما كانا يميطانه عنك وأنت صغير من غير ضجر. وفي تأويل ﴿أف﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كل ما غلظ من الكلام وقبح , قاله مقاتل. الثاني: أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة , قاله الكلبي. الثالث: أنها كلمة تدل على التبرم والضجر , خرجت مخرج الأصوات المحكية. والعرب أف وتف , فالأف وسخ الأظفار , والتُّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير. ﴿وقل لهما قولاً كريماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليناً. والآخر: حسناً. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية والآية التي بعدها في سعد بن أبي وقاص.
стр. 1992
﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا﴾ قوله : ﴿ ... إنه كان للأوّابين غفوراً﴾ فيهم خمسة أقاويل: أحدها: أنهم المحسنون، وهذا قول قتادة.
стр. 1993
والثاني: أنهم الذين يصلّون بين المغرب والعشاء، وهذا قول ابن المنكدر يرفعه. الثالث: هم الذي يصلون الضحى، وهذا قول عون العقيلي. والرابع: أنه الراجع عن ذنبه الذي يتوب، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد. والخامس: أنه الذي يتوب مرة بعد مرة، وكلما أذنب بادر بالتوبة وهذا قول سعيد بن المسيب.
стр. 1994
﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾ قوله : ﴿وإما تعرضَنَّ عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربّك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه إذا أعرضت عمن سألك ممن تقدم ذكره لتعذره عندك ﴿ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾ أي انتظاراً للزرق منه ﴿فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ أي عِدْهم خيراً ورد عليهم رداً جميلاً , وهذا قول الحسن ومجاهد. الثاني: معناه إذا أعرضت عمن سألك حذراً أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل لهم قولاً ميسوراً , أي ليناً سهلاً , وهذا قول ابن زيد.
стр. 1995
﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾ قوله : ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ أي ويقتر ويقلل. ﴿إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: خبيراً بمصالحهم بصيراً بأمورهم. والثاني: خبيراً بما أضمروا بصيراً بما عملوا.
стр. 1996
﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ قوله : ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ يعني وأد البنات أحياء خيفة الفقر. ﴿نحن نرزقهم وإياكُم إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً﴾ والخِطءُ العدول عن الصواب بعمد , والخطأ العدول عنه بسهو , فهذا الفرق بين الخِطْءِ والخطأ , وقد قال الشاعر:
(الخِطْءُ فاحشةٌ والبِرُّ نافِلةٌ ... كعَجْوةٍ غرسَتْ في الأرض تؤتَبرُ)
الثاني: أن الخطء ما كان إثماً , والخطأ ما لا إثم فيه , وقرأ الحسن خطاء بالمد.
стр. 1997
﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ قوله : ﴿ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلَاّ بالحق﴾ يعني إلا بما تستحق به القتل. ﴿ومَن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه القود , قاله قتادة. الثاني: أنه الخيار بين القود أو الدية أو العفو , وهذا قول ابن عباس والضحاك. الثالث: فقد جعلنا لوليه سلطاناً ينصره وينصفه في حقه. ﴿فلا يُسْرِف في القَتل﴾ فيه قولان: أحدهما: فلا يسرف القاتل الأول في القتل تعدياً وظلماً , إن وليّ المقتول كان منصوراً , قاله مجاهد. الثاني: فلا يسرف وليّ المقتول في القتل.
стр. 1998
وفي إسرافه أربعة أوجه: أحدها: أن يقتل غير قاتله , وهذا قول طلق بن حبيب. الثاني: أن يمثل إذا اقتص , قاله ابن عباس. الثالث: أن يقتل بعد أخذ الدية , قاله يحيى. الرابع: أن يقتل جماعة بواحد , قاله سعيد بن جبير وداود. ﴿إنه كان منصوراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الولي كان منصوراً بتمكينة من القود , قاله قتادة. الثاني: أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله , قاله مجاهد.
стр. 1999
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قوله : ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن﴾ وإنما خص اليتيم بالذكر لأنه إلى ذلك أحوج , والطمع في ماله أكثر. وفي قوله ﴿إلاّ بالتي هي أحسن﴾ قولان: أحدهما: حفظ أصوله وتثمير فروعه , وهو محتمل. الثاني: أن التي هي أحسن التجارة له بماله. ﴿حتى يَبْلُغَ أَشدَّه﴾ وفي الأشد وجهان: أحدهما: أنه القوة. الثاني: المنتهى. وفي زمانه ها هنا قولان: أحدهما: ثماني عشرة سنة. والثاني: الاحتلام مع سلامة العقل وإيناس الرشد. ﴿وأوفوا بالعهد﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 2000
أحدها: أنها العقود التي تنعقد بين متعاقدين يلزمهم الوفاء بها , وهذا قول أبي جعفر الطبري. الثاني: أنه العهد في الوصية بمال اليتيم يلزم الوفاء به. الثالث: أنه كل ما أمر الله تعالى به أو نهى فهو من العهد الذي يلزم الوفاء به. ﴿إن العهد كان مسئولاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العهد كان مطلوباً , قاله السدي. الثاني: أن العهد كان مسئولا عنه الذي عهد به , فيكون ناقض العهد هو المسئول. الثالث: أن العهد نفسه هو المسئول بم نقِضت , كما تُسأل الموءُودة بأي ذنب قتلت. قوله : ﴿ ... وزنُوا بالقسطاس المستقيم﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القبان. قاله الحسن. الثاني: أنه الميزان صغر أو كبر , وهذا قول الزجاج. الثالث: هو العدل. واختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه رومي , قاله مجاهد. الثاني: أنه عربي مشتق من القسط , قاله ابن درستويه. ﴿ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أحسن باطناً فيكون الخير ما ظهر , وحسن التأويل ما بطن. الثاني: أحسن عقابة , تأويل الشيء عاقبته.
следующие страницы →