Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
أحدها: قد سُحرت لما تحمل نفسك عليه من هذا القول والفعل المستعظمين. الثاني: يعني ساحراً لغرائب أفعالك. الثالث: مخدوعاً. الرابع: مغلوباً: قاله مقاتل. ﴿ ... وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: مغلوباً , قاله الكلبي ومقاتل. وقال الكميت:
(وَرَأَت قُضَاعَةُ في الأَيَا ... مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وَثَابِر)
الثاني: هالك , وهو قول قتادة. الثالث: مبتلى , قاله عطية. الرابع: مصروفاً عن الحق , قاله الفراء. الخامس: ملعوناً , قاله أبان بن تغلب وأنشد: يا قَوْمَنَا لَا تَرُومُوا حَرْبَنَا سَفَهاً إِنّ السَّفَاهَ وإِنَّ البَغْيَ مَثْبُورُ
قوله : ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض﴾ وفيه وجهان: أحدهما: يزعجهم منها بالنفي عنها , قاله الكلبي. الثاني: يهلكهم فيها بالقتل. ويعني بالأرض مصر وفلسطين والأردن. قوله : ﴿ ... فإذا جاءَ وعد الآخرة﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وعد الإقامة وهي الكرة الآخرة , قاله مقاتل. الثاني: وعد الكرة الآخرة في تحويلهم إلى أرض الشام. الثالث: نزول عيسى ﵇ من السماء , قاله قتادة. ﴿جئنا بكم لفيفاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: مختلطين لا تتعارفون , قاله رزين. الثاني: جئنا بكم جميعاًً من جهات شتى , قاله ابن عباس وقتادة. مأخوذ من لفيف الناس.
стр. 2067
﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ قوله : ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نَزَل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن إنزاله حق. الثاني: أن ما تضمنه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد حق. ﴿وبالحق نزل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وبوحينا نزل. الثاني: على رسولنا نزل. ﴿وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً﴾ يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع الله تعالى , ونذيراً بالنار لمن عصى الله تعالى. قوله : ﴿وقرآناً فرقناه﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فرقنا فيه بين الحق والباطل , قاله الحسن. الثاني: فرّقناه بالتشديد وهي قراءة ابن عباس أي نزل مفرّقاً آية آية وهي كذلك في مصحف ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب: فرقناه عليك. الثالث: فصّلناه سُورَاً وآيات متميزة , قاله ابن بحر. ﴿لتقرأه على الناس على مُكْثٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني على تثبت وترسّل , وهو قول مجاهد. الثاني: أنه كان ينزل منه شيء , ثم يمكثون بعد ما شاء الله , ثم ينزل شيء آخر. الثالث: أن يمكث في قراءته عليهم مفرقاً شيئاً بعد شيء , قاله أبو مسلم.
стр. 2068
﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان
стр. 2069
سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾ قوله : ﴿قل آمنوا بِه أو لا تؤمنوا﴾ يعني القرآن , وهذا من الله تعالى على وجه التبكيت لهم والتهديد , لا على وجه التخيير. ﴿إن الذين أوتوا العلم من قَبله﴾ فيهم وجهان: أحدهما: أنهم أمة محمد ﷺ , قاله الحسن. الثاني: أنهم أناس من اليهود , قاله مجاهد. ﴿إذا يتلى عليهم يخرُّون للأذقان سُجّداً﴾ فيه قولان: أحدهما: كتابهم إيماناً بما فيه من تصديق محمد ﷺ . الثاني: القرآن كان أناس من أهل الكتاب إذا سمعوا ما أنزل منه قالوا: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا , وهذا قول مجاهد. وفي قوله ﴿يخرُّون للأذقان﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأذقان مجتمع اللحيين. الثاني: أنها ها هنا الوجوه , قاله ابن عباس وقتادة. الثالث: أنها اللحى , قاله الحسن.
стр. 2070
﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ قوله : ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ في سبب نزولها قولان: أحدهما: قاله الكلبي. أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلاً وهو في التوراة كثير , فلما أسلم ناس من اليهود منهم ابن سلام وأصحابه ساءَهم قلة ذكر الرحمن في القرآن , وأحبوا أن يكون كثيراً فنزلت.
стр. 2071
الثاني: ما قاله ابن عباس أنه كان النبي ﷺ ساجداً يدعو (يا رحمن يا رحيم) فقال المشركون هذا يزعم أن له إِلهاً واحداً وهو يدعو مثنى , فنزلت الآية. ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عنى بالصلاة الدعاء , ومعنى ذلك ولا تجهر بدعائك ولا تخافت به , وهذا قول عائشة ﵂ ومكحول. قال إبراهيم: لينتهين أقوام يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم. الثاني: أنه عنى بذلك الصلاة المشروعة , واختلف قائلو ذلك فيما نهى عنه من الجهر بها والمخافتة فيها على خمسة أقاويل: أحدها: أنه نهى عن الجهر بالقراءة فيها لأن رسول الله ﷺ بمكة كان يجهر بالقراءة جهراً شديداً , فكان إذا سمعه المشركون سبّوه , فنهاه الله تعالى عن شدة الجهر , وأن لا يخافت بها حتى لا يسمعه أصحابه , ويبتغي بين ذلك سبيلاً , قاله ابن عباس. الثاني: أنه نهى عن الجهر بالقراءة في جميعها وعن الإسرار بها في جميعها وأن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار. الثالث: أنه نهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة , قاله ابن سيرين. الرابع: أنه نهي عن الجهر بفعل الصلاة لأنه كان يجهر بصلاته , بمكة فتؤذيه قريش , فخافت بها واستسر , فأمره الله ألاّ يجهر بها كما كان , ولا يخافت بها كما صار , ويبتغي بين ذلك سبيلاً , قاله عكرمة. الخامس: يعني لا تجهر بصلاتك تحسنها مرائياً بها في العلانية , ولا تخافت بها تسيئها في السريرة , قال الحسن: تحسّن علانيتها وتسيء سريرتها. وقيل: لا تصلّها رياءً ولا تتركها حياء. والأول أظهر. روي أن أبا بكر الصديق كان إذا صلى خفض من صوته فقال له النبي ﷺ (لم تفعل هذا) قال: أناجي ربي وقد علم حاجتي , فقال ﷺ (أحسنت).
стр. 2072
وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته فقال له النبي ﷺ : (لم تفعل هذا) فقال أُوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال النبي ﷺ : (أحسنت). فلما نزلت هذه الآية قال لأبي بكر: (ارفع شيئا) وقال لعمر: (أخفض شيئاً). قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أمره بالحمد لتنزيه الله تعالى عن الولد. الثاني: لبطلان ما قرنه المشركون به من الولد. ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ لأنه واحد لا شريك له في ملك ولا عبادة. ﴿ولم يكن له وليٌّ من الذل﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لم يحالف أحداً. الثاني: لا يبتغي نصر أحد. الثالث: لم يكن له وليٌّ من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس , قاله الكلبي. ﴿وكبره تكبيراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صِفه بأنه أكبر من كل شيء. الثاني: كبّره تكبيراً عن كل ما لا يجوز في صفته. الثالث: عظِّمْه تعظيماً والله أعلم.
стр. 2073
سورة الكهف
стр. 2074
﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ قوله : ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ يعني على محمد القرآن , فتمدح بإنزاله لأنه أنعم عليه خصوصاً , وعلىالخلق عموماً. ﴿ولم يجعل له عوجاً﴾ في ﴿عوجاً﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني مختلفاً , قاله مقاتل , ومنه قول الشاعر:
(أدوم بودي للصديق تكرُّماً ... ولا خير فيمن كان في الود أعوجا)
الثاني: يعني مخلوقاً , قاله ابن عباس. الثالث: أنه العدول عن الحق إلى الباطل , وعن الاستقامة إلى الفساد , وهو قول علي بن عيسى.
стр. 2075
والفرق بين العوج بالكسر والعوج بالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين وفي الطريق وفيما ليس بقائم منتصب , والعوج بفتح العين ما كان في القناة والخشبة وفيما كان قائماً منتصباً. ﴿قيِّماً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه المستقيم المعتدل , وهذ قول ابن عباس والضحاك. الثاني: أنه قيم على سائر كتب الله تعالى يصدقها وينفي الباطل عنها. الثالث: أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها , وفيه تقديم وتأخير في قول الجميع وتقديره: أنزل الكتاب على عبده قيماً ولم يجعل له عوجاً ولكن جعله قيماً. ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه عذاب الاستئصال في الدنيا. الثاني: أنه عذاب جهنم في الآخرة.
стр. 2076
﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ قوله : ﴿فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: قاتل نفسك , ومنه قول ذي الرُّمَّةِ:
(ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... بشيء نحتَهُ عن يديك المقادِرُ)
الثاني: أن الباخع المتحسر الأسِف , قاله ابن بحر. ﴿على آثارهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: على آثار كفرهم. الثاني: بعد موتهم.
стр. 2077
﴿إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ يريد إن لم يؤمن كفار قريش بهذا الحديث يعني القرآن. ﴿أسفاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي غضباً , قاله قتادة. الثاني: جزعاً , قاله مجاهد. الثالث: أنه غمّاً , قاله السدي. الرابع: حزناً , قاله الحسن , وقد قال الشاعر:
(أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... تضُمُّ إلى كشحيه كفّاً مخضبَّا)
قوله : ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الأشجار والأنهار التي زين الله الأرض بها , قاله مقاتل. الثاني: أنهم الرجال لأنهم زينة الأرض , قاله الكلبي. الثالث: أنهم الأنبياء والعلماء , قاله القاسم. الرابع: أن كل ما على الأرض زينة لها , قاله مجاهد. الخامس: أن معنى ﴿زينة لها﴾ أي شهوات لأهلها تزين في أعينهم وأنفسهم. ﴿لنبلوهم أيهم أحْسَنُ عملاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أيهم أحسن إعراضاً عنها وتركاً لها , قاله ابن عطاء. الثاني: أيهم أحسن توكلاً علينا فيها , قاله سهل بن عبد الله. الثالث: أيهم أصفى قلباً وأهدى سمتاً. ويحتمل رابعاً: لنختبرهم أيهم أكثر اعتباراً بها.
стр. 2078
ويحتمل خامساً: لنختبرهم في تجافي الحرام منها. قوله : ﴿وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً﴾ في الصعيد ثلاثة أقاويل: أحدها: الأرض المستوية , قاله الأخفش ومقاتل. الثاني: هو وجه الأرض لصعوده , قاله ابن قتيبة. الثالث: أنه التراب , قاله أبان بن تغلب. وفي الجُرُز أربعة أوجه: أحدها: بلقعاً , قاله مجاهد. الثاني: ملساء , وهو قول مقاتل. الثالث: محصورة , وهو قول ابن بحر. الرابع: أنها اليابسة التي لا نبات بها ولا زرع قال الراجز:
٨٩ (قد جرفتهن السُّنون الأجراز﴾ ٩
стр. 2079
﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ قوله : ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾ أما الكهف فهو غار في الجبل الذي أوى إليه القوم. وأما الرقيم ففيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه اسم القرية التي كانوا منها , قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم الجبل , قاله الحسن. الثالث: أنه اسم الوادي، قاله الضحاك. قال عطية العوفي: هو واد
стр. 2080
بالشام نحو إبلة وقد روي أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف ميرم واسم المدينة أفسوس، واسم الملك وفيانوس. الرابع: أنه اسم كلبهم. قاله سعيد بن جبير , وقيل هو اسم لكل كهف. الخامس: أن الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم , قاله مجاهد. ماخوذ من الرقم في الثوب. وقيل كان الكتاب لوحاً من رصاص على باب الكهف , وقيل في خزائن الملوك لعجيب أمرهم. السادس: الرقيم الدواة بالرومية , قاله أبو صالح. السابع: أن الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل حال أصحاب الكهف , قاله سعيد بن جبير. ﴿كانوا مِنْ آياتنا عجباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه ما حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجباً لولا أن أخبرناك وأوحينا إليك. الثاني: معناه أحسبت أنهم أعجب آياتنا وليسوا بأعجب خلقنا , قاله مجاهد. قوله : ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ اختلف في سبب إيوائهم إليه على قولين: أحدهما: أنهم قوم هربوا بدينهم إلى الكهف , قاله الحسن. ﴿فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرِنا رشداً﴾. الثاني: أنهم أبناء عظماء وأشراف خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد , فقال أسَنُّهم: إني أجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده , إن ربي رب السموات والأرض , ﴿فقالوا﴾ جميعاً ﴿ربُّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه
стр. 2081
إلهاً لقد قلنا إذاً شَطَطَاً﴾ ثم دخلوا الكهف فلبثوا فيه ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعاً , قاله مجاهد. قال ابن قتيبة: هم أبناء الروم دخلوا الكهف قبل عيسى , وضرب الله تعالى على آذنهم فيه , فلما بعث الله عيسى أخبر بخبرهم , ثم بعثهم الله تعالى بعد عيسى في الفترة التي بينه وبين النبي ﷺ . وفي ﴿شططاً﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: كذباً , قاله قتادة. الثاني: غلوّاً , قاله الأخفش. الثالث: جوراً , قاله الضحاك. قوله : ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً﴾ والضرب على الآذان هو المنع من الاستماع , فدل بهذا على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً , ﴿سنين عدداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: إحصاء. الثاني: سنين كاملة ليس فيها شهور ولا أيام. وإنما ضرب الله تعالى على آذانهم وإن لم يكن ذلك من أسباب النوم لئلا يسمعوا ما يوقظهم من نومهم. قوله : ﴿ثم بعثناهم﴾ الآية. يعني بالعبث إيقاظهم من رقدتهم. ﴿لنِعلَم﴾ أي لننظر ﴿أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عدداً , قاله مجاهد. الثاني: أجلاً , قاله مقاتل. الثالث: الغاية , قاله قطرب. وفي الحزبين أربعة أقاويل:
стр. 2082
أحدها: أن الحزبين هما المختلفان في أمرهم من قوم الفتية , قاله مجاهد. الثاني: أن أحد الحزبين الفتية , والثاني: من حضرهم من أهل ذلك الزمان. الثالث: أن أحد الحزبين مؤمنون , والآخر كفار. الرابع: أن أحد الحزبين الله تعالى , والآخر الخلق , وتقديره: أنتم أعلم أم الله.
стр. 2083
﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾ قوله : ﴿وربطنا على قلوبهم. .﴾ فيه وجهان: أحدهما: ثبتناها. الثاني: ألهمناها صبراً , قاله اليزيدي. ﴿ ... ولقد قلنا إذاً شططاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: غُلواً. الثاني: تباعداً. قوله تعالى: ﴿ ... لولا يأتون عليهم بسلطان بيّنٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بحجة بينة , قاله مقاتل. الثاني: بعذر بيّن , قاله قتادة. الثالث: بكتاب بيّن , قاله الكلبي. قوله تعالى: ﴿ ... ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: سعة. الثاني: معاشاً.
стр. 2084
ويحتمل ثالثاً: يعني خلاصاً , ويقرأ ﴿مِرْفقاً﴾ بكسر الميم وفتح الفاء ﴿ومَرفِقاً﴾ بفتح الميم وكسر الفاء , والفرق بينهما أنه بكسر الميم وفتح الفاء إذا وصل إليك من غيرك , وبفتح الميم وكسر الفاء إذا وصل منك إلى غيرك.
стр. 2085
﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ قوله : ﴿وترى الشمس إذا طَلَعَتْ تزوار عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ فيه وجهان أحدهما: تعرض عنه فلا تصيبه. الثاني: تميل عن كهفهم ذات اليمين. ﴿وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معنى تقرضهم تحاذيهم , والقرض المحاذاة , قاله الكسائي والفراء. الثاني: معناه تقطعهم ذات الشمال أي أنها تجوزهم منحرفة عنهم , من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته. الثالث: معناه تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها , مأخوذ من قرض الدراهم التي ترد لأنهم كانوا في مكان موحش , وقيل لأنه لم يكن عليهم سقف يظلهم ولو طلعت عليهم لأحرقتهم. وفي انحرافها عنهم في الطلوع والغروب قولان: أحدهما: لأن كهفهم كان بإزاء بنات نعش فلذلك كانت الشمس لا تصيبه في وقت الشروق ولا في وقت الغروب , قاله مقاتل. الثاني: أن الله تعالى صرف الشمس عنهم لتبقى أجسامهم وتكون عبر لمن يشاهدهم أو يتصل به خبرهم.
стр. 2086
﴿وهم في فجوة منه﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني في فضاء منه , قاله قتادة. الثاني: داخل منه , قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنه المكان الموحش. الرابع: أنه ناحية متسعة , قاله الأخفش , ومنه قول الشاعر:
(ونحن ملأنا كلَّ وادٍ وفجوةٍ ... رجالاً وخيلاً غير ميلٍ ولا عُزْلِ)
стр. 2087
﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.
стр. 2088
وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا﴾ قوله : ﴿وتحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ﴾ الأيقاظ: المنتبهون. قال الراجز:
(قد وجدوا إخوانهم أيقاظا ... والسيف غياظ لهم غياظا)
والرقود: النيام. قيل إن أعينهم كانت مفتوحة ويتنفسون ولا يتكلمون. ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ يعني تقلب النيام لأنهم لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض لطول مكثهم. وقيل إنهم كانوا يقلبون في كل عام مرتين , ستة أشهر على جنب. وستة أشهر على جنبٍ آخر , قاله ابن عباس. قال مجاهد: إنما قلبوا تسع سنين بعد ثلاثمائة سنة لم يقلبوا فيها. وفيما تحسبهم من أجله أيقاظاً وهم رقود قولان: أحدهما: لانفتاح أعينهم. الثاني: لتقليبهم ذات اليمين وذات الشمال. ﴿وكلبهم باسِطٌ ذِراعيه بالوصيد﴾ في ﴿كلبهم﴾ قولان: أحدهما: أنه كلب من الكلاب كان معهم , وهو قول الجمهور. وقيل إن اسمه كان حمران. الثاني: أنه إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم , وقيل بل كان راعياً. وفي ﴿الوصيد﴾ خمسة تأويلات: أحدها: أنه العتبة. الثاني: أنه الفناء قاله ابن عباس. الثالث: أنه الحظير , حكاه اليزيدي. الرابع: أن الوصيد والصعيد التراب , قاله سعيد بن جبير. الخامس: أنه الباب , قاله عطية , وقال الشاعر:
(بأرض فضاءَ لا يُسَدُّ وَصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرِ)
وحكى جرير بن عبيد أنه كان كلباً ربيباً صغيراً. قال محمد بن إسحاق كان اصفر اللون. ﴿لو أطّلعت عليهم لوليت منهم فِراراً ولملِئت منهم رُعباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لطول أظفارهم وشعورهم يأخذه الرعب منهم فزعاً.
стр. 2089
الثاني: لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة التي ترد عنهم الأبصار لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله. حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزوت مع معاوية ﵁ في بحر الروم فانتهينا إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف , فقال معاوية أريد أن أدخل عليهم فأنظر إليهم , فقلت ليس هذا لك فقد منعه الله من هو خير منك , قال تعالى ﴿لو اطعلت عليهم لوليت منهم فراراً﴾ الآية. فأرسل جماعة إليهم دخلوا الكهف أرسل الله عليهم ريحاً أخرجتهم. وقيل إن هذه المعجزة من قومهم كانت لنبي قيل إنه كان أحدهم وهو الرئيس الذي اتبعوه وآمنوا به.
стр. 2090
﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا﴾ قوله : ﴿وكذلك بعثناهم﴾ يعني به إيقاظهم من نومهم. قال مقاتل: وأنام الله كلبهم معهم. ﴿ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم﴾ ليعلموا قدر نومهم. ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ كان السائل منهم أحدهم , والمجيب له غيره , فقال لبثنا يوما لأنه أطول مدة النوم المعهود , فلما رأى الشمس لم تغرب قال ﴿أو بعض يوما﴾ لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره. ﴿قالوا ربُّكم أعْلمُ بما لبثتم﴾ وفي قائله قولان:
стр. 2091
أحدهما: أنه حكاية عن الله تعالى أنه أعلم بمدة لبثهم. الثاني: أنه قول كبيرهم مكسلمينا حين رأى الفتية مختلفين فيه فقال ﴿ربكم أعلم بما لبثتم﴾ فنطق بالصواب ورد الأمر إلى الله عالمه , وهذا قول ابن عباس. ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ قرىء بكسر الراء وبتسكينها , وهو في القراءتين جميعاً الدراهم , وأما الورَق بفتح الراء فهي الإبل والغنم , قال الشاعر:
(إياك أدعو فتقبل مَلَقي ... كَفِّرْ خطاياي وثمِّرْ ورقي)
يعني إبله وغنمه. ﴿فلينظر أيها أزكي طعاماً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أيها أكثر طعاماً , وهذا قول عكرمة. الثاني: أيها أحل طعاماً , وهذا قول قتادة. الثالث: أطيب طعاماً , قاله الكلبي. الرابع: أرخص طعاماً. ﴿فليأتكم برزق مِنْه﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما ترزقون أكله. الثاني: بما يحل لكم أكله. ﴿وليتلطف ... ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وليسترخص. الثاني: وليتلطف في إخفاء أمركم. وهذا يدل على جواز اشتراك الجماعة في طعامهم وإن كان بعضهم أكثر أكلاً وهي المناهدة , وكانت مستقبحة في الجاهلية
стр. 2092
فجاء الشرع بإباحتها. قوله : ﴿إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يرجموكم بأيديهم استنكاراً لكم , قاله الحسن. الثاني: بألسنتهم غيبة لكم وشتماً , قاله ابن جريج. الثالث: يقتلوكم. والرجم القتل لأنه أحد أسبابه. ﴿أو يعيدوكم في ملتهم﴾ يعني في كفرهم. ﴿ولن تفلحوا إذاً أبداً﴾ إن أعادوكم في ملتهم.
стр. 2093
﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾ قوله : ﴿وكذلك أعثرنا عليهم﴾ فيه وجهان أحدهما: أظهرنا أهل بلدهم عليهم. الثاني: أطلعنا برحمتنا إليهم. ﴿وليعلموا أن وعْدَ اللهِ حقٌّ ... ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ليعلم أهل بلدهم أن وعد الله حق في قيام الساعة وإعادة الخلق أحياء , لأن من أنامهم كالموتى هذه المدة الخارجة عن العادة ثم أيقظهم أحياء قادر على إحياء من أماته وأقبره. الثاني: معناه ليرى أهل الكهف بعد علمهم أن وعد الله حق في إعادتهم. ﴿إذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾ ذلك أنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها وطعام , استنكروا شخصه واستنكرت ورقه لبعد العهد فحمل إلى الملك وكان صالحاً قد آمن ومن معه , فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يريناهم , وسأل الفتى فأخبره فانطلق والناس معه إليهم , فلما دنوا من أهل الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوهم ووصى بعضهم بعضاً بدينهم فلما دخلوا عليهم أماتهم الله ميتة الحق , فحينئذ كان التنازع الذي ذكره الله تعالى فيهم.
стр. 2094
وفي تنازعهم قولان: أحدهما: أنهم تنازعوا هل هم أحياء أم موتى؛ الثاني: أنهم تنازعوا بعد العلم بموتهم هل يبنون عليهم بنياناً يعرفون به أم يتخذون عليهم مسجداً. وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب , فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود فدعْنا.
стр. 2095
﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾
стр. 2096
قوله : ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ فأدخل الواو على انقطاع القصة لأن الخبر قد تم. ﴿قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل﴾ في المختلفين في عددهم قولان: أحدهما: أنهم أهل المدينة قبل الظهور عليهم. الثاني: أنهم أهل الكتاب بعد طول العهد بهم. وقوله تعالى: ﴿رجماً بالغيب﴾ قال قتادة قذفاً بالظن , قال زهير:
(وما الحرب إلَاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم.)
وقال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله تعالى: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق: كانوا ثمانية , وجعلا قوله تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ أي صاحب كلبهم. وكتب قومهم أسماءهم حين غابوا , فلما بان أمرهم كتبت أسماؤهم على باب الكهف. قال ابن جريج: أسماؤهم مكسلمينا ويمليخا وهو الذي مضى بالورق يشتري به الطعام , ومطرونس , ومحسيميلنينا , وكشوطوش , وبطلنوس ويوطونس وبيرونس.
стр. 2097
قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا وكان أسنهم وكان صاحب غنم. ﴿فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم , قاله مجاهد. الثاني: حسبك ما قصصا عليك من شأنهم , فلا تسألني عن إظهار غيره , قاله قتادة. الثالث: إلا مِراء ظاهراً يعني بحجة واضحة وخبر صادق , قاله علي بن عيسى. الرابع: لا تجادل فيهم أحداً ألا أن تحدثهم به حديثاً , قاله ابن عباس. الخامس: هو أن تشهد الناس عليهم. ﴿ولا تستفت فيهم منهم أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا تستفت يا محمد فيهم أحداً من أهل الكتاب , قاله ابن عباس. ومجاهد وقتادة. الثاني: أنه خطاب للنبي ﷺ ونهي لأمته.
стр. 2098
﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا﴾ قوله : ﴿ولا تقولن لشيءإني فاعلٌ ذلك غداً﴾ ﴿إلا إن يشاء الله﴾ قال الأخفش: فيه إضمار وتقديره: إلا أن تقول إن شاء الله , وهذا وإن كان أمراً فهو على وجه التأديب والإرشاد أن لا تعزم على أمر إلا أن تقرنه بمشيئة الله تعالى لأمرين: أحدهما: أن العزم ربما صد عنه بمانع فيصير في وعده مخلفاً في قوله كاذباً , قال موسى ﵇ ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ [الكهف: ٧٠] ولم يصبر ولم يكن كاذباً لوجود الاستثناء في كلامه. الثاني: إذعاناً لقدرة الله تعالى , وإنه مدبر في أفعاله بمعونة الله وقدرته.
стр. 2099
الثالث: يختص بيمينه إن حلف وهو سقوط الكفارة عنه إذا حنث. ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنك إذا نسيت الشيء فاذكرالله ليذكرك إياه , فإن فعل فقد أراد منك ما ذكرك , وإلا فسيدلك على ما هو أرشد لك مما نسيته , قاله بعض المتكلمين. الثاني: واذكر ربك إذا غضبت , قاله عكرمة , ليزول عنك الغضب عند ذكره. الثالث: واذكر ربك إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله في يمينك. وفي الذكر المأمور به قولان: أحدهما: أنه ما ذكره في بقية الآية ﴿وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً﴾ الثاني: أنه قول إن شاء الله الذي كان نسيه عند يمينه. واختلفوا في ثبوت الاستثناء بعد اليمين على خمسة أقاويل: أحدها: أنه يصح الاستثناء بها إلى سنة , فيكون كالاستثناء بها مع اليمين في سقوط الكفارة ولا يصح بعد السنة , قاله ابن عباس. الثاني: يصح الاستثناء بها في مجلس يمينه , ولا يصح بعد فراقه , قاله الحسن وعطاء. الثالث: يصح الاستثناء بها ما لم يأخذ في كلام غيره. الرابع: يصح الاستثناء بها مع قرب الزمان , ولا يصح مع بعده. الخامس: أنه لا يصح الاستثناء بها إلا متصلاً بيمينه وهو الظاهر من مذهب مالك والشافعي رحمهما الله.
стр. 2100
﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا﴾
стр. 2101
قوله : ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً﴾ في قراءة ابن مسعود قالوا لبثوا في كهفهم. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا قول اليهود , وقيل بل نصارى نجران أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً , فرد الله تعالى عليهم قولهم وقال لنبيه ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ واتلقول الثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى بهذا العدد عن مدة بقائهم في الكهف من حين دخلوه إلى ما ماتوا فيه. ﴿وازدادوا تسعاً﴾ هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية. ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما لبثوا بعد مدتهم إلى نزول القرآن فيهم. الثاني: الله أعلم بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها عن اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصاناً. قوله : ﴿ ... أبصر به وأسمع﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الله أبصر وأسمع , أي أبصر , بما قال وأسمع لما قالوا. الثاني: معناه أبصرهم وأسمعهم , ما قال الله فيهم. ﴿ما لهم من دونه من وَليّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من ناصر. الثاني: من مانع. ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا يشرك في علم غيبه أحداً. الثاني: أنه لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه فيصير شريكاً له في حكمه.
стр. 2102
﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾
стр. 2103
قوله تعالى: ﴿ ... ولن تجد من دونه مُلتحداً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: ملجأ، قاله مجاهد، قال الشاعر:
(لا تحفيا يا أخانا من مودّتنا ... فما لنا عنك في الأقوام مُلتحد)
الثاني: مهرباً , قاله قطرب , قال الشاعر:
(يا لهف نفسي ولهفٌ غير مغنيةٍ ... عني وما مِنْ قضاء الله ملتحدُ)
الثالث: معدلاً , قاله الأخفش. الرابع: ولياً , قاله قتادة. ومعانيها متقاربة. قوله : ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريدون تعظيمه. الثاني: يريدون طاعته. قال قتادة: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ بالمدينة فلما نزلت عليه قال: (الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم). ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يدعونه رغبة ورهبة. الثاني: أنهم المحافظون على صلاة الجماعة , قاله الحسن. الثالث: أنها الصلاة المكتوبة , قاله ابن عباس ومجاهد. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق , ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة. ﴿يريدون وجهه﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بدعائهم. الثاني: بعمل نهارهم. وخص النهار بذلك دون الليل لأن عمل النهار إذا كان لله تعالى فعمل الليل أولى أن يكون له. ﴿ولا تعد عيناك عنهم. .﴾ فيه وجهان:
стр. 2104
أحدهما: ولا تتجاوزهم بالنظر إلى غيرهم من أهل الدنيا طلباً لزينتها , حكاه اليزيدي. الثاني: ما حكاه ابن جريج أن عيينة بن حصن قال للنبي ﷺ قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي وأصحابه فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه , واجعل لهم مجلساً لا نجامعهم فيه , فنزلت. ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً﴾. قوله ﴿أغفلنا﴾ فيه وجهان: أحدهما: جعلناه غافلاً عن ذكرنا. الثاني: وجدناه غافلاً عن ذكرنا. وفي هذه الغفله لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه: أحدها: أنها إبطال الوقت بالبطالة , قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنها طول الأمل. الثالث: أنها ما يورث الغفلة. ﴿واتبع هواه﴾ فيه وجهان: أحدهما: في شهواته وأفعاله. الثاني: في سؤاله وطلبه التمييز عن غيره. ﴿وكان أمرُه فُرُطاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: ضيقاً , وهو قول مجاهد. الثاني: متروكاً , قاله الفراء. الثالث: ندماً قاله ابن قتيبة. الرابع: سرفاً وإفراطاً , قاله مقاتل. الخامس: سريعاً. قاله ابن بحر. يقال أفرط إذا أسرف وفرط إذا قصر.
стр. 2105
﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾
следующие страницы →