Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
قوله : ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً﴾ في قراءة ابن مسعود قالوا لبثوا في كهفهم. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا قول اليهود , وقيل بل نصارى نجران أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً , فرد الله تعالى عليهم قولهم وقال لنبيه ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ واتلقول الثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى بهذا العدد عن مدة بقائهم في الكهف من حين دخلوه إلى ما ماتوا فيه. ﴿وازدادوا تسعاً﴾ هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية. ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما لبثوا بعد مدتهم إلى نزول القرآن فيهم. الثاني: الله أعلم بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها عن اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصاناً. قوله : ﴿ ... أبصر به وأسمع﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الله أبصر وأسمع , أي أبصر , بما قال وأسمع لما قالوا. الثاني: معناه أبصرهم وأسمعهم , ما قال الله فيهم. ﴿ما لهم من دونه من وَليّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من ناصر. الثاني: من مانع. ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا يشرك في علم غيبه أحداً. الثاني: أنه لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه فيصير شريكاً له في حكمه.
стр. 2102
﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾
стр. 2103
قوله تعالى: ﴿ ... ولن تجد من دونه مُلتحداً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: ملجأ، قاله مجاهد، قال الشاعر:
(لا تحفيا يا أخانا من مودّتنا ... فما لنا عنك في الأقوام مُلتحد)
الثاني: مهرباً , قاله قطرب , قال الشاعر:
(يا لهف نفسي ولهفٌ غير مغنيةٍ ... عني وما مِنْ قضاء الله ملتحدُ)
الثالث: معدلاً , قاله الأخفش. الرابع: ولياً , قاله قتادة. ومعانيها متقاربة. قوله : ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يريدون تعظيمه. الثاني: يريدون طاعته. قال قتادة: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ بالمدينة فلما نزلت عليه قال: (الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم). ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يدعونه رغبة ورهبة. الثاني: أنهم المحافظون على صلاة الجماعة , قاله الحسن. الثالث: أنها الصلاة المكتوبة , قاله ابن عباس ومجاهد. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق , ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة. ﴿يريدون وجهه﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بدعائهم. الثاني: بعمل نهارهم. وخص النهار بذلك دون الليل لأن عمل النهار إذا كان لله تعالى فعمل الليل أولى أن يكون له. ﴿ولا تعد عيناك عنهم. .﴾ فيه وجهان:
стр. 2104
أحدهما: ولا تتجاوزهم بالنظر إلى غيرهم من أهل الدنيا طلباً لزينتها , حكاه اليزيدي. الثاني: ما حكاه ابن جريج أن عيينة بن حصن قال للنبي ﷺ قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي وأصحابه فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه , واجعل لهم مجلساً لا نجامعهم فيه , فنزلت. ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً﴾. قوله ﴿أغفلنا﴾ فيه وجهان: أحدهما: جعلناه غافلاً عن ذكرنا. الثاني: وجدناه غافلاً عن ذكرنا. وفي هذه الغفله لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه: أحدها: أنها إبطال الوقت بالبطالة , قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنها طول الأمل. الثالث: أنها ما يورث الغفلة. ﴿واتبع هواه﴾ فيه وجهان: أحدهما: في شهواته وأفعاله. الثاني: في سؤاله وطلبه التمييز عن غيره. ﴿وكان أمرُه فُرُطاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: ضيقاً , وهو قول مجاهد. الثاني: متروكاً , قاله الفراء. الثالث: ندماً قاله ابن قتيبة. الرابع: سرفاً وإفراطاً , قاله مقاتل. الخامس: سريعاً. قاله ابن بحر. يقال أفرط إذا أسرف وفرط إذا قصر.
стр. 2105
﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾
стр. 2106
قوله : ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ هذا وإن كان خارجاً مخرج التخيير فهو على وجه التهديد والوعيد , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا ينفعون الله بإيمانهم ولا يضرونه بكفرهم. الثاني: فمن شاء الجنة فليؤمن , ومن شاء النار فليكفر , قاله ابن عباس. الثالث: فمن شاء فليعرِّض نفسه للجنة بالإيمان , ومن شاء فليعرض نفسه للنار بالكفر. ﴿إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن سرادقها حائط من النار يطيف بهم , قاله ابن عباس. الثاني: هو دخانها ولهيبها قبل وصولهم إليها , وهو الذي قال الله تعالى فيه ﴿إلى ظلٍّ ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]. قاله قتادة. الثالث: أنه البحر المحيط بالدنيا. روى يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ (البحر هو جهنم) ثم تلا ﴿ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ ثم قال (والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا يصيبني منها قطرة) والسرادق فارسي معرب , واصله سرادر. ﴿وإن يستغيثوا يُغَاثوا بماءٍ كالمهل ... ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه القيح والدم , قاله مجاهد. الثاني: دردي الزيت , قاله ابن عباس. الثالث: أنه كل شيء أذيب حتى انماع؛ قاله ابن مسعود. الرابع: هو الذي قد انتهى حره , قاله سعيد بن جبير , قال الشاعر:
(شاب بالماء منه مهلاً كريهاً ... ثم علّ المتون بعد النهال)
وجعل ذلك إغاثة لاقترانه بذكر الاستغاثة. ﴿ ... بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ في المرتفق أربعة تأويلات: أحدها: معناه مجتمعاً , قاله مجاهد , كأنه ذهب إلى معنى المرافقة.
стр. 2107
الثاني: منزلاً قاله الكلبي , مأخوذ من الارتفاق. الثالث: أنه من الرفق. الرابع: أنه من المتكأ مضاف إلى المرفق , ومنه قول أبي ذؤيب:
(نامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ الليْلَ مُرْتَفِقاً ... كَأَنَّ عَيْنِي فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ)
стр. 2108
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا﴾ قوله : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجْر من أحسن عملاً﴾ روى البراء بن عازب أن أعرابياً قام إلى رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: إني رجل متعلم فأخبرني عن هذه الآية ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية فقال رسول الله صلى عليه وسلم (يا أعرابي ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم). قوله : ﴿ ... ويلبسون ثياباً خُضْراً مِن سندس وإستبرق﴾ أما السندس: ففيه قولان: أحدهما: أنه من ألطف من الديباج , قاله الكلبي. الثاني: ما رَقَّ من الديباج , واحده سندسة، قاله ابن قتيبة. وفي الاستبرق قولان: أحدهما: أنه ما غلظ من الديباج , قاله ابن قتيبة، وهو فارسي معرب , أصله استبره وهو الشديد , وقد قال المرقش:
стр. 2109
(تراهُنَّ يَلبْسنَ المشاعِرَ مرة ... وإسْتَبْرَقَ الديباج طوراً لباسُها)
الثاني: أنه الحرير المنسوج بالذهب , قاله ابن بحر. ﴿متكئين فيها على الأرائك﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الحجال , قاله الزجاج. الثاني: أنها الفُرُش في الحجال. الثالث: أنها السرر في الحجال , وقد قال الشاعر:
(خدوداً جفت في السير حتى كأنما ... يباشرْن بالمعزاء مَسَّ الأرائكِ)
стр. 2110
﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾ قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين﴾ الجنة: البستان , فإذا جمع العنب والنخل وكان تحتها زرع فهي أجمل الجنان وأجداها نفعاً , لثمر أعاليها وزرع أسافلها، وهو معنى قوله ﴿وجعلنا بينهما رزعاً﴾. ﴿كلتا الجَنتين آتت أكلُها﴾ أي ثمرها وزرعها , وسماه أكُلاً لأنه مأكول. ﴿ولم تظلم منه شيئاً﴾ أي استكمل جميع ثمارها وزرعها. ﴿وفجرنا خِلالهما نهراً﴾ يعني أن فيهما أنهاراً من الماء , فيكون ثمرها وزرعها بدوام الماء فيهما أو في وأروى , وهذه غاية الصفات فيما يجدي ويغل. وفي ضرب المثل في هاتين الجنتين قولان: أحدهما: ما حكاه مقاتل بن سليمان أنه إخبار الله تعالى عن أخوين كانا في
стр. 2111
بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً جزيلاً , قال ابن عباس ثمانية آلاف دينار. فأخذ أحدهما حقه وهو مؤمن فتقرب به إلى الله تعالى , وأخذ الآخر حقه منه وهو كافر فتملك به ضياعاً منها هاتان الجنتان , ولم يتقرب إلى الله تعالى بشيء منه , فكان من حاله ما ذكره الله من بعد , فجعله الله تعالى مثلاً لهذه الأمة. والقول الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة , وليس بخبر عن حال متقدمة , ليزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة , وجعله زجراً وإنذاراً. قوله : ﴿وكان له ثمرٌ﴾ قرأ عاصم بفتح الثاء والميم , وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم , وقرأ الباقون ثُمُر بضم الثاء والميم. وفي اختلاف هاتين القراءتين بالضم والفتح قولان: أحدهما: معناهما واحد , فعلى هذا فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الذهب والفضة , قاله قتادة , لأنها أموال مثمرة. الثاني: أنه المال الكثير من صنوف الأموال , قاله ابن عباس لأن تثميره أكثر الثالث: أنه الأصل الذي له نماء , قاله ابن زيد , لأن في النماء تثميراً. والقول الثاني: أن معناهما بالضم وبالفتح مختلف , فعلى هذا في الفرق. بينهما , أربعة أوجه: أحدها: أنه بالفتح جمع ثمرة , وبالضم جمع ثمار. الثاني: أنه بالفتح ثمار النخيل خاصة , وبالضم جميع الأموال , قاله ابن بحر. الثالث: أنه بالفتح ما كان ثماره من أصله , وبالضم ما كان ثماره من غيره. الرابع: أن الثمر بالضم الأصل , وبالفتح الفرع , قاله ابن زيد. وفي هذا الثمر المذكور قولان: أحدهما: أنه ثمر الجنتين المتقدم ذكرهما , وهو قول الجمهور. الثاني: أنه ثمر ملكه من غير جنتيه , وأصله كان لغيره كما يملك الناس ثماراً لا يملكون أصولها , قاله ابن عباس , ليجتمع في ملكه ثمار أمواله وثمار غير أمواله فيكون أعم مِلكا. ﴿فقال لصاحبه﴾ يعني لأخيه المسلم الذي صرف ماله في القُرب طلباً للثواب
стр. 2112
في الآخرة، وصرف هذا الكافر ماله فيما استبقاه للدنيا والمكاثرة. ﴿وهو يحاوره﴾ أي يناظره , وفيما يحاوره فيه وجهان: أحدهما: في الإيمان والكفر. الثاني: في طلب الدنيا وطلب الآخرة , فجرى بينهما ما قصة الله تعالى من قولهما.
стр. 2113
﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا﴾ قوله تعالى: ﴿فعسى ربّي أن يؤتين خيراً مِنْ جنتك﴾ فيه وجهان: أحدهما: خيراً من جنتك في الدنيا فأساويك فيها. الثاني: وهو الأشهر خيراً من جنتك في الآخرة , فأكون أفضل منك فيها. ﴿ويرسل عليها حُسْباناً من السماء﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني عذاباً , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: ناراً. الثالث: جراداً. الرابع: عذاب حساب بما كسبت يداك , قاله الزجاج , لأنه جزاء الآخرة. والجزاء من الله تعالى بحساب. الخامس: أنه المرامي الكثيرة , قاله الأخفش وأصله الحساب وفي السهام التي يرمى بها في طلق واحد , وكان من رَمي الأساورة. ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ يعني أرضاً بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم , وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض. ﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ يعني ويصبح ماؤها غوراً , فأقام أو مقام الواو , و ﴿غوراً﴾ يعني غائراً ذاهباً فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كان فيها.
стр. 2114
﴿فلن تستطيع له طلباً﴾ ويحتمل وجهين: أحدهما: فلن تستطيع رد الماء الغائر. الثاني: فلن تستطيع طلب غيره بدلاً منه وإلى هذا الحد انتهت مناظرة أخيه وإنذاره.
стр. 2115
﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا﴾ قوله : ﴿وأحيط بثمرِهِ﴾ أي أهلك ماله , وهذا أول ما حقق الله به إنذار أخيه. ﴿فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقلب كفيه ندماً على ما أنفق فيها وأسفاً على ما تلف. الثاني: يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق وهلك , لأن الملك قد يعبر عنه باليد , من قولهم في يده مال , أي في ملكه. ﴿وهي خاويةٌ على عروشِها﴾ أي منقلبة على عاليها فجمع عليه بين هلاك الأصل والثمر , وهذا من أعظم الجوائح مقابلة على بغيه. قوله : ﴿ولم تكُنْ له فِئة ينصرونه منْ دونِ الله﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الفئة الجند , قاله الكلبي. الثاني: العشيرة , قاله مجاهد. ﴿وما كان منتصراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما كان ممتنعاً , قاله قتادة. الثاني: وما كان مسترداً بدل ما ذهب منه. قال ابن عباس: هما الرجلان ذكرهما الله تعالى في سورة الصافات حيث يقول: ﴿إني كان لي قرين﴾ إلى قوله ﴿في سواء الجحيم﴾ وهذا مثل قيل إنه ضرب لسلمان وخباب وصهيب مع أشراف قريش من المشركين.
стр. 2116
قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ يعني القيامة. وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنهم يتولون الله تعالى في القيامة فلا يبقى مؤمن لا كافر إلا تولاه , قاله الكلبي. الثاني: أن الله تعالى يتولى جزاءهم , قاله مقاتل. الثالث: أن الولاية مصدر الولاء فكأنهم جميعاً يعترفون بأن الله تعالى هو الوليّ قاله الأخفش. الرابع: أن الولاية النصر , قاله اليزيدي. وفي الفرق بين الولاية بفتح الواو وبين الولاية بكسرها وجهان: أحدهما: أنها بفتح الواو: للخالق , وبكسرها: للمخلوقين , قاله أبو عبيدة. الثاني: أنها بالفتح في الدين , وبكسرها في السلطان.
стр. 2117
﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ قوله : ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نباتُ الأرض﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماء اختلط بالنبات حين استوى. الثاني: أن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء حتى نما. ﴿فأصبح هشيماً تذروهُ الرياحُ﴾ يعني بامتناع الماء عنه , فحذف ذلك إيجازاً لدلالة الكلام عليه , والهشيم ما تفتت بعد اليبس من أوراق الشجر والزرع , قال الشاعر:
(فأصبحت نيّماً أجسادهم ... يشبهها من رآها الهشيما)
واختلف في المقصود بضرب هذا المثل على قولين: أحدهما: أن الله تعالى ضربه مثلاً للدنيا ليدل به على زوالها بعد حسنها وابتهاجها:
стр. 2118
الثاني: أن الله تعالى ضربه مثلاُ لأحوال أهل الدنيا أن مع كل نعمة نقمة ومع كل فرحة ترحة. قوله : ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ لأن في المال جمالاً ونفعاً وفي ﴿البنين﴾ قوة ودفعاً فصارا زينة الحياة الدنيا. ﴿والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً﴾ فيها أربعة تأويلات: أحدها: أنها الصلوات الخمس , قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثاني: أنها الأعمال الصالحة , قاله ابن زيد. الثالث: هي الكلام الطيب. وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً , وقاله عطية العوفي. الرابع: هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , قاله عثمان بن عفان ﵁. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات). وفي ﴿الصالحات﴾ وجهان: أحدهما: أنها بمعنى الصالحين لأن الصالح هو فاعل الصلاح. الثاني: أنها بمعنى النافعات فعبر عن المنفعة بالصلاح لأن المنفعة مصلحة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (لما عُرج بي إلى السماء أريت إبراهيم
стр. 2119
فقال: مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة , فقلت وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). ﴿خير عند ربك ثواباً﴾ يعني في الآخرة , ﴿وخير أملاً﴾ يعني عند نفسك في الدنيا , ويكون معنى قوله ﴿وخيرٌ أملاً﴾ يعني أصدق أملاً , لأن من الأمل كواذب وهذا أمل لا يكذب.
стр. 2120
﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ قوله : ﴿ويوم نُسَيِّر الجبال﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يسيرها من السير حتى تنتقل عن مكانها لما فيه من ظهور الآية وعظم الإعتبار. الثاني: يسيرها أي يقللها حتى يصير كثيرها قليلاً يسيراً. الثالث: بأن يجعلها هباء منثوراً. ﴿وترى الأرض بارزة﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بروز ما في بطنها من الأموات بخروجهم من قبورهم. الثاني: أنها فضاء لا يسترها جبل ولا نبات. ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾ فيه ثلاثة تأويلات.
стр. 2121
أحدها: يعني فلم نخلف منهم أحداً , قاله ابن قتيبة , قال ومنه سمي الغدير لأنه ما تخلفه السيول. الثاني: فلم نستخلف منهم أحداً , قاله الكلبي. الثالث: معناه فلم نترك منهم أحداً , حكاه مقاتل. قوله : ﴿وعُرِضوا على ربِّك صَفّاً﴾ قيل إنهم يُعرضون صفاً بعد صف كالصفوف في الصلاة , وقيل إنهم يحشرون عراة حفاة غرلاً , فقالت عائشة ﵂ فما يحتشمون يومئذ؟ فقال النبي ﷺ (﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾) [عبس: ٣٧]. قوله : ﴿ووضع الكتابُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها كتب الأعمال في أيدي العباد , قاله مقاتل. الثاني: أنه وضع الحساب , قاله الكلبي , فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة. ﴿فترى المجرمين مشفقين مما فيه﴾ لأنه أحصاه الله ونسوه. ﴿ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها﴾ وفي الصغيرة تأويلان: أحدهما: أنه الضحك , قاله ابن عباس. الثاني: أنها صغائر الذنوب التي تغفر باجتناب كبائرها.
стр. 2122
وأما الكبيرة ففيها قولان: أحدهما: ما جاء النص بتحريمه. الثاني: ما قرن بالوعيد والحَدِّ. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الصغيرة الشهوة , والكبيرة العمل. قال قتادة: اشتكى القوم الإحْصاء وما اشتكى أحد ظلماً , وإياكم المحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. ﴿ووجَدوا ما عَملوا حاضِراً﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: ووجدوا إحصاء ما عملوا حاضراً في الكتاب. الثاني: ووجدوا جزاء ما عملوا عاجلاً في القيامة. ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ يعني من طائع في نقصان ثوابه , أو عاص في زيادة عقابه.
стр. 2123
﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ قوله : ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجُدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجنِّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان من الجن على ما ذكره الله تعالى. ومنع قائل هذا بعد ذلك أن يكون من الملائكة لأمرين: أحدهما: أن له ذرية , والملائكة لا ذرية لهم. الثاني: أن الملائكة رسل الله سبحانه ولا يجوز عليهم الكفر , وإبليس قد كفر , قال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط , وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.
стр. 2124
الثاني: أنه من الملائكة , ومن قالوا بهذا اختلفوا في معنى قوله تعالى ﴿كان من الجن﴾ على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله قتادة أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجن. الثاني: ما قاله ابن عباس , أنه كان من الملائكة من خزان الجنة ومدبر أمر السماء الدنيا فلذلك قيل من الجن لخزانة الجنة , كما يقال مكي وبصري. الثالث: أن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم , وخلق سائر الملائكة من نور , قاله سعيد من جبير , قاله الحسن: خلق إبليس من نار وإلى النار يعود. الثالث: أن إبليس لم يكن من الإنس ولا من الجن , ولكن كان من الجان , وقد مضى من ذكره واشتقاق اسمه ما أغنى. ﴿ففسق عن أمر ربه ... ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الفسق الاتساع ومعناه اتسع في محارم الله تعالى: الثاني: أن الفسق الخروج أي خرج من طاعة ربه , من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها , وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من حجرها قال رؤبة بن العجاج:
(يهوين من نجدٍ وغورٍ غائرا ... فواسقاً عن قصدها جوائرا)
وفي قوله تعالى: ﴿ ... بئس للظالمين بدلاً﴾ وجهان: أحدهما: بئس ما استبدلوا بطاعة الله طاعة إبليس , قاله قتادة. الثاني: بئس ما استبدلوا بالجنة النار.
стр. 2125
﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾
стр. 2126
قوله : ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما أشهدت إبليس وذريته. الثاني: ما أشهدت جميع الخلق خلق السموات والأرض. وفيه وجهان: أحدهما: ما أشهدتهم إياها استعانة بهم في خلقها. الثاني: ما أشهدتهم خلقها فيعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه. ويحتمل ثالثاً: ما أشهدتهم خلقها فيحيطون علماً بغيبها لاختصاص الله بعلم الغيب دونه خلقه. ﴿ولا خلق أنفسهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما استعنت ببعضهم على خلق بعض. الثاني: ما أشهدت بعضهم خلق بعض. ويحتمل ثالثاً: ما أعلمتم خلق أنفسهم فكيف يعلمون خلق غيرهم. ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أولياء. الثاني: أعواناً , ووجدته منقولاً عن الكلبي. وفيما أراد أنه لم يتخذهم فيه أعواناً وجهان: أحدهما: أعواناً في خلق السموات والأرض. الثاني: أعواناً لعبدة الأوثان، قاله الكلبي.
стр. 2127
وفي هؤلاء المضلين قولان: أحدهما: إبليس وذريته. الثاني: كل مضل من الخلائق كلهم. قال بعض السلف: إذا كان ذنب المرء من قبل الشهوة فارْجُه , وإذا كان من قبل الكبر فلا ترْجه , لأن إبليس كان ذنبه من قبل الكبر فلم تقبل توبته , وكان ذنب آدم من قبل الشهوة فتاب الله عليه. وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال:
(إذا ما الفتى طاح في غيّه ... فَرَجِّ الفتى للتُّقى رَجّه)
(فقد يغلط الركب نهج الط ... ريق ثم يعود إلى نهجه)
стр. 2128
﴿ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا﴾ قوله : ﴿ ... وجعلنا بينهم موبقاً﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: مجلساً , قاله الربيع. الثاني: مهلكاً , قاله ابن عباس وقتادة والضحاك , قال الشاعر:
(استغفر الله أعمالي التي سلفت ... من عثرةٍ إن تؤاخذني بها أبق)
أي أهلك , ومثله قول زهير:
(ومن يشتري حسن الثناء بماله ... يصن عرضَه من كل شنعاء موبق)
قال الفراء: جعل تواصلهم في الدنيا مهلكاً في الآخرة. الثالث: موعداً , قاله أبو عبيدة. الرابع: عداوة , قاله الحسن. الخامس: أنه واد في جهنم , قاله أنس بن مالك.
стр. 2129
السادس: أنه واد يفصل بين الجنة والنار , حكاه بعض المتأخرين. قوله : ﴿ورأى المجرمون النّار﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم عاينوا في المحشر. الثاني: أنهم علموا بها عند العرض. ﴿فظنُّوا أنهم مُواقعوها﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم أمّلوا العفو قبل دخولها فلذلك ظنوا أنهم مواقعوها الثاني: علموا أنهم مواقعوها لأنهم قد حصلوا في دار اليقين وقد يعبر عن العلم بالظن لأن الظن مقدمة العلم. ﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ملجأ , قاله الكلبي. الثاني: معدلاً ينصرفون إليه , قاله ابن قتيبة , ومنه قول أبي كبير الهذلي:
(أزهير هل عن شيبةٍ من مصرِف ... أم لا خلود لباذل متكلفِ)
وفي المراد وجهان: أحدهما: ولم يجد المشركون عن النار مصرفاً. الثاني: ولم تجد الأصنام مصرفاً للنار عن المشركين.
стр. 2130
﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد صرَّفنا في هذا القرآن للناس من كلِّ مثَل﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره لهم من العبر في القرون الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية , فيكون على الوجه الأول جزاء , وعلى الثاني بياناً. ﴿وكان الإنسان أكثر شيءٍ جَدلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عناداً , وهو مقتضى الوجه الأول.
стр. 2131
الثاني: حجاجاً وهو مقتضى القول الثاني. روي أن النبي ﷺ دخل على عليّ وفاطمة ﵄ وهما نائمان فقال: (الصلاة , ألا تصليان) فقال علي ﵁: إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها , فانصرف النبي ﷺ وهو يقول ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ [الكهف: ٥٤].
стр. 2132
﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا﴾ قوله : ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهُدى﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما منع الناس أنفسهم أن يؤمنوا. الثاني: ما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا. وفي هذا الهدي وجهان: أحدهما: حجج الله الدالة على وحدانيته ووجوب طاعته. الثاني: رسول الله ﷺ المبعوث لهداية الخلق. ﴿إلاّ أن تأتيهم سنةُ الأولين﴾ أي عادة الأولين في عذاب الإستئصال. ﴿أو يأتيهم العذاب قبلاً﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿قُبُلاً﴾ بضم القاف والباء وفيه وجهان: أحدهما: تجاه , قاله مجاهد. الثاني: أنه جمع قبيل معناه ضروب العذاب. ويحتمل ثالثاً: أن يريد: من أمامهم مستقبلاً لهم فيشتد عليهم هول مشاهدته.
стр. 2133
وقرأ الباقون قِبَلاً بكسر القاف , وفيه وجهان: أحدهما: مقابلة. الثاني: معاينة.
ويحتمل ثالثاً: من قبل الله تعالى بعذاب من السماء , لا من قبل المخلوقين , لأنه يعم ولا يبقى فهو أشد وأعظم. قوله : ﴿. . ليُدحضوا به الحقَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ليذهبوا به الحق , ويزيلوه , قاله الأخفش. الثاني: ليبطلوا به القرآن ويبدلوه , قاله الكلبي. الثالث: ليهلكوا به الحق. والداحض الهالك , مأخوذ من الدحض وهو الموضع المزلق من الأرض الذي لا يثبت عليه خف ولا حافر ولا قدم , قال الشاعر:
(ردَيت ونجَى اليشكري حِذارُه ... وحادَ كما حادَ البعير عن الدحض)
﴿واتخدوا آياتي وما أنذروا هُزُواً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الآية البرهان , وما أنذروا القرآن. الثاني: الآيات القرآن وما أنذروا الناس. ويحتمل قوله: ﴿هزواً﴾ وجهين: أحدهما: لعباً. الثاني: باطلاً.
стр. 2134
﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى
стр. 2135
أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾ قوله : ﴿وربُّكَ الغفور﴾ يعني للذنوب وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة. ﴿ذو الرّحمة ... ﴾ فيها أربعة أوجه: أحدها: ذو العفو. الثاني: ذو الثواب , وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفرة. الثالث: ذو النعمة. الرابع: ذو الهدى , وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان وأهل الكفر لأنه ينعم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن , وقد أوضح هذه للكافر كما أوضحه للمؤمن , وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. ﴿بل لهم موعدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أجل مقدر يؤخرون إليه. الثاني: جزاء واجب يحاسبون عليه. ﴿لن يجدوا مِن دونه مَوْئلاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: ملجأ , قاله ابن عباس وابن زيد. الثاني: محرزاً , قاله مجاهد. الثالث: ولياً , قاله قتادة. الرابع: منجى , قاله أبو عبيدة. قال والعرب تقول: لا وألَت نفسه , أي لا نجت , ومنه قول الشاعر:
(لا وألت نفسك خلّيْتها ... للعامريّين ولم تُكْلَمِ)
قوله : ﴿وتلك القرى أهلكناهم لمّا ظلموا﴾ فيه وجهان:
стр. 2136
أحدهما: أهلكناهم بالعذاب لما ظلموا بالكفر. الثاني: أهلكناهم بأن وكلناهم إلى سوء تدبيرهم لما ظلموا بترك الشكر. ﴿وجعلنا لمهلكهم مَوْعِداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أجلا يؤخرون إليه , قاله مجاهد. الثاني: وقتاً يهلكون فيه. وقرىء بضم الميم وفتحها , فهي بالضم من أُهلك وبالفتح من هَلَك.
стр. 2137
﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ قوله : ﴿وإذا قال موسى لفتاه﴾ يعني يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وسمي فتاهُ لملازمته إياه , قيل في العلم , وقيل في الخدمة , وهو خليفة موسى على قومه من بعده. وقال محمد بن إسحاق: إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف , وكان نبياً في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران. والذي عليه جمهور المسلمين أنه موسى بن عمران.
стр. 2138
﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني بحر الروم وبحر فارس , أحدهما قبل المشرق , والآخر قبل المغرب وحكى الطبري أنه ليس في الأرض مكان أكثر ماء منه. والقول الثاني: هو بحر أرمينية مما يلي الأبواب. الثالث: الخضرُ وإلياس , وهما بحران في العلم , حكاه السدي. ﴿أو أمضي حُقباً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الحقب ثمانون سنة , قاله عبد الله بن عمر. الثاني: سبعون سنة , قاله مجاهد. الثالث: أن الحقب الزمان , قاله قتادة. الرابع: أنه الدهر , قاله ابن عباس , ومنه قول امرىء القيس:
(نحن الملوك وأبناء الملوك , لنا ... مِلكٌ به عاش هذا الناس أحقابا)
الخامس: أنه سنة بلغة قيس , قاله الكلبي. وفي قوله ﴿لا أبْرحُ﴾ تأويلان: أحدهما: لا أفارقك , ومنه قول الشاعر:
(إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانةً ... وتحمل أُخرى أثقلتك الودائع)
стр. 2139
الثاني: لا أزال , قاله الفراء , ومنه قول الشاعر:
(وأبرح ما أدام اللهُ قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً)
)
أي لا أزال. وقيل إنه قال ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ لأنه وعد أن يلقى عنده الخضر ﵇. ﴿فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوتَهما﴾ قيل إنهما تزودا حوتاً مملوحاً وتركاه حين جلسا , وفيه وجهان: أحدهما: أنه ضل عنهما حتى اتخذ سبيله في البحر سرباً , فسمي ضلاله عنهما نسياناً منهما. الثاني: أنه من النسيان له والسهو عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الناسي له أحدهما وهو يوشع بن نون وحده وإن أضيف النسيان إليهما , كما يقال نسي القوم زادهم إذا نسيه أحدهم. الثاني: أن يوشع نسي أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء , فصار كل واحد منهما ناسياً لغير ما نسيه الآخر. ﴿فاتّخذ سبيله في البحر سَرَباً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مسلكاً , قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: يبساً , قاله الكلبي. الثالث: عجباً , قاله مقاتل. قوله : ﴿فلما جاوَزا﴾ يعني مكان الحوت. ﴿قال لفَتاهُ﴾ يعني موسى قال لفتاه يوشع بن نون. ﴿آتِنا غداءَنا﴾ والغداء الطعام بالغداة كما أن العشاء طعام العشي والإنسان إلى الغداء أشد حاجة منه إلى العشاء. ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه التعب. الثاني: الوهن.
стр. 2140
﴿قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾ فيه قولان: أحدهما: قاله مقاتل , إن الصخرة بأرض تسمى شره ان على ساحل بحر أيلة , وعندها عين تسمى عين الحياة. الثاني: أنها الصخرة التي دون نهر الزيت على الطريق. ﴿فإني نسيت الحُوت﴾ فيه وجهان: أحدهما: فإني نسيت حمل الحوت. الثاني: فإني نسيت أن أخبرك بأمر الحوت. ﴿وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن اذكُره﴾ أي أنسانية بوسوسته إليّ وشغله لقلبي. ﴿واتخذ سبيله في البحر عجباً﴾ فيه قولان: أحدهما: انه كان لا يسلك طريقاً في البحر إلا صار ماؤه صخراً فلما رآه موسى عجب من مصير الماء صخراً. الثاني: أن موسى لما أخبره يوشع بأمر الحوت رجع إلى مكانه فرأى أثر الحوت في البحر ودائرته التي يجري فيها فعجب من عود الحوت حياً. ﴿قال ذلك ما كُنّا نبغِ﴾ أي نطلب , وذلك أنه قيل لموسى إنك تلقى الخضر في موضع تنسى فيه متاعك , فعلم أن الخضر بموضع الحوت. ﴿فارتدَّا على آثارهما قَصصاً﴾ أي خرجا إلى آثارهما يقصان أثر الحوت ويتبعانه. ﴿فَوَجداَ عبْداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: النبوة , قاله مقاتل: الثاني: النعمة. الثالث: الطاعة. الرابع: طول الحياة. ﴿وعلّمناه من لدُنا عِلْماً﴾ قال ابن عباس لما اقتفى موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجي عليه ثوبه , فسلم عليه موسى , فكشف ثوبه عن وجهه وردّ عليه
следующие страницы →