← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أحدهما: أهلكناهم بالعذاب لما ظلموا بالكفر. الثاني: أهلكناهم بأن وكلناهم إلى سوء تدبيرهم لما ظلموا بترك الشكر. ﴿وجعلنا لمهلكهم مَوْعِداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أجلا يؤخرون إليه , قاله مجاهد. الثاني: وقتاً يهلكون فيه. وقرىء بضم الميم وفتحها , فهي بالضم من أُهلك وبالفتح من هَلَك.

стр. 2137

﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ قوله : ﴿وإذا قال موسى لفتاه﴾ يعني يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وسمي فتاهُ لملازمته إياه , قيل في العلم , وقيل في الخدمة , وهو خليفة موسى على قومه من بعده. وقال محمد بن إسحاق: إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف , وكان نبياً في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران. والذي عليه جمهور المسلمين أنه موسى بن عمران.

стр. 2138

﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني بحر الروم وبحر فارس , أحدهما قبل المشرق , والآخر قبل المغرب وحكى الطبري أنه ليس في الأرض مكان أكثر ماء منه. والقول الثاني: هو بحر أرمينية مما يلي الأبواب. الثالث: الخضرُ وإلياس , وهما بحران في العلم , حكاه السدي. ﴿أو أمضي حُقباً﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الحقب ثمانون سنة , قاله عبد الله بن عمر. الثاني: سبعون سنة , قاله مجاهد. الثالث: أن الحقب الزمان , قاله قتادة. الرابع: أنه الدهر , قاله ابن عباس , ومنه قول امرىء القيس: (نحن الملوك وأبناء الملوك , لنا ... مِلكٌ به عاش هذا الناس أحقابا) الخامس: أنه سنة بلغة قيس , قاله الكلبي. وفي قوله ﴿لا أبْرحُ﴾ تأويلان: أحدهما: لا أفارقك , ومنه قول الشاعر: (إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانةً ... وتحمل أُخرى أثقلتك الودائع)

стр. 2139

الثاني: لا أزال , قاله الفراء , ومنه قول الشاعر: (وأبرح ما أدام اللهُ قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً) ) أي لا أزال. وقيل إنه قال ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ لأنه وعد أن يلقى عنده الخضر ﵇. ﴿فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوتَهما﴾ قيل إنهما تزودا حوتاً مملوحاً وتركاه حين جلسا , وفيه وجهان: أحدهما: أنه ضل عنهما حتى اتخذ سبيله في البحر سرباً , فسمي ضلاله عنهما نسياناً منهما. الثاني: أنه من النسيان له والسهو عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الناسي له أحدهما وهو يوشع بن نون وحده وإن أضيف النسيان إليهما , كما يقال نسي القوم زادهم إذا نسيه أحدهم. الثاني: أن يوشع نسي أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء , فصار كل واحد منهما ناسياً لغير ما نسيه الآخر. ﴿فاتّخذ سبيله في البحر سَرَباً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مسلكاً , قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: يبساً , قاله الكلبي. الثالث: عجباً , قاله مقاتل. قوله : ﴿فلما جاوَزا﴾ يعني مكان الحوت. ﴿قال لفَتاهُ﴾ يعني موسى قال لفتاه يوشع بن نون. ﴿آتِنا غداءَنا﴾ والغداء الطعام بالغداة كما أن العشاء طعام العشي والإنسان إلى الغداء أشد حاجة منه إلى العشاء. ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه التعب. الثاني: الوهن.

стр. 2140

﴿قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾ فيه قولان: أحدهما: قاله مقاتل , إن الصخرة بأرض تسمى شره ان على ساحل بحر أيلة , وعندها عين تسمى عين الحياة. الثاني: أنها الصخرة التي دون نهر الزيت على الطريق. ﴿فإني نسيت الحُوت﴾ فيه وجهان: أحدهما: فإني نسيت حمل الحوت. الثاني: فإني نسيت أن أخبرك بأمر الحوت. ﴿وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن اذكُره﴾ أي أنسانية بوسوسته إليّ وشغله لقلبي. ﴿واتخذ سبيله في البحر عجباً﴾ فيه قولان: أحدهما: انه كان لا يسلك طريقاً في البحر إلا صار ماؤه صخراً فلما رآه موسى عجب من مصير الماء صخراً. الثاني: أن موسى لما أخبره يوشع بأمر الحوت رجع إلى مكانه فرأى أثر الحوت في البحر ودائرته التي يجري فيها فعجب من عود الحوت حياً. ﴿قال ذلك ما كُنّا نبغِ﴾ أي نطلب , وذلك أنه قيل لموسى إنك تلقى الخضر في موضع تنسى فيه متاعك , فعلم أن الخضر بموضع الحوت. ﴿فارتدَّا على آثارهما قَصصاً﴾ أي خرجا إلى آثارهما يقصان أثر الحوت ويتبعانه. ﴿فَوَجداَ عبْداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: النبوة , قاله مقاتل: الثاني: النعمة. الثالث: الطاعة. الرابع: طول الحياة. ﴿وعلّمناه من لدُنا عِلْماً﴾ قال ابن عباس لما اقتفى موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجي عليه ثوبه , فسلم عليه موسى , فكشف ثوبه عن وجهه وردّ عليه

стр. 2141

السلام وقال: من أنت؟ قال: موسى. قال صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: وما لك في بني إسرائيل شغل , قال: أمرت أن آتيك وأصحبك. واختلفوا في الخضر هل كان مَلَكاً أو بشراً على قولين: أحدهما: أنه كان ملكاً أمر الله تعالى موسى أن يأخذ عنه مما حمّله إياه من علم الباطن. الثاني: أنه كان بشراً من الإنس. واختلف من قال هذا على قولين: أحدهما: كان نبياً لأن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من هو فوقه؛ ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي , قال مقاتل: هو ليسع لأنه وسع علمه ست سموات وست أرضين. الثاني: أنه لم يكن نبياً وإنما كان عبداً صالحاً أودعه الله تعالى مِن علْم باطن الأمور ما لم يودع غيره , لأن النبي هو الداعي , والخضر كان مطلوباً ولم يكن داعياً طالباً , وقد ذكرأن سبب تسميته بالخضر لأنه كانه إذا صلى في مكان اخضرّ ما حوله.

стр. 2142

﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني

стр. 2143

إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا﴾ قوله : ﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رُشْداً﴾ في الرشد هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه العلم , قاله مقاتل ويكون تقديره على أن تعلمني مما علمت علماً. الثاني: معناه على أن تعلمني مما علمت لإرشاد الله لك. الثالث: ما يرى في علم الخضر رشداً يفعله وغياً يجتنبه , فسأله موسى أن يعلمه من الرشد الذي يفعله , ولم يسأله أن يعلمه الغيّ الذي يجتنبه لأنه عرف الغي الذي يجتنبه ولم يعرف ذلك الرشد. ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: صبراً عن السؤال. الثاني: صبراً عن الإنكار. ﴿وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لم تجد له سبباً. الثاني: لم تعرف له علماً , لأن الخضر علم أن موسى لا يصبر إذا رأى ما بنكر ظاهره. ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً﴾ فوعد بالصبر والطاعة ثم استثنى بمشيئة الله تعالى حذراً مما يلي فأطاع ولم يصبر. وفي قوله: ﴿ولا أعصي لك أمراً﴾ وجهان: أحدهما: لا ابتدىء بالإنكار حتى تبدأ بالإخبار. الثاني: لا أفشي لك سراً ولا أدل عليك بشراً. فعلى الوجه الأول يكون مخالفاً. , على الوجه الثاني: يكون موافقاً.

стр. 2144

﴿فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما

стр. 2145

نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا﴾ قوله : ﴿فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها﴾ لأنه أراد أن يعبر في البحر إلى أرض أخرى فركب في السفينة وفيها ركاب , فأخذ الخضر فأساً ومنقاراً فخرق السفينة حتى دخلها الماء وقيل إنه قلع منها لوحين فضج ركابها من الغرق. ف ﴿قال﴾ له موسى ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ وإن كان في غرقها غرق جميعهم لكنه أشفق على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه لأنها عادة الأنبياء. ثم قال بعد تعجبه وإكباره ﴿لقد جئت شيئاً إمْراً﴾ فأكبر ثم أنكر , وفي الإمر ثلاثة أوجه: أحدها: يعني منكراً , قاله مجاهد. الثاني: عجباً , قاله مقاتل. الثالث: أن الإمر الداهية العظيمة , قاله أبو عبيدة وأنشد: (قد لقي الأقران مِنّي نُكْرا ... داهيةً دهياء إدّاً إمْرا) وهو مأخوذ من الإمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح , ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي لأنه يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه , ومنه أمِر القومُ إذا أكثروا لأنهم يحتاجون إلى من يأمرهم وينهاهم. قوله : ﴿قال لا تؤاخذني بما نسيتُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بما نسيته وغفلت عنه فلم أذكره , وقد رفعه أبي بن كعب. الثاني: بما كأني نسيته , ولم أنسه في الحقيقة. حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لم ينس ولكنها معاريض الكلام. الثالث: بما تركته من عهدك , قاله ابن عباس , مأخوذ من النسيان الذي هو الترك لا من النسيان الذي هو من السهو. ﴿ولا تُرهقني مِنْ أمري عُسْراً﴾ فيه أربعة أوجه:

стр. 2146

أحدها: لا تعنفني على ما تركت من وصيتك , قاله الضحاك. الثاني: لا يغشني منك العسر , من قولهم غلام مراهق إذا قارب أن يغشاه البلوغ , ومنه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ارهقوا القبلة) أي اغشوها واقربوا منها. الثالث: لا تكلفني ما لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو والنسيان , وهو معنى قول مقاتل: الرابع: لا يلحقني منك طردي عنك. قوله تعالى: ﴿فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله﴾ يعني انطلق موسى والخضر فاحتمل أن يكون يوشع تأخر عنهما , لأن المذكور انطلاق اثنين وهو الأظهر لاختصاص موسى بالنبوة واجتماعه مع الخضر عن وحي , واحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تابع لموسى , فاقتصر على ذكر المتبوع دون التابع لقول موسى: ﴿ذلك ما كنا نبغي﴾ فكان ذلك منه إشارة إلى فتاه يوشع. واختلف في الغلام المقتول هل كان بالغاً , فقال ابن عباس: كان رجلاً شاباً قد قبض على لحيته لأن غير البالغ لا يجري عليه القلم بما يستحق به القتل , وقد يسمى الرجل غلاماً , قالت ليلى الأخيلية في الحجّاج: (شفاها من الداء العُضال الذي بها ... غُلامٌ إذا هزَّ القَناةَ سقاها) وقال الأكثرون: كان صغيراً غير بالغ وكان يلعب مع الصبيان , حتى مر به الخضر فقتله. وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لأنه طبع على الكفر.

стр. 2147

الثاني: لأنه أصلح بقتله حال أبويه. وفي صفة قتله قولان: أحدهما: أنه أخذه من بين الصبيان فأضجعه وذبحه بالسكين , قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه أخذ حجراً فقتل به الغلام , قاله مقاتل فاستعظم موسى ما فعله الخضر من قتل الغلام من غير سبب. ف ﴿قال أقتلت نَفْساً زَكيةً بغير نفْسٍ﴾ فاختلف هل قاله استخباراً أو إنكاراً على قولين: أحدهما: أنه قال ذلك استخباراً عنه لعلمه بأنه لا يتعدى في حقوق الله تعالى. الثاني: أنه قاله إنكاراً عليه لأنه قال ﴿لقد جئت شيئاً نُكراً﴾ قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير ﴿زاكية﴾ وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم والكسائي زكيّة بغير ألف. واختلف في زاكية - وزكية على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أن معناهما واحد , فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على ستة أوجه: أحدها: أن الزاكية التائبة , قاله قتادة. الثاني: أنها الطاهرة , حكاه ابن عيسى. الثالث: أنها النامية الزائدة , قاله كثير من المفسرين , قال نابغة بني ذبيان: (وما أخرتَ من دُنياك نقص ... وإن قدّمْتَ عادَ لَك الزّكاءُ) يعني الزيادة. الرابع: الزاكية المسلمة , قاله ابن عباس لأن عنده أن الغلام المقتول رجل. الخامس: أن الزاكية التي لم يحل دمها , قاله أبو عمرو بن العلاء. السادس: أنها التي لم تعمل الخطايا , قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أن بين الزاكية والزكية فرقاً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الزاكية في البدن، والزكية في الدين، وهذا قول أبي عبيدة.

стр. 2148

الثاني: أن الزكية أشد مبالغة من الزاكية , قاله ثعلب. الثالث: أن الزاكية التي لم تذنب , والزكية التي أذنبت ثم تابت فغفر لها , قاله أبو عمرو بن العلاء. ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: شيئاً منكراً , قاله الكلبي. الثاني: أمراً فظيعاً قبيحاً , وهذا معنى قول مقاتل. الثالث: أنه الذي يجب أن ينكر ولا يفعل. الرابع: أنه أشد من الإِمْر , قاله قتادة.

стр. 2149

﴿قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا﴾ قوله : ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: فلا تتابعني. الثاني: فلا تتركني أصحبك , قاله الكسائي. الثالث: فلا تصحبني. الرابع: فلا تساعدني على ما أريد. ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذراً﴾ قد اعتذرت حين أنذرت.

стр. 2150

﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾ ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ اختلف في هذه القرية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها أنطاكية , قاله الكلبي. الثاني: أنها الأبُلة , قاله قتادة. الثالث: أنها باجروان بإرمينية، قاله مقاتل.

стр. 2151

﴿فَأَبَوْا إِن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ يقال أضفت الرجل إذا نزل عليك فأنت مضيف. وضفت الرجل إذا نزلت عليه فأنت ضيف. وكان الطلب منهما الفاقة عُذراً فيهما. والمنع من أهل القرية لشحٍ أثموا به. ﴿فَوَجَدَا فِيها جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي كاد أن ينقض؛ ذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل في التالي , كقول الشاعر: (يريد الرمح صدر أبي براءٍ. . ... . ويرغب عن دماءِ بني عقيل) ومعنى ينقض يسقط بسرعة , ويناقض ينشق طولاً. وقرأ يحيى بن يعمر ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَصَّ﴾ بالصاد غير المعجمة , من النقصان. ﴿فَأَقَامَهُ﴾ قال سعيد بن جبير: أقام الجدار بيده فاستقام , وأصل الجدر الظهور ومنه الجدري لظهوره. وعجب موسى ﵇ وقد ﴿اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ فأقام لهم الجدار ف ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قال قتادة: شر القرى لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه. قوله : ﴿قَالَ هَذا فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هذا الذي قلته ﴿فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ الثاني: هذا الوقت ﴿فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لم تستطع على المشاهدة له صبراً. الثاني: لم تستطع على الإِمساك عن السؤال عنه صبراً. فروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَو صَبَرَ لَاقْتَبَسَ مِنْهُ أَلْفَ بَابٍ).

стр. 2152

﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾

стр. 2153

قوله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ وفي تسميتهم مساكين أربعة أوجه: أحدها: لفقرهم وحاجتهم. الثاني: لشدة ما يعانونه في البحر , كما يقال لمن عانى شدة قد لقي هذا المسكين جهداً. الثالث: لزمانة كانت بهم وعلل. الرابع: لقلة حيلتهم وعجزهم عن الدفع عن أنفسهم , كما قال النبي ﷺ (مِسْكِينٌ رَجُلٌ لَا امرأة له) فسماه مسكيناً لقلة حيلته وعجزه عن القيام بنفسه لا لفقره ومسكنته. وقرأ بعض أئمة القراء (لِمَسَّاكِينَ) بتشديد السين , والمساكون هم الممسكون , وفي تأويل ذلك وجهان: أَحدهما: لممسكون لسفينتهم للعمل فيها بأنفسهم. الثاني: الممسكون لأموالهم شحاً فلا ينفقونها. ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي أن أُحْدِثَ فيها عيباً. ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ في قوله ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه خلفهم , وكان رجوعهم عليه ولم يعلموا به , قاله الزجاج. الثاني: أنه كان أمامهم. وكان ابن عباس يقرأ: ﴿وَكَانَ أَمَامَمُم مَّلِكٌ﴾ واختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقاويل: أحدها: يجوز استعماله بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد , قال الله تعالى ﴿مِن وَرَائِهِم جَهَنَّمُ﴾ أي من أمامهم وقدامهم جهنم قال الشاعر:

стр. 2154

(أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا) يعني أمامي. الثاني: أن وراء يجوز أن يستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الإنسان قد يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها. الثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر , ولا يجوز في غيره قاله ابن عيسى. ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ قرأ ابن مسعود: يأخذ كل سفينة صالحة غصباً. وهكذا كان الملك يأخذ كل سفينة جيدة غصباً , فلذلك عباها الخضر لتسلم من الملك. وقيل إن اسم الملك هُدَد بن بُدَد , وقال مقاتل: كان اسمه مندلة بن جلندى بن سعد الأزدي.

стр. 2155

﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما﴾ قوله : ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنَ فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً فأضجعه وذبحه , وقيل كان الغلام سداسياً وقيل أنه أراد بالسداسي ابن ست عشرة سنة , وقيل بل أراد أن طوله ستة أشبار , قاله الكلبي: وكان الغلام لصاً يقطع الطريق بين قرية أبيه وقرية أمه فينصره أهل القريتين ويمنعون منه. قال قتادة: فرح به أبواه حين ولد , وحزنا عليه حين قتل , ولو بقي كان فيه هلاكهما. قيل كان اسم الغلام جيسور. قال مقاتل وكان اسم أبيه كازير , واسم أمه سهوى. ﴿فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْياناً وَكُفْراً﴾ فيه ثلاة أوجه: أحدهما: علم الخضر أن الغلام يرهق أبويه طغياناً وكفراً لأن الغلام كان كافراً

стр. 2156

قال قتادة: وفي قراءة أُبي ﴿وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ كَافِراً وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ فعبر عن العلم بالخشية. الثاني: معناه فخاف ربك أن يرهق الغلام أبويه طغياناً وكفراً , فعبر عن الخوف بالخشية قال مقاتل: في قراءة أبي ﴿فَخَافَ رَبُّكَ﴾ والخوف ها هنا استعارة لانتفائه عن الله تعالى. الثالث: وكره الخضر أن يرهق الغلام أبويه بطغيانه وكفره إثماً وظلماً فصار في الخشية ها هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنها العلم. الثاني: أنها الخوف. الثالث: الكراهة. وفي ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ وجهان: أحدهما: يكفلهما , قاله ابن زيد. الثاني: يحملهما على الرهق وهو الجهد. ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا ربهما خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خيراً منه إسلاماً، قاله ابن جريج. الثاني: خيراً منه علماً، قاله مقاتل. الثالث: خيراً منه ولداً. وكانت أمه حبلى فولدت، وفي الذي ولدته قولان: أحدهما: ولدت غلاماً صالحاً مسلماً، قاله ابن جريج.

стр. 2157

الثاني: ولدت جارية تزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أكثر براً بوالديه من المقتول , قاله قتادة , وجعل الرحم البر , ومنه قول الشاعر: (طريدٌ تلافاه يزيد برحمةٍ ... فلم يُلْف من نعمائه يتعذَّرُ) الثاني: أعجل نفعاً وتعطفاً , قال أبو يونس النحوي وجعل الرحم المنفعة والتعطف , ومنه قول الشاعر: (وكيف بظلم جارية ... ... ومنها اللين والرحم) الثالث: أقرب أن يرحما به , والرُّحم الرحمة , قاله أبو عَمْرو بن العلاء , ومنه قول الشاعر: (أحنى وأرحمُ مِن أمٍّ بواحدِها ... رُحْماً وأشجع من ذي لبدةٍ ضاري)

стр. 2158

﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الَْمَدِينَةِ﴾ زعم مقاتل أن اسم الغلامين صرم وصريم , واسم أبيهما كاشخ , واسم أمهما رهنا , وأن المدينة قرية تسمى عيدشى. وحقيقة الجدار ما أحاط بالدار حتى يمنع منها ويحفظ بنيانها , ويستعمل في غيرها من حيطانها مجازاً.

стр. 2159

﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ وفي هذا الكنز ثلاثة أقاويل: أحدها: صحف علم , قاله ابن عباس , وسعيد بن جبير , ومجاهد. الثاني: لوح من ذهب مكتوب فيه حِكَم , قاله الحسن , وروى ابن الكلبي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾، كَانَ الكَنزُ لَوحاً مِن ذَهَبٍ مَكْتُوباً فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ عَجَبٌ لِّمِنَ يُؤِمِنُ بِالمَوتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِزَوالِ الدُّنيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، لَا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ). الثالث: كنز: مال مذخور من ذهب وفضة , قاله عكرمة وقتادة. ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ قيل إنهما حفظا لصلاح أبيهما السابع , قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى يحفظ عبده المؤمن في ولده وولد ولده وفي ذريته وفي الدويرات حوله. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ مثله. واختلف أهل العلم في بقاء الخضر ﵇ إلى يوم , فذهب قوم إلى بقائه لأنه شرب من عين الحياة. وذهب آخرون إلى أنه غير باقٍ لأنه لو كان

стр. 2160

باقياً لعرف , ولأنه لا يجوز أن يكون بعد نبينا ﷺ نبي وهذا قول من زعم أن الخضر نبي.

стр. 2161

﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا﴾ قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ اختلف فيه هل كان نبياً؟ فذهب قوم إلى أنه نبي مبعوث فتح الله على يده الأرض وقال علي بن أبي طالب ﵁ لم يكن نبياً ولا ملكاً , ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله وأحبه الله , وناصح لله فناصحه الله , وضربوه على قرنه فمكث ما شاء الله ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر , ولم يكن له قرنان كقرني الثور. واختلف في تسميته بذي القرنين على أربعة أقاويل: أحدها: لقرنين في جانبي رأسه على ما حكى علي بن أبي طالب ﵁. الثاني: لأنه كانت له ضفيرتان فَسُمِّيَ بهما ذو القرنين , قاله الحسن. الثالث: لأنه بلغ طرفي الأرض من المشرق والمغرب , فَسُمِّيَ لاستيلائه. على قرني الأرض ذو القرنين , قاله الزهري. الرابع: لأنه رأى في منامه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها , فقص رؤياه على قومه فَسُمِّيَ ذو القرنين , قال وهب بن منبه. وحكى بن عباس أن ذا القرنين هو عبد الله بن الضحاك بن معد , وحكى محمد بن إسحاق أنه رجل من إهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني ولد يونان بن يافث بن نوح. وقال معاذ بن جبل: كان رومياً اسمه الاسكندروس. قال ابن هشام: هو الإِسكندر وهو الذي بنى الإسكندرية.

стр. 2162

قوله : ﴿إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: باستيلائه على ملكها. الثاني: بقيامه بمصالحها. ﴿وَأَتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ فيه وجهان: أحدهما: من كل شيء علماً ينتسب به إلى إرادته , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: ما يستعين به على لقاء الملوك وقتل الأعداء وفتح البلاد. ويحتمل وجهاً ثالثاً: وجعلنا له من كل أرض وليها سلطاناً وهيبة.

стр. 2163

﴿فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾ قوله : ﴿فَأَتْبَعَ سَبَاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: منازل الأرض ومعالمها. الثاني: يعني طرقاً بين المشرق والمغرب , قاله مجاهد , وقتادة. الثالث: طريقاً إلى ما أريد منه. الرابع: قفا الأثر , حكاه ابن الأنباري. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرأ نافع , وابن كثير , وأبو عمرو , وحفص ﴿حَمِئَةٍ﴾ وفيها وجهان: أحدهما: عين ماء ذات حمأة , قاله مجاهد , وقتادة. الثاني: يعني طينة سوداء، خبرا قاله كعب.

стр. 2164

وقرأ بن الزبير , والحسن: ﴿فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ﴾ وهي قراءة الباقين يعني حارة. فصار قولاً ثالثاً: وليس بممتنع أن يكون ذلك صفة للعين أن تكون حمئة سوداء حامية , وقد نقل مأثوراً في شعر تُبَّع وقد وصف ذا القرنين بما يوافق هذا فقال: (قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً. . ... ملكاً تدين له الملوك وتسجد) (بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمرٍ من حكيم مرشد) (فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خُلُبٍ وثاطٍ حرمد) الخُلُب: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. ثم فيها وجهان: أحدهما: أنها تغرب في نفس العين. الثاني: أنه وجدها تغرب وراء العين حتى كأنها تغيب في نفس العين. ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه خيره في عقابهم أو العفو عنهم. الثاني: إما أن تعذب بالقتل لمقامهم على الشرك وإما أن تتخذ فيهم حُسناً بأن تمسكهم بعد الأسر لتعلمهم الهدى وتستنقذهم من العَمَى , فحكى مقاتل أنه لم يؤمن منهم إلا رجل واحد.

стр. 2165

﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا﴾

стр. 2166

قوله : ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ قرىء بقطع الألف , وقرىء بوصلها وفيها وجهان: أحدهما: معناهما واحد. الثاني: مختلف. قال الأصمعي: بالقطع إذا لحق , وبالوصل إذا كان على الأثر , وإن لم يلحق. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ قرىء بكسر اللام , وقرىء بفتح اللام , وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: معناهما واحد. الثاني: معناهما مختلف. وهي بفتح اللام الطلوع , وبكسرها الموضع الذي تطلع منه. والمراد بمطلع الشمس ومغربها ابتداء العمارة وانتهاؤها. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ يعني من دون الشمس ما يسترهم منها من بناء أو شجر أو لباس. وكانوا يأوون إذا طلعت عليهم إلى أسراب لهم , فإذا زالت عنهم خرجوا لصيد ما يقتاتونه من وحش وسمك. قال ابن الكلبي: وهم تاريس وتأويل ومنسك. وهذه الأسماء والنعوت التي نذكرها ونحكيها عمن سلف إن لم تؤخذ من صحف النبوة السليمة لم يوثق بها , ولكن ذكرت فذكرتها. وقال قتادة. هم الزنج.

стр. 2167

﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة

стр. 2168

أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالفتح قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص. وقرأ الباقون بين السُّدين وبالضم , واختلف فيهما على قولين. أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: أن معناهما مختلف. وفي الفرق بينهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السد بالضم من فعل الله وبالفتح من فعل الآدميين. الثاني: أنه بالضم الاسم , وبالفتح المصدر , قاله ابن عباس وقتادة والضحاك. والسدان جبلان , قيل إنه جعل الروم بينهما , وفي موضعهما قولان: أحدهما: فيما بين إرمينية وأذربيجان. الثاني: في منقطع الترك مما يلي المشرق. ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي من دون السدين , وفي ﴿يَفْقَهُونَ﴾ قراءتان: إحداهما: بفتح الياء والقاف يعني أنهم لا يفهمون كلام غيرهم. والقراءة الثانية: بضم الياء وكسر القاف , أي لا يفهم كلامهم غيرهم. قوله : ﴿قَالُواْ يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ وهما من ولد يافث بن نوح , واسمهما مأخوذ من أجت النار إذا تأججت , ومنه قول جرير:

стр. 2169

(وأيام أتين على المطايا ... كأن سمومهن أجيج نارٍ) واسمها في الصحف الأولى ياطغ وماطغ. وكان أبو سعيد الخدري يقول أن النبي ﷺ قال: (لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ منهُمْ حتى يُولَدُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ). واختلف في تكليفهم على قولين: أحدهما: أنهم مكلفون لتمييزهم. الثاني: أنهم غير مكلفين لأنهم لو كلفوا لما جاز ألَاّ تبلغهم دعوة الإسلام. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿خَرَاجاً﴾ وقرأ الباقون ﴿خَرْجاً﴾ وفي اختلاف القراءتين ثلاثة أوجه: أحدها: أن الخراج الغلة , والخرج الأجرة. الثاني: أن الخراج اسم لما يخرج من الأرض , والخرج ما يؤخذ عن الرقاب , قاله أبو عمرو بن العلاء. الثالث: أن الخرج ما يؤخذ دفعة , والخراج ثابت مأخوذ في كل سنة , قاله ثعلب. قوله : ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ يعني خير من الأجر الذي تبذلونه لي. ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بآلة , قاله الكلبي. الثاني: برجال , قاله مقاتل. ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الحجاب الشديد. الثاني: أنه السد المتراكب بعضه على بعض فهو أكبر من السد. ﴿ءاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها قطع الحديد , قاله ابن عباس ومجاهد.

стр. 2170

الثاني: أنه فلق الحديد , قاله قتادة. الثالث: أنه الحديد المجتمع , ومنه الزَّبور لاجتماع حروفه في الكتابة , قال تبع اليماني: (ولقد صبرت ليعلموه وحولهم ... زبر الحديد عشيةً ونهاراً) ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: الصدفان: جبلان , قال عمرو بن شاش: (كلا الصدفين ينفذه سناها ... توقد مثل مصباح الظلام) وفيهما وجهان: أحدهما: أن كل واحد منهما محاذ لصاحبه , مأخوذ من المصادفة في اللقاء , قاله الأزهري. الثاني: قاله ابن عيسى , هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما:: أن الصدفين اسم لرأسي الجبلين الثاني: اسم لما بين الجبلين. ومعنى قوله: ﴿سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي بما جعل بينهما حتى وارى رؤوسهما وسوّى بينهما. ﴿قَالَ انفُخُوا﴾ يعني أي في نار الحديد. ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ يعني ليناً كالنار في الحر واللهب. ﴿قَالَءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن القطر النحاس , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: أنه الرصاص حكاه ابن الأنباري. الثالث: أنه الصفر المذاب , قاله مقاتل , ومنه قول الحطيئة: (وألقى في مراجل من حديد ... قدور الصُّفر ليس من البُرام)

стр. 2171

الرابع: أنه الحديد المذاب , قاله أبو عبيدة وأنشد: (حُساماً كلون الملح صار حديده ... حراراً من أقطار الحديد المثقب) وكان حجارته الحديد وطينه النحاس.

стр. 2172

﴿فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا﴾ قوله : ﴿فَمَا اسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوه. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ يعني من أسفله , قاله قتادة , وقيل إن السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط. وقيل: ارتفاع السد مقدار مائتي ذراع , وعرضه نحو خمسين ذراعاً وأنه من حديد شبه المصمت. ورُوي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إِنِّي رَأَيتُ السَّدَّ: (قَالَ: انعَتهُ) قَالَ: هُوَ كَالبَرَدِ المُحَبَّر , طَريقُه سَودَاءُ وَطَريقُه حَمْرَاءُ , (قَالَ قَدْ رَأَيتَهُ). قوله : ﴿قَالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن عمله رحمة من الله تعالى لعباده. الثاني: أن قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له.

стр. 2173

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال ابن مسعود: وذلك يكون بعد قتل عيسى ﵇ الدجال في حديث مرفوع. وروي أن النبي ﷺ قال: (إِنَّهُم يَدْأَبُونَ فِي حَفْرِهِم نَهَارُهُم حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا وَكَادُواْ يُبْصِرُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالُوا نَرْجِعُ غَداً فَنَحْفُرُ بَقِيَّتَهُ , فَيَعُودُونَ مِنَ الغَدِ وَقَدِ اسْتَوَى كَمَا كَانَ , حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قَالُواْ: غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَنْقُبُ بَقيَّتَهُ , فَيَرْجِعُونَ إِلَيهِ فَيَنْقُبُونَهُ فِإِذِنِ اللَّهِ , فَيَخْرُجُونَ مِنهُ عَلَى النَّاسِ مِن حُصُونِهِم , ثُمَّ يَرْمُونَ نبلاً إِلَى السَّمَاءِ فِيَرْجِعُ إِلَيهِم فِيهَا أَمْثَالُ الدِّمَاءِ , فَيَقُولُونَ قَدْ ظَفَرْنَا عَلَى أَهْلِ ألأَرْضِ وَقَهَرْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ , فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيهِم مَّا يَهْلِكُهُم). ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ فيه قولان: أحدهما: يوم القيامة , قاله ابن بحر. الثاني: هو الأجل الذي يخرجون فيه. ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ يعني السد , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أرضاً , قاله قطرب. الثاني: قطعاً , قاله الكلبي. الثالث: هدماً حتى اندك بالأرض فاستوى معها , قاله الأخفشس , ومنه قول الأغلب: ٨٩ (هل غيرغادٍ غاراً فانهدم﴾ ٩ قوله : ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم القوم الذين ذكرهم ذو القرنين يوم فتح السد يموج بعضهم في بعض.

стр. 2174

الثاني: الكفار في يوم القيامة يموج بعضهم في بعض. الثالث: أنهم الإِنس والجن عند فتح السد. وفيه وجهان: أحدهما: يختلط بعضهم ببعض. الثاني: يدفع بعضهم بعضاً , مأخوذ من موج البحر.

стр. 2175

﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾ قوله : ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الضلال كالمغطي لأعينهم عن تَذَكُّر الانتقام. الثاني: أنهم غفلوا عن الاعتبار بقدرته الموجبة لذكره. ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المراد بالسمع ها هنا العقل , ومعناه لا يعقلون الثاني: أنه معمول على ظاهره في سمع الآذان. وفيه وجهان: أحدهما: لا يستطيعونه استثقالاً. الثاني: مقتاً. قوله : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن النزل الطعام , فجعل جهنم طعاماً لهم، قاله قتادة. الثاني: أنه المنزل , قاله الزجاج.
следующие страницы →