Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
الرابع: أنه الحديد المذاب , قاله أبو عبيدة وأنشد:
(حُساماً كلون الملح صار حديده ... حراراً من أقطار الحديد المثقب)
وكان حجارته الحديد وطينه النحاس.
стр. 2172
﴿فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا﴾ قوله : ﴿فَمَا اسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوه. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ يعني من أسفله , قاله قتادة , وقيل إن السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط. وقيل: ارتفاع السد مقدار مائتي ذراع , وعرضه نحو خمسين ذراعاً وأنه من حديد شبه المصمت. ورُوي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إِنِّي رَأَيتُ السَّدَّ: (قَالَ: انعَتهُ) قَالَ: هُوَ كَالبَرَدِ المُحَبَّر , طَريقُه سَودَاءُ وَطَريقُه حَمْرَاءُ , (قَالَ قَدْ رَأَيتَهُ). قوله : ﴿قَالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن عمله رحمة من الله تعالى لعباده. الثاني: أن قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له.
стр. 2173
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال ابن مسعود: وذلك يكون بعد قتل عيسى ﵇ الدجال في حديث مرفوع. وروي أن النبي ﷺ قال: (إِنَّهُم يَدْأَبُونَ فِي حَفْرِهِم نَهَارُهُم حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا وَكَادُواْ يُبْصِرُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالُوا نَرْجِعُ غَداً فَنَحْفُرُ بَقِيَّتَهُ , فَيَعُودُونَ مِنَ الغَدِ وَقَدِ اسْتَوَى كَمَا كَانَ , حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قَالُواْ: غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَنْقُبُ بَقيَّتَهُ , فَيَرْجِعُونَ إِلَيهِ فَيَنْقُبُونَهُ فِإِذِنِ اللَّهِ , فَيَخْرُجُونَ مِنهُ عَلَى النَّاسِ مِن حُصُونِهِم , ثُمَّ يَرْمُونَ نبلاً إِلَى السَّمَاءِ فِيَرْجِعُ إِلَيهِم فِيهَا أَمْثَالُ الدِّمَاءِ , فَيَقُولُونَ قَدْ ظَفَرْنَا عَلَى أَهْلِ ألأَرْضِ وَقَهَرْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ , فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيهِم مَّا يَهْلِكُهُم). ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ فيه قولان: أحدهما: يوم القيامة , قاله ابن بحر. الثاني: هو الأجل الذي يخرجون فيه. ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ يعني السد , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أرضاً , قاله قطرب. الثاني: قطعاً , قاله الكلبي. الثالث: هدماً حتى اندك بالأرض فاستوى معها , قاله الأخفشس , ومنه قول الأغلب:
٨٩ (هل غيرغادٍ غاراً فانهدم﴾ ٩
قوله : ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم القوم الذين ذكرهم ذو القرنين يوم فتح السد يموج بعضهم في بعض.
стр. 2174
الثاني: الكفار في يوم القيامة يموج بعضهم في بعض. الثالث: أنهم الإِنس والجن عند فتح السد. وفيه وجهان: أحدهما: يختلط بعضهم ببعض. الثاني: يدفع بعضهم بعضاً , مأخوذ من موج البحر.
стр. 2175
﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾ قوله : ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الضلال كالمغطي لأعينهم عن تَذَكُّر الانتقام. الثاني: أنهم غفلوا عن الاعتبار بقدرته الموجبة لذكره. ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المراد بالسمع ها هنا العقل , ومعناه لا يعقلون الثاني: أنه معمول على ظاهره في سمع الآذان. وفيه وجهان: أحدهما: لا يستطيعونه استثقالاً. الثاني: مقتاً. قوله : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن النزل الطعام , فجعل جهنم طعاماً لهم، قاله قتادة. الثاني: أنه المنزل , قاله الزجاج.
стр. 2176
﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا﴾ قوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ فيهم خسمة أقاويل: أحدها: أنهم القسيسون والرهبان , قاله علي بن أبي طالب ﵁. الثاني: أنهم الكتابيون اليهود والنصارى , قاله سعد بن أبي وقاص. الثالث: هم أهل حروراء من الخوارج , وهذا مروي عن علي ﵁. الرابع: هم أهل الأهواء. الخامس: أنهم من يصطنع المعروف ويمن عليه. ويحتمل سادساً: أنهم المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم. ويحتمل سابعاً: أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة. قوله تعالى: ﴿ ... فَلَا نُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ الْقيَامَةِ وَزْناً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: لهوانهم على الله تعالى بمعاصيهم التي ارتكبوها يصيرون محقورين لا وزن لهم. الثاني: أنهم لخفتهم بالجهل وطيشهم بالسفه صاروا كمن لا وزن لهم. الثالث: أن المعاصي تذهب بوزنهم حتى لا يوازنوا من خفتهم شيئاً. روي عن كعب أنه قال: يجاء بالرجل يوم القيامة. فيوزن بالحبة فلا
стр. 2177
يزنها، يوزن بجناح البعوضة فلا يزنها، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ الرابع: أن حسناتهم تُحبَط بالكفر فتبقى سيئاتهم. فيكون الوزن عليهم لا لهم.
стр. 2178
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُم جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ في ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة. الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه ضمرة مرفوعاً. الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد. الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج. الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب، قاله كعب. واختلف في لفظه على أربعة أقاويل: أحدها: أنه عربي وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب. الثاني: أنه بالرومية، قاله مجاهد. الثالث: انه بالنبطية، فرداساً، قاله السدي. الرابع: بالسريانية، قاله أبو صالح.
стр. 2179
قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي متحولاً وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: بدلاً , قاله الضحاك. الثاني: تحويلاً , قاله مقاتل. الثالث: حيلة , أي لا يحتالون منزلاً غيرها. وقيل إنه يقول أولهم دخولاً إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل مني , ويقول آخرهم دخولاً إنما أخرني الله لأنه ليس أحد أعطاه الله مثل ما أعطاني.
стр. 2180
﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ قوله : ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وعد بالثواب لمن أطاعه , ووعيد بالعقاب لمن عصاه , قاله ابن بحر ومثله ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ الثاني: أنه العلم بالقرآن , قاله مجاهد. الثالث: وهذا إنما قاله الله تعالى تبعيداً على خلقه أن يُحصواْ أفعاله ومعلوماته , وإن كانت عنده ثابتة محصية. ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾. قوله : ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني فمن كان يخاف لقاء ربه، قاله مقاتل، وقطرب. الثاني: من كان يأمل لقاء ربه. الثالث: من كان يصدّق بلقاء ربه، قاله الكلبي.
стр. 2181
وفي لقاء ربه وجهان: أحدهما: معناه لقاء ثواب ربه، قاله سعيد بن جبير. الثاني: من كان يرجو لقاء ربه إقرار منه بالبعث إليه والوقوف بين يديه. ﴿فليعمل عملاً صالحاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الخالص من الرياء، قاله ذو النون المصري. الثاني: أن يلقى الله به فلا يستحي منه، قاله يحيى بن معاذ. الثالث: أن يجتنب المعاصي ويعمل بالطاعات. ﴿ولا يشرك بعباده ربه أحداً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الشرك بعبادته الكفر، ومعناه لا يعبد معه غيره، قاله الحسن. الثاني: أنه الرياء، ومعناه ولا يرائي بعلمه أحداً، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أخوف ما أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " قيل: أتشرك أمتك بعدك؟ قال: " لا، أما أنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكنهم يُراءون بعملهم "، فقيل: يا رسول الله وذلك شرك؟ فقال: " نعم " قيل: وما الشهوة الخفية، قال " يصبح أحدهم صائماً فتعرض له الشهوة من شهوات الدنيا فيفطر لها ويترك صومه ". وحكى الكلبي ومقاتل: أن هذه الآية نزلت في جندب بن زهير العامري أتى رسول الله ﷺ فقال له: إنما لنعمل العمل نريد به وجه الله فيثنى به علينا فيعجبنا، وأني لأصلي الصلاة فأطولها رجاء أن يثنى بها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : " إنَّ
стр. 2182
الله يقول أنا خير شريك فمن أشركني في عمل يعمله لي أحداً من خلقي تركته وذلك الشريك " ونزلت فيه هذه الآية: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ فتلاها عليه رسول الله ﷺ ، وقيل إنها آخر آية نزلت من القرآن.
стр. 2183
سورة مريم
стр. 2184
﴿كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن , قاله قتادة. الثاني: أنه اسم من أسماء الله , قاله علي كرم الله وجهه. الثالث: أنه استفتاح السورة , قاله زيد بن أسلم. الرابع: أن اسم السورة , قاله لحسن. الخامس: أنه من حروف الجُمل تفسيرلا إله إلا الله , لأن الكاف
стр. 2185
عشرون والهاء خمسة والياء عشرة والعين سبعون والصاد تسعون. كذلك عدد حروف لا إله إلا الله , حكه أبان بن تغلب. السادس: أنها حروف أسماء الله. فأما الكاف فقد اختلفوا فيها من أي اسم هي على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من كبير , قاله ابن عباس. الثاني: أنها من كاف , قاله الضحاك. الثالث: أنها من كريم , قاله ابن جبير. وأما الهاء فإنها من هادٍ عند جميعهم. وأما الياء ففيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها من يمن , قاله ابن عباس. الثاني: من حكيم قاله ابن جبير. الثالث: أنها من ياسين حكاه سالم. الرابع: أنها من يا للنداء وفيه على هذا وجهان: أحدهما: يا من يجيب من دعاه ولا يخيب من رجاه لما تعقبه من دعاء زكريا. الثاني: يا من يجير ولا يجار عليه , قاله الربيع بن أنس. وأما العين ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من عزيز , قاله ابن جبير. الثاني: أنها من عالم , قاله ابن عباس. الثالث: من عدل , قاله الضحاك. وأما الصاد فإنها من صادق في قول جميعهم فهذا بيان للقول السادس. ويحتمل سابعاً: أنها حروف من كلام أغمضت معانيه ونبه على مراده فيه يحتمل أن يكون: كفى وهدى من لا يعص فتكون الكاف من كفى والهاء من هدى
стр. 2186
والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي , فصار تركها كافياً من العقاب وهادياً إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام وشروط. ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ﴾ فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سألِه فاحتمل وجهين: أحدهما: أنه رحمه بإجابته له. الثاني: أنه إجابة لرحمته له. قوله تعالى: ﴿ ... . نِدآءً خَفِيّاً﴾ [فيه قولان]. أحدهما: قاله ابن جريج , سراً لا رياء فيه. قال قتادة إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه. الثاني: قاله مقاتل , إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به , فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد. ويحتمل ثالثاً: أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإِجابة للسنة الواردة فيه: إن الذي تدعونه ليس بأصم. قوله تعالى: ﴿ ... إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان: أحدهما: أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى. الثاني: أنه اشتكى ضعف البطش , والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم.
стр. 2187
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ هذا من أحسن الاستعارة لأنه قد ينشر فيه الشيب كما ينشر في الحطب شعاع النار. ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ أي خائباً , أي كنت لا تخيبني إذا دعوتك ولا تحرمني إذا سألتك. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ ... ﴾ فيهم أربعة أقاويل: أحدها: العصبة , قاله مجاهد وأبو صالح. الثاني: الكلالة , قاله ابن عباس. الثالث: الأولياء أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي قال لبيد:
(ومولى قد دفعت الضيم عنه ... وقد أمسى بمنزلةِ المُضيمِ)
الرابع: بنو العلم لأنهم كانواْ شرار بني إسرائيل. وسموا موالي لأنهم يلونه في النسب لعدم الصلب. وفيما خافهم عليه قولان: أحدهما: أنه خافهم على الفساد في الأرض. الثاني: أنه خافهم على نفسه في حياته وعلى أشيائه بعد موته. ويجوز أن يكون خافهم على تبديل الدين وتغييره. روى كثير ابن كلثمة أنه سمع علي بن الحسين ﵉ يقرأ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ﴾ بالتشديد بمعنى قلّت. وفي قوله: ﴿مِن وَرَآءِي﴾ وجهان: أحدهما: من قدامي وهو قول الأخفش. الثاني: بعد موتي , قاله مقاتل. قوله تعالى: ﴿. . فَهَبْ لِي مِن لَّدنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، قاله أبو صالح.
стр. 2188
الثاني: يرثني ويرث من آل يعقوب العلم والنبوة , قاله الحسن. الثالث: يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق , قاله عطاء. الرابع: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب الملك , قاله ابن عباس , فأجابه الله إلى وراثة العلم ويرث من آل يعقوب الملك , قاله ابن عباس. فأجابه الله إلى وراثة العلم ولم يجبه إلى وارثة الملك. قال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك , وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. قال مقاتل ويعقوب بن ماثان هو أخو عمران أبي مريم لأن يعقوب وعمران إِبنا ماثان , فروى قتادة أن النبي ﷺ قال: (يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّآ مَا كَانَ عَلَيهِ مِن وَرثَتِهِ). ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: مرضياً في أخلاقه وأفعاله. الثاني: راضياً بقضائك وقدرك. ويحتمل ثالثاً: أن يريد نبياً.
стр. 2189
﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا﴾ قوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته. فدل ذلك على أمرين: أحدهما: اختصاصه به. الثاني: على اصطفائه له. قال مقاتل سماه يحيى لأنه صبي بين أب شيخ وأم عجوز
стр. 2190
﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيَّاً﴾ فيه ثلاثة اقاويل: أحدها: أي لم تلد مثله العواقر , قاله ابن عباس. فيكون المعنى لم نجعل له مثلاً ولا نظيراً. الثاني: أنه لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً , قاله مجاهد. الثالث: أي لم يسم قبله باسمه أحد , قاله قتادة.
стр. 2191
﴿قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي ولد. ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ أي لا تلد وفي تسميتها عاقراً وجهان: أحدهما: لأنها تصير إذا لم تلد كأنها تعقر النسل أي تقطعه. الثاني: لأن في رحمها عقراً يفسد المني , ولم يقل ذلك عن شك بعد الوحي ولكن على وجه الاستخبار: أتعيدنا شابين؟ أو ترزقنا الولد شيخين؟ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتيّاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني سناً , قاله قتادة. الثاني: أنه نحول العظم , قاله ابن جريج. الثالث: أنه الذي غيره طول الزمان إلى اليبس والجفاف , قاله ابن عيسى قال الشاعر:
(إنما يعذر الوليد ولا يعذر ... من كان في الزمان عتياً)
قال قتادة: كان له بضع وسبعون سنة وقال مقاتل خمس وتسعون سنة. وقرأ
стр. 2192
ابن عباس: ﴿عِسِيّاً﴾ وهي كذلك في مصحف أبي من قولهم للشيخ إذا كبر: قد عسا وعتا ومعناهما واحد.
стр. 2193
﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... اجْعَل لِّيءَايَةً﴾ أي علامة وفيها وجهان: أحدهما: أنه سأل الله آية تدله على البشرى بيحيى منه لا من الشيطان لأن إبليس أوهمه ذلك , قاله الضحاك. الثاني: سأله آية تدله على أن امرأته قد حملت. ﴿قَالَءَايَتُكَ أَلَاّ تُكلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتقل لسانه ثلاثاً من غير مرض وكان إذا أراد أن يذكر الله انطلق لسانه وإذا أراد أن يكلم الناس اعتقل , وكانت هذه الآية , قاله ابن عباس الثاني: اعتقل من غير خرس , قاله قتادة والسدي. ﴿سَوِيّاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: صحيحاً من غير خرس , قاله قتادة. الثاني: ثلاث ليال متتابعات , قاله عطية , فيكون السوي على الوجه الأول راجعاً إلى لسانه , وعلى الثاني إلى الليالي. قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ﴾ قال ابن جريج أشرف على قومه من المحراب. وفي ﴿الْمِحْرَابِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مصلاة , قاله ابن زيد. الثاني: أنه الشخص المنصوب للتوجه إليه في الصلاة. وفي تسميته محراباً وجهان:
стр. 2194
أحدهما: أنه للتوجه إليه في صلاته كالمُحَارِب للشيطان صلاته. الثاني: أنه مأخوذ من منزل الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله فكأن الملائكة تحارب عن المصلي ذباً عنه ومنعاً منه. ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشيّاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أوصى إليهم , قاله ابن قتيبة. الثاني: أشار إليهم بيده، قاله الكلبي. الثالث: كتب على الأرض. والوحي في كلام العرب الكتابة ومنه قول جرير:
(كأن أخا اليهود يخط وحياً ... بكافٍ من منازلها ولام)
﴿أَنَ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أي صلواْ بكرة وعشياً , قاله الحسن وقتادة , وقيل للصلاة تسبيح لما فيها من التسبيح.
стр. 2195
﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفي قائله قولان: أحدهما: أنه قول زكريا ليحيى حين نشأ. الثاني: قول الله ليحيى حين بلغ. وفي هذا ﴿الْكِتَابَ﴾ قولان: أحدهما: صحف إبراهيم. الثاني: التوراة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بجد واجتهاد، قاله مجاهد.
стр. 2196
الثاني: العمل بما فيه من أمر والكف عما فيه من نهي , قاله زيد بن أسلم. ﴿وَءَاتَينَاهُ الْحُكُمَ صَبِيّاً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: اللب , قاله الحسن. الثاني: الفهم , قاله مقاتل. الثالث: الأحكام والمعرفة بها. الرابع: الحكمة. قال معمر: إن الصبيان قالوا ليحيى إذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقت , فأنزل الله ﴿وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾. قاله مقاتل وكان ابن ثلاث سنين. قوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: رحمة من عندنا , قاله ابن عباس وقتادة , ومنه قول الشاعر:
(أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيكَ بعض الشر أهون من بعض)
أي رحمتك وإحسانك. الثاني: تعطفاً , قاله مجاهد. الثالث: محبة , قاله عكرمة. الرابع: بركة , قاله ابن جبير. الخامس: تعظيماً. السادس: يعني آتينا تحنناً على العباد. ويحتمل سابعاً: أن يكون معناه رفقاً ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة ﴿وَزَكَاةً﴾ فيها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها العمل الصالح الزاكي , قاله ابن جريج. الثاني: زكيناه بحسن الثناء كما يزكي الشهود إنساناً.
стр. 2197
الثالث: يعني صدقة به على والديه , قاله ابن قتيبة. ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ فيه وجهان: أحدهما مطيعاً لله , قاله الكلبي. الثاني: باراً بوالديه , قاله مقاتل.
стр. 2198
﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا﴾ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ يعني في القرآن ﴿إِذ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: انفردت , قاله قتادة. الثاني: اتخذت. ﴿مَكَاناً شَرْقِيّاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ناحية المشرق، قاله الأخفش ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة. الثاني: مشرقة داره التي تظلها الشمس، قاله عطية. الثالث: مكاناً شاسعاً بعيداً، قاله قتادة. قوله تعالى: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: حجاباً من الجدران، قاله السدي.
стр. 2199
الثاني: حجاباً من الشمس جعله الله ساتراً , قاله ابن عباس الثالث: حجاباً من الناس , وهو محتمل , وفيه وجهان: أحدهما: أنها اتخذت مكاناً تنفرد فيه للعبادة. الثاني: أنها اتخذت مكاناً تعتزل فيه أيام حيضها. ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية: فيه قولان: أحدهما: يعني الروح التي خلق منها المسيح حتى تمثل لها بشراً سوياً. الثاني: أنه جبريل , قاله الحسن وقتادة , والسدي , وابن جريج , وابن منبه. وفي تسميته له روحاً وجهان: أحدهما: لأنه روحاني لا يشوبه شيء غير الروح , وأضافه إليه بهذه الصفة تشريفاً له. الثاني: لأنه تحيا به الأرواح. واختلفوا في سبب حملها على قولين: أحدهما: أن جبريل نفخ في جيب درعها وكُمِّهَا فَحَمَلَتْ , قاله ابن جريج , منه قول أميه بن أبي الصلت:
(فأهوى لها بالنفخ في جيب درعها ... فألقت سويّ الخلق ليس بتوأم)
الثاني: أنه ما كان إلا أن حملت فولدته , قاله ابن عباس. واختلفوا في مدة حملها على أربعة أقاويل: أحدها: تسعة أشهر , قاله الكلبي. الثاني: تسعة أشهر. حكى لي ذلك أبو القاسم الصيمري. الثالث: يوماً واحداً. الرابع: ثمانية أشهر , وكان هذا آية عيسى فإنه لم يعش مولوداً لثمانية أشهر سواه.
стр. 2200
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ لأن مريم خافت جبريل على نفسها حين دنا فقالت ﴿إِنِّي أَعُوذُ﴾ أي أمتنع ﴿بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ فاستغاثت بالله في امتناعها منه. فإن قيل: فلم قالت ﴿إن كُنتَ تَقِيّاً﴾ والتقي مأمون وإنما يستعاذ من غير التقي؟ ففيه وجهان: أحدهما: أن معنى كلامها إن كنت تقياً لله فستمتنع من استعاذتي وتنزجر عني من خوفه , قاله أبو وائل. الثاني: أنه كان اسماً لرجل فاجر من بني إسرائيل مشهور بالعهر يُسَمَّى تقياً فخافت أن يكون الذي جاءها هو ذلك الرجل المسمى تقياً الذي لا يأتي إلا للفاحشة فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً , قاله بن عباس.
стр. 2201
﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قوله تعالى: ﴿فَأجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه ألجأها , قاله ابن عباس , ومجاهد , وقتادة , ومنه قول الشاعر:
(إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل)
الثاني: معناه فجأها المخاض كقول زهير:
(وجارٍ سارَ معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء.)
وفي قراءة ابن مسعود ﴿فَأَوَاهَا﴾
стр. 2202
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها خافت من الناس أن يظنوا بها سوءاً قاله السدي. الثاني: لئلا يأثم الناس بالمعصية في قذفها. الثالث: لأنها لم تَرَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزهها من السوء , قاله جعفر بن محمد رحمهما الله. ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: لم أخلق ولم أكن شيئاً , قاله ابن عباس. الثاني: لا أعرف ولا يدرى من أنا , قاله قتادة. الثالث: النسي المنسي هو السقط , قاله الربيع , وأبو العالية. الرابع: هو الحيضة الملقاة , قاله عكرمة , بمعنى خرق الحيض. الخامس: معناه وكنت إذا ذكرت لم أطلب حكاه اليزيدي. والنسي عندهم في كلامهم ما أعقل من شيء حقير قال الراجز:
٨٩ (كالنسي ملقى بالجهاد البسبس.﴾ ٩
стр. 2203
﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهآ أَلَاّ تَحْزَنِي﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المنادي لها من تحتها جبريل , قاله ابن عباس , وقتادة , والضحاك , والسدي. الثاني: أنه عيسى ابنها , قاله الحسن , ومجاهد. وفي قوله من تحتها وجهان: أحدهما: من أسفل منها في الأرض وهي فوقه على رأسه، قاله الكلبي.
стр. 2204
الثاني: من بطنها: قاله بعض المتكلمين , بالقبطية. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن السريّ هو ابنها عيسى , لأن السري هو الرفيع الشريف مأخوذ من قولهم فلان من سروات قومه أي من أشرافهم , قاله الحسن , فعلى هذا يكون عيسى هو المنادي من تحتها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ الثاني: أن السريّ هو النهر، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير،
стр. 2205
وقتادة، والضحاك، لتكون النخلة لها طعاماً , والنهر لها شراباً، وعلى هذا يكون جبريل هو المنادي لها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾. الثاني: أنه عربي مشتق من السراية فَسُمِّيَ السريّ لأنه يجري فيه ومنه قول الشاعر:
(سهل الخليقة ماجد ذو نائلٍ ... مثل السريّ تمده الأنهار)
وقيل: إن اسم السري يطلق على ما يعبره الناس من الأنهار وثباً. وروى أبان بن تغلب في تفسيره القرآن خبراً عن عدد لم يسمهم أن رسول الله ﷺ بعث شداد بن ثمامة مصدقاً لبني كعب بن مذحج وكتب له كتاباً: (عَلَى مَا سَقَتْهُ المَرَاسِمُ وَالجَدَاوِلُ وَالنَّوَاهِرُ وَالدَّوَافِعُ العُشْرُ وَنِصْفُ العشر بقيمة عَدْلٍ إِلَاّ الضَّوَامَرَ وَاللَّوَاقِحَ وَمَا َأطل الصور من الجفن. وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَاّ العَقِيلَ وَالأَكِيلَ وَالربِيَّ. ومن كل ثلاثين بقرةً جِذْعٌ أَوْ جِذْعَةٌ إِلَاّ العَاقِرَ وَالنَّاشِطَ وَالرَّاشِحَ. وَمِن كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ المُوَّبلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ. وَلَا صَدَقَةَ فِي الخَيلِ وَلَا فِي الإِبِلِ العَامِلةِ. شَهِدَ جِرِيرٌ بِن عَبدِ اللَّهِ بن جَابرٍ البَجْلِي وَشَدَّادُ بن ثُمَامَةَ وَكَتَبَ المُغِيرَةُ بن شُعْبةِ) فالمراسل العيون , والجداول الأنهار الصغار , والنواهر الدوالي , والدوافع الأودية , والضوامر ما لم تحمل من النخل , واللواقح الفحول , والجفن الكرم , وما أطلاه من الزرع عفو , والعقيل فحل الغنم والأَيل الذي يُرَبَّى للأكل. والربي التي تربي ولدها والعاقر من البقر التي لا تحمل , والناشط الفحل الذي ينشط من أرض إلى أرض والراشح الذي يحرث الأرض. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ... .﴾ الآية. اختلف في النخلة. على أربعة أقاويل:
стр. 2206
أحدها: كانت برنية. الثاني: صرفاتة , قاله أبو داود. الثالث: قريناً. الرابع: عجوة , قاله مجاهد. وفي ﴿الجَنِي﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: المترطب البسر , قاله مقاتل. الثاني: البلح لم يتغير , قاله أبو عمرو بن العلاء. الثالث: أنه الطري بغباره. وقيل لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء فجعله الله آية. قال مقاتل فاخضرت وهي تنظر ثم حملت وهي تنظر ثم نضجت وهي تنظر. قوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾ يعني من الرطب الجني. ﴿وَاشْرَبِي﴾ يعني من السريّ. ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ يعني بالولد , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: جاء يقر عينك سروراً , قاله الأصمعي , لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. الثاني: طيبي نفساً , قاله الكلبي. الثالث: تسكن عينك ولذلك قيل ما شيء خير للنفساء من الرطب والتمر. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ يعني إما للإِنكار عليك وإما للسؤال لك. ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني صمتاً , وقد قرىء في بعض الحروف: ﴿لِلرَّحَمْنِ صَمْتاً﴾ وهذا تأويل ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك. الثاني: صوماً عن الطعام والشراب والكلام، قاله قتادة.
стр. 2207
﴿فَلَنْ أُكَلَّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها امتنعت من الكلام ليتكلم عنها ولدها فيكون فيه براءة ساحتها , قاله ابن مسعود ووهب بن منبه وابن زيد. الثاني: أنه كان من صام في ذلك الزمان لم يكلم الناس , فأذن لها في المقدار من الكلام قاله السدي.
стр. 2208
﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... شَيْئاً فَرِيّاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه القبيح من الإفتراء , قاله الكلبي. الثاني: أنه العمل العجيب , قاله الأخفش. الثالث: العظيم من الأمر , قاله مجاهد , وقتادة , والسدي. الرابع: أنه المتصنع مأخوذ من الفرية وهو الكذب , قاله اليزيدي. الخامس: أنه الباطل. قوله تعالى: ﴿يَآ أُخْتَ هَارُونَ ... ﴾ وفي هذا الذي نسبت إليه أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح , قاله مجاهد وكعب , والمغيرة بن شعبة يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2209
الثاني: أنه هارون أخو موسى فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان , قاله السدي. الثالث: أنه كان أخاها لأبيها وأمها , قاله الضحاك. الرابع: أنه كان رجلاً فاسقاً معلناً بالفسق ونسبت إليه , قاله ابن جبير. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ أي زانية. وسميت الزانية بغياً لأنها تبغي الزنا أي تطلبه. قوله تعالى: ﴿فَأشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أشارت إلى الله فلم يفهموا إشارتها , قاله عطاء. الثاني: أنها أشارت إلى عيسى وهو الأظهر , إما عن وحي الله إليها , وإما لثقتها بنفسها في أن الله تعالى سيظهر براءتها , فأشارت إلى الله إليها , فأشارت إلى عيسى أن كلموه فاحتمل وجهين: أحدهما: أنها أحالت الجواب عليه استكفاء. الثاني: أنها عدلت إليه ليكون كلامه لها برهاناً ببراءتها. ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ وفي ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضع وجهان: أحدهما: أنها بمعنى يكون تقديره من يكون في المهد صبياً قاله ابن الأنباري. الثاني: أنها صلة زائدة وتقديره من هو في المهد , قاله ابن قتيبة. وفي ﴿الْمَهْدِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه سرير الصبي المعهود لمنامه.
стр. 2210
الثاني: إنه حجرها الذي تربيه فيه , قاله قتادة. وقيل إنهم غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أعظم من زناها , قاله السدي. فلما تكلم قالوا: إن هذا لأمر عظيم. ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وإنما قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من ادعى فيه الربوبية وكان الله هو الذي أنطقه بذلك لعلمه بما يتقوله الغالون فيه. ﴿ءَآتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي سيؤتيني الكتاب. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وسيجعلني نبياً , والكلام في المهد من مقدمات نبوته. الثاني: أنه كان في حال كلامه لهم في المهد نبياً كامل العقل ولذلك كانت له هذه المعجزة , قاله الحسن. وقال الضحاك: تكلم وهو ابن أربعين. [يوماً]. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: نبياً , قاله مجاهد. الثاني: آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. الثالث: معلماً للخير , قاله سفيان. الرابع: عارفاً بالله وداعياً إليه. ﴿وأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾ فيها وجهان: أحدهما: الدعاء والإِخلاص. الثاني: الصلوات ذات الركوع والسجود. ويحتمل ثالثاً: أن الصلاة الإِستقامة مأخوذ من صلاة العود إذا قوّم اعوجاجه بالنار. ﴿وَالزَّكَاة. .﴾ فيها وجهان: أحدهما: زكاة المال. الثاني: التطهير من الذنوب.
следующие страницы →