Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون﴾ قوله : ﴿قُلْ مَن يَكْلُؤُكُم ... ﴾ الآية. أي يحفظكم , قال ابن هرمة:
(إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها)
ومخرج اللفظ مخرج الاستفهام , والمراد به النفي , تقديره: قل لا حافظ لكم بالليل والنهار من الرحمن. قوله تعالى: ﴿. . وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يجارون , قاله ابن عباس , من قولهم: إن لك من فلان صاحباً، أي مجيراً، قال الشاعر:
(ينادي بأعلى صوته متعوذاً ... ليصحب منها والرماح دواني)
الثاني: يحفظون، قاله مجاهد.
стр. 2347
الثالث: ينصرون، وهو مأثور. الرابع: ولا يصحبون من الله بخير، قاله قتادة.
стр. 2348
﴿بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ قوله تعالى: ﴿نأَتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: ننقصها من أطرافها عند الظهور عليها أرضاً بعد أرض وفتحها بلداً بعد بلد , قاله الحسن. الثاني: بنقصان أهلها وقلة بركتها , قاله ابن أبي طلحة. الثالث: بالقتل والسبي , حكاه الكلبي. الرابع: بموت فقهائها وعلمائها , قاله عطاء , والضحاك. ويحتمل خامساً: بجور ولاتها وأمرائها.
стр. 2349
﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون﴾
стр. 2350
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: التوراة التي فرق فيها بين الحق والباطل , قاله مجاهد , وقتادة. الثاني: هو البرهان الذي فرق بين حق موسى وباطل فرعون , قاله ابن زيد. الثالث: هو النصر والنجاة فنصر موسى وأشياعه , وأهلك فرعون وأتباعه قال الكلبي.
стр. 2351
﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: رشْده: النبوة , حكاه ابن عيسى. الثاني: هو أن هداه صغيراً , قاله مجاهد , وقتادة. ﴿مِن قَبْلُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من قبل أن يرسل نبياً. الثاني: من قبل موسى وهارون. ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عالمين أنه أهل لإِيتاء الرشد. الثاني: أنه يصلح للنبوة.
стр. 2352
﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه
стр. 2353
لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً﴾ قراءة الجمهور بضم الجيم , وقرأ الكسائي وحده بكسرها , وفيه وجهان: أحدهما: حُطاماً , قاله ابن عباس , وهو تأويل من قرأ بالضم. الثاني: قِطعاً مقطوعة , قال الضحاك: هو أن يأخذ من كل عضوين عضواً ويترك عضواً وهذا تأويل من قرأ بالكسر , مأخوذ من الجذ وهو القطع , قال الشاعر:
(جَّذذ الأصنام في محرابها ... ذاك في الله العلي المقتدر)
﴿قَالُواْ فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي بمرأى من الناس. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يشهدون عقابه , قاله ابن عباس. الثاني: يشهدون عليه بما فعل , لأنهم كرهواْ أن يعاقبوه بغير بينة , قاله الحسن , وقتادة , والسدي. الثالث: يشهدون بما يقول من حجة , وما يقال له من جواب , قاله ابن كامل. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ الآية. فيه وجهان: أحدهما: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم , فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطاً بنطقهم تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم.
стр. 2354
الثاني: أن هذا القول من إبراهيم سؤال إلزام خرج مخرج الخبر وليس بخبر , ومعناه: أن من اعتقد أن هذه آلهة لزمه سؤالها , فلعله فعله [كبيرهم] فيجيبه إن كان إلهاً ناطقاً. ﴿إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ﴾ أي يخبرون , كما قال الأحوص:
(ما الشعر إلا خطبةٌ من مؤلفٍ ... لمنطق حق أو لمنطق باطل)
стр. 2355
﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن رجع بعضهم إلى بعض. الثاني: أن رجع كل واحد منهم إلى نفسه متفكراً فيما قاله إبراهيم , فحاروا عما أراده من الجواب فأنطقهم الله تعالى الحق ﴿فَقَالُواْ: إِنَّكم أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني في سؤاله , لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها , ولو صحبهم التوفيق لآمنوا هذا الجواب لظهور الحق فيه على ألسنتهم. ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءوسِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أنها رجعوا إلى شِركهم بعد اعترافهم بالحق. الثاني: يعني أنهم رجعواْ إلى احتجاجهم على إبراهيم بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلآءِ يَنطِقُونَ﴾. الثالث: أنهم نكسواْ على رؤوسهم واحتمل ذلك منهم واحداً من أمرين: إما انكساراً بانقطاع حجتهم , وإما فكراً في جوابهم فأنطقهم الله بعد ذلك بالحجة إذعاناً لها وإقراراً بها , بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلآءِ يَنطِقُونَ﴾ فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة.
стр. 2356
﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُواْءَالِهَتَكُمْ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ وفي الذي أشارعليهم بذلك قولان: أحدهما: أنه رجل من أعراب فارس يعني أكراد فارس , قاله ابن عمر , ومجاهد. وابن جريج. الثاني: أنه هيزون فخسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل إن إبراهيم حين أوثق ليلقى في النار فقال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين , لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وقال عبد الله بن عمر: كانت كلمة إبراهيم حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. قال قتادة: فما أحرقت النار منه إلا وثاقه. قال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة. وقال كعب: لم يبق في الأرض يومئذ إلا من يطفىء عن إبراهيم النار , إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه , فلذلك أمر النبي ﷺ بقتلها. قال الكلبي: بنواْ له أتوناً ألقوه فيه , وأوقدوا عليه النار سبعة أيام , ثم أطبقوه عليه وفتحوه من الغد , فإذا هو عرق أبيض لم يحترق , وبردت نار الأرض فما أنضجت يومئذ كراعاً.
стр. 2357
قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ جعل الله فيها برداً يدفع حرها , وحراً يدفع بردها , فصارت سلاماً عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل (سلاماً) لكان بردها أشد عليه من حرها , ولو لم يقل (على إبراهيم) لكان بردها باقيا على الأبد.
стр. 2358
﴿ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين﴾ قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً﴾ قيل إن لوط كان ابن أخي إبراهيم فآمن به , قال تعالى: ﴿فَأَمَنَ لَهُ لُوطُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] فلذلك نجاهما الله. ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [فيه] ثلاثة أقاويل: أحدها: من أرض العراق إلى أرض الشام قاله قتادة , وابن جريج. الثاني: إلى أرض بيت المقدس , قاله أبو العوام. الثالث: إلى مكة , قاله ابن عباس. وفي بركتها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن منها بعث الله أكثر الأنبياء. الثاني: لكثرة خصبها ونمو نباتها. الثالث: عذوبة مائها وتفرقه في الأرض منها. قال أبو العالية: ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس , ثم يتفرق في الأرض. قال كعب الأحبار , والذي نفسي بيده إن العين التي بدارين لتخرج من تحت هذه الصخرة , يعني عيناً في البحر.
стр. 2359
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن النافلة الغنيمة , قال لبيد:
٨٩ (لله نافلة الأفضل.﴾ ٩
الثاني: أن النافلة الابن , حكاه السدي. الثالث: أنها الزيادة في العطاء. وفيما هو زيادة قولان: أحدهما: أن يعقوب هو النافلة , لأنه دعا بالولد فزاده الله ولد الولد , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أن إسحاق ويعقوب هما جميعاً نافلة , لأنهما زيادة على ما تقدم من النعمة عليه , قاله مجاهد , وعطاء. قوله وجل: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه القضاء بالحق بين الخصوم قاله ابن عيسى. الثاني: النبوة , قاله ... ... . . ﴿عِلْمَاً﴾ يعني فهماً. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيةِ الَّتي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَآئِثَ﴾ وهي قرية سدوم. وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللواط. الثاني: الضراط ﴿ونجيناه﴾ قيل من قلب المدائن ورمي الحجارة.
стр. 2360
﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين﴾
стр. 2361
قوله تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ يعني إذ دعانا على قومه من قبل إبراهيم. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ ويحتمل وجهاً آخر إذ نجيناه من أذية قومه حين أغرقهم الله. ويحتمل ثالثاً: نجاته من مشاهدة المعاصي في الأرض بعد أن طهرها الله بالعذاب. ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: نصرناه عليهم بإجابة دعائه فيهم. الثاني: معناه خلصناه منهم بسلامته دونهم.
стр. 2362
﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين﴾ قوله : ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكَمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ فيه قولان: أحدها: أنه كان زرعاً وقعت فيه الغنم ليلاً , قاله قتادة. الثاني: كان كرماً نبتت عناقيده , قاله ابن مسعود , وشريح. ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال قتادة: النفش رعي الليل , والهمل: رعي النهار , قال الشاعر:
(متعلقة بأفناء البيوت ... ناقشاً في عشا التراب)
стр. 2363
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وفي حكمهما قولان: أحدهما: أنه كان متفقاً لم يختلفا فيه , لأن الله حين أثنى عليهم دل على اتقافهما في الصواب ويحتمل قوله ﵎: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ على أنه فضيلة له على داود لأنه أوتي الحكم في صغره , وأوتي داود الحكم في كبره , وإن اتفقا عليه ولم يختلفا فيه لأن الأنبياء معصومون من الغلط والخطأ لئلا يقع الشك في أمورهم وأحكامهم , وهذا قول شاذ من المتكلمين. والقول الثاني: وهو قول الجمهور من العلماء والمفسرين أن حكمهما كان مختلفاً أصاب فيه سليمان , واخطأ داود , فأما حكم سليمان فإنه قضى لصاحب الحرث , وأما حكم سليمان فإنه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها , ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليأخذ بعمارته , فإذا عاد في السنة ابن مسعود , ومجاهد. فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به , فقال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فجعل الحق معه وفي حكمه , ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم. لكن لا يقرون عليه وإن أقر عليه غيرهم , ليعود الله بالحقائق لهم دون خلقه , ولذلك تسمى بالحق وتميز به عن الخلق. واختلف القائلون بهذا في حمله على العموم في جميع الأنبياء على قولين: أحدهما: أن نبينا محمداً ﷺ مخصوص منهم بجواز الخطأ عليهم دونه قاله أبو علي بن أبي هريرة ﵁ , وفرق بينه وبين غيره من جميع الأنبياء , لأنه خاتم الأنبياء فلم يكن بعده من يستدرك غلطه , ولذلك عصمه الله منه , وقد بعث بعد غيره من الأنبياء مَنْ يستدرك غلطه. والقول الثاني: أنه على العموم في جميع الأنبياء , وأن نبينا وغيره من الأنبياء في تجويز الخطأ على سواء , إلا أنهم لا يقرون على إمضائه , فلم يعتبر فيه استدراك مَنْ بعدهم من الأنبياء , فهذا رسول الله ﷺ قد سألته امرأة عن العدة،
стр. 2364
فقال لها: (اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ) ثم قال: (يَا سُبْحَانَ اللَّهِ , امْكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ) وقال رجل: أرأيتَ إن قُتِلتُ صابراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال: (لَا) , ثم دعاه فقال: (إِلَاّ الدَّينُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ). ولا يوجد منه إلاّ ما جاز عليه. ثم قال تعال: ﴿وَكُلاًّءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا , ولكنه أثنى على سليمان على صوابه وعذر داود باجتهاده. فإن قيل: فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإِطلاق وكان ذلك منه على طريق الفتيا فذكره لهم ليلزمهم إياه , فلما ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه. الثاني: أنه يجوز أن يكون الله أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك , ولأجل النص الوارد بالوحي رأى أن ينقض اجتهاده , لأن على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد إذا خالف نصاً. على أن العلماء قد اختلفوا في الأنبياء , هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام؟ فقالت طائفة يجوز لهم الاجتهاد لأمرين: أحدهما: أن الاجتهاد في الاجتهاد فضيلة , فلم يجز أن يحرمها الأنبياء.
стр. 2365
الثاني: أن الاجتهاد أقوى فكان أحبها , وهم [في] التزام الحكم به أولى , وهذا قول من جوز من الأنبياء وجود الغلط. وقال الآخرون: لا يجوز للأنبياء أن يجتهدوا في الأحكام , لأن الاجتهاد إنما يلجأ إليه الحاكم لعدم النص , والأنبياء لا يعدمون النص لنزول الوحي عليهم , فلم يكن لهم الإجتهاد وهذا قول من قال بعصمة الأنبياء من الغلط والخطأ فأما ما استقر عليه شرعنا فيما أفسدته البهائم من الزرع فقد روى سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً وأفسدته , فقضى النبي ﷺ على أهل المواشي بحفظ مواشيهم ليلاً , وعلى أهل الحوائط بحفظ حوائطهم نهاراً , فصار ما أفسدته البهائم بالليل مضموناً , وما أفسدته نهاراً غير مضمون لأن حفظها شاق على أربابها , ولا يشق عليهم حفظها نهاراً , فصار الحفظ في الليل واجباً على أرباب المواشي فضمنوا ما أفسدته مواشيهم , والحفظ في النهار واجباً على أرباب الزروع , فلم يحكم لهم - مع تقصيرهم - بضمان زرعهم , وهذا من أصح قضاء وأعدل حكم , رفقاً بالفريقين , وتسهيلاً على الطائفتين , فليس ينافي هذا ما حكم داود [به] وسليمان ﵉ من أصل الضمان , لأنهما حكما به في رعي الليل , وإنما يخالف من صفته , فإن الزرع في شرعنا مضمون لأنهما حكما بنقصانه من زائد وناقص , ولا تعرض للبهائم المفسدة إذا وصل الضمان إلى المستحق. ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أتى كل واحد منهما من الحكم والعلم مثل ما آتى الآخر وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان: أحدهما: أن الحكم القضاء , والعلم الفتيا. الثاني: أن الحكم الاجتهاد , والعلم النص.
стр. 2366
قوله : ﴿وَسَخَّرْنَا مََعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ذللنا. الثاني: ألهمنا. ﴿يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ وفي تسبيحها ثلاثة أوجه: أحدها: أن سيرها معه هو تسبيحها , قاله ابن عيسى , والتسبيح مأخوذ من السباحة. الثاني: أنها صلواتها معه , قاله قتادة. الثالث: أنه تسبيح مسموع كان يفهمه , وهذا قول يحيى بن سلام. قوله : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ... ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اللبوس الدرع الملبوس , قاله قتادة. الثاني: أن جيمع السلاح لبوس عند العرب. ﴿لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من سلاحكم , قاله ابن عباس. الثاني: حرب أعدائكم , قاله الضحاك. قوله : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ معناه وسخرنا لسليمان الريح , والعصوف شدة حركتها والعصف التبن , فسمي به شدة الريح لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي أرض الشام , وفي بركتها ثلاثة أقاويل: أحدها: بمن بعث فيها من الأنبياء. الثاني: أن مياه أنهار الأرض تجري منها. الثالث: بما أودعها الله من الخيرات , قاله قتادة: ما نقص من الأرض زيد في أرض الشام , وما نقص من الشام زيد في فلسطين , وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر.
стр. 2367
وكانت الريح تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء. قال مقاتل: وسليمان أول من استخرج اللؤلؤ بغوص الشياطين.
стр. 2368
﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ الآية. حكى الحسن البصري: أن أيوب آتاه الله مالاً وولداً فهلك ماله , ومات أولاده , فقال: ربِّ قد أَحْسَنْتَ إِليَّ الإِحسانَ كُلَّه , كنتُ قبل اليوم شَغَلَنِي حُبُّ المالِ بالنهارِ , وشَغَلَنِي حُبُّ الولدِ بالليلِ , فالآن أُفَرِغُ لك سمعي وبصري وليلي ونهاري بالحمد والذكر فلم ينفذ لإِبليس فيه مكر , ولا قدر له على فتنة , فَبُلِي في بَدَنِهِ حتى قرح وسعى فيه الدود , واشتد به البلاء حتى طرح على مزبلة بني إسرائيل , ولم يبق أحد يدنو منه غير زوجته صبرت معه , تتصدق وتطعمه , وقد كان آمن به ثلاثة من قومه , رفضوا عند بلائه , وأيوب يزداد حمداً لله وذكراً , وإبليس يجتهد في افتتانه فلا يصل إليه حتى شاور أصحابه , فقالوا: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته , فقالوا شأنك أيوب من قبل امرأته قال: أصبتم فأتاها فذكر لها ضر أيوب بعد جماله وماله وولده , فصرخت , فطمع عدو الله فيها , فأتاها بسخلة , فقال ليذبح أيوب هذه السخلة لي ويبرأ , فجاءت إلى أيوب فصرخت وقالت يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ولا يرحمك؟ أين المال؟ أين الولد؟ أين لونك الحسن؟ قد بلى , وقد تردد الدواب , اذبح هذه السخلة واسترح. قال لها أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبتيه؟ أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والشباب والصحة من أعطانيه؟ فقالت الله , قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة , قال: منذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟
стр. 2369
فقالت: منذ سبع سنين وأشهر قال: ويلك والله ما أنصفت ربك , ألا صبرت حتى نكون في هذا البلاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة , ثم طردها وقال: ما تأتيني به عليَّ حرام إن أكلته , فيئس إبليس من فتنته. ثم بقي أيوب وحيداً فخر ساجداً وقال: ربِّ , ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وفيه خمسة أوجه: أحدها: أن الضر المرض , قاله قتادة. الثاني: أنه البلاء الذي في جسده , قاله السدّي , حتى قيل إن الدودة كانت تقع من جسده فيردها في مكانها ويقول: كلي مما رزقك الله. الثالث: أنه الشيطان كما قال في موضع آخر ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بنُصُبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] قاله الحسن. الرابع: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض , فقال: مسني الضر , إخباراً عن حاله , لا شكوى لبلائه , رواه أنس مرفوعاً.
стр. 2370
الخامس: أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوماً فخاف هجران ربه , فقال: مسني الضر , وهذا قول جعفر الصادق ﵀. وفي مخرج قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أربعة أوجه: أحدها: أنه خارج مخرج الاستفهام , وتقديره أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين. الثاني: أنت أرحم بي أن يمسني الضر. الثالث: أنه قال [ذلك] استقالة من ذنبه ورغبة إلى ربه. الرابع: أنه شكا ضعفه وضره استعطافاً لرحمته , فكشف بلاءه فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ [ص: ٤٢] فركض برجله فنبعت عين , فاغتسل منها وشرب فذهب باطن دائه وعاد إليه شبابه وجماله , وقام صحيحاً , وضاعف الله له ما كان من أهل ومال وولده. ثم إن امرأته قالت: إن طردني فإلى من أكلِه؟ فَرَجَعَتْ فلم تَرَهُ , فجعلت
стр. 2371
تطوف وتبكي , وأيوب يراها وتراه فلا تعرفه فلما سألته عنه وكلمته فعرفته , ثم إن الله رحمها لصبرها معه على البلاء , فأمره أن يضربها بضِغث ليبّر في يمينه , قاله ابن عباس. وكانت امرأته ماخيرا بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾. قال ابن مسعود: رد الله إليه أهله الذين أهلكهم بأعيانهم , وأعطاه مثلهم معهم. قال الفراء كان لأيوب سبع بنين وسبع بنات فماتواْ في بلائه , فلما كشف الله ضره رَدّ عليه بنيه وبناته وولد له بعد ذلك مثلهم , قال الحسن: وكانوا ماتوا قبل آجالهم فأحياهم الله فوفاهم آجالهم , وأن الله أبقاه حتى أعطاهم من نسلهم مثلهم.
стр. 2372
﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾ قوله تعالى: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن نبياً وكان عبداً صالحاً كُفِلَ لنبي قيل إنه اليسع بصيام النهار وقيام الليل , وألا يغضب , ويقضي بالحق , فوفى به فأثنى الله عليه , قاله أبو موسى , ومجاهد , وقتادة. الثاني: أنه كان نبياً كفل بأمر فوفى به , قاله الحسن. وفي تسميته بذي الكفل ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان ... .
стр. 2373
الثاني: لأنه كفل بأمر فوفى به. الثالث: لأن ثوابه ضعف ثواب غيره ممن كان في زمانه.
стр. 2374
﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ وهو يونس بن متى , سمي بذلك لأنه صاحب الحوت , كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] والحوت النون , نسب إليه لأنه ابتلعه , ومنه قول الشاعر:
(يا جيد القصر نِعم القصر والوادي ... وجيداً أهله من حاضر بادي)
(توفي قراقره والوحش راتعه ... والضب والنون والملاح والحادي)
يعني أنه يجتمع فيه صيد البر والبحر , وأهل المال والظهر , وأهل البدو والحضر. ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني مراغماً للملك وكان اسمه حزقيا ولم يكن به بأس , حكاه النقاش. الثاني: مغاضباً لقومه , قاله الحسن. الثالث: مغاضباً لربه , قاله الشعبي , ومغاضبته ليست مراغمة , لأن مراغمة الله كفر لا تجوز على الأنبياء , وإنما هي خروجه بغير إذن , فكانت هي معصيته. وفي سبب ذهابه لقومه وجهان:
стр. 2375
أحدهما: أنه كان في خُلُقِه ضيق , فلما حملت عليه أثقال النبوة ضاق ذرعه بها ولم يصبر لها , وكذلك قال الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل﴾ [الأحقاف: ٣٥] قاله وهب. الثاني: أنه كان من عادة قومه أن من كذب قتلوه , ولم يجربواْ عليه كذباً , فلما أخبرهم أن العذاب يحل بهم ورفعه الله عنهم , قال لا أرجع إليهم كذّاباً , وخاف أن يقتلوه فخرج هارباً. ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: فظن أن لن نضيق طرقه , ومنه قوله: ﴿وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيق عليه , قاله ابن عباس. الثاني: فظن أن لن نعاقبه بما صنع , قاله قتادة , ومجاهد. الثالث: فظن أن لن نحكم عليه بما حكمنا , حكاه ابن شجرة , قال الفراء: معناه لن نُقِدرَ عليه من العقوبة ما قَدَّرْنَا , مأخوذ من القدر , وهو الحكم دون القدرة , وقرأ ابن عباس: نقدّر بالتشديد , وهو معنى ما ذكره الفراء , ولا يجوز أن يكون محمولاً على العجز عن القدرة عليه لأنه كفر. الرابع: أنه على معنى استفهام , تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه , فحذف ألف الاستفهام إيجازاً , قاله سليمان بن المعتمر. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة جوف الحوت , قاله ابن عباس , وقتادة. الثاني: وقتادة. الثاني: أنها ظلمة الحوت في بطن الحوت , قاله سالم بن أبي الجعد. ويحتمل ثالثاً: أنها ظلمة الخطيئة , وظلمة الشدة , وظلمة الوحدة.
стр. 2376
﴿أَن لَاّ إِلهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني لنفسي في الخروج من غير أن تأذن لي , ولم يكن ذلك عقوبة من الله , لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا , وإنما كان تأديباً , وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ وفي استجابة الدعاء قولان: أحدهما: أنه ثواب من الله للداعي ولا يجوز أن يكون غير ثواب. والثاني: أنه استصلاح فربما كان ثواباً وربما كان غير ثواب. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الغم بخطيئته. الثاني: من بطن الحوت لأن الغم التغطية. وقيل: إن الله أوحى إلى الحوت ألاّ تكسر له عظماً , ولا تخدش له جلداً. وحينما صار في بطنه: قال يا رب اتخذتَ لي مسجداً في مواضع ما اتخذها أحد. وفي مدة لبثه في بطن الحوت ثلاثة أقاويل: أحدها: أربعون يوماً. الثاني: ثلاثة أيام. الثالث: من ارتفاع النهار إلى آخره. قال الشعبي: أربع ساعات , ثم فتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس , فقال: سبحانك إني كنت من الظالمين , فلفظه الحوت.
стр. 2377
﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 2378
أحدها: خلياًمن عصمتك , قاله ابن عطاء. الثاني: عادلاً عن طاعتك. الثالث: وهو قول الجمهور يعني وحيداً بغير ولد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الَْوَارِثينَ﴾ أي خير من يرث العباد من الأهل والأولاد , ليجعل رغبته إلى الله في الولد والأهل لا بالمال , ولكن ليكون صالحاً , وفي النبوة تالياً. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهْبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها كانت عاقراً فَجُعَِلَتْ ولوداً. قال الكلبي: وَلَدَتْ له وهو ابن بضع وسبعين سنة. والثاني: أنها كانت في لسانها طول فرزقها حُسْنَ الخَلْقِ , وهذا قول عطاء , وابن كامل. ﴿ ... يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي يبادرون في الأعمال الصالحة , يعني زكريا , وامرأته , ويحيى. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: رغباً في ثوابنا ورهباً من عذابنا. الثاني: رغباً في الطاعات ورهباً من المعاصي. والثالث: رغباً ببطون الأكف ورهباً بظهور الأكف. والرابع: يعني طمعاً وخوفاً. ويحتمل وجهاً خامساً: رغباً فيما يسعون من خير , ورهباً مما يستدفعون من شر. ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني متواضعين , وهذا قول ابن عباس.
стр. 2379
والثاني: راغبين راهبين , وهو قول الضحاك. والثالث: أنه وضع اليمنى على اليسرى , والنظر إلى موضع السجود في الصلاة.
стр. 2380
﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ قوله : ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ فيه وجهان: أحدها: عفّت فامتنعت عن الفاحشة. والثاني: أن المراد بالفَرْج فَرْجُ درعها منعت منه جبريل قبل أن تعلم أنه رسول. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنفخ , فأضاف الروح إليه تشريفاً له , وقيل بل أمر جبريل فحلّ جيب ردعها بأصابعه ثم نفخ فيه فحملت من وقتها. ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَاءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ لأنها حملت من غير مسيس , ووُلد عيسى من غير ذَكَرٍ , مع كلامه في المهد , ثم شهادته ببراءتها من الفاحشة , فكانت هذه هي الآية , قال الضحاك: ولدته في يوم عاشوراء.
стр. 2381
﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون﴾ قوله : ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً﴾ معناه أن دينكم دين واحد، وهذا قول ابن عباس , وقتادة. ويحتمل عندي وجهين آخرين: أحدهما: أنكم خلق واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد.
стр. 2382
والثاني: أنكم أهل عصر واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ فأوصى ألا يعبد سواه. ﴿وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اختلفوا في الدين، قاله الأخفش. الثاني: تفرقوا، قاله الكلبي.
стр. 2383
﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين﴾ قوله : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة , وهو قول عكرمة. الثاني: وحرام على قرية أهلكناها بالعذاب أنهم لا يرجعون إلى الدنيا , وهذا قول الحسن , وقرأ أبن عباس: وحَرُم على قرية , وتأويلها ما قاله سفيان: وجب على قرية أهلكناها. [أنهم لا يرجعون قال: لا يتوبون]. قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي فتح السد , وهو من أشراط الساعة , وروى أبو هريرة عن زينب بنت جحش قالت: كان رسول
стр. 2384
الله ﷺ نائماً في بيته , فاستيقظ محمرة عيناه , فقال: (لَا إِله إِلَاّ اللَّهَ ثَلَاثاً , وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍ قَدِ اقْتَرَبَ , فُتِحَ اليَومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ مِثْلَ هذَا) وأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عِقْدِ التِّسْعِينَ. ويأجوج ومأجوج قيل إنهما أخوان , وهما ولدا يافث بن نوح , وفي اشتقاق اسميهما قولان: أحدهما: أنه مشتق من أَجّت النار. والثاني: من الماء الأُجاج. وقيل إنهم يزيدون على الإِنس الضعف. ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ وفي حدب الأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه فجاجها وأطرافها , قاله ابن عباس. والثاني: حولها. الثالث: تلاعها وآكامها , مأخوذ من حدبة الظهر , قال عنترة:
(فما رعشت يداي ولا ازْدَهاني ... تواترهم إليَّ من الحِداب)
وفي قوله: ﴿يَنسِلُونَ﴾ وجهان: أحدها: معناه يخرجون , ومنه قول امرىء القيس:
٨٩ (فسلي ثيابي من ثيابك تنسلِ﴾ ٩
والثاني: معناه يسرعون , ومنه قول الشاعر:
(عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل)
стр. 2385
وفي الذي هم من كل حدب ينسلون قولان: أحدهما: هم يأجوج ومأجوج , وهذا قول ابن مسعود. الثاني: أنهم الناس يحشرون إلى الموقف.
следующие страницы →