Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون﴾ قوله : ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً﴾ معناه أن دينكم دين واحد، وهذا قول ابن عباس , وقتادة. ويحتمل عندي وجهين آخرين: أحدهما: أنكم خلق واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد.
стр. 2382
والثاني: أنكم أهل عصر واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ فأوصى ألا يعبد سواه. ﴿وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اختلفوا في الدين، قاله الأخفش. الثاني: تفرقوا، قاله الكلبي.
стр. 2383
﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين﴾ قوله : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة , وهو قول عكرمة. الثاني: وحرام على قرية أهلكناها بالعذاب أنهم لا يرجعون إلى الدنيا , وهذا قول الحسن , وقرأ أبن عباس: وحَرُم على قرية , وتأويلها ما قاله سفيان: وجب على قرية أهلكناها. [أنهم لا يرجعون قال: لا يتوبون]. قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي فتح السد , وهو من أشراط الساعة , وروى أبو هريرة عن زينب بنت جحش قالت: كان رسول
стр. 2384
الله ﷺ نائماً في بيته , فاستيقظ محمرة عيناه , فقال: (لَا إِله إِلَاّ اللَّهَ ثَلَاثاً , وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍ قَدِ اقْتَرَبَ , فُتِحَ اليَومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ مِثْلَ هذَا) وأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عِقْدِ التِّسْعِينَ. ويأجوج ومأجوج قيل إنهما أخوان , وهما ولدا يافث بن نوح , وفي اشتقاق اسميهما قولان: أحدهما: أنه مشتق من أَجّت النار. والثاني: من الماء الأُجاج. وقيل إنهم يزيدون على الإِنس الضعف. ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ وفي حدب الأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه فجاجها وأطرافها , قاله ابن عباس. والثاني: حولها. الثالث: تلاعها وآكامها , مأخوذ من حدبة الظهر , قال عنترة:
(فما رعشت يداي ولا ازْدَهاني ... تواترهم إليَّ من الحِداب)
وفي قوله: ﴿يَنسِلُونَ﴾ وجهان: أحدها: معناه يخرجون , ومنه قول امرىء القيس:
٨٩ (فسلي ثيابي من ثيابك تنسلِ﴾ ٩
والثاني: معناه يسرعون , ومنه قول الشاعر:
(عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل)
стр. 2385
وفي الذي هم من كل حدب ينسلون قولان: أحدهما: هم يأجوج ومأجوج , وهذا قول ابن مسعود. الثاني: أنهم الناس يحشرون إلى الموقف.
стр. 2386
﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وقود جهنم , وهو قول بن عباس. الثاني: معناه حطب جهنم , وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة: حطب جهنم. الثالث: أنهم يُرمَون فيها كما يُرْمَى بالحصباء , حتى كأن جهنم تحصب بهم , وهذا قول الضحاك , ومنه قول الفرزدق:
(مستقبلين شمال الشام يضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور)
يعني الثلج , وقرأ ابن عباس: حضب جهنم , بالضاد معجمة. قال الكسائي: حضبت النار بالضاد المعجمة إذا أججتها فألقيت فيها ما يشعلها من الحطب. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ فيها ثلاثة تأويلات:
стр. 2387
أحدها: أنها الطاعة لله تعالى: حكاه ابن عيسى. والثاني: السعادة من الله , وهذا قول ابن زيد. والثالث: الجنة , وهو قول السدي. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أنها التوبة. ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ يعني عن جهنم. وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم عيسى والعزير والملائكة الذين عُبِدوا من دون الله وهم كارهون وهذا قول مجاهد. الثاني: أنهم عثمان وطلحة والزبير , رواه النعمان بن بشيرعن علي بن أبي طالب. الثالث: أنها عامة في كل من سبقت له من الله الحسنى. وسبب نزول هذه الآية ما حكي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دَونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون: فالمسيح والعزير والملائكة قد عُبِدُوا , فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مَّنَّا الْحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ يعني عن جهنم , ويكون قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ محمولاً على من عذبه ربه. قوله : ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الفزع الأكبر النفخة الأخيرة , وهذا قول الحسن. والثاني: أنه ذبْحُ الموتِ , حكاه ابن عباس. والثالث: حين تطبق جهنم على أهلها , وهذا قول ابن جريج. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أنه العرض في المحشر.
стр. 2388
﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾
стр. 2389
قوله : ﴿يَومَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة , وهذا قول مجاهد , وقتادة. الثاني: أنه الملك. الثالث: أنه كاتب يكتب بين يدي رسول الله ﷺ , وهذا قول ابن عباس.
стр. 2390
﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 2391
أحدها: أن الزبور الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه , والذكر أُمّ الكتاب الذي عنده في السماء , وهذا قول مجاهد. والثاني: أن الزبور من الكتب التي أنزلها الله تعالى على مَنْ بعد موسى من أنبيائه , وهذا قول الشعبي. ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها أرض الجنة يرثها أهل الطاعة , وهذا قول سعيد بن جبير , وابن زيد. والثاني: أنها الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل , وهذا قول الكلبي. والثالث: أنها أرض الدنيا , والذي يرثها أمة محمد ﷺ , وهذا قول ابن عباس. قوله : ﴿إِنَّ فِي هذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أما قوله ﴿إِنَّ فِي هذَا﴾ ففيه قولان: أحدهما: يعني في القرآن. والثاني: في هذه السورة. وفي قوله: ﴿لَبَلَاغاً لَّقُوْمٍ عَابِدِينَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه بلاغ إليهم يَكُفُّهُم عن المعصية ويبعثهم على الطاعة. الثاني: أنه بلاغ لهم يبلغهم إلى رضوان الله وجزيل ثوابه. وفي قوله: ﴿عَابِدِينَ﴾ وجهان: أحدهما: مطيعين. والثاني: عالمين. قوله : ﴿وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فيما أريد بهذه الرحمة وجهان: أحدهما: الهداية إلى طاعة الله واستحقاق ثوابه.
стр. 2392
الثاني: أنه ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال. وفي قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ وجهان: أحدهما: من آمن منهم , فيكون على الخصوص في المؤمنين إذا قيل إن الرحمة الهداية. الثاني: الجميع , فيكون على العموم في المؤمنين والكافرين إذا قيل إن الرحمة ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال.
стр. 2393
﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون﴾ قوله : ﴿فَإِن تَوَلَّواْ﴾ يعني أعرضوا , وفيه وجهان: أحدهما: عنك. والثاني: عن القرآن. ﴿فَقُلْءَاذَنْتَكُمْ عَلَى سَوآءٍ﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: على امر بَيِّنٍ سَوِي , وهذا قول السدي. والثاني: على مَهْل , وهذا قول قتادة. والثالث: على عدل , وهذا قول الفراء. والرابع: على بيان علانية غير سر , وهذا قول الكلبي. والخامس: على سَواءٍ في الإِعلام يظهر لبعضهم ميلاً عن بعض , وهذا قول علي بن عيسى. والسادس: استواء في الإِيمان به.
стр. 2394
والسابع: معناه أن من كفر به فهم سواء في قتالهم وجهادهم , وهذا قول الحسن. قوله : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لعل تأخير العذاب فتنة لكم. والثاني: لعل رفع عذاب الاستئصال فتنة لكم. وفي هذه الفتنة ثلاثة أوجه: أحدها: هلاك لكم. والثاني: محنة لكم. والثالث: إحسان لكم. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلى يوم القيامة , وهذا قول الحسن. والثاني: إلى الموت , وهذا قول قتادة. والثالث: إلى أن يأتي قضاء الله تعالى فيهم. قوله : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: عجّل الحكم بالحق. الثاني: معناه افصل بيننا وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع , وهذا معنى قول قتادة. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحَمنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: على ما تكذبون , قاله قتادة. والثاني: على ما تكتمون , قاله الكلبي. وقيل إن النبي ﷺ إذا شهد قتالاً قرأ هذه الآية. والله أعلم.
стр. 2395
سورة الحج
مدنية كلها، وقال ابن عباس إلا أربع آيات مكيات، من قوله سبحانه ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول﴾ إلى آخر الأربع. وحكى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها إلا آيتين من قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ وما بعدها، لأن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني و ﴿يا أيها الناس﴾ مكي. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 2396
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ قوله : ﴿يأيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ في زلزلتها قولان: أحدهما: أنها في الدنيا , وهي أشراط ظهورها , وآيات مجيئها. والثاني: أنها في القيامة. وفيها قولان: أحدهما: أنها نفخ الصور للبعث
стр. 2397
والثاني: أنها عند القضاء بين الخلق. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني زلزلة الساعة. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ وفيه أربعة أوجه: أحدها: تسلو كل مرضعة عن ولدها , قاله الأخفش. والثاني: تشتغل عنه , قاله قطرب , ومنه قول عبد الله بن رواحة:
(ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله)
والثالث: تلهو عنه , قاله الكلبي , ومنه قول امرىء القيس:
(أذاهِلٌ أنت عن سَلْماك لا برحت ... أم لست ناسيها ما حنّت النيبُ)
والرابع: تنساه , قاله اليزيدي , قال الشاعر:
(تطاولت الأيام حتى نسيتها ... كأنك عن يوم القيامة ذاهل)
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ قال الحسن: تذهل الأم عن ولدها لغير فطام , وتلقي الحامل ما في بطنها لغير تمام. ﴿وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ قال ابن جريج: هم سكارى من الخوف , وما هم بسكارى من الشراب.
стр. 2398
﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾ قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن يخاصم في الدين بالهوى , قاله سهل بن عبد الله. والثاني: أن يرد النص بالقياس , قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث.
стр. 2399
﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة
стр. 2400
ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُم فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ يعني آدم. ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ يعني ولده. ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ يعني أن النطفة تصير في الرحم علقة. ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ يعني أن العلقة تصير مضغة , وذلك مقدار ما يمضع من اللحم. ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغِيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فيه أربعه تأويلات: أحدها: أن المخلقة ما صار خلقاً , وغير مخلقة ما دفعته الأرحام من النطف فلم يصير خلقاً , وهو قول ابن مسعود. والثاني: معناه تامة الخلق وغير تامة الخلق , وهذا قول قتادة. والثالث: معناه مصورة وغير مصورة كالسقط , وهذا قول مجاهد. والرابع: يعني التام في شهوره , وغير التام , قاله الضحاك , قال الشاعر:
(أفي غير المخلقة البكاءُ ... فأين العزم ويحك والحَياءُ)
стр. 2401
﴿لِّنُبيِّنَ لَكُمْ﴾ يعني في القرآن بدء خلقكم وتنقل أحوالكم. ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلّى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ قال مجاهد: إلى التمام. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ وقد ذكرنا عدد الأشُدّ. ﴿وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفّى﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني قبل أن تبلغ إلى أرذل العمر. والثاني: قبل بلوغ الأَشُدّ. ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الهرم , وهو قول يحيى بن سلام. والثاني: إلى مثل حاله عند خروجه من بطن أمّه , حكاه النقاش. والثالث: ذهاب العقل , قاله اليزيدي. ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يستفيد علماً ما كان به عالماً. الثاني: لا يعقل بعد عقله الأول شيئاً. ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً: أنه لا يعمل بعد علمه شيئاً , فعبر عن العمل بالعلم [لافتقاره إليه لأن تأثير الكبر في العمل أبلغ من تأثيره في العلم]. ﴿وتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غبراء , وهذا قول قتادة. والثاني: يابسة لا تنبت شيئاً , وهذا قول ابن جريج. والثالث: أنها الدراسة , والهمود: الدروس , ومنه قول الأعشى:
(قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك باليات همَّدا)
﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ وفي ﴿اهْتَزَّتْ﴾ وجهان:
стр. 2402
أحدهما: معناه أنبتت , وهو قول الكلبي. والثاني: معناه اهتز نباتها واهتزازه شدة حركته , كما قال الشاعر:
(تثني إذا قامت وتهتز إن مشت ... كما اهتز غُصْن البان في ورق خضرِ)
﴿وَرَبَتْ﴾ وجهان: أحدهما: معناه أضعف نباتها. والثاني: معناه انتفخت لظهور نباتها , فعلى هذا الوجه يكون مقدماً ومؤخراً وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء رَبتْ واهتزت , وهذا قول الحسن وأبي عبيدة , وعلى الوجه الأول لا يكون فيه تقديم ولا تأخير. ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني من كل نوع , وهو قول ابن شجرة. والثاني: من كل لون لاختلاف ألوان النبات بالخضرة والحمرة والصفرة. ﴿بَهِيجٍ﴾ يعني حسن الصورة.
стр. 2403
﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ قوله : ﴿ ... ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لَاوِي عنقه إعراضاً عن الله ورسوله , وهذا قول مجاهد , وقتادة. الثاني: معناه لَاوِي عنقه كِبْرا عن الإِجابة , وهذا قول ابن عباس. قال المفضل: والعِطف الجانب , ومنه قولهم فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه. قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث. ﴿لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تكذيبه للرسول وإعراضه عن أقواله.
стр. 2404
والثاني: فإذا أراد أحد من قومه الدخول في الإسلام أحضره وأقامه وشرط له وعاتبه وقال: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد , حكاه الضحاك.
стр. 2405
﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير﴾ قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني على وشك وهو قول مجاهد , لكونه منحرفاً بين الإِيمان والكفر. والثاني: على شرط , وهو قول ابن كامل. والثالث: على ضعف في العبادة كالقيام على حرف , وهو قول علي بن عيسى. ويحتمل عندي تأويلاً رابعاً: أن حرف الشي بعضه , فكأنه يعبد الله بلسانه ويعصيه بقلبه. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وهذا قول الحسن. الثاني: أن ذلك نزل في بعض قبائل العرب وفيمن حول المدينة من أهل القرى , كانوا يقولون: نأتي محمداً فإن صادفنا خيراً اتبعناه , وإلا لحقنا بأهلنا , وهذا قول ابن جريج , فأنزل الله تعالى: ﴿فإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾. ويحتمل وجهين آخرين:
стр. 2406
أحدهما: اطمأن بالخير إلى إيمانه. الثاني: اطمأنت نفسه إلى مقامه. ﴿وَإِن أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة في نفسه أو ولده أو ماله. ﴿انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ يحتمل عندي وجهين: أحدهما: رجع عن دينه مرتداً. الثاني: رجع إلى قومه فزعاً. ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا والآخرة﴾ خسر الدنيا بفراقه , وخسر الآخرة بنفاقه. ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانِ الْمُبِينُ﴾ أي البيِّن لفساد عاجله وذَهَاب آجله. قوله : ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئسْ الْعَشِيرُ﴾ يعني الصنم , وفيه وجهان: أحدهما: أن المولى الناصر , والعشير الصاحب , وهذا قول ابن زيد. والثاني: المولى المعبود , والعشير الخليط , ومنه قيل للزوج عشير لخلطته مأخوذ من المعاشرة.
стр. 2407
﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد﴾ قوله : ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يرزقه الله , وهو قول مجاهد , والنصر الرزق , ومنه قول الأعشى.
стр. 2408
(أبوك الذي أجرى عليّ بنصره ... فأنصب عني بعده كل قابل)
والثالث: معناه أن لن يمطر أرضه , ومنه قول رؤبة:
(إني وأسطار سطران سطرا ... لقائل يا نصرَ نصرٍ نصرا)
إني عبيدة: يقال للأرض الممطرة أرض منصورة. ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ والنصر في الدنيا بالغلبة , وفي الآخرة بظهور الحجة. ويحتمل وجهاً آخر أن يكون النصر في الدنيا علو الكلمة , وفي الآخرة علو المنزلة. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: فليمدد بحبل إلى سماء الدنيا ليقطع الوحي عن محمد ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ أي يذهب الكيد منه ما يغيظه من نزول الوحي عليه , وهذا قول ابن زيد. والثاني: فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه , ثم لِيخْنقَ به نفسه فلينظر هل يذهب ذلك بغيظه من ألا يرزقه الله تعالى , وهذا قول السدي.
стр. 2409
﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ قوله : ﴿وَمَن يُهِن اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكرمٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ومن يهن الله فيدخله النار فما له من مكرم فيدخله الجنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ من ثواب وعقاب , وهذا قول يحيى بن سلام
стр. 2410
والثاني: ومن يهن الله بالشقوة فما له من مكرم بالسعادة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءَ﴾ من شقوة , وهذا قول الفراء وعلي بن عيسى. ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً: ومن يهن الله بالإِنتقام فما له من مكرم بالإنعام , إن الله يفعل ما يشاء من إنعام وانتقام.
стр. 2411
﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ قوله : ﴿هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ والخصمان ها هنا فريقان , وفيهما أربعة أقاويل: أحدها: أنهما المسلمون والمشركون حين اقتتلوا في بدر , وهذا قول أبي ذر , وقال محمد بن سيرين: نزلت في الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر ثلاثة من المشركين فقتلوهم. والثاني: أنهم أهل الكتاب قالوا: نبينا قبل نبيكم , وكتابنا قبل كتابكم. ونحن خير منكم , فقال المسلمون كتابنا يقضي على كتابكم , ونبينا خاتم الأنبياء. ونحن أولى بالله منكم , وهذا قول قتادة. والثالث: أنهم أهل الإِيمان والشرك في اختلافهم في البعث والجزاء , وهذا قول مجاهد , والحسن , وعطاء. والرابع: هما الجنة والنار اختصمتا , فقالت النار: خلقني الله لنقمته , وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته , وهذا قول عكرمة.
стр. 2412
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعْتَ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ معناه أن النار قد أحاطت بها كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم , فصارت من هذا الوجه ثياباً , لأنها بالإِحاطة كالثياب. ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ﴾ ها هنا هو الماء الحار , قال الشاعر:
(كأن الحميم على متنها ... إذا اغترفته بأطساسها)
(جُمان يحل على وجنةٍ ... علته حدائد دوّاسها)
وضم الحميم إلى النار وإن كانت أشد منه لأنه ينضج لحومهم , والنار بانفرادها تحرقها , فيختلف به العذاب فيتنوع , فيكون أبلغ في النكال. وقيل إنها نزلت في ثلاثة من المسلمين قتلوا ثلاثة من المشركين يوم بدر حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة , وعليّ بن أبي طالب قتل الوليد بن عتبة , وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة. قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يحرق به وهو قول يحيى بن سلام. والثاني: يقطع به , وهو قول الحسن. والثالث: ينضج به , وهو قول الكلبي ومنه قول العجاج:
٨٩ (شك السفافيد الشواء المصطهرْ﴾ ٩
والرابع: يذاب به , وهو قول مجاهد , مأخوذ من قولهم: صهرت الألية إذا أذبتها , ومنه قول ابن أحمر:
(تروي لقى ألقى في صفصفٍ ... تصهره الشمس فما ينْصهِر)
﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ والمقامع: جمع مقمعة , والمقمعة ما يضرب به الرأس لا يعي فينكب أو ينحط.
стр. 2413
﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد﴾ قوله : ﴿وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه قول لا إله إلا الله , وهو قول الكلبي. والثاني: أنه الإِيمان , وهو قول الحسن. والثالث: القرآن , وهو قول قطرب. والرابع: هو الأمر بالمعروف. ويحتمل عندي تأويلاً خامساً: أنه ما شكره عليه المخلوقون وأثاب عليه الخالق. ﴿وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: الإِسلام , وهو قول قطرب. والثاني: الجنة. ويحتمل عندي تأويلاً ثالثاً: أنه ما حمدت عواقبه وأمنت مغبته.
стр. 2414
﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ قوله : ﴿ ... وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أراد المسجد نفسه , ومعنى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي قبلة لصلاتهم ومنسكاً لحجهم. ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المقيم , ﴿وَالْبَادِ﴾ وهو الطارىء إليه، وهذا قول ابن عباس.
стр. 2415
والقول الثاني: أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، وعلى هذا في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وجهان: أحدهما: أنهم سواء في دوره ومنازله , وليس العاكف المقيم أولى بها من البادي المسافر، وهذا قول مجاهد ومَنْ منع بيع دور مكة كأبي حنيفة. والثاني: أنهما سواء في أن من دخله كان آمناً , وأنه لا يقتل بها صيداً ولا يعضد بها شجراً. ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والإِلحاد: الميل عن الحق والباء في قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ زائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ومثلها في قول الشاعر:
(نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجِ)
أي نرجو الفرج , فيكون تقدير الكلام: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم. وفي الإِلحاد بالظلم أربعة تأويلات: أحدها: أنه الشرك بالله بأن يعبد فيه غير الله , وهذا قول مجاهد , وقتادة. والثاني: أنه استحلال الحرام فيه , وهذا قول ابن مسعود. والثالث: استحلال الحرام متعمداً , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنه احتكار الطعام بمكة , وهذا قول حسان بن ثابت. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ﷺ عن عمرته عام الحديبية.
стр. 2416
﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه وطأنا له مكان البيت , حكاه ابن عيسى. والثاني: معناه عرفناه مكان البيت بعلامة يستدل بها. وفي العلامة قولان: أحدهما: قاله قطرب , بعثت سحابة فتطوقت حيال الكعبة فبنى على ظلها. الثاني: قاله السدي , كانت العلامة ريحاً هبت وكنست حول البيت يقال لها الخجوج. ﴿أَن لَاّ تُشْرِكَ بِي شَيْئاً﴾ أي لا تعبد معي إلهاً غيري. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الشرك وعبادة الأوثان , وهذا قول قتادة. الثاني: من الأنجاس والفرث والدم الذي كان طرح حول البيت , ذكره ابن عيسى. والثالث: من قول الزور , وهو قول يحيى بن سلام. ﴿لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أما الطائفون فيعني بالبيت وفي ﴿الْقَائِمِينَ﴾ قولان: أحدهما: يعني القائمين في الصلاة , وهو قول عطاء. والثاني: المقيمين بمكة , وهو قول قتادة. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يعني في الصلاة , وفي هذا دليل على ثواب الصلاة في البيت. وحكى الضحاك أن إبراهيم لما حضر أساس البيت وحد لَوْحاً , عليه
стр. 2417
مكتوب: أنا الله ذو بكّة , خلقت الخير والشر , فطوبى لمن قَدَّرْتُ على يديه الخير , وويلٌ لمن قدرت على يديه الشر. وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يعني القلوب. ﴿لِلطَّآئِفِينَ﴾ يعني حجاج الله , ﴿وَالْقَآئِمِينَ﴾ يعني الإِيمان , ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يعني الخوف والرجاء. قوله : ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ يعني أَعْلِمْهُم ونَادِ فيهم بالحق , وفيه قولان: أحدهما: أن هذا القول حكاية عن أمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم , فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قبيس فقال: عباد الله إن الله قد ابتنى بيتاً وأمَرَكُمْ بحجه فَحُجُّوا , فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا لبيك. ولا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم , وقيل إن أول من أجابه أهل اليمن , فهم أكثر الناس حجاً له. والثاني: أن هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يأمر الناس بحج البيت. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ يعني مشاة على أقدامهم , والرجال جمع راجل. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي جملٍ ضامر , وهو المهزول , وإنما قال ﴿ضَامِرٍ﴾ لأنه ليس يصل إليه إلا وقد صار ضامراً. ﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي بعيد , ومنه قول الشاعر:
(تلعب لديهن بالحريق ... مدى نياط بارح عميق)
стр. 2418
﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ قوله : ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه شهود المواقف وقضاء المناسك. والثاني: أنها المغفرة لذنوبهم , قاله الضحاك. والثالث: أنها التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة , وهذا قول مجاهد. ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامِ مَّعْلُومَاتٍ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عشر ذي الحجة آخرها يوم النحر , وهذا قول ابن عباس , والحسن , وهو مذهب الشافعي.
стр. 2419
والثاني: أنها أيام التشريق الثلاثة , وهذا قول عطية العوفي. والثالث: أنها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر , وهذا قول الضحاك. ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ يعني على نحر ما رزقهم نحره من بهيمة الأنعام , وهي الأزواج الثمانية من الضحايا والهدايا. ﴿فَكَلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ في الأكل والإِطعام ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأكل والإِطعام واجبان لا يجوز أن يخل بأحدهما , وهذا قول أبي الطيب بن سلمة. والثاني: أن الأكل والإطعام مستحبان , وله الاقتصار على أيهما شاء وهذا قول أبي العباس بن سريج. والثالث: أن الأكل مستحب والإطعام واجب , وهذا قول الشافعي , فإن أطعم جميعها أجزأه , وإن أكل جميعها لم يُجْزه , وهذا فيما كان تطوعاً , وأما واجبات الدماء فلا يجوز أن نأكل منها. وفي ﴿الْبآئِسَ الْفَقِيرَ﴾ خمسة أوجه: أحدها: أن الفقير الذي به زمَانةٌ , وهو قول مجاهد. والثاني: الفقير الذي به ضر الجوع. والثالث: أن الفقير الذي ظهر عليه أثر البؤس. والرابع: أنه الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف بالطلب. والخامس: أنه الذي يؤنف عن مجالسته. قوله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضَواْ تَفَثَهُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: مناسك الحج، وهو قول ابن عباس , وابن عمر. والثاني: حلق الرأس , وهو قول قتادة , قال أمية بن أبي الصلت.
(حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثاً ... ... ... ... ... . .)
)
والثالث: رمي الجمار , وهو قول مجاهد. والرابع: إزالة قشف الإِحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر وغسل واستعمال الطيب , وهو قول الحسن. وقيل لبعض الصلحاء: ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك الإِعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. وسئل الحسن عن التجرد في الحج فقال: جرّد قلبك من السهو , ونفسك من اللهو ولسانك من اللغو , ثم يجوز كيف شئت. وقال الشاعر:
(قضوا تفثاً ونحباً ثم سارواْ ... إلى نجدٍ وما انتظروا علياً)
﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ وهو تأدية ما نذروه في حجهم من نحر أو غيره. ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني طواف الإِفاضة , وهو الواجب في الحج
стр. 2420
والعمرة، ولا يجوز في الحج إلا بعد عرفة , وإن جاز السعي. وفي تسمية البيت عتيقاً أربعة أوجه: أحدها: أن الله أعتقه من الجبابرة , وهو قول ابن عباس. الثاني: لأنه عتيق لم يملكه أحد من الناس , وهو قول مجاهد. والثالث: لأنه أعتق من الغرق في الطوفان , وهذا قول ابن زيد.
следующие страницы →