Полный текст (4 439 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
﴿ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه فتح مكة , قاله الفراء. الثاني: أن الفتح انقضى بعذابهم في الدنيا , قاله السدي. الثالث: الحكم بالثواب والعقاب في القيامة , قاله مجاهد. قال الحسن لم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانهُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الذي قتلهم خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني كنانة , قاله الفراء. الثاني: أن يوم الفتح يوم القيامة , قاله مجاهد. الثالث: أن اليوم الذي يأتيهم من العذاب , قاله عبد الرحمن بن زيد. ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يؤخرون بالعذاب إذا جاء الوقت. ﴿فَأَعْرضْ عَنهُمْ﴾ الآية. قال قتادة: نزلت قبل أن يؤمر بقتالهم , ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عن أذاهم وانتظر عقابهم. الثاني: أعرض عن قتالهم وانتظر أن يؤذن لك في جهادهم. الثالث: فأعرض بالهجرة وانتظر ما يمدك به من النصرة، والله أعلم.
стр. 2977
سورة الأحزاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2978
﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّنبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وهذا وإن كان معلوماً من حاله ففي أمره به أربعة أوجه: أحدهما: أن معنى هذا الأمر الإكثار من اتقاء الله في جهاد أعدائه. الثاني: استدامة التقوى على ما سبق من حاله. الثالث: أنه خطاب توجه إليه والمراد به غيره من أمته. الرابع: أنه لنزول هذه الآية سبباً وهو ما روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة ليجددوا خطاب رسول الله ﷺ في عهد بينه وبينهم فنزلوا عند عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس ومعتب بن قشير وائتمروا بينهم وأتوا رسول الله ﷺ فعرضوا عليه أموراً كره جميعها فهمَّ رسول الله ﷺ والمسلمون أن يقتلوهم فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّنبِيُّ اتقِ اللَّهَ﴾ يعني في نقض العهد الذي بينك وبينهم إلى المدة المشروطة لهم.
стр. 2979
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة فيما دعوا إليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عليماً بسرائرهم حكيماً بتأخيرهم. الثاني: عليماً بالمصلحة حكيماً في التدبير.
стр. 2980
﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما﴾ قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أن النبي ﷺ قام يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه إن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فأنزل الله هذه تكذيباً لهم؛ قاله ابن عباس ويكون معناه ما جعل الله لرجل من جسدين. الثاني: أن رجلاً من مشركي قريش من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد وكذب فنزلت فيه , قاله مجاهد. ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من عقلين. الثالث: أن جميل بن معمر ويكنى أبا معمر من بني جُمَح كان أحفظ الناس لما يسمع وكان ذا فهم ودهاء فقالت قريش ما يحفظ جميل ما يحفظ بقلب واحد إن له قلبين فلما كان يوم بدر وهزموا أفلت وفي يديه إحدى نعليه والأخرى في رجليه فلقيه أبو سفيان بشاطىء البحر فاستخبره فأخبره أن قريشا قتلوا وسمى من قتل من
стр. 2981
أشرافهم، قال له: إنه قد ذهب عقلك فما بال نعليك إحداهما في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما كنت أظنها إلا في رجلي فظهر لهم حاله فنزلت فيه الآية , قاله السدي ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من فهمين. الرابع: أن رجلاً كان يقول إن لي نفسين نفساً تأمرني ونفساً تنهاني فنزل ذلك فيه , قاله الحسن ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من نفسين. الخامس: أنه مثل ضربه الله لزيد بن حارثة حين تبناه النبي ﷺ بعد أن أعتقه فلما نزل تحريم التبنّي منع من ادعائه ولداً ونزل فيه ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنَ قَلْبِينِ﴾ يقول: ما جعل الله لرجل من أبوين , كذلك لا يكون لزيد أبوين حارثة ومحمد ﷺ , قاله مقاتل بن حيان. وفيه إثبات لمذهب الشافعي في نفي الولد عن أبوين ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من أبوين. السادس: معناه: أنه لا يكون لرجل قلب مؤمن معنا وقلب كافر علينا لأنه لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب واحد ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من دينين , حكاه النقاش. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّلآئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وهو أن يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي , فهذا ظهار كانوا في الجاهلية يحرمون به الزوجات ويجعلونهن في التحريم كالأمهات فأبطل الله بذلك أن تصير محرمة كالأم لأنها ليست بأم وأوجب عليه بالظهار منها إذا صار فيه عامداً كفارة ذكرها في سورة المجادلة ومنعه من إصابتها حتى يكفر وسنذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب. ﴿وَمَا جَعلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ يعني بذلك أدعياء النبي. قال مجاهد كان الرجل في الجاهلية يكون ذليلاً فيأتي ذا القوة والشرف فيقول: أنا ابنك فيقول نعم فإذا قبله واتخذه ابناً أصبح أعز أهله وكان زيد بن حارثة منهم قد تبناه رسول الله ﷺ على ما كان يصنع أهل الجاهلية فلما جاءت هذه الآية أمرهم الله أن يلحقوهم بآبائهم فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ في الإسلام.
стр. 2982
﴿ذَلِكُم قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ﴾ أن امرأته بالظهار أُمُّه وأن دَعيه بالتبني ابنه ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في أن الزوجة لا تصير في الظهار أُمّاً والدعيُّ لا يصير بالتبني ابناً. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ يعني في إلحاق النسب بالأب , وفي الزوجة أنها لا تصير كالأم. قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبآئِهِمْ﴾ يعني التبني: قال عبد الله بن عمر ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ قال السدي فدعاه النبي ﷺ إلى حارثة وعرف كل نسبه فأقرّوا به وأثبتوا نسبه. ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنَد اللهِ﴾ أي أعدل عند الله قولاً وحكماً. ﴿فَإِنَ لَّمْ تَعْلَمُواْءَابَآءَهُمْ فإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فانسبوهم إلى أسماء إخوانكم ومواليكم مثل عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد العزيز , قاله مقاتل بن حيان. الثاني: قولوا أخونا فلان وولينا فلان , قاله يحيى بن سلام. وروى محمد بن المنكدر قال: جلس نفر من أصحاب النبي ﷺ منهم جابر بن عبد الله الأنصاري فتفاخروا بالآباء فجعل كل واحد منهم يقول أنا فلان بن فلان حتى انتهوا إلى سلمان فقال أنا سلمان ابن الإسلام فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال صدق سلمان وأنا عمر بن الإسلام وذلك قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. الثالث: إنه إن لم يُعرف لهم أب ينسبون إليه كانوا إخواناً إن كانوا أحراراً , وموالي إن كانوا عتقاء كما فعل المسلمون فيمن عرفوا نسبه وفيمن لم يعرفوه فإن المقداد بن عمرو كان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث الزهري فرجع إلى أبيه وسفيان بن معمر كانت أمه امرأة معمر في الجاهلية فادعاه ابناً ثم أسلم سفيان وشهد بدراً فنسب إلى أبيه ونسبه في بني زريق من الأنصار. وممن لم يعرف له أب سالم، مولى أبي حذيفة ونسب إلى ولاء أبي حذيفة. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأَتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما أخطأتم قبل النهي وما تعمدت قلوبكم بعد النهي في هذا وغيره، قاله مجاهد.
стр. 2983
الثاني: ما أخطأتم به ما سهوتم عنه، وما تعمدمت قلوبكم ما قصدتموه عن عمد، قاله حبيب بن أبي ثابت. الثالث: ما أخطأتم به أن تدعوه إلى غير أبيه , قاله قتادة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً﴾ أي غفوراً عما كان في الشرك , رحيماً بقبول التوبة في الإسلام.
стр. 2984
﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أولى بهم من بعضهم ببعض لإرساله إليهم وفرض طاعته عليهم , وقاله مقاتل بن حيان. الثاني: أنه أولى بهم فيما رآه له بأنفسهم , قاله عكرمة. الثالث: أنه كان في الحرف الأول: هو أب لهم. وكان سبب نزولها أن النبي ﷺ لما أراد غزاة تبوك أمرالناس بالخروج فقال قوم منهم نستأذن آباءنا وأمهاتنا فأنزل الله فيهم هذه الآية , حكاه النقاش. الرابع: أنه أولى بهم في قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم على ما رواه عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِن مُؤمنٍ إِلَاّ أَنَا أَولَى النَّاس بِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ اقْرَأُوا إِن شِئْتُم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كَانُوا , وَإِن تَرَكَ دَيناً أَوْ ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ).
стр. 2985
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ يعني من مات عنها رسول الله ﷺ من أزواجه هن كالأمهات في شيئين. أحدهما: تعظيم حقهن. الثاني: تحريم نكاحهن. وليس كالأمهات في النفقة والميراث. واختلف في كونهن كالأمهات في المحرم وإباحة النظر على الوجهين: أحدهما: هن محرم لا يحرم النظر إليهن لتحريم نكاحهن. الثاني: أن النظر إليهن محرم لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظاً لحق رسول الله ﷺ فيهن فكان من حفظ حقه تحريم النظر إليهن ولأن عائشة ﵂ كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابناً لأختها من الرضاعة فيصير محرماً يستبيح النظر. وأما اللاتي طلقهن رسول الله ﷺ في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: أحدها: تثبت لهن هذه الحرمة تغليباً لحرمة رسول الله ﷺ . الثاني: لا يثبت لهن ذلك بل هذه كسائر النساء لأن النبي ﷺ قد أثبت عصمتهن وقال: أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة. الثالث: أن من دخل بها رسول الله ﷺ منهن ثبتت حرمتها ويحرم نكاحها وإن طلقها حفاظاً لحرمته وحراسة لخلوته ومن لم يدخل بها لم يثبت لها هذه الحرمة , وقد همّ عمر بن الخطاب برجم امرأة فارقها النبي ﷺ فنكحت بعده فقالت: لم هذا وما ضرب عليَّ رسول الله ﷺ حجاباً ولا سميت للمؤمنين أماً , فكف عنها. وإذا كان أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين فيما ذكرناه فقد اختلف فيهن هل هن أمهات المؤمنات على وجهين: أحدهما: أنهن أمهات المؤمنين والمؤمنات تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء. الثاني: أن هذا حكم يختص بالرجال المؤمنين دون النساء لاختصاص الحظر
стр. 2986
والإباحة بالرجال دون النساء. وقد روى الشعبي عن مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها يا أماه فقالت لست بأم لك أنا أم رجالكم. ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجرِينَ﴾. قيل إنه أراد بالمؤمنين الأنصار , وبالمهاجرين قريشاً. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا ناسخ للتوارث بالهجرة حكى سعيد عن قتادة قال كان نزل في الأنفال ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلَايَتهِمْ مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ فتوارث المسلمون بالهجرة فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المهاجر المسلم شيئاً ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. الثاني: أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين روى هشام بن عمرو عن أبيه عن الزبير بن العوام قال أنزل فينا خاصة معشر قريش والأنصار لما قدمنا المدينة قدمناه ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم , فآخى أبو بكر خارجة بن زيد وآخيت أنا كعب بن مالك , فلما كان يوم أُحد قتل كعب بن مالك فجئت فوجدت السلاح قد أثقله فوالله لقد مات ما ورثه غيري حتى أنزل الله هذه الآية فرجعنا إلى مواريثنا. قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في القرآن , قاله قتادة. الثاني: في اللوح المحفوظ الذي قضى أحوال خلقه , قاله ابن بحر. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ يعني أن التوارث بالأنساب أولى من التوارث بمؤاخاة المؤمنين وبهجرة المهاجرين ما لم يختلف بالمتناسبين دين فإن اختلف بينهما الدين فلا توارث بينهما روى شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتِينِ).
стр. 2987
﴿إِلَاّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ فيه أربعة أوجه أحدها: أنه أراد الوصية للمشرك من ذوي الأرحام , قاله قتادة. الثاني: أنه عنَى الوصية للحلفاء الذي آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار , قاله مجاهد. الثالث: أنه أراد الذين آخيتم تأتون إليهم معروفاً , قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أنه عنى وصية الرجل لإخوانه في الدين، قاله السدي. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكَتَابِ مَسْطُوراً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كان التوارث بالهجرة والمؤاخاة في الكتاب مسطوراً قبل النسخ. والثاني: كان نسخه بميراث أولي الأرحام في الكتاب مسطوراً قبل التوارث. الثالث: كان أن لا يرث مسلم كافرا في الكتاب مسطوراً. وفي ﴿الْكِتَابِ﴾ أربعة أوجه: أحدها: في اللوح المحفوظ , قاله إبراهيم التيمي. الثاني: في الذكر , قاله مقاتل بن حيان. الثالث: في التوراة أمر بني اسرائيل أن يصنعوا مثله في بني لاوي بن يعقوب حكاه النقاش. الرابع: في القرآن , قاله قتادة.
стр. 2988
﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ميثاقهم على قومهم أن يؤمنوا بهم , قاله ابن عباس. الثاني: ميثاق الأمم على الأنبياء أن يبلغوا الرسالة إليهم , قاله الكلبي. الثالث: ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً , قاله قتادة. ﴿وَمِنكَ وَمِن نَّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِنَ نُّوحٍ﴾ قال (كُنتُ أَوَّلَهُم فِي الخَلْقِ وَآخِرَهُم في البَعْثِ). ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثاقاً غَلِيظاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الميثاق الغليظ تبليغ الرسالة. الثاني: يصدق بعضهم بعضاً. الثالث: أن يعلنوا أن محمداً رسول الله , ويعلن محمد أنه لا نبي بعده. وفي ذكر من سمى من الأنبياء مع دخولهم في ذكر النبيين وجهان: أحدهما: تفضيلاً لهم. الثاني: لأنهم أصحاب الشرائع. قوله تعالى: ﴿لِّيَسْأَلَ الصَادِقِينَ عَنَ صِدْقِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه:
стр. 2989
أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم , حكاه النقاش. الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم , حكاه النقاش ابن عيسى. الثالث: ليسأل الأنبياء عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم , حكاه ابن شجرة. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة.
стр. 2990
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ قوله تعالى: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس يعني يوم الأحزاب حين أنعم الله عليهم بالصبر ثُم بالنصر. ﴿إِذْ جَآءَتْكُم جُنُودٌ﴾ قال مجاهد: جنود الأحزاب أبو سفيان وعيينة بن حصين وطلحة بن خويلد وأبو الأعور السلمي وبنو قريظة. ﴿فَأرْسَلْنَا عَلَيِهِمْ رِيحاً﴾ قال مجاهد: هي الصَّبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم وروى ابن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (نُصِرْتُ بِالصّبَا وأُهْلِكَت عَادٌ بِالدَّبُورِ) وكان من دعائه يوم الأحزاب (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَورَتَنَا وَآمِن رَوْعَتَنَا) فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصَبا.
стр. 2991
﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ قال مجاهد وقتادة: هم الملائكة. وفي ما كان منهم أربعة أقاويل: أحدها: تفريق كلمة المشركين وإقعاد بعضهم عن بعض. الثاني: إيقاع الرعب في قلوبهم , حكاه ابن شجرة. الثالث: تقوية نفوس المسلمين من غير أن يقاتلوا معهم وأنها كانت نصرتهم بالزجر حتى جاوزت بهم مسيرة ثلاثة أيام فقال طلحة بن خويلد: إن محمداً قد بدأكم بالسحر فالنجاة النجاة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾ يعني من فوق الوادي وهو أعلاه من قبل المشرق , جاء منه عوف بن مالك في بني نضر , وعيينة بن حصين في أهل نجد , وطلحة بن خويلد الأسدي في بني أسد. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني من بطن الوادي من قبل المغرب أسفل أي تحتاً من النبي ﷺ , جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة , ويزيد بن جحش على قريش , وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق. ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: شخصت. الثاني: مالت: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ﴾ أي زالت عن أماكنها حتى بلغت القلوب
стр. 2992
الحناجر وهي الحلاقيم واحدها حنجرة. وقيل إنه مثل مضروب في شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال يوم الخندق: يا رسول الله ﷺ هل تأمر بشيء تقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال: (نعم قُولُواْ: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنَا وَآمِنْ رَوْعَتَنَا) قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزموا بها. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: فيما وعدوا به من نصر , قاله السدي. الثاني: أنه اختلاف ظنونهم فظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يُستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون، قاله الحسن.
стр. 2993
﴿هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا﴾ قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالحصر , حكاه النقاش. الثاني: بالجوع فقد أصابهم بالخندق جوع شديد , قاله الضحاك. الثالث: امتحنوا في الصبر على إيمانهم وتميز المؤمنون عن المنافقين , حكاه ابن شجرة. وحكى ابن عيسى أن ﴿هُنالِكَ﴾ للبعد من المكان , وهناك للوسط وهنا للقريب. ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: حركوا بالخوف تحريكاً شديداً , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه اضطرابهم عما كانوا عليه فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه.
стр. 2994
الثالث: أنه حركهم الأمر بالثبات والصبر , وهو محتمل. الرابع: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق , قاله الضحاك. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المرض النفاق , قاله قتادة. الثاني: أنه الشرك , قاله الحسن. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَاّ غُرُوراً﴾ حكى السدي أن النبي ﷺ كان يحفر الخندق لحرب الأحزاب فبينا هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول على صفاة فطار منها كهيئة الشهاب من نار في السماء , وضرب الثاني فخرج مثل ذلك , وضرب الثالث فخرج مثل ذلك فرأى ذلك سلمان فقال له النبي ﷺ : (رَأَيتَ مَا خَرَجَ فِي كُلّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَهَا) قال: نعم يا رسول الله فقال له النبي ﷺ : (تُفْتَحُ لَكُمْ بِيضُ المَدَائِنِ وَقُصُورُ الرُّومِ وَمَدَائِنُ اليَمن) قال ففشا ذلك في أصحاب رسول الله ﷺ فتحدثواْ به , فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب. وقال غيره قشير بن عدي الأنصاري من الأوس: وعدنا محمد أن تفتح لنا مدائن اليمن وقصور الروم وبيض المدائن وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل؟ هذا والله الغرور فأنزل الله هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالت طَّآئِفَةٌ مِّنهُمْ﴾ يعني من المنافقين قيل إنهم من بني سليم , وقيل إنه من قول أوس بن فيظي ومن وافقه على رأيه , ذكر ذلك يزيد بن رومان , وحكى السدي أنه عبد الله بن أُبي وأصحابه. ﴿يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقُامَ لَكُم فَارْجِعُواْ﴾ قرأ حفص عن عاصم بضم الميم , والباقون بالفتح. وفي الفرق بينهما وجهان:
стр. 2995
أحدهما: وهو قول الفراء أن المقام بالفتح الثبات على الأمر , وبالضم الثبات في المكان. الثاني: وهو قول ابن المبارك انه بالفتح المنزل وبالضم الإقامة. وفي تأويل ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أي لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب , قاله الحسن. الثاني: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان , قاله الكلبي. الثالث: لا مقام في مكانكم فارجعوا إلى مساكنكم , قال النقاش. والمراد بيثرب المدينة وفيه قولان: أحدهما: أن يثرب هي المدينة , حكاه ابن عيسى. الثاني: أن المدينة في ناحية من يثرب , قاله أبو عبيدة وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , عن البراء بن عازب قال رسول الله ﷺ (مَن قَالَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ , هَي طَابَةُ) ثلاثة مرات. ﴿وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثة , أحدهما أبو عرابة بن أوس , والآخر أوس بن فيظي. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلاً بغير إذن. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قاصية من المدينة نخاف على عورة النساء والصبيان من السبي، قاله قتادة.
стр. 2996
الثاني: خالية ليس فيها إلا العورة من النساء , قاله الكلبي والفراء , مأخوذ من قولهم قد اعور الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضرب قال الشاعر:
٨٩ (له الشدة الأولى إذا القرن أعورا﴾ ٩
الثالث: مكشوفة الحيطان نخاف عليها السراق والطلب , قاله السدي والعرب تقول قد أعور منزلك إذا ذهب ستره وسقط جداره وكل ما كره انكشافه فهو عندهم عورة , وقرأ ابن عباس: إن بيوتنا عَوِرة , بكسر الواو , أي ممكنة العورة. ثم قال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ تكذيباً لهم فيما ذكروه. ﴿إِن يُريدُونَ إِلَاّ فِرَاراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: فراراً من القتل. الثاني: من الدِّين. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار من بني حارثة وبني سلمة , همّوا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق وفيهم أنزل الله ﴿إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] الآية. فلما نزلت هذه الآية قالوا: والله ما سرّنا ما كنا هممنا به إن كان الله ولينا.
стр. 2997
﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخل على المنافقين من أقطار المدينة ونواحيها. ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لأَتَوهَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما تلبثوا عن الإجابة إلى الفتنة إلا يسيراً , قاله ابن عيسى. الثاني: ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيراً حتى يعدموا , قاله السدي. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ الآية، فيه ثلاثة أوجه:
стр. 2998
أحدها: أنهم عاهدوه قبل الخندق وبعد بدر , قاله قتادة. الثاني: قبل نظرهم إلى الأحزاب , حكاه النقاش. الثالث: قبل قولهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. وحكي عن ابن عباس أنهم بنو حارثة. ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما مسئولاً عنه للجزاء عليه. الثاني: للوفاء به. قوله تعالى: ﴿قُل مَن الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّن اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن أراد بكم هزيمة أو أراد بكم نصراً , حكاه النقاش. الثاني: إن أراد بكم عذاباً , أو أراد بكم خيراً , قاله قتادة. الثالث: إن أراد بكم قتلاً أو أراد بكم توبة , قاله السدي.
стр. 2999
﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا﴾ قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ يعني المثبطين من المنافقين , قيل إنهم عبد الله بن أُبي وأصحابه. ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِليْنَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم المنافقون قالوا للمسلمين ما محمد إلا أكلة رأس وهو هالك ومن معه فهلم إلينا. الثاني: أنهم اليهود من بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين هلم إلينا أي تعالوا إلينا وفارقوا محمداً فإنه هالك وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحداً. الثالث: ما حكاه ابن زيد أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ انصرف من عنده يوم
стр. 3000
الأحزاب فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال: أنت هكذا ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف , فقال له أخوه كان من أبيه وأمه. هلّم إليّ قد تُبع بك وبصاحبك أي قد أحيط بك وبصاحبك , فقال له: كذبت والله لأخبرنه بأمرك وذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجده قد نزل عليه جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. ﴿وَلَا يَأْتُونَ البََأْسَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يحضرون القتال إلا كارهين وإن حضروه كانت أيديهم مع المسلمين وقلوبهم مع المشركين قاله قتادة. الثاني: لا يشهدون القتال إلا رياء وسمعة , قاله السدي , وقد حكي عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ إلَاّ قَلِيلاً﴾ إنما قل لأنه كان لغير الله . قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أشحة بالخير , قاله مجاهد. الثاني: بالقتال معكم , قاله ابن كامل. الثالث: بالغنائم إذا أصابوها , قاله السدي. الرابع: أشحة بالنفقة في سبيل الله , قاله قتادة. ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوفُ﴾ فيه قولان: أحدهما: إذا جاء الخوف من قتال العدو إذا أقبل , قاله السدي. الثاني: الخوف من النبي ﷺ إذا غلب , قاله ابن شجرة. ﴿رَأيْتُهُمْ يَنْظُرُونَ إِليَكَ﴾ خوفاً من القتال على القول الأول , ومن النبي ﷺ على القول الثاني. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تدور أعينهم لذهاب عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة. الثاني: تدور أعينهم لشدة خوفهم حذراً أن يأتيهم القتل من كل جهة. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فيه وجهان:
стр. 3001
أحدهما: أي رفعوا أصواتهم عليكم بألسنة حداد أي شديدة ذربة، ومنه قول النبي ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ السَّالِقَةَ وَالخَارِقَةُ وَالحَالِقَةَ) يعني بالسالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والخارقة التي تخرق ثوبها في المصيبة وبالحالقة التي تحلق شعرها. الثاني: معناه آذوكم بالكلام الشديد. والسلق الأذى , قاله ابن قتيبة. قال الشاعر:
(ولقد سلقن هوازنا ... بنواهلٍ حتى انحنينا)
وقال الخليل: سلقته باللسان إذا أسمعته ما يكره وفي سلقهم بألسنةٍ حداد وجهان: أحدهما: نزاعاً في الغنيمة , قاله قتادة. الثاني: جدالاً عن أنفسهم , قاله الحسن. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على قسمة الغنيمة , قاله يحيى بن سلام. الثاني: على المال ينفقونه في سبيل الله , قاله السدي. الثالث: على النبي ﷺ بظفره. ﴿أَوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ﴾ يعني بقلوبهم. ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يعني حسناتهم أن يثابوا عليها لأنهم لم يقصدوا وجه الله تعالى بها.
стр. 3002
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: وكان نفاقهم على الله هيناً. الثاني: وكان إحباط عملهم على الله هيناً.
стр. 3003
﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابِ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ يعني أن المنافقين يحسبون أبا سفيان وأحزابه من المشركين حين تفرقوا عن رسول الله ﷺ مغلوبين لم يذهبوا عنه وأنهم قريب منهم ثم فيه وجهان: أحدهما: أنهم كانواعلى ذلك لبقاء خوفهم وشدة جزعهم. الثاني: تصنعاً للرياء واستدامة التخوف. ﴿وَإِنَ يَأْتِ الأَحْزَابُ﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه من المشركين. ﴿يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعرْابِ﴾ أي يود المنافقون لو أنهم في البادية مع الأعراب حذراً من القتل وتربصاً للدوائر. ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أي عن أخبار النبي ﷺ وأصحابه يتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه , أما غلب أبو سفيان وأحزابه. ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُم مَا قَاتَلُواْ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: إلا كرهاً. الثاني: إلا رياءً.
стр. 3004
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوُلِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ فيه وجهان:
стр. 3005
أحدهما: أي مواساة عند القتال , قاله السدي. الثاني: قدوة حسنة يتبع فيها , والأسوة الحسنة المشاركة في الأمر يقال هو مواسيه بماله إذا جعل له نصيباً. وفي المراد بذلك وجهان: أحدهما: الحث على الصبر مع النبي ﷺ في حروبه. الثاني: التسلية لهم فيما أصابهم فإن النبي ﷺ شُج وكُسِرَت رباعيته وقتل عمه حمزة. ﴿لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾ فيه وجهان: أحدهما: لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر قاله ابن عيسى. الثاني: لمن كان يرجوا الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال , قاله ابن جبير. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي استكثر من العمل بطاعته تذكراً لأوامره. الثاني: أي استكثر من ذكر الله خوفاً من عقابه ورجاء لثوابه واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين: أحدهما: المنافقون عطفاً عل ما تقدم من خطابهم. الثاني: المؤمنون لقوله: ﴿لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾. واختلف في هذه الأسوة بالرسول هل هي على الإِيجاب أو على الاستحباب على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل علىالاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقول دليل على الإيجاب. ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين , وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأحْزَابِ ... ﴾ الآية. فيه قولان: أحدهما: أن الله وعدهم في سورة البقرة فقال ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية. فلما رأواْ أحزاب المشركين يوم الخندق ﴿قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قاله قتادة.
стр. 3006
الثاني: ما رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال خطب رسول الله ﷺ عام ذكرت الأحزاب فقال: (أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةُ عَلَيهَا يَعْنِي قُصُورِ الحِيرَةِ وَمَدَائِنِ كِسرَى فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ) فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. ﴿ ... إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ فيه قولان: أحدهما: إلا إيماناً وتسلمياً للقضاء , قاله الحسن. الثاني: إلا إيماناً بما وعد الله وتسليماً لأمر الله.
стр. 3007
﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما﴾ قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم بايعوا الله على ألا يفرُّوا، فصدقوا في لقائهم العدو يوم أحد , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدراً فعاهدوا الله ألا يتأخروا عن رسول الله ﷺ في حرب يشهدها أو أمر بها، فوفوا بما عاهدوا الله عليه , قاله أنس بن مالك. ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فمنهم من مات ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس ومنه قول بشر بن أبي خازم:
(قضى نحب الحياة وكلُّ حي ... إذا يُدْعى لميتته أجابا)
стр. 3008
الثاني: فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش , ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو صدق لقاء , قاله مجاهد. الثالث: فمنهم من قضى نذره ومنه قول الراعي:
(حتى تحنّ إلى ابن أكرمها ... حسباً وكن منجز النحب)
فيكون النحب على التأويل الأول الأجل , وعلى الثاني العهد , وعلى الثالث النذر. ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: ما غيروا كما غير المنافقون , قاله ابن زيد. الثاني: ما بدلوا ما عاهدوا الله عليه من الصبر ولا نكثوا بالفرار , وهذا معنى قول الحسن. قوله: ﴿لِّيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الذين صدقوا لما رأواْ الأحزاب ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. الثاني: الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه من قبل فثابوا ولم يغيروا. ﴿وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعذبهم إن شاء ويخرجهم من النفاق إن شاء , قاله قتادة. الثاني: يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يميتهم على نفاقهم فيعذبهم في الآخرة إن شاء , قاله السدي. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قال السدي يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون.
стр. 3009
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: غفرواً بالتوبة رحيماً بالهداية إليها. الثاني: غفوراً لما قبل التوبة رحيماً لما بعدها.
стр. 3010
﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَغَيظِهِمْ﴾ يعني أبا سفيان وجموعه من الأحزاب. ﴿بِغَيظِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بحقدهم. الثاني: بغمّهم. ﴿لَمْ يَنَالُواْ خَيراً﴾ قال السدي لم يصيبوا من محمد وأصحابه ظفراً ولا مغنماً. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه. حكى سفيان الثوري عن زيد عن مرة قال أقرأنا ابن مسعود هذا الحرف: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بعلي بن أبي طالب. الثاني: بالريح والملائكة , قاله قتادة والسدي. ﴿وََكَانَ اللَّهُ قَوِياً﴾ في سلطانه. ﴿عَزِيزاً﴾ في انتقامه.
стр. 3011
﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْل الْكِتَابِ﴾ هم بنو قريظة من اليهود ظاهرواْ أبا سفيان ومجموعة من الأحزاب على رسول الله ﷺ أي عاونوه والمظاهرة
стр. 3012
هي المعاونة. وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنقضوه فغزاهم بعد ستة عشر يوماً من الخندق قال قتادة نزل عليه جبريل وهو عند زينب بنت جحش يغسل رأسه فقال عفا الله عنك ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة فانهد إلى بني قريظة فإني قد قلعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال فسار إليهم فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة حتى نزلوا على التحكيم في أنفسهم. وفيمن نزلوا على حكمه قولان: أحدهما: أنهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يقتل مقاتلوهم ويسبى ذراريهم وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقال قومه: آثرت المهاجرين بالعقار علينا , فقال: إنكم ذوو عقار وليس للمهاجرين فكبّر رسول الله ﷺ وقال (قُضِيَ فِيهِم بِحُكْمِ اللَّهِ) قاله قتادة. الثاني: أنهم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ولم يحكموا سعداً لكن أرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فقال: (أَشِر عَلَيَّ فِيهِم) فقال: لو وليتني أمرهم لقتلت مقاتليهم ولسبيت ذراريهم ولقسمت أموالهم فقال: (وَالَّذِي نَفْسِ بِيَدِهِ لََقَدْ أَشَرتَ عَلَيَّ فِيهِم بِالَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ) وروي ذلك عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبيه. ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ من حصونهم قال الشاعر:
стр. 3013
(فأصبحت النسوان عقرى وأصبحت ... نساء تميم يبتدرْن الصياصيا.)
وسميت بذلك لامتناعهم بها , ومنه سميت قرون البقر صياصي لامتناعها بها , وسميت شوكة الديك التي في ساقه صيصية. ﴿وَقَذَفَ فِي قُُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قال قتادة بصنيع جبريل بهم. ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ حكى عطية القرظي أنهم عُرضوا على النبي ﷺ يوم بني قريظة فمن كان احتلم أو نبتت عانته قتل , فنظروا إليّ فلم تكن نبتت عانتي فتركت فقيل إنه قتل منهم أربعمائة وخمسين رجلاً وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿فَرِيقاً تقتلون﴾ وسبي سبعمائة وخمسين رجلاً وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله ﴿وتأسرون فريقاً﴾ وقال قتادة: قتل أربعمائة وسبى سبعمائة. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُم وَأَمْوَالَهُم﴾ يريد بالأرض النخل والمزارع , وبالدبار المنازل وبالأموال المنقولة. ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُوهَا﴾ فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها مكة , قاله قتادة. الثاني: خيبر , قاله السدي وابن زيد. الثالث: فارس والروم , قاله الحسن. الرابع: ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة , قاله عكرمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ علََى كُلِّ شَيءٍ قَدِيراً﴾ فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قديرٌ , قاله ابن اسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقرى , قدير , قاله النقاش.
стр. 3014
﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾
стр. 3015
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّها النَبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية. وهذا أمر من الله لنبيه أن يخبر أزواجه , واختلف أهل التأويل في تخييره لهن على قولين: أحدهما: خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن واختيار الآخرة فيمسكهن , ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنه خيّرهن بين الطلاق أو المقام معه، وهذا قول عائشة ﵂ وعكرمة والشعبي ومقاتل. روى عبد الله بن أبي ثورعن ابن عباس قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير فبدأني أول امرأة من نسائه , فقال: (إنّي ذَاكَرٌ أَمْراً وَلَا عَلَيك أَلَاّ تَعْمَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبُوَيكِ) وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم تلا آية التخيير فقالت أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل قولي. وقال سعيد بن جبير: إلا الحميرية فإنها اختارت نفسها. واختلف في السبب الذي لأجله خير رسول الله ﷺ نساءه على خمسة أقاويل: أحدها: لأن الله تعالى خير نبيه بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة , فاختار الآخرة على الدنيا وقال: (اللَّهُمَّ احْيِنِي مِسْكِيناً وَأمِتْنِي مِسْكِينَاً وَاحْشْرْنِي فِي زُمْرَةِ
следующие страницы →