Полный текст (4 439 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما﴾ قوله : ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنهُنَّ وَتُئْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: تطلق من تشاء من نسائك وتمسك من تشاء منهن , قاله ابن عباس. الثاني: تترك نكاح من تشاء وتنكح من تشاء , قاله الحسن. الثالث: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها , وتأتي من شئت من أزواجك فلا
стр. 3047
تعزلها، قاله مجاهد. ويدل على أن القَسم في هذا التأويل كان ساقطاً عنه. الرابع: تؤخر من تشاء من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن، قاله قتادة. وروى منصور عن ابن رزين قال: بلغ بعض نسوة النبي ﷺ أنه يريد أن يخلي سبيلهن , فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك , فأرجأ منهن نسوة وآوى نسوة فكان ممن أرجأ جويرية وميمونة وأم حبيبة وصفية وسودة. وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما تشاء , وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب وكان قسمه في ماله ونفسه فيهن سواء. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي من ابتغيت فأويته إليك ممن عزلت أن تؤديه إليك. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فيهن وجهان: أحدهما: فلا جناح عليك في من ابتغيت , وفي من عزلت. قاله يحيى بن سلام. الثاني: فلا جناح في من عزلت أن تؤويه إليك , قاله مجاهد. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآءَاتيتَهُنَّ كُلُهُنَّ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: إذا علمن أنه لا يطلقهن قرت أعينهن ولم يحزن. الثاني: إذا علمن أنه لا يتزوج عليهن قرت أعينهن ولم يحزن. قاله قتادة. الثالث: إذا علمن أن هذا من حكم الله تعالى فيهن قَرَّت أعينهن ولم يحزن. قاله قتادة. الرابع: أنهن علمن أن له ردهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرَّت أعينهن ولم يحزن , قاله مجاهد.
стр. 3048
﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ قوله : ﴿لَاّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يحل لك نساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله
стр. 3049
والدار الآخرة. قال ابن عباس وقتادة. وهن التسع صار مقصوراً عليهن وممنوعاً من غيرهن. الثاني: لا يحل لك النساء من بعد الذي أحللنا لك بقولنا ﴿إِنَّآ أحْلَلْنَا لَكَ أَزَْوَاجَكَ اللَاّتِيءَآتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. وكانت الإباحة بعد نسائه مقصورة على بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته المهاجرات معه , قاله أبي بن كعب. الثالث: لا يحل لك النساء من غير المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات , ويحل ما سواهن من المسلمات , قاله مجاهد. ﴿وَلَا أَن تَبَدَّلَ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنَهُنَّ﴾ فيه ثلاثة أقوايل: أحدها: ولا أن تبدل بالمسلمات مشركات , قاله مجاهد. الثاني: لا تطلق زوجاتك لتستبدل بهن من أعجبك حسنهن , قاله الضحاك. وقيل التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها. الثالث: ولا أن تبدل بأزواجك زوجات غيرك فإن العرب كانوا في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم فيعطي أحدهم زوجته لرجل ويأخذ بها منه زوجته بدلاً منها , قاله ابن زيد.
стр. 3050
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول
стр. 3051
الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامُنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَاّ أَن يُؤذَنَ لَكُمْ﴾ سبب نزل هذه الآية ما رواه أبو نضرة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ مر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون , فكره ذلك وكان إذا كره الشىء عُرف من وجهه فلما كان العَشي خرج فصعد المنبر فتلا هذه الآية. قوله : ﴿إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: غير منتظرين نضجه , قاله الضحاك ومجاهد. الثاني: غَيْرَ متوقعين لحينه ووقته , قاله قتادة. ﴿وَلكِن إذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ﴾ فدل هذا على حظر الدخول بغير إذن. ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فآنتَشِرُواْ﴾ أي فاخرجوا , فدلّ على أن الدخول للأكل يمنع من المقام بعد الفراغ من الأكل. ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ... ﴾ روى أبو قلابة عن أنس. قال: لما أهديت إلى رسول الله ﷺ زينبُ بنت جحش وضع طعاماً ودعا قوماً فدخلوا وزينب مع رسول الله ﷺ , فجعلوا يتحدثون وجعل رسول الله ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود فأنزل الله تعالى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُواْ﴾. قوله : ﴿. . فَيَسْتَحْي مِنكُمْ﴾ يعني النبي ﷺ أن يخبركم. ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يأمركم به. ﴿وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حاجة , قاله السدي. الثاني: صحف القرآن , قاله الضحاك. الثالث: عارية , قاله مقاتل. ومعانيها متقاربة.
стр. 3052
﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أمرن وسائر النساء بالحجاب عن أبصار الرجال وأمر الرجال بغض أبصارهم عن النساء. وفي سبب الحجاب ثلاثة أقاويل: أحدها ما رواه مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: كنت آكل مع رسول الله ﷺ حيساً في قعب , فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي فقال عمر لو أُطَاعُ فيكن ما رأتكن عين , فنزلت آيات الحجاب. الثاني: ما رواه عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إلى المباضع وهي صعيد أفيح يتبرزن فيه , وكان عمر يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك يا رسول الله , فلم يكن يفعل , فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي , وكانت امرأة طويلة فناداها بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة , حرصاً أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله تعالى الحجاب. الثالث: ما روى ابن مسعود أن عمر ﵁ أمر نساء النبي ﷺ بالحجاب فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا , فأنزلت الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حَجَابٍ﴾. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهنَّ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أطهر لها من الريبة. الثاني: أطهر لها من الشهوة. ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤُذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلآَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ حكى السدي أن رجلاً من قريش من بني تميم قال عند نزول الحجاب أيحجبنا رسول
стр. 3053
الله عن بنات عمنا ويتزوج نساءَنا لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده , فأنزلت هذه الآية. ولتحريمه تعديهن لزمت نفقاتهن من بيت المال. واختلف أهل العلم في وجوب العدة عليهن بوفاة رسول الله ﷺ عنهن على وجهين: أحدهما: لا تجب عليهن العدة لأنها مدة تربص ينتظر بها الإباحة. الثاني: تجب لأنها عبادة وإن لم تعقبها إباحة.
стр. 3054
﴿لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا﴾ قوله : ﴿لَاّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِّيءَابَآئِهِنَّ وَلآ أَبْنَآئِهِنَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: لا جناح عليهن في ترك الحجاب. قاله قتادة. الثاني: في وضع الجلباب , قاله مجاهد. ﴿وَلَا إخْوَانِهِنَّ وَلآَ أَبْنَآءِ إخَوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ قال الشعبي لم يذكر العم لأنها تحل لابنه فيصفها له. ﴿وَلَا نِسَآئِهِنَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني النساء المسلمات دون المشركات , قاله مجاهد. الثاني: أنه في جميع النساء. ﴿وَلَا مَا مَلََكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنه عام في الإماء والعبيد. واختلف من قال بهذا فيما أبيح للعبد على قولين: أحدهما: ما أبيح لذوي المحارم من الآباء والأبناء ما جاوز السرة وانحدر عن الركبة لأنها تحرم عليه كتحريمها عليهم.
стр. 3055
الثاني: ما لا يواريه الدرع من ظاهر بدنها , قاله إبراهيم. لأنه العبد وإن حرم في الحال فقد يستباح بالعتق في ثاني حال. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه الكلبي أنه لما نزل في آية الحجاب ﴿وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مَن ورَآءِ حَجَابٍ﴾ قام الآباء والأبناء وقالوا يا رسول الله نحن لا نكلمهن أيضاً إلا من وراء حجاب , فنزلت هذه الآية.
стр. 3056
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ قوله : ﴿إنَّ اللَّهَ وَملَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه عند الملائكة , وصلاة الملائكة الدعاء , قاله أبو العالية. الثاني: أن صلاة الله تعالى عليه المغفرة له , وصلاة الملائكة الاستغفار له , قاله سعيد بن جبير. الثالث: أن صلاة الله تعالى عليه رحمته , وصلاة الملائكة الدعاء له , قاله الحسن , وهو معنى قول عطاء بن أبي رباح. الرابع: أن صلاتهم عليه أن يباركوا عليه؟ قاله ابن عباس. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلَّمُواْ تَسْلِيماً﴾ روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى. قال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال: (قُولُواْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صلَيتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ).
стр. 3057
قال أبو العباس ثعلب: معنى قولنا اللهم صل على محمد أي زد محمداً بركة ورحمة , ويجري فيه التأويلات المذكورة. وقوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: سلموا لأمره بالطاعة له تسليماً. الثاني: وسلموا عليه بالدعاء له تسليماً أي سلاماً. حكى مقاتل قال: لما نزلت هذه الآية قال المسلمون فما لنا يا رسول الله؟ فنزلت ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ﴾ الآية.
стр. 3058
﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ قوله : ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أصحاب التصاوير؛ قاله عكرمة. الثاني: أنهم الذين طعنوا على رسول الله ﷺ حين اتخذ صفية بنت حيي بن أخطب , قاله ابن عباس. الثالث: أنهم قوم من المنافقين كانوا يكذبون على رسول الله ﷺ ويبهتونه قاله يحيى بن سلام. وفي قوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: معناه يؤذون أولياء الله. الثاني: أنه جعل أذى رسوله ﷺ أذى له تشريفاً لمنزلته. الثالث: هو ما روي عن النبي ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا كَانَ يَنبَغِي لَهُ أَن يَشْتُمَنِي , وَكَذَّبَنِي وَمَا كَانَ لَهُ أَن يُكَذِّبَنِي فَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي فَقَولُهُ إِنَّ لِيَ وَلَداً
стр. 3059
وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَولُهُ إنِّي لَا أَبْعَثُ بَعدَ المَوتِ أَحداً. وَلَعنُة الدُّنْيَا التَّقْتِيلُ وَالجَلَاءُ , وَلَعْنَةُ الآخرَةِ النَّارُ). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية. فيمن نزلت فيه هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الزناة وكانوا يمشون فيرون المرأة فيغمزونها؛ قاله الكلبي. الثاني: نزلت في قوم كانوا يؤذون علياً ﵁ , ويكذبون عليه , قاله مقاتل والنقاش. الثالث: أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك , قاله الضحاك. وروى قتادة أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأها ذات ليلة فأفزعه ذلك حتى انطلق إلى أبيّ فقال يا أبا المنذر إني قرأت كتاب الله فوقعت مني كل موقع. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ﴾ والله إني لأعاقبهم وأضربهم , فقال: إنك لست منهم , إنما أنت مؤدب , إنما أنت معلم.
стр. 3060
﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبَهنَّ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الجلباب الرداء , قاله ابن مسعود والحسن. الثاني: أنه القناع؛ قاله ابن جبير.
стр. 3061
الثالث: أنه كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها , قاله قطرب. وفي إدناء جلابيبهن عليهن قولان: أحدهما: أن تشده فوق رأسها وتلقيه فوق خمارها حتى لا ترى ثغرة نحرها , قاله عكرمة. الثاني: أن تغطي وجهها حتى لا تظهر إلا عينها اليسرى , قاله عَبيدة السلماني. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ليعرفن من الإماء بالحرية. الثاني: يعرفن من المتبرجات بالصيانة. قال قتادة: كانت الأمة إذا مرت تناولها المنافقون بالأذى فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. قوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الزناة , قاله عكرمة والسدي. الثاني: أصحاب الفواحش والقبائح , قاله سلمة بن كهيل. وفي قوله: ﴿لَّئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ قولان: أحدهما: عن إيذاء نساء المسلمين قاله الكلبي. الثاني: عن إظهار ما في قلوبهم من النفاق , قاله الحسن وقتادة. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يكاثرون النساء ويتعرضون لهن , قاله السدي. الثاني: أنهم الذين يذكرون من الأخبار ما يضعف به قلوب المؤمنين وتقوى به قلوب المشركين قاله قتادة. الثالث: أن الإرجاف التماس الفتنة , قاله ابن عباس , وسيت الأراجيف لاضطراب الأصواب بها وإفاضة الناس فيها. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لنسلطنك عليهم، قاله ابن عباس.
стр. 3062
الثاني: لنعلمنك بهم , قاله السدي. الثالث: لنحملنك على مؤاخذتهم , وهو معنى قول قتادة. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلَاّ قَلِيلاً﴾ قيل بالنفي عنها , وقيل الذي استثناه ما بين قوله لهم اخرجوا وبين خروجهم. قوله: ﴿سُنَّةُ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني سنته فيهم أن من أظهر الشرك قتل , قاله يحيى بن سلام. الثاني: سنته فيهم أن من زَنَى حُد , وهو معنى قول السدي. الثالث: سنته فيهم أن من أظهر النفاق أبعد , قاله قتادة. ﴿ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني تحويلاً وتغييراً , حكاه النقاش. الثاني: يعني أن من قتل بحق فلا دية له على قاتله , قاله السدي.
стр. 3063
﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ قوله: ﴿ ... إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرآءَنَا﴾ في السادة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الرؤساء. الثاني: أنهم الأمراء , قاله أبو أسامة. الثالث: الأشراف , قاله طاوس. وفي الكبراء هنا قولان:
стр. 3064
أحدهما: أنهم العلماء , قاله طاووس. الثاني: ذوو الأسنان , وهو مأثور. ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ يعني طريق الإيمان. وفي قوله الرسولا والسبيلا وجهان: أحدهما: لأنها مخاطبة يجوز مثل ذلك فيها عند العرب , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن الألف للفواصل في رؤوس الآي , قاله ابن عيسى , وقيل إن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلاً من قريش هم المطعمون يوم بدر. قوله: ﴿رَبَّنَاءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قاله قتادة. الثاني: عذاب الكفر وعذاب الإضلال. ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ بالباء قراءة عاصم يعني عظيماً وقرأ الباقون بالتاء يعني اللعن على اللعن.
стр. 3065
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها﴾ قوله: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَءَامُنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ أَذَواْ مُوسَى﴾ معناه لا تؤذوا محمداً فتكونوا كالذين آذواْ موسى. وفيما آذوا به رسوله محمد ﷺ قولان: أحدهما: قولهم زيد بن محمد , حكاه النقاش. الثاني: أن النبي ﷺ قسم قسماً فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي ﷺ فغضب وقال: (رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبِرَ) قاله أبو وائل. وفيما أوذي به موسى ﵇ ثلاثة أقاويل:
стр. 3066
أحدها: أن رَمَوهُ بالسحر والجنون. الثاني: ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيّاً سَتِيراً لَا يَكَادُ يُرَى مِن جَسَدِهِ شَيءٌ يَسْتَحَيا مِنُه فآذَاهُ مَن آذَاهُ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ وَقَالُواْ مَا يَسْتَتِرُ إلَاّ مِن عَيبٍ بِجِلْدِهِ أَوْ جِسْمِهِ , إمَّا مِن بَرَصٍ وَإمَّا آدَرٌ أَوْ بِهِ آفَةٌ وَإنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبْرِئَهُ مِمَّا قَالُواْ وَإنَّ مُوسَى خَلَا يَوماً وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ اغْتَسَلَ , فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إلَى ثَوبِهِ لِيَأْخُذَهُ وَإنَّ الْحَجَرَ عَدَا بثيَابِهِ فَطَلَبَهُ مُوسَى فَانتَهَى إلَى مَلإٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ فَرأَوهُ عُرْيَاناً كَأَحْسَنِ الرِّجالِ خَلْقاً فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُواْ). الثالث: ما رواه ابن عباس عن علي ﵁ أن موسى صعد وهارون الجبل فمات هارون فقال بنو إسرائيل أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حباً فآذوه بذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجلس بني إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته ثم دفنته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وأن الله جعله أصم أبكم ومات هارون قبل موسى في التيه ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين. ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المقبول , قاله ابن زيد. الوجه الثاني: لأنه مستجاب الدعوة قاله الحسن. الثالث: لأنه ما سأل الله شيئاً إلا أعطاه إلى النظر , قاله ابن سنان. قاله قطرب: والوجيه مشتق من الوجه لأنه أرفع الجسد.
стр. 3067
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ قوله: ﴿َوَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: عدلاً , قاله السدي. الثاني: صدقاً، قاله قتادة.
стр. 3068
الثالث: صواباً، قاله ابن عيسى. الرابع: هو قول لا إله إلا الله، قاله عكرمة. الخامس: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. السادس: أنه ما أريد به وجه الله دون غيره. ويحتمل سابعاً: أن يكون الإصلاح بين المتشاجرين وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض. ﴿يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يصلحها بالقبول. الثاني: بالتوفيق.
стр. 3069
﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما﴾ قوله: ﴿إنَّا عرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالِجبَالِ﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: أن هذه الأمانة هي ما أمر الله سبحانه من طاعته ونهى عن معصيته , قاله أبو العالية. الثاني: أنها القوانين والأحكام التي أوجبها الله على العباد وهو قريب من الأول , قاله ابن عباس , ومجاهد , والحسن , وابن جبير. الثالث: هي ائتمان الرجال والنساء على الفروج، قاله أبي. وقيل إن أول
стр. 3070
ما خلق الله من آدم الفرج فقال: (يَا آدَمُ هَذِهِ أَمَانَةٌ خَبَّأْتُهَا عِندَكَ فلَا تَلبِسْها إِلَاّ بِحَقٍ فإن حَفِظْتَهَا حَفِظْتُكَ). الرابع: أنها الأمانات التي يأتمن الناس بعضهم بعضاً عليها وأولها ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله , وولده حين أراد التوجه إلى أمر ربه فخان قابيل الأمانة في قتل أخيه هابيل , قاله السدي. الخامس: أن هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال والخلق من الدلائل على ربوبيته أن يظهرونها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها قاله بعض المتكلمين. وفي عرض هذه الأمانة ثلاثة أقاويل: أحدها: أن عرضها هو الأمر بما يجب من حفظها وعظم المأثم في تضييعها. قاله بعض المتكلمين. الثاني: الأمانة عورضت بالسموات والأرض والجبال فكانت أثقل منها لتغليظ حكمها فلم تستقل بها وضعفت عن حملها , قاله ابن بحر. الثالث: أن الله عرض حملها ليكون الدخول فيها بعد العلم بها. واختلف قائلو هذا على وجهين: أحدهما: أنها عرضت على السموات والأرض والجبال، قاله ابن عباس، ومجاهد.
стр. 3071
الثاني: أنها عرضت على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة قاله الحسن. ﴿فَأَبَينَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أَبَينَ أن يحملنها عجزاً وأشفقن منها خوفاً. الثاني: أبين أن يحملنها حذراً وأَشْفَقْنَ منها تقصيراً. ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ فيه قولان: أحدهما: جميع الناس , قاله ثعلب. الثاني: أنه آدم ثم انتقلت منه إلى ولده , قاله الحسن. روي عن معمر عن الحسن أن الأمانة لما عرضت على السموات والأرض والجبال قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فقالت: لا. قال مجاهد: فلما خلق الله آدم عرضها عليه قال: وما هي؟ قال: ﴿إن أَحْسَنْتَ آجَرْتُكَ وَإنْ أَسَأْتَ عَذَّبْتُكَ﴾ قال تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها إلى أن خرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. ﴿إنَّهُ كَنَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ظلوماً لنفسه , جهولاً بربه , قاله الحسن. الثاني: ظلوماً في خطيئته , جهولاً فيما حَمَّلَ ولده من بعده , قاله الضحاك. الثالث: ظلوماً لحقها , قاله قتادة. جهولاً بعاقبة أمره , قاله ابن جريج. قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يعذبهم بالشرك والنفاق وهو معنى قول مقاتل. الثاني: بخيانتهما الأمانة. قال الحسن: هما اللذان ظلماها , واللذان خاناها: المنافق , والمشرك. ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي يتجاوز عنه بأداء الأمانة والوفاء بالميثاق. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لمن تاب من شِرْكه ﴿رَحِيماً﴾ بالهداية إلى طاعته والله أعلم.
стр. 3072
سورة سبإ
مكية في قول الجميع إلا آية منها في قول الضحاك والكلبي وهي قوله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا اوتوا بالعلم﴾ [سبأ: ٦] فإنها مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 3073
﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور﴾ قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الذي خلق ما في السموات وما في الأرض. الثاني: الذي يملك ما في السموات وما في الأرض. ﴿ولَهُ الْحَمْدُ فِي الآخرَةِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو حمد أهل الجنة من غير تَكْلِفٍ فسرورهم بحمده كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعْدَه، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن , قاله ابن عيسى. الثاني: يعني أن له الحمد في السموات وفي الأرضين لأنه خلق السموات قبل الأرضين فصارت هي الأولى , والأرضون هي الآخرة، حكاه النقاش.
стр. 3074
الثالث: له الحمد في الآخرة على الثواب والعقاب لأنه عَدْل منه , قاله بعض المتأخرين. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ يعني الحكيم في أمره , الخبير بخلقه. قوله : ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وََمَا يَخْرُجُ مِنهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما يلج في الأرض المطر , وما يخرج منها النبات , قاله الضحاك. الثاني: ما يلج فيها الأموات , قاله الكلبي , وما يخرج منها كنوز الذهب والفضة , والمعادن , حكاه النقاش. الثالث: ما يلج فيها: البذور , وما يخرج منها: الزروع. ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الملائكة تنزل من السماء وتعرج فيها , قاله السدي. الثاني: وما ينزل من السماء: القضاء , وما يعرج فيها: العمل , وهو محتمل. الثالث: ما ينزل من السماء: المطر , قاله الضحاك , وما يعرج فيها: الدعاء. وهو محتمل.
стр. 3075
﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ قوله : ﴿وَالَّذِينَ سَعَواْ فِيءَايَاتِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن سعيهم فيها بالجحود لها , قاله الضحاك. الثاني: بالتكذيب بها.
стр. 3076
﴿مُعَاِجِزِينَ﴾ وقرىء. ﴿مُعْجِزِينَ﴾ وفي تأويل معاجزين أربعة أوجه: أحدها: مسابقين , قاله قتادة. الثاني: مجاهدين , قاله ابن زيد. الثالث: مراغمين مشاقين , وهو معنى قول ابن عباس وعكرمة. الرابع: أي لا يعجزونني هرباً ولا يفوتونني طلباً , وهو معنى قول الكلبي. وفي تأويل معجزين ثلاثة أوجه: أحدها: مثبطين الناس عن اتباع الرسول , قاله مجاهد. الثاني: مضعّفين لله أن يقدر عليهم , قاله بعض المتأخرين. الثالث: معجزين من آمن وصَدَّقَ بالبعث بإضافة العجز إليه. ويحتمل رابعاً: أنهم نسبوا المؤمنين إلى العجز عن الانتصار لدينهم إما بضعف الحجة وإما بقلة القوة. ﴿أُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٍ﴾ قال قتادة: الرجز هو العذاب الأليم. قوله : ﴿وَيَرَى الَّذينَ أوتُواْ الْعِلْمَ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أصحاب محمد ﷺ . الثاني: أنهم المؤمنون من أهل الكتاب , قاله الضحاك. ﴿الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ قال الحسن هو القرآن كله حق. ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يهدي إلى دين الله وهو الإسلام , رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله ﷺ . الثاني: إلى طاعة الله وسبيل مرضاته.
стр. 3077
﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة
стр. 3078
في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب﴾ قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني بالبعث. ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي يخبركم أنكم إذا متم فأكلتكم الأرض أو الطير حتى صرتم عظاماً ورفاتاً. ﴿إنَكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي تحشرون وتبعثون. قيل إن أبا سفيان ابن حرب قال هذا لأهل مكة , فأجاب بعضهم بعضاً. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي قائل هذا أن يكون كذاباً أو مجنوناً فرد الله تعالى عليهم قولهم هذا بأن قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ العذاب في الآخرة , والضلال البعيد في الدنيا. وفيه وجهان: أحدهما: أنه البعيد من الهدى , قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه الشقاء الطويل , قاله السدي. قوله : ﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: معناه ألم ينظروا إلى السماء والأرض كيف أحاطت بهم؟ لأنك إن نظرت عن يمينك أو شمالك , أو بين يديك أو خلفك رأيت السماء والأرض , قاله قتادة , إذكاراً لهم بقدرة الله تعالى عليهم وإحاطتها بهم , لأنهم , لا يرون لأوليتهما ابتداء ولا لآخرتهما انتهاء , وإن بعدوا شرقاً وغرباً. الثاني: يعني ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ فمن أهلكهم الله تعالى من الأمم الماضية في أرضه ﴿وَمَا خَلْفَهُم﴾ من أمر الآخرة في سمائه , قاله أبو صالح. ﴿إن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ يعني كما خسفنا بمن كان قبلهم. ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ فيه وجهان:
стр. 3079
أحدهما: أن الكسف العذاب قاله السدي. الثاني: قطعاً من السماء ليعلموا أنه قادر على أن يعذب بسمائه إن شاء ويعذب بأرضه إن شاء , وكل خلقه له جند , قاله قتادة. ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه المجيب , قاله مجاهد وعطاء. الثاني: أنه المقبل بتوبته , قاله قتادة , قال الشاعر:
(أناب إلى قولي فأصبحت مرصداً ... له بالمكافأة المنيبة والشكر)
الثالث: أنه المستقيم إلى ربه , وهو قول الضحاك. الرابع: أنه المخلص للتوحيد , حكاه النقاش.
стр. 3080
﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ فيه سبعة أقاويل: أحدها: النبوة. الثاني: الزبور. الثالث: فصل القضاء بالعدل. الرابع: الفطنة والذكاء. الخامس: رحمة الضعفاء. السادس: حسن الصوت. السابع: تسخير الجبال له والطير. ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: سبحي معه , قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: سيرى معه قاله الحسن وهو من السير ما كان في النهار كله أو في الليل كله , وقيل: بل هو سير النهار كله دون الليل.
стр. 3081
الثالث: ارجعي إذا رجع , قال الشاعر:
(يومان يوم مقاماتٍ وأنديةٍ ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب.)
أي رجوع بعد رجوع. ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال قتادة كان يعمل به كما يعمل بالطين لا يدخله النار ولا يضربه بمطرقة. ويحتمل وجهاً آخر أنه سهل له الحديد أن يعمل منه ما شاء وإن كان على جوهره وطبعه من قولهم قد لان لك فلان إذا تسهل عليك. قوله : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي درعاً تامة , ومنه إسباغ النعمة إتمامها , قال الشاعر:
(وأكثرهم دروعاً سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا)
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فيه قولان: أحدهما: عدِّل المسامير في الحلقة لا تصغر المسمار وتعظم الحلقة فيسلس , ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنفصم الحلقة , قاله مجاهد. الثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها , قال قتادة: وكان داود أول من عملها , وكان قبل ذلك صفائح. وفي ﴿السَّرْدِ﴾ قولان: أحدهما: أنه النقب الذي في حلق الدرع , قاله ابن عباس , قال لبيد:
(وما نسجت أسراد داود وابنه ... مضاعفة من نسجه إذ يقاتل)
الثاني: أنه المسامير التي في حلق الدرع , قاله قتادة , مأخوذ من قولهم: سرد الكلام يسرده إذا تابع بينه , ومنه قول النبي ﷺ : في الأشهر الحرم ثلاثة سردٌ وواحد فرد. وقال الهذلي:
(وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع)
وحكى ضمرة بن شوذب أن داود ﵇ كان يرفع كل يوم درعاً فيبيعها
стр. 3082
بستة آلآف درهم , ألفان لأهله , وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري. وحكى يحيى بن سلام والفراء أن لقمان حضر داود عند أول درع عملها فجعل يتفكر فيما يريد به ولا يدري ما يريد , فلم يسله حتى إذا فرغ منها داود قام فلبسها وقال: نعمت جنة الحرب هذه , فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله. ﴿وَاعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر , قاله ابن عباس. الثاني: فعل جميع الطاعات. ﴿إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي يعلم ما تعملون من خير أو شر.
стр. 3083
﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾ قوله : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح. ﴿غُدُوَّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ قال قتادة: تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين. وقال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع ويروح فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للمسرع. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال قتادة هي عين بأرض اليمن , قال السدي: سيلت له ثلاثة أيام , قال عكرمة: سال له القطر ثلاثة أيام من صنعاء اليمن كما يسيل الماء. وقال الضحاك: هي عين بالشام. وفي القطر قولان: أحدهما: أنه النحاس , قاله ابن عباس وقتادة والسدي.
стр. 3084
الثاني: الصَّفر , قاله مجاهد وعطاء وابن زيد. ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني أن منهم من سخره الله تعالى للعمل بين يديه , فدل على أن منهم غير مسخر. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي بأمر ربه. ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني عن طاعة الله تعالى وعبادته , قاله يحيى بن سلام. الثاني: عما يأمره سليمان , قاله قتادة: لأن أمر سليمان كان كأمر الله تعالى لكونه نبياً من أنبيائه. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِيرِ﴾ أي النار المسعرة وفيه قولان: أحدهما: نذيقه ذلك في الآخرة , قاله الضحاك. الثاني: في الدنيا , قاله يحيى بن سلام. لأنه لم يكن يسخر منهم إلا الكفار فإذا آمنوا أرسلوا , قال وكان مع المسخرين منهم ملك بيده سوط من عذاب السعير فإذا خالف سليمان ضربه الملك بذلك السوط. قوله : ﴿يَعْمَلَونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها قصور , قاله عطية. الثاني: المساجد , قاله قتادة , والحسن. الثالث: المساكن , قاله ابن زيد. قال أبو عبيدة: محراب الدار أشرف موضع فيها , ولا يكون إلا أن يرتقى إليه. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ هي الصور، قال الحسن ولم تكن يومئذ محرمة , وفيها قولان: أحدهما: أنها من نحاس، قاله مجاهد. الثاني: من رخام وشبَه، قاله قتادة. ثم فيها قولان: أحدهما: أنها كانت طواويس وعقاباً ونسوراً على كرسيه ودرجات سريره لكي يهاب من شاهدها أن يتقدم، قاله الضحاك.
стр. 3085
الثاني: صور الأنبياء الذين قبله , قاله الفراء. ﴿وِجِفَانٍ﴾ قال مجاهد: صحاف. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كالحياض , قاله الحسن. الثاني: كالجوبة من الأرض , قاله مجاهد. الثالث: كالحائط , قاله السدي. ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: عظام , قاله مجاهد. الثاني: أن أثافيها منها , قاله ابن عباس. الثالث: ثابتات لا يزلن عن أماكنهن , قاله قتادة , مأخوذ من الجبال الرواسي لثبوتها وثبوت الأرض بها. قال ابن جريج: ذكر لنا أن تلك القدور باليمن أبقاها الله تعالى آية وعبرة. ﴿اعْمَلُواْءَال دَاوُدَ شُكْراً﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه توحيد الله تعالى , قاله يحيى بن سلام. الثاني: تقوى الله والعمل بطاعته , قاله محمد بن كعب. الثالث: صوم النهار وقيام الليل , قاله ابن أبي زياد , فليس ساعة من نهار إلا وفيها من آل داود صائم ولا ساعة من الليل إلا وفيها من آل داود قائم. الرابع: اعملوا من الأعمال ما تستوجبون عليه الشكر , قاله ابن عطاء. الخامس: اذكروا أهل البلاء وسلوا ربكم العافية. السادس: ما حكاه الفضيل أنه لما قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُواْءَالَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ فقال داود إِلهي كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قاله: (الآنَ شَكَرْتِنِي حِينَ عَلمْتَ أَنَّ النِّعَمَ مِنِّي). ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: المؤمن , قاله يحيى بن سلام.
следующие страницы →