Полный текст (4 439 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم , قاله الحسن , ومجاهد. والثالث: يعني احتساباً لأنفسهم عند الله , قاله ابن عباس , وقتادة. والرابع: توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله , قاله بعض المتكلمين. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ في الربوة قولان: أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض , وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه. والثاني: كل ما ارتفع عن مسيل الماء , قاله اليزيدي. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ في الوابل وجهان: أحدهما: المطر الشديد. والثاني: الكثير , قال عدي بن زيد:
(قليل لها مني وإن سخطت بأن ... أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا)
﴿فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ وإنما خص الربوة لأن نبتها أحسن , وريعها أكثر , قال الأعشى:
(ما روضة من رياض الحزن معيشة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل)
والأُكُل , بالضم: الطعام لأن من شأنه أن يؤكل. ومعنى ضعفين: مثلين , لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه , وضعفاه: مثلاه زائداً عليه , وقيل ضعف الشيء مثلاه , والأول قول الجمهور. ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطل: الندى , وهو دون المطر , والعرب تقول: الطل أحد المطرين , وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً , وفيه وإن قل تماسكٌ ونَفْعٌ , فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع , وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع , ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره , كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر.
стр. 457
﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها
стр. 458
الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وهي البستان. ﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ لأنه من أنفس ما يكون فيها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأْنْهَارُ﴾ لأن أنفسها ما كان ماؤها جارياً. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه , فكان أضعف أملاً وأعظم حسرة. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ لأنه على الضعفاء أحَنّ , وإشفاقه عليهم أكثر. ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ وفي الإعصار قولان: أحدهما: أنه السَّمُوم الذي يقتل , حكاه السدي. والثاني: الإعصار ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود تسميها العامة الزوبعة , قال الشاعر:
( ... ... ... ... ... ... ... ... إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً)
وإنما قيل لها إعصار لأنها تَلْتَفُّ كالتفاف الثوب المعصور. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يوضح لكم الدلائل. والثاني: يضرب لكم الأمثال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تعتبرون , لأن المفكر معتبر. والثاني: تهتدون , لأن الهداية التَّفَكُّر. واختلفوا في هذا المثل الذي ضربه الله في الحسرة لسلب النعمة , من المقصود به؟ على ثلاثة أقاويل:
стр. 459
أحدها: أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها , قاله السدي. والثاني: هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى , قاله مجاهد. والثالث: هو مثل للذي يختم عمله بفساد , وهو قول ابن عباس.
стр. 460
﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني به الذهب والفضة , وهو قول عليّ ﵇. والثاني: يعني التجارة , قاله مجاهد. والثالث: الحلال. والرابع: الجيد. ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ من الزرع والثمار. وفي الكسب وجهان محتملان: أحدهما: ما حدث من المال المستفاد. والثاني: ما استقر عليه المِلك من قديم وحادث. واختلفوا في هذه النفقة على قولين: أحدهما: هي الزكاة المفروضة قاله عبيدة السلماني.
стр. 461
والثاني: هي في التطوع , قاله بعض المتكلمين. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ التيمم: التعمد , قال الخليل: تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه , ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان , وقال غيره: هما سواء , والخبيث: الرديء من كل شيء , وفيه هنا قولان: أحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة , فنزلت هذه الآية , وهو قول عليٍّ , والبراء بن عازب. والثاني: أن الخبيث هو الحرام , قاله ابن زيد. ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: إلا أن تتساهلوا , وهو قول البراء بن عازب. والثاني: إلا أن تحطوا في الثمن , قاله ابن عباس. والثالث: إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج. والرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه , قاله السدي , وقال الطِّرِمّاح:
(لم يفتنا بالوِتر قوم وللضيْ ... م رجال يرضون بالإغماضِ)
قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق. ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالشح. والثاني: بالمعاصي. ﴿وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ... . لكم. والثاني: عفواً لكم. ﴿وَفَضْلاً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: سعة الرزق.
стр. 462
والثاني: مضاعفة العذاب. ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رُوِيَ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِلشَّيطَانِ لَمَّةً مِن ابن آدَم , وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً , فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ , وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ , فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ وَلْيَحْمِدِ اللهَ , وَمَنْ وَجَدَ الأخَرَ فَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ). ثم تلا هذه الآية. قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ في الحكمة سبعة تأويلات: أحدها: الفقه في القرآن , قاله ابن عباس. والثاني: العلم بالدين , قاله ابن زيد. والثالث: النبوّة. والرابع: الخشية , قاله الربيع. والخامس: الإصابة , قاله ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسادس: الكتابة , قاله مجاهد.
стр. 463
والسابع: العقل , قاله زيد بن أسلم. ويحتمل ثامناً: أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا.
стр. 464
﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير﴾ قوله : ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ يعني أنه ليس في إبدائها كراهية. ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يعود إلى صدقة التطوع , يكون إخفاؤها أفضل , لأنه من الرياء أبعد , فأما الزكاة فإبداؤها أفضل , لأنه من التهمة أبعد , وهو قول ابن عباس , وسفيان. والثاني: أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل , قاله يزيد بن أبي حبيب , والحسن , وقتادة. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (مِنْ) زائدة تقديرها: ويكفر عنكم سيئاتكم. والثاني: أنها ليست زائدة وإنما دخلت للتبعيض , لأنه إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة الصغائر , وفي تكفيرها وجهان: أحدهما: يسترها عليهم. والثاني: يغفرها لهم.
стр. 465
﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا
стр. 466
من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قوله : ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قيل هم فقراء المهاجرين , وفي أحصروا أربعة أقاويل: أحدها: أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار , قاله قتادة , وابن زيد. والثاني: منعهم الكفار بالخوف منهم , قاله السدي. والثالث: منعهم الفقر من الجهاد. والرابع: منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني تصرفاً , قاله ابن زيد. والثاني: يعني تجارة , قاله قتادة , والسدي. ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يعني من قلة خبرته بهم , ومن التعفف: يعني من التقنع والعفة والقناعة. ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ السمة: العلامة , وفي المارد بِهَا هُنَا قولان: أحدهما: الخشوع , قاله مجاهد. والثاني: الفقر , قاله السدي. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يسأل وله كفاية.
стр. 467
والثاني: أنه الاشتمال بالمسألة , ومنه اشتق اسم اللحاف. فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير إلحاف؟ قيل: لا؛ لأنهم كانوا أغنياء من التعفف , وإنما تقدير الكلام لا يسألون فيكون سؤالهم إلحافاً. قال ابن عباس في أهل الصُفَّة من المهاجرين: لم يكن لهم بالمدينة منازل ولا عشائر وكانوا نحو أربعمائة. قوله : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ اختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه , كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة , أنفق في سواد الليل درهماً , وفي وضح النهار درهماً , وسراً درهماً , وعلانية درهماً , قاله ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليل والنهار سِرّاً وعلانية , قاله أبو ذر , والأوزاعي. والثالث: أنها نزلت في كل مَنْ أنفق ماله في طاعة الله. ويحتمل رابعاً: أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار , لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار , في سر وعلانية , فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإرادة وتوافق قدر الحاجة.
стр. 468
﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ يعني يأخذون الربا فعبر عن الأخذ بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل , والربا: هو الزيادة من قولهم: ربا السويق يربو إذا زاد , وهو الزيادة على مقدار الدَّيْنِ لمكان الأجل.
стр. 469
﴿لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني من قبورهم يوم القيامة , وفيه قولان: أحدهما: كالسكران من الخمر يقطع ظهراً لبطن , ونسب إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره. والثاني: قاله ابن عباس , وابن جبير , ومجاهد , والحسن: لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ , يعني الذي يخنقه الشيطان في الدنيا من المس , يعني الجنون , فيكون ذلك في القيامة علامة لأكل الربا في الدنيا. واختلفوا في مس الجنون , هل هو بفعل الشيطان؟ فقال بعضهم: هذا من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه , ينسب إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه. وقال آخرون: بل هو من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض الناس دون بعض , لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قيل إنه يعني ثقيفاً لأنهم كانوا أكثر العرب رباً , فلمّا نهوا عنه قالوا: كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع فحكى الله تعالى ذلك عنهم , ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وللشافعي في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا , فعلى هذا اختلف في قوله , هل هو من العموم الذي أريد به العموم , أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين: أحدهما: أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص. والثاني: أنه عموم أريد به الخصوص.
стр. 470
وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن العموم الذي أريد به العموم: أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص , والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص. والفرق الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ , وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به , [هذا] أحد أقاويله: والقول الثاني: أنه المجمل الذي لا يمكن [أن] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول , وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. وهذا فرق ما بين العموم والمجمل , أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها , هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين: أحدهما: أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها. والثاني: أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت بالسنة مجملة. وإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه: هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ , لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً. والوجه الثاني: أن الإجمال في لفظها ومعناها , لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً , فهذا شرح القول الثاني. والقول الثالث: أنها داخلة في العموم والمجمل , فيكون عموماً دخله التخصيص , ومجملاً لحقه التفسير , لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في
стр. 471
المعنى , فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص , والمعنى مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثاني: أن عمومها في أول الآية من قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ , وإجمالها في آخرها من قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ , فيكون أولها عاماً دخله التخصيص , وآخرها مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً , فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عاماً , فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان , في العموم بعد البيان. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّه فَانتَهَى﴾ في الموعظة وجهان: أحدهما: التحريم. والثاني: الوعيد. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قاله السدي: يعني ما أكل من الربا لا يلزمه رَدُّه. ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: في المحاسبة والجزاء. والثاني: في العفو والعقوبة. وقيل فيه وجه ثالث: في العصمة والتوفيق. وقيل فيه وجه رابع: فأمره إلى الله والمستقل في تثبيته على التحريم أو انتقاله إلى الاستباحة.
стр. 472
﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ أي ينقصه شيئاً بعد شيء , مأخوذ من محاق الشهر لنقصان الهلال فيه , وفيه وجهان: أحدهما: يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا. والثاني: يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة.
стр. 473
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة. والثاني: يضاعف أجر الصدقة ويزيدها , وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا بالعمل. ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ في الكَفَّار وجهان: أحدهما: الذي يستر نعم الله ويجحدها. والثاني: هو الذي يكثر فعل ما يكفر به. وفي الأثيم وجهان: أحدهما: أنه من بَّيت الإِثم. والثاني: الذي يكثر فعل ما يأثم به.
стр. 474
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم. والثاني: يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم. ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ فيمن نزلت هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في ثقيف وكان بينهم وبين عامر وبني مخزوم , فتحاكموا فيه إلى عتاب بن أسيد بمكة وكان قاضياً عليها من قِبَل رسول الله ﷺ فقالوا: دخلنا في الإسلام على أن ما كان لنا من الربا فهو باق , وما كان علينا فهو موضوع , فنزل ذلك فيهم وكتب به رسول الله ﷺ إليهم.
стр. 475
والثاني أنها نزلت في بقية من الربا كانت للعباس ومسعود وعبد ياليل وحبيب بن ربيعة عند بني المغيرة. قوله : ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ محمول على أن مَنْ أربى قبل إسلامه , وقبض بعضه في كُفْرِه وأسلم وقد بقي بعضه , فما قبضه قبل إسلامه معفو عنه لا يجب عليه رد , وما بقي منه بعد إسلامه , حرام عليه لا يجوز له أخذه , فأما المراباة بعد الإسلام فيجب رَدُّه فيما قبض وبقي , فيرد ما قبض ويسقط ما بقي , بخلاف المقبوض في الكفر , لأن الإسلام يجبُّ ما قبله. وفي قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قولان: أحدهما: يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه. والثاني: معناه إذا كنتم مؤمنين. قوله : ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني ترك ما بقي من الربا. ﴿فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذنوا بالمد , بمعنى: فأعلِموا غيركم , وقرأ الباقون بالقَصْر بمعنى فاعلموا أنتم , وفيه وجهان: أحدهما: إن لم تنتهوا عن الربا أموت النبي بحربكم. والثاني: إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله , يعني أعداءه. ﴿وَإِن تُبْتُم فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ يعني التي دفعتم ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم , ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بأن تمنعوا رؤوس أموالكم. قوله : ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قيل إن في قراءة أُبَيٍّ ﴿ذَا عُسْرَةٍ﴾ وهو جائز في العربية. وفيه قولان: أحدهما: أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة , قاله ابن عباس , وشريح. والثاني: أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن , لظاهر الآية , وهو قول
стр. 476
عطاء , والضحاك , وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص , وفي غيره من الديون بالقياس. وفي قوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قولان: أحدهما: مفعلة من اليسر , وهو أن يوسر , وهو قول الأكثرين. والثاني: إلى الموت , قاله إبراهيم النخعي. ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يعني وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدّيْن خير لكم من أن تُنظروه , روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا , فدعوا الربا والرُّبْية , وإن نبي الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها. قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أي اتقوا بالطاعة فيما أمرتم به من ترك الربا وما بقي منه. و ﴿يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني إلى جزاء الله. والثاني: إلى ملك الله. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: جزاء ما كسبت من الأعمال. والثاني: ما كسبت من الثواب والعقاب. ﴿وهم لا يظلمون﴾ يعني بنقصان ما يستحقونه من الثواب , ولا بالزيادة على ما يستحقونه من العقاب.
стр. 477
روى ابن عباس أن آخر آية نزلت على النبي ﷺ هذه الآية. قال ابن عباس: مكث بعدها سبع ليال.
стр. 478
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾ قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ إلى آخر الآية. في ﴿تداينتم﴾ تأويلان: أحدهما: تجازيتم. والثاني: تعاملتم. وفي ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ قولان: أحدهما: أنه ندب , وهو قول أبي سعيد الخدري , والحسن , والشعبي.
стр. 479
والثاني: أنه فرض , قاله الربيع , وكعب. ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وعَدْل الكاتب ألاّ يزيد [فيه] إضراراً بمن هو عليه , ولا ينقص منه , إضراراً بمن هو له. ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ وفيه أربعة أقاويل: أحدهما: أنه فرض على الكفاية كالجهاد , قاله عامر. والثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه , قاله الشعبي أيضاً. والثالث: أنه ندب , قاله مجاهد. والرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ , قاله الضحاك. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ يعني على الكاتب , ويقرُّ به عند الشاهد. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي لا ينقص منه شيئاً. ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب , وهو قول مجاهد. والثاني: أنه الصبي والمرأة , قاله الحسن. والثالث: أنه المبذر لماله , المُفْسِد في دينه , وهو معنى قول الشافعي. والرابع: الذي يجهل قدر المال , ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره. ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الأحمق , قاله مجاهد , والشعبي. والثاني: أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ , قاله الطبري. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه العييّ الأخرس , قاله ابن عباس. والثاني: أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة.
стр. 480
والثالث: أنه المجنون. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: وليّ مَنْ عليه الحق , وهو قول الضحاك , وابن زيد. والثاني: وليّ الحق , وهو صاحبه , قاله ابن عباس , والربيع. ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: من أهل دينكم. والثاني: من أحراركم , قاله مجاهد. ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ يعني فإن لم تكن البينة برجلين , فبرجل وامرأتين ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول , وهو قول الجمهور. والثاني: أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا , وهو قول شريح , وعثمان البتّي , وأبي ثور. ﴿تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: لئلا تضل , قاله أهل الكوفة. والثاني: كراهة أن تضل , قاله أهل البصرة. وفي المراد به وجهان: أحدهما: أن تخطىء. والثاني: أن تَنْسَى , قاله سيبويه. ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال , قاله سفيان بن عيينة. والثاني: أنها تذكرها إن نسيت , قاله قتادة , والسدي , والضحاك , وابن زيد. ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 481
أحدها: لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب , قاله ابن عباس , وقتادة , والربيع. والثاني: لإِقامتها وأدائها عند الحاكم , قاله مجاهد , والشعبي , وعطاء. والثالث: أنها للتحمل والأداء جميعاً , قاله الحسن. واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ندب وليس بفرض , قاله عطاء , وعطية العوفي. والثاني: أنه فرض على الكفاية , قاله الشعبي. والثالث: أنه فرض على الأعيان , قاله قتادة , والربيع. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ وليس يريد بالصغير ما كان تافهاً حقيراً كالقيراط والدانق لخروج ذلك عن العرف المعهود. ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾ أي أعدل , يقال: أَقْسَطَ إِذا عَدَلَ فهو مُقْسِط , قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] وقَسَطَ إذا جار , قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٤]. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أصحُّ لها , مأخوذ من الاستقامة. والثاني: أحفظ لها , مأخوذ من القيام , بمعنى الحفظ. ﴿وَأَدْنَى أَلَاّ تَرْتَابُواْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره. والثاني: ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل. ﴿إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الحاضرة ما تعجّل ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن. والثاني: أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة. ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تتناقلونها من يد إلى يد.
стр. 482
والثاني: تكثرون تبايعها في كل وقت. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَاّ تَكْتُبُوهَا﴾ يعني أنه غير مأمور بكتْبِه وإن كان مباحاً. ﴿وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه فرض , وهو قول الضحاك , وداود بن علي. والثاني: أنه ندب , وهو قول الحسن , والشعبي , ومالك , والشافعي. ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه , ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد , قاله طاووس , والحسن , وقتادة. والثاني: أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب , ويمنع الشاهد أن يشهد , قاله ابن عباس , ومجاهد , وعطاء. والثالث: أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران , قاله عكرمة , والضحاك , والسدي , والربيع. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن تكون المضارّة في الكتابة والشهادة. ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الفسوق المعصية , قاله ابن عباس , ومجاهد , والضحاك. والثاني: أنه الكذب , قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن الفسوق المأثم.
стр. 483
﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم﴾ قوله : ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ قرأ ابن كثير , وأبو عمرو: فرُهُن , وقرأ الباقون فرِهَانٌ ,
стр. 484
وفيها قولان: أحدهما: أن الرُّهُن في الأموال , والرِّهَان في الخيل. والثاني: أن الرِّهَان جمع , والرُهُن جمع الجمع مثل ثمار وثمر , قاله الكسائي , والفراء. وفي قوله: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾ وجهان: أحدهما: أن القبض من تمام الرهن , وهو قبل القبض غير تام , قاله الشافعي , وأبو حنيفة. والثاني: لأنه من لوازم الرهن , وهو قبل القبض التام , قاله مالك. وليس السفر شرطاً في جواز الرهن , لأن النبي ﷺ رَهَنَ دِرْعَه عند أبي الشحم اليهودي بالمدينة وهي حَضَرٌ , ولا عَدَمُ الكاتب والشاهد شرطاً فيه لأنه زيادة وثيقة. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ يعني بغير كاتب ولا شاهد ولا رهن. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ يعني في أداء الحق وترك المُطْل به. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في ألا يكتم من الحق شيئاً. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشِّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه فاجر قلبه , قاله السدي. والثاني: مكتسب لإِثم الشهادة.
стр. 485
﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء
стр. 486
قدير آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قوله : ﴿للهِ مَا فِي السَّمَواتِ وما في الأرض﴾ في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان: أحدهما: أنه إضافة تمليك تقديره: الله يملك ما في السماوات وما في الأرض. والثاني: معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه , وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه , وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به. وفيما أراد به قولان: أحدهما: أن المراد به كتمان الشهادة خاصة , قاله ابن عباس , وعكرمة , والشعبي. والثاني: أنه عام في جميع ما حدَّث به نفسه من سوء , أو أضمر من معصية , وهو قول الجمهور. واختلف في هذه الآية , هل حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره وحدَّث به نفسه؟ أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أن حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره , واختلف فيه من قال بثبوته على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن حكمها ثابت على العموم فيما أضمره الإِنسان فيؤاخِذ به من يشاء , ويغفر لمن يشاء , قاله ابن عمر , والحسن. والثاني: حكمها ثابت في مؤاخذة الإِنسان بما أضمره وإن لم يفعله , إلا أنَّ الله يغفره للمسلمين ويؤاخذ به الكافرين والمنافقين , قاله الضحاك , والربيع ,
стр. 487
ويكون ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ محمولاً على المسلمين , ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ محمولاً على الكافرين والمنافقين. والثالث: أنها ثابتة الحكم على العموم في مؤاخذته المسلمين بما حدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون لها , ومؤاخذة الكافرين والمنافقين بعذاب الآخرة , وهذا قول عائشة ﵂. والقول الثاني: أن حكم الآية في المؤاخذة بما أضمره الإنسان وحدث به نفسه وإن لم يفعله منسوخ. واختلف من قال بنسخها فيما نسخت به على قولين: أحدهما: بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: انزل الله ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ فاشتد ذلك على القوم فقالوا: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا , هلكنا , فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ وهو أيضاً قول ابن مسعود. والثاني: أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء , فقال النبي ﷺ : (قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا). قال: فألقى الله الإيِمان في قلوبهم , قال: فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية. فقرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأَنَا﴾. فقال تعالى: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. قال: قد فعلت. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: قد فعلت.
стр. 488
والذي أقوله فيما أضمره وحدّث به نفسه ولم يفعله إنه مُؤَاخَذ بمأثم الإعتقاد دون الفعل , إلا أن يكون كَفُّه عن الفعل ندماً , فالندم توبة تمحص عنه مأثم الإعتقاد. قوله : ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ أما إيمان الرسول فيكون بأمرين: تحمُّل الرسالة , وإِبْلَاغ الأمة , وأما إيمان المؤمنين فيكون بالتصديق والعمل. ﴿كُلٌّءَامَنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. والإِيمان بالله يكون بأمرين: بتوحيده , وقبول ما أنزل على رسوله. وفي الإِيمان بالملائكة وجهان: أحدهما: الإِيمان بأنهم رسل الله إلى أنبيائه. والثاني: الإِيمان بأن كل نفس منهم رقيب وشهيد. ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قراءة الجمهور وقرأ حمزة: ﴿وكِتَابِهِ﴾ فمن قرأ ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فالمراد به جميع ما أنزل الله منها على أنبيائه. ومن قرأ: ﴿وَكِتَابِهِ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه عنى القرآن خاصة. والثاني: أنه أراد الجنس , فيكون معناه بمعنى الأول وأنه أراد جميع الكتب والإِيمان بها والاعتراف بنزولها من الله على أنبيائه. وفي لزوم العمل بما فيها ما لم يرد نسخ قولان: ثم فيما تقدم ذكره من إيمان الرسول والمؤمنين - وإن خرج مخرج الخبر - قولان: أحدهما: أن المراد به مدحهم بما أخبر من إيمانهم. والثاني: أن المراد به أنه يقتدي بهم مَنْ سواهم. ثم قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ يعني في أن يؤمن ببعضهم
стр. 489
دون بعض , كما فعل أهل الكتاب , فيلزم التسوية بينهم في التصديق , وفي لزوم التسوية في التزام شرائعهم ما قدمناه من القولين , وجعل هذا حكاية عن قولهم وما تقدمه خبراً عن حالهم ليجمع لهم بين قول وعمل وماض ومستقبل. ﴿وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قوله وأطعنا أمره. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يراد بالسماع القبول , وبالطاعة العمل. ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ معناه نسألك غفرانك , فلذلك جاء به منصوباً. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ يعني إلى جزائك. ويحتمل وجهاً ثانياً: يريد به إلى لقائك لتقدم اللقاء على الجزاء. ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين﴾. قوله : ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ يعني طاقتها، وفيه وجهان: أحدهما: وعدٌ من الله ورسوله وللمؤمنين بالتفصل على عباده ألا يكلف نفساً إلا وسعها. والثاني: أنه إخبار من النبي ﷺ ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم قال: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ يعني لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبت يعني من المعاصي. وفي كسبت واكتسبت وجهان: أحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد. والثاني: أن كسبت مستعمل في الخير خاصة، واكتسبت مستعمل في الشر خاصّة.
стр. 490
﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا﴾ قال الحسن: معناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا. ﴿إن نسينا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. والثاني: تركنا، والنسيان: بمعنى الترك كقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]، قاله قطرب. ﴿أو أخظأنا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات. والثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب. وقد فرَّقَ أهل اللسان بين " أخطأ " وخطيء، فقالوا: " أخطأ " يكون على جهة الإثم وغير الإثم، وخطىء: لا يكون إلا على جهة الإثم، ومنه قول الشاعر:
(والناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يُلام المرشد)
﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: إصراً أي عهداً نعجز عن القيام به، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. الثاني: أي لا تمسخنا قردة وخنازير، وهذا قول عطاء. الثالث: أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة، قاله ابن زيد. الرابع: الإصر: الثقل العظيم، قاله مالك، والربيع، قال النابغة:
(يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم ... والحامل الإصر عنهم بعدما عرضوا)
﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ يعني بني إسرائيل فيما حملوه من قتل أنفسهم.
стр. 491
﴿. . ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ فيه قولان: أحدهما: ما لا طاقة لنا به مما كلفه بنو إسرائيل. الثاني: ما لا طاقة لنا به من العذاب. ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. الثاني: ولينا وناصرنا. ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ روى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿آمن الرسول بما أنزلنا إليه من ربه﴾ فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿غفرانك ربنا﴾ قال الله تعالى: قد غفرت لكم، فلما قرأ: ﴿ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله تعالى: لا أؤخذكم. فلما قرأ: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال الله تعالى: لا أحمل عليكم. فلما قرأ: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال الله تعالى: لا أحملكم. فلما قرأ: ﴿واعف عنا﴾ قال الله تعالى: قد عفوت عنكم. فلما قرأ: (واغفر لنا﴾ قال الله تعالى: قد غفرت لكم. فلما قرأ: ﴿وارحمنا﴾ قال الله تعالى: قد رحمتكم. فلما قرأ: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال الله تعالى: قد نصرتكم. وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤوا هاتين الآيتين من خاتمة البقرة فإن الله تعالى أعطانيها من تحت العرش ". وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : السورة التي
стр. 492
تذكر فيها البقرة فسطاطا القرآن، فتعلموها فإن تعليمها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة قيل: ومن البطلة؟ قال: السحرة ".
стр. 493
سورة آل عمران
стр. 494
﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام﴾ ﴿الم اللهُ لآ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقد ذكرنا تفسير ذلك من قبل. فإن قيل: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله تعالى كان قوله: ﴿اللهَ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ نعتاً للمسمى به , وتفسيره أن ﴿الم﴾ هو الله لا إله إلا هو. وإن قيل: إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم , إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً. وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً , وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. ونزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي ﷺ وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة.
стр. 495
والثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. وإن قيل بأنه الصدق ففيه وجهان: أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. والثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته , والوعيد بالعقاب على معصيته. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما قبله من كتاب ورسول , وإنما قيل لما قبله ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه. وفي قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قولان: أحدهما: معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. والثاني: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض. قوله : ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بدلائله وحججه. والثاني: بآيات القرآن , قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله ﷺ لمحاجّته. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ يعني عذاب جهنم. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في امتناعه. الثاني: في قدرته. ﴿ذُو انتِقَامٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ذو سطوة. والثاني: ذو اقتضاء.
следующие страницы →