Полный текст (4 439 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
﴿. . ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ فيه قولان: أحدهما: ما لا طاقة لنا به مما كلفه بنو إسرائيل. الثاني: ما لا طاقة لنا به من العذاب. ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. الثاني: ولينا وناصرنا. ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ روى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿آمن الرسول بما أنزلنا إليه من ربه﴾ فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿غفرانك ربنا﴾ قال الله تعالى: قد غفرت لكم، فلما قرأ: ﴿ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله تعالى: لا أؤخذكم. فلما قرأ: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال الله تعالى: لا أحمل عليكم. فلما قرأ: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال الله تعالى: لا أحملكم. فلما قرأ: ﴿واعف عنا﴾ قال الله تعالى: قد عفوت عنكم. فلما قرأ: (واغفر لنا﴾ قال الله تعالى: قد غفرت لكم. فلما قرأ: ﴿وارحمنا﴾ قال الله تعالى: قد رحمتكم. فلما قرأ: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال الله تعالى: قد نصرتكم. وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤوا هاتين الآيتين من خاتمة البقرة فإن الله تعالى أعطانيها من تحت العرش ". وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : السورة التي
стр. 492
تذكر فيها البقرة فسطاطا القرآن، فتعلموها فإن تعليمها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة قيل: ومن البطلة؟ قال: السحرة ".
стр. 493
سورة آل عمران
стр. 494
﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام﴾ ﴿الم اللهُ لآ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقد ذكرنا تفسير ذلك من قبل. فإن قيل: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله تعالى كان قوله: ﴿اللهَ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ نعتاً للمسمى به , وتفسيره أن ﴿الم﴾ هو الله لا إله إلا هو. وإن قيل: إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم , إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً. وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً , وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. ونزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي ﷺ وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة.
стр. 495
والثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. وإن قيل بأنه الصدق ففيه وجهان: أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. والثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته , والوعيد بالعقاب على معصيته. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما قبله من كتاب ورسول , وإنما قيل لما قبله ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه. وفي قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قولان: أحدهما: معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. والثاني: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض. قوله : ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بدلائله وحججه. والثاني: بآيات القرآن , قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله ﷺ لمحاجّته. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ يعني عذاب جهنم. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في امتناعه. الثاني: في قدرته. ﴿ذُو انتِقَامٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ذو سطوة. والثاني: ذو اقتضاء.
стр. 496
﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك
стр. 497
الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد﴾ قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن. ﴿مِنْهُءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل: أحدها: أن المحكم الناسخ , والمتشابه المنسوخ , قاله ابن عباس , وابن مسعود. والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه , قاله مجاهد. والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً , والمتشابه ما احتمل أوجهاً , قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير. والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه , والمتشابه الذي تكررت ألفاظه , قاله ابن زيد. والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد , والمتشابه القصص والأمثال. والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره , والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه , كقيام الساعة , وطلوع الشمس من مغربها , وخروج عيسى ونحوه , وهذا قول جابر بن عبد الله. والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
стр. 498
ويحتمل ثامناً: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة , والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة , كأعداد الصلوات , واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. وإنما جعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر , وقد روى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: (القرآن على ثلاثة أجزاء: حلال فاتبعه , وحرام فاجتنبه , ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه). وأما قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾. ففيه وجهان: أحدهما: أصل الكتاب. والثاني: معلوم الكتاب. وفيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود , قاله يحيى بن يعمر. والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن , وهو قول أبي فاختة. ويحتمل ثالثاً: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه , فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه , فلذلك سماه أم الكتاب. ﴿فَأََمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ميل عن الحق. والثاني: شك , قاله مجاهد. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي ﷺ . والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته.
стр. 499
والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي ﷺ في المسيح , فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: (بلى) فقالوا: حسبنا , فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهو قول الربيع. وفي قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أربعة تأويلات: أحدها: الشرك , قاله السدي. والثاني: اللّبْس , قاله مجاهد. الثالث: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران. والرابع: إفساد ذات البَيْن. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ في التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: أنه العاقبة المنتظرة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تأويل جميع المتشابه , لأن فيه ما يعلمه الناس , وفيه ما لا يعلمه إلا الله , قاله الحسن. والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد , كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] يعني يوم القيامة , قاله ابن عباس.
стр. 500
والثالث: تأويله وقت حلوله , قاله بعض المتأخرين. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني الثابتين فيه , العاملين به. والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين , وفيهم وجهان: أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء , وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً. روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله. الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء , ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده , ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. ﴿يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: علم ذلك عند ربنا. والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه , فنزل من عند ربنا.
стр. 501
﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب﴾ قوله : ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الدأب: العادة , (أي) كعادة آل فرعون والذين من قبلهم. والثاني: أن الدأب هنا الاجتهاد , مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر , إذا اجتهدت فيه. فإذا قيل إنه العادة ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان: أحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق. والثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم.
стр. 502
وإذا قيل إنه الاجتهاد , احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين: أحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان. والثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان. وفيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان: أحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر , كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين , كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل , فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت , لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها , وعلى القول الثاني وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع , فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله.
стр. 503
﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ قوله : ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية. في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة , فحقق الله قوله , وصدق رسوله , وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر , قاله ابن عباس , والضحاك. والثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر , فدعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام , وحذرهم مثل ما نزل بقريش , فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس , فأنزل الله فيهم هذه الآية , قاله قتادة , وابن إسحاق. والثالث: أنها نزلت في عامة الكفار. وفي الغلبة هنا قولان: أحدهما: بالقهر والاستيلاء , إن قيل إنها خاصة.
стр. 504
والثاني: بظهور الحجة , إن قيل إنها عامة. وفي ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قولان: أحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم , قاله مجاهد. والثاني: معناه بئس القرار , قاله الحسن. وفي بئس وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من البأس , وهو الشدة. والثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر. قوله : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني المؤمنين من أهل بدر. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ يعني مشركي قريش. ﴿يَرَونَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وفي مثليهم قولان: أحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق , فيصير العدد ثلاثة أمثال , قاله الفراء. والثاني: هو المزيد في الرؤية , قاله الزجاج. اختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين: أحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله , بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم , لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً , وعدة المشركين في رواية عليٍّ وابن مسعود ألف , وفي رواية عروة , وقتادة , والربيع ما بين تسعمائة إلى ألف , فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم , قاله ابن مسعود , والحسن. والثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة , أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم , لتضعف به قلوبهم. والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين , وتكثير القليل في أعين المشركين , وما تقدم من الوعد بالغلبة , فتحقق , قتلاً , وأسراً , وسبياً.
стр. 505
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾ يعني من أهل طاعته. وفي التأييد وجهان: أحدهما: أنه المعونة. والثاني: القوة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول. والثاني: أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر.
стр. 506
﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد﴾ قوله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ معنى زين: أي حُسِّن حب الشهوات , والشهوة من خَلْق الله في الإنسان , لأنها ضرورة لا يقدر على دفعها. وفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشيطان , لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها , قاله الحسن. الثاني: تأويل أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧] , قاله الزجاج. والثالث: أن الله زين من حبها ما حَسُن , وزين الشيطان من حبها ما قَبُح.
стр. 507
﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ اختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل: أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية , وهو قول معاذ بن جبل , وأبي هريرة ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (القِنْطَارُ أَلفٌ وَمِائَتا أُوقِيَّةٍ). والثاني: أنه ألف ومائتا دينار , وهو قول الضحاك , والحسن , وقد رواه الحسن عن النبي ﷺ . والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار , وهو قول ابن عباس. والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم , أو مائة رطل من الذهب , وهو قول سعيد بن المسيب , وقتادة. والخامس: أنه سبعون ألفاً , قاله ابن عمر , ومجاهد. والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً , قاله أبو نضرة. والسابع: أنه المال الكثير , وهو قول الربيع. وفي ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: أنها المضاعفة , وهو قول قتادة. والثاني: أنها الكاملة المجتمعة. والثالث: هي تسعة قناطير , قاله الفراء. والرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير , وهو قول السدي. والخامس: أنها المجعولة كذلك , كقولهم دراهم مدرهمة. ويحتمل وجهاً سادساً: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي , إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة , وإما لأنها معدة لوقت الحاجة , والقناطير
стр. 508
مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة. ﴿وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ فيها خمسة تأويلات: أحدها: أنها الراعية , قاله سعيد بن جبير , والربيع , ومنه قوله تعالى: ﴿وفيه تسيمون﴾ أي ترعون. والثاني: أن المسومة الحسنة , قاله مجاهد , وعكرمة , والسدي. والثالث: أنها المعلَّمة , قاله ابن عباس , وقتادة. والرابع: أنها المعدة للجهاد , قاله ابن زيد. والخامس: أنها من السيما مقصورة وممدود , قاله الحسن , قال الشاعر:
(غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً ... له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر)
﴿والأنْعَامِ﴾ هي الإِبل , والبقر , والغنم من الضأن والمعز , ولا يقال النعم لجنس منها على الإِنفراد إلا للإِبل خاصة. ﴿والْحَرْثِ﴾ هو الزرع. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أرض الحرث لأنها أصل , ويكون الحرث بمعنى المحروث.
стр. 509
﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ قوله : ﴿الصَّابِرِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي. والثاني: يعني في المصائب.
стр. 510
والثالث: الصائمين. ويحتمل رابعاً: الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات. ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في قولهم. والثاني في القول والفعل والنيَّة , والصدق في القول: الإخبار بالحق , والصدق في الفعل: إتمام العمل , والصدق في النية: إمضاء العزم. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني المطيعين , قاله قتادة. والثاني: معناه القائمون على العبادة , قاله الزجاج. ﴿والْمُنفِقِينَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: في الجهاد. والثاني: في جميع البِرِّ. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَارِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني المصلين بالأسحار , قاله قتادة. والثاني: أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة , قاله ابن عمر , وابن مسعود وأنس بن مالك. والثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة , قاله زيد بن أسلم. والسحر من الليل هو قبيل الفجر.
стр. 511
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن
стр. 512
أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾ قوله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ في هذه الشهادة من الله ثلاثة أقاويل: أحدها: بمعنى قضى الله أنه لا إله إلا هو. والثاني: يعني بَيَّنَ الله أنه لا إله إلا هو. والثالث: أنها الشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو. ويحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معناها الإِخبار بذلك , تأكيداً للخبر بالمشاهدة , كإخبار الشاهد بما شاهد , لأنه أوكد للخبر. والثاني: أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله إلا هو , فأما شهادة الملائكة وأولي العلم , فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته. ﴿قَآئِماً بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل. ويحتمل قيامه بالعدل وجهين: أحدهما: أن يتكفل لهم بالعدل فيهم , من قولهم قد قام فلان بهذا الأمر إذا تكفل به , فيكون القيام بمعنى الكفالة. والثاني: معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل أي ثباته , فيكون قيامه بمعنى الثبات. قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المتدين عند الله بالإِسلام من سلم من النواهي. والثاني: أن الدين هنا الطاعة , فصار كأنه قال: إن الطاعة لله هي الإِسلام. وفي أصل الإسلام قولان:
стр. 513
أحدهما: أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة , لأنه يعود إلى السلامة. والثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود , قاله الربيع. والثاني: أنهم أهل الإِنجيل من النصارى , قاله محمد بن جعفر بن الزبير. والثالث: أنهم أهل الكتب كلها , والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص , وهو قول بعض المتأخرين. وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها. والثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف. والثالث: في دين الإِسلام. وفي قوله تعالى: ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وجهان: أحدهما: طلبهم الرياسة. والثاني: عدولهم عن طريق الحق. قوله : ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ الآية. فيه وجهان: أحدهما: أي أسلمت نفسي , ومعنى أسلمت: انقدت لأمره في إخلاص التوحيد له. والثاني: أن معنى أسلمت وجهي: أخلصت قصدي إلى الله في العبادة , مأخوذ من قول الرجل إذا قصد رجلاً فرآه في الطريق هذا وجهي إليك , أي قصدي. ﴿وَالأُمِّيِّينَ﴾ هم الذين لا كتاب لهم , مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب , قال ابن عباس: هم مشركو العرب. ﴿ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ هو أمر بالإِسلام على صورة الاستفهام.
стр. 514
فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم , فعنه جوابان: أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم , وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده , ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال. والثاني: أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم , وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد , فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم.
стр. 515
﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِّيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون , وقيل: إنها كذلك في مصحف ابن مسعود. وفي ﴿الْقِسْطِ﴾ هنا وجهان: أحدهما: العدل. والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رُوِيَ عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف أو نهى عن منكر , ثم قرأ هذه الآية , ثم قال: (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر , فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم).
стр. 516
﴿فَبَشِّرْهُم﴾ أي فأخبرهم , والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير , وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير , وبالغم في الشر. والثاني: لأنها خبر يستقبل به البشرة.
стр. 517
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾ يعني حظاً لأنهم علموا بعض ما فيه. ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ في الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة , دعي إليها اليهود فأبوا , قاله ابن عباس. والثاني: القرآن , لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين , قاله الحسن وقتادة. وفي قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: نبوة النبي ﷺ . والثاني: أمر إبراهيم وأن دينه الإِسلام. والثالث: أنه حد من الحدود. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس: هذا الفريق
стр. 518
المتولي هم زعماء يهود بني قينقاع: النعمان بن أوفى , وبحري بن عمرو بن صوريا تولوا عنه في حد الزنى لما أخبرهم أنه الرجم , ورجم اليهوديين الزانيين. فإن قيل: التولِّي عن الشيء هو الإعراض عنه , قيل: معناه يتولَّى عن الداعي ويعرض عما دُعِيَ إليه. قوله : ﴿ ... قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ هذا من قول اليهود , واختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً , قاله قتادة , والربيع. والثاني: أنها سبعة أيام , وهذا قول الحسن. والثالث: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها , وهذا قول بعض المتأخرين. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: هو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه , قاله قتادة. والثاني: هو قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات , قاله مجاهد.
стр. 519
﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾ قوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلكِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 520
أحدها: يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة. والثاني: مالك العباد وما ملكوه , قاله الزجاج. والثالث: مالك النبوة , قاله مجاهد. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن المُلك هنا النبوة , قاله مجاهد. والثاني: أنه الإيمان. والثالث: أنه السلطان. روى قتادة أن النبي ﷺ سأل ربه أن يجعل مُلْك فارس والروم في أمته , فأنزل الله هذه الآية. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تعز من تشاء بالطاعة , وتذل من تشاء بالمعصية. والثاني: تعز من تشاء بالنصر , وتذل من تشاء بالقهر. والثالث: تعز من تشاء بالغنى , وتذل من تشاء بالفقر. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي أنت قادر عليه , وإنما خَصَّ الخير بالذكر وإن كان قادراً على الخير والشر , لأنه المرغوب في فعله. قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار , ونقصان النهار في زيادة الليل , وهو قول جمهور المفسرين. والثاني: أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار , وتجعل النهار بدلاً من الليل , وهو قول بعض المتأخرين. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي: الميّت بالتشديد , وقرأ الباقون بالتخفيف.
стр. 521
واختلفوا في معناه بالتخفيف والتشديد , فذهب الكوفيون إلى أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات , وبالتشديد الذي لم يمت بعد. وحكى أبو العباس عن علماء البصريين بأسرهم أنهما سواء , وأنشد لابن الرعلاء القلابي:
(ليس من مات فاستراح بميت ... إنما المْيتُ ميّت الأحياء)
(إنما الميْتُ من يعيش كئيباً ... كاسفاً بالُه قليل الرجاء)
وفي تأويل إخراج الحي من الميت قولان: أحدهما: أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة , ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي , وهذا قول ابن مسعود , ومجاهد , وقتادة , والسدي. والثاني: أنه يخرج المؤمن من الكافر , ويخرج الكافر من المؤمن , وهذا قول الحسن. وقال قتادة: وإنما سَمَّى الله يحيى بن زكريا بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل مضت.
стр. 522
﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله
стр. 523
والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم﴾ قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في آل عمران قولان: أحدهما: أنه موسى وهارون ابنا عمران. والثاني: أنه المسيح , لأن مريم بنت عمران , وهذا قول الحسن. وفيما اصطفاهم به ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اصطفاهم باختيار دينهم لهم , وهذا قول الفراء. والثاني: أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. والثالث: أنه اصطفاهم باختيارهم للنبوة , وهذا قول الزجاج. قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب , كما قال تعالى: ﴿المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني في الاجتماع على الضلال , وهذا قول الحسن , وقتادة. والثاني: أنهم في التناسل والنسب , إذ جميعهم من ذرية آدم , ثم من ذرية نوح , ثم من ذريةإبراهيم , وهذا قول بعض المتأخرين.
стр. 524
﴿إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾
стр. 525
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: - أحدها: محرراً أي مُخْلَصاً للعبادة , وهذا قول الشعبي. والثاني: يعني خادماً للبيعة , وهذا قول مجاهد. والثالث: يعني عتيقاً من الدنيا لطاعة الله , وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ: ربِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ إنما قالت ذلك اعتذاراً من العدول عن نذرها لأنها أنثى. ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التاء , فيكون ذلك راجعاً إلى اعتذارها بأن الله أعلم بما وضعت , وقرأ الباقون بجزم التاء , فيكون ذلك جواباً من الله تعالى لها بأنه أعلم بما وضعت منها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ لأن الأُنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر من خدمة المسجد المقدس , لما يلحقها من الحيض , ولصيانة النساء عن التبرج , وإنما يختص الغلمان بذلك. ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه: من طعن الشيطان الذي يستهل به المولود صارخاً , وقد روى ذلك أبو هريرة مرفوعاً. والثاني: معناه من إغوائه لها , وهذا قول الحسن , ومعنى الرجيم المرجوم بالشهب.
стр. 526
﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها
стр. 527
زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قوله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس. ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ يعني أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ قرأ أهل الكوفة ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديد , ومعنى ذلك أنه دفع كفالتها إلى غيره. وقرأ الباقون: ﴿كفَلَهَا﴾ بالتخفيف , ومعنى ذلك أنه أخذ كفالتها إليه. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو معروف , وأصله أنه أكرم موضع في المجلس. ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء , وفاكهة الشتاء في الصيف , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , والضحاك , وقتادة , والسدي. والثاني: أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد , وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة , وهذا قول الحسن. واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين: أحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها. والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح ﵇. ﴿قَالَ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق. والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه.
стр. 528
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه حكاية عن قول مريم بعد أن قالت هو من عند الله. والقول الثاني: أنه قول الله تعالى بعد أن قطع كلام مريم.
стр. 529
﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار﴾ قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ اختلف في سبب دعائه على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً. والثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء , وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. ﴿قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يعني هب لي من عندك ولداً مباركاً , وقصد بالذرية الواحد. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ أي تجيب الدعاء , لأن إجابة الدعاء بعد سماعه. قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ حمزة , والكسائي: ﴿فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ﴾ , وفي مناداته قولان: أحدهما: أنه جبريل وحده , وهو قول السدي. والثاني: جماعة من الملائكة. ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قيل إنما سمّاه
стр. 530
يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان , وسماه بهذا اسم قبل مولده. ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: بكتاب من الله , وهذا قول أبي عبيدة وأهل البصرة. والثاني: يعني المسيح , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , والربيع , والضحاك , والسدي. واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين: أحدهما: أنه خلقه بكلمته من غير أب. والثاني: أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله . ﴿وَسَيِّداً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الخليفة , وهو قول قتادة. والثاني: أنه التقي , وهو قول سالم. والثالث: أنه الشريف , وهو قول ابن زيد. والرابع: أنه الفقيه العالم , وهو قول سعيد بن المسيب. والخامس: سيد المؤمنين , يعني بالرياسة عليهم , وهذا قول بعض المتكلمين. ﴿وَحَصُوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان عِنَّيناً لا ماء له , وهذا قول ابن مسعود , وابن عباس , والضحاك. والثاني: أنه كان لا يأتي النساء , وهو قول قتادة , والحسن.
следующие страницы →