Полный текст (4 439 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها
стр. 527
زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قوله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس. ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ يعني أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ قرأ أهل الكوفة ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديد , ومعنى ذلك أنه دفع كفالتها إلى غيره. وقرأ الباقون: ﴿كفَلَهَا﴾ بالتخفيف , ومعنى ذلك أنه أخذ كفالتها إليه. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو معروف , وأصله أنه أكرم موضع في المجلس. ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء , وفاكهة الشتاء في الصيف , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , والضحاك , وقتادة , والسدي. والثاني: أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد , وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة , وهذا قول الحسن. واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين: أحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها. والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح ﵇. ﴿قَالَ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق. والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه.
стр. 528
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه حكاية عن قول مريم بعد أن قالت هو من عند الله. والقول الثاني: أنه قول الله تعالى بعد أن قطع كلام مريم.
стр. 529
﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار﴾ قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ اختلف في سبب دعائه على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً. والثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء , وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. ﴿قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يعني هب لي من عندك ولداً مباركاً , وقصد بالذرية الواحد. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ أي تجيب الدعاء , لأن إجابة الدعاء بعد سماعه. قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ حمزة , والكسائي: ﴿فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ﴾ , وفي مناداته قولان: أحدهما: أنه جبريل وحده , وهو قول السدي. والثاني: جماعة من الملائكة. ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ قيل إنما سمّاه
стр. 530
يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان , وسماه بهذا اسم قبل مولده. ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: بكتاب من الله , وهذا قول أبي عبيدة وأهل البصرة. والثاني: يعني المسيح , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , والربيع , والضحاك , والسدي. واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين: أحدهما: أنه خلقه بكلمته من غير أب. والثاني: أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله . ﴿وَسَيِّداً﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الخليفة , وهو قول قتادة. والثاني: أنه التقي , وهو قول سالم. والثالث: أنه الشريف , وهو قول ابن زيد. والرابع: أنه الفقيه العالم , وهو قول سعيد بن المسيب. والخامس: سيد المؤمنين , يعني بالرياسة عليهم , وهذا قول بعض المتكلمين. ﴿وَحَصُوراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان عِنَّيناً لا ماء له , وهذا قول ابن مسعود , وابن عباس , والضحاك. والثاني: أنه كان لا يأتي النساء , وهو قول قتادة , والحسن.
стр. 531
والثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء , لأنه كان معه مثل الهْدبة , وهو قول سعيد بن المسيب. قوله : ﴿قَالَ: رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ وإنما جاز له أن يقول: وقد بلغني الكبر لأنه بمنزلة الطالب له. ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ أي لا تلد. فإن قيل: فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشَّرَ بالولد , ففيه جوابان: أحدهما: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد , بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب , أم على حال الكبر , فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء , أي على هذه الحال , وهذا قول الحسن. والثاني: أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً. قوله : ﴿قَالَ: رَبِّ اجْعَل لِّيءَايَةً﴾ أي علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به. ﴿قَالَ: ءَايَتُكَ ألَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تحريك الشفتين وهو قول مجاهد. والثاني: الإشارة , وهو قول قتادة. والثالث: الإيماء , وهو قول الحسن. ﴿وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيراً﴾ لم يمنع من ذكر الله تعالى , وذلك هي الآية. ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِّيِ وَالإِبْكَارِ﴾ والعشي: من حين زوال الشمس إلى أن تغيب , وأصل العشي الظلمة , ولذلك كان العشى ضعف البصر , فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة. وأما الإبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى , وأصله التعجيل , لأنه تعجيل الضياء.
стр. 532
﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين
стр. 533
ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك﴾ فيه قولان: أحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها , وهذا قول الحسن. والثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح , وهو قول الزجاج. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ فيه قولان: أحدهما: طهرك من الكفر , وهو قول الحسن ومجاهد. والثاني: طهرك من أدناس الحيض والنفاس , وهو قول الزجاج. ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: انه تأكيد للاصطفاء الأول بالتكرار. والثاني: أن الاصطفاء الأول للعبادة , والاصطفاء الثاني لولادة المسيح. قوله : ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أخلصي لربك , وهو قول سعيد. والثاني: معناه أديمي الطاعة لربك , وهو قول قتادة. والثالث: أطيلي القيام في الصلاة , وهو قول مجاهد. ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وفي تقديم السجود على الركوع قولان: أحدهما: أنه كان مقدماً في شريعتهم وإن كان مؤخراً عندنا. والثاني: أن الواو لا توجب الترتيب , فاستوى حكم التقديم في اللفظ وتأخيره , وأصل السجود والانخفاض الشديد والخضوع , كما قال الشاعر:
(فكلتاهما خَرّت وأسجّدّ رأسُها ... كما سَجَدتْ نصرانةٌ لم تحنف)
وكذلك الركوع إلا أن السجود أكثر إنخفاضاً. وفي قوله تعالى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قولان: أحدهما: معناه وافعلي كفعلهم.
стр. 534
والثاني: يعني مع الراكعين في صلاة الجماعة. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ﴾ يعني ما كان من البشرى بالمسيح. ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ وأصل الوحي إلقاء المعنى إلى صاحبه , والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال , وإلى النحل بالإلهام , ومن بعض إلى بعض بالإشارة , كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيٍّا﴾. قال العجاج:
(. ... أوحى لها القرار فاستقرّت)
﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم تشاجروا عليها وتنازعوا فيها طلباً لكفالتها , فقال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي , وقال القوم: نحن أحق بها لأنها بنت إمامنا وعالمنا , فاقترعوا عليها بإلقاء أقلامهم وهي القداح مستقبلة لجرية الماء , فاستقبلت عصا زكريا لجرية الماء مصعدة , وانحدرت أقلامهم فقرعهم زكريا , وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ وهذا قول ابن عباس , وعكرمة , والحسن , والربيع. والقول الثاني: أنهم تدافعوا كفالتها لأن زكريا قد كان كفل بها من غير اقتراع , ثم لحقهم أزمة ضعف بها عن حمل مؤونتها , فقال للقوم: ليأخذها أحدكم فتدافعوا كفالتها وتمانعوا منها , فأقرع بينهم وبين نفسه فخرجت القرعة له , وهذا قول سعيد.
стр. 535
﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وفي تسميته بالمسيح قولان:
стр. 536
أحدهما: لأنه مُسِحَ بالبركة , وهذا قول الحسن وسعيد. والثاني: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ وفي سبب كلامه في المهد قولان: أحدهما: لتنزيه أمه مما قُذِفَتْ به. والثاني: لظهور معجزته. واختلفوا هل كان في وقت كلامه في المهد نبياً على قولين: أحدهما: كان في ذلك الوقت نبياً لظهور المعجزة منه. والثاني: أنه لم يكن في ذلك الوقت نبياً وإنما جعل الله ذلك تأسيساً لنبوتّه. والمهد: مضجع الصبي , مأخوذ من التمهيد. ثم قال تعالى: ﴿وَكَهْلاً﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن المراد بالكهل الحليم , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه أراد الكهل في السنّ. واختلفوا: بلوغ أربع وثلاثين سنة. والثاني: أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ , مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي. فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر؟ ففيه قولان: أحدها: أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى. والثاني: انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ.
стр. 537
﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص
стр. 538
وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عَيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ: مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
стр. 539
أحدها: يعني من أنصاري مع الله. والثاني: معناه من أنصاري في السبيل إلى الله , وهذا قول الحسن. والثالث: معناه من ينصرني إلى نصر الله. وواحد الأنصار نصير. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ اخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم , وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب , وهذا قول ابن أبي نجيح. والثالث: أنهم خاصة الأنبياء , سموا بذلك لنقاء قلوبهم , وهذا قول قتادة , والضحاك. وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض , ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه , والحَوَر نقاء بياض العين. واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته , وهذا قول الحسن , ومجاهد. والثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. والثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. قوله تعالى: ﴿ ... فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني صِلْ ما بيننا وبينهم بالإخلاص على التقوى. والثاني: أثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم لننال ما نالوا من الكرامة. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم مكروا بالمسيح ﵇ بالحيلة عليه في قتله , ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره , وهو قول السدي. والثاني: مكروا بإضمار الكفر , ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة , وإنما جاز قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه , نحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وليس الثاني اعتداءً , وأصل المكر: الالتفاف , ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً , والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار , والمكر: التوصل إلى إيقاع المكروه به.
стр. 540
﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين
стр. 541
آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت , وهذا قول الحسن , وابن جريج , وابن زيد. والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء , وهذا قول الربيع. والثالث: متوفيك وفاة بموت , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنه من المقدم والمؤخر بمعنى رافعك ومتوفيك بعده , وهذا قول الفراء. وفي قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قولان: أحدهما: رافعك إلى السماء. والثاني: معناه رافعك إلى كرامتي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله. الثاني: أنه إخراجه من بينهم. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: فوقهم بالبرهان والحجة. والثاني: بالعز والغلبة. وفي المعنيّ بذلك قولان:
стр. 542
أحدهما: أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه , وهذا قول الحسن , وقتادة , والربيع , وابن جريج. والثاني: أن النصارى فوق اليهود , لأن النصارى أعز واليهود أذل , وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم.
стр. 543
﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين﴾ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: في عيسى. والثاني: في الحق. ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ والذين دعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة هم نصارى نجران. وفي قوله: ﴿نَبْتَهِلْ﴾ تأويلان: أحدهما: معناه نلتعن. والثاني: ندعو بهلاك الكاذب , ومنه قول لبيد:
( ... نظر الدهر إليهم فابتهل)
أي دعا عليهم بالهلاك. فلما نزلت هذه الآية أخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم
стр. 544
السلام ثم دعا النصارى إلى المباهلة , فأحجموا عنها , وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً.
стр. 545
﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية وفي المقصود بذلك قولان: أحدهما: أنهم نصارى نجران , وهذا قول الحسن والسدي وابن زيد. والثاني: انهم يهود المدينة , وهذا قول قتادة , والربيع , وابن جريح. ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله , وهذا قول ابن جريح. والثاني: سجود بعضهم لبعض , هذا قول عكرمة.
стр. 546
﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند رسول الله ﷺ , فتنازعوا في أمره فقالت
стр. 547
اليهود: ما كان إلا يهودياً , وقالت النصارى: ما إلا نصرانياً , فنزلت هذه الآية تكذيباً للفريقين بما بيَّنه من نزول التوراة والإنجيل من بعده. قوله تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني ما وجدوه في كتبهم. ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني من شأن إبراهيم. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني شأن إبراهيم. ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالتمسوه من عِلَلِه.
стр. 548
﴿ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَهل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها , وهذا قول قتادة , والربيع , والسدي. والثاني: وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها. والثالث: وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة. قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ فيه تأويلان:
стр. 549
أحدهما: تحريف التوارة والإنجيل , وهذا قول الحسن , وابن زيد. والثاني: الدعاء إلى إظهار الإسلام في أول النهار والرجوع عنه في آخره قصداً لتشكيك الناس فيه , وهذا قول ابن عباس , وقتادة. والثالث: الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد ﷺ . ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني ما وجدوه عندهم من صفة محمد ﷺ , والبشارة به في كتبهم عناداً من علمائهم. ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني الحق بما عرفتموه من كتبكم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَاّ لِمَن تَبعَ دِينَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم. والثاني: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم. واخْتُلِفَ في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كافة اليهود , قال ذلك بعضهم لبعض , وهذا قول السدي , وابن زيد. والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة , وهذا قول الحسن. واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين: أحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه , وهذا قول الزجاج. والثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلَاّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن في الكلام حذفاً , وتقديره: قل إن الهدى هدى الله ألَاّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون , ثم حذف (لا) من الكلام لدليل الخطاب
стр. 550
عليها مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي لا تضلوا , وهذا معنى قول السدى , وابن جريج. والثاني: أن معنى الكلام: قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم. ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم لأنه لا حجة لهم , وهذا قول الحسن , وقتادة. والثاني: إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم , على طريق التبعيد , كما يقال: لا تلقاه أو تقوم الساعة , وهذا قول الكسائي , والفراء. قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها النبوة , وهو قول الحسن , ومجاهد , والربيع. والثاني: القرآن والإسلام , وهذا قول ابن جريج. واختلفوا في النبوة هل تكون جزاءً على عمل؟ على قولين: أحدهما: أنها جزاء عن استحقاق. والثاني: أنها تفضل لأنه قال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾.
стр. 551
﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾ قوله تعالى: ﴿وَمِن أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّه إِلَيكَ﴾ اختلفوا في دخول الباء على القنطار والدينار على قولين: أحدهما: أنها دخلت لإلصاق الأمانة كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
стр. 552
والثاني: أنها بمعنى (على) وتقديره: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه على قنطار. ﴿إِلَاّ مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِماً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إلا ما دمت عليه قائماً بالمطالبة والإقتضاء , وهذا قول قتادة , ومجاهد. والثاني. بالملازمة. والثالث: قائماً على رأسه , وهو قول السدي. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا: لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِينَ سَبِيلٌ﴾ يعني في أموال العرب , وفي سبب استباحتهم له قولان: أحدهما: لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب , وهو قول قتادة , والسدي. والثاني: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه , وهذا قول الحسن وابن جريج , وقد روى سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : (كَذَّبَ اللهُ أَعْدَاءَ اللهِ , مَا مِن شَيءٍ كَانَ في الجَاهِليَّةِ إلَاّ وَهُوَ تَحتَ قَدَميَّ إلَاّ الأمَانَةَ فَإنَّها مُؤَدَّاةٌ إِلَى الَبرِّ وَالفَاجِرِ).
стр. 553
﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وفي العهد قولان: أحدهما: ما أوجب الله تعالى على الإنسان من طاعته وكَفَّه عن معصيته.
стр. 554
والثاني: ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق. ﴿أَولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُم فِي الآخِرةِ﴾. وفي أصل الخلاق قولان: أحدهما: أن أصله من الخّلق بفتح الخاء وهو النفس , وتقدير الكلام لا نصيب لهم. والثاني: أن أصله الخُلق بضم الخاء لأنه نصيب مما يوجبه الخُلُق الكريم. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يكلمهم الله بما يسرهم , لكن يكلمهم بما يسوءهم وقت الحساب لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم﴾. والثاني: لا يكلمهم أصلاً ولكن يرد حسابهم إلى الملائكة. ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يراهم. والثاني: لا يَمِنُ عليهم. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِم﴾ أي لا يقضي بزكاتهم. واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود: أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق , وكعب بن الأشرف , وحيي بن أخطب كتبوا كتاباً بأيديهم , ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا به ليس عليهم في الأميين سبيل , وهو قول الحسن , وعكرمة. والثاني: أنها نزلت في الأشعث وخصيم له تنازعاً في أرض , فقام ليحلف , فنزلت هذه الآية , فنكل الأشعث واعترف بالحق.
стр. 555
والثالث: أنها نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته في البيع , وهذا قول عامر , ومجاهد.
стр. 556
﴿وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سبب نزولها ما روى ابن عباس أن قوماً من اليهود قالوا للنبي ﷺ : أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى , فنزلت هذه الآية. ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فقهاء علماء , وهو قول مجاهد. والثاني: حكماء أتقياء , وهو قول سعيد بن جبير. والثالث: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس , وهذا قول ابن زيد. وفي أصل الرباني قولان: أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره , وهو قول الشاعر:
(وكنت امرءَاً أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربتني - فضعت - ربوبُ)
стр. 557
فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور. والثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب , وهو علم الدين , فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني.
стр. 558
﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ في الميثاق قولان: أحدهما: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد ﷺ , وهذا قول علي , وابن عباس , وقتادة , والسدي. والثاني: أنه أخذ ميثاقهم ليؤمنن بالآخرة , وهذا قول طاووس. ﴿ثُمَّ جَآءَكُم رَسُولٌ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني من التوارة , والإنجيل. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُم وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ والإصر: العهد , وفيه تأويلان: أحدهما: معناه: قبلتم على ذلك عهدي. والثاني: أخذتم على المُتَّبِعِين لكم عهدي. ﴿قَالُوا: أَقْرَرْنَا. قَالَ: فَاشْهَدُواْ﴾ يعني على أممكم بذلك. ﴿وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عليكم , وعليهم.
стр. 559
﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسَلَمَ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ فيه ستة أقاويل: أحدها: أن المؤمن أسلم طوعاً والكافر أسلم عند الموت كَرْهاً , وهذا قول قتادة. والثاني: أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة , وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه سجود المؤمن طائعاً وسجود ظل الكافر كرهاً , وهو مروي عن مجاهد أيضاً. والرابع: طوعاً بالرغبة والثواب. وكرهاً بالخوف من السيف , وهو قول مطر. والخامس: أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به , وهذا قول ابن عباس. والسادس: معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة , وهو قول عامر الشعبي , والزجاج.
стр. 560
﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم
стр. 561
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين﴾ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَن تُقْبَلَ تَوبَتُهُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم اليهود كفروا بالمسيح ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن تقبل توبتهم عند موتهم , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم من ذنوب ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم , وهذا أبي العالية. والثالث: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية , فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي ﷺ بعد إيمانهم به قبل مبعثه , ثم ازدادوا كفراً إلى حضور آجالهم , وهذا قول الحسن.
стр. 562
﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾ قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ في البر ثلاثة تأويلات: أحدهما: أن البر ثواب الله تعالى. والثاني: أنه فعل الخير الذي يستحق به الثواب.
стр. 563
والثالث: أن البر الجنة , وهو قول السدي. وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: في الصدقات المفروضات , وهو قول الحسن. والثاني: في جميع الصدقات فرضاً وتطوعاً , وهو قول ابن عمر. والثالث: في سبيل الخير كلها من صدقة وغيرها. وروى عمرو بن دينار قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها (سَبَل) إلى رسول الله ﷺ فقال: تَصَدَّقْ بهذه يا رسول الله , فأعطاها ابنه أسامة , فقال: يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها , فقال رسول الله ﷺ : (قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُك).
стр. 564
﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ ﴿كلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي ﷺ لحوم الإبل , فأخبر الله تعالى بتحليلها لهم حين حرَّمها إسرائيل على نفسه , لأنه لما أصابه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا , نذر تحريم العروق على نفسه , وأحب الطعام إليه , وكانت لحوم الإبل من أحب الطعام إليه. واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا _ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد.
стр. 565
والثاني: باجتهاده من غير إذن , وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد. واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين: أحدهما: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل. والثاني: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها , والأول أصح.
следующие страницы →