Полный текст (4 439 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين﴾ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَن تُقْبَلَ تَوبَتُهُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم اليهود كفروا بالمسيح ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن تقبل توبتهم عند موتهم , وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم من ذنوب ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم , وهذا أبي العالية. والثالث: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية , فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم , وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي ﷺ بعد إيمانهم به قبل مبعثه , ثم ازدادوا كفراً إلى حضور آجالهم , وهذا قول الحسن.
стр. 562
﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾ قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ في البر ثلاثة تأويلات: أحدهما: أن البر ثواب الله تعالى. والثاني: أنه فعل الخير الذي يستحق به الثواب.
стр. 563
والثالث: أن البر الجنة , وهو قول السدي. وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: في الصدقات المفروضات , وهو قول الحسن. والثاني: في جميع الصدقات فرضاً وتطوعاً , وهو قول ابن عمر. والثالث: في سبيل الخير كلها من صدقة وغيرها. وروى عمرو بن دينار قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها (سَبَل) إلى رسول الله ﷺ فقال: تَصَدَّقْ بهذه يا رسول الله , فأعطاها ابنه أسامة , فقال: يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها , فقال رسول الله ﷺ : (قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُك).
стр. 564
﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ ﴿كلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي ﷺ لحوم الإبل , فأخبر الله تعالى بتحليلها لهم حين حرَّمها إسرائيل على نفسه , لأنه لما أصابه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا , نذر تحريم العروق على نفسه , وأحب الطعام إليه , وكانت لحوم الإبل من أحب الطعام إليه. واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا _ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد.
стр. 565
والثاني: باجتهاده من غير إذن , وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد. واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين: أحدهما: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل. والثاني: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها , والأول أصح.
стр. 566
﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أول بيت وضع للعبادة , وإنما اختلفوا هل كان أول بيت وضع لغيرها على قولين: أحدهما: أنه قد كانت قْبْله بيوت كثيرة , وهو قول الحسن. والثاني: أنه لم يوضع قبله بيت , وهذا قول مجاهد , وقتادة. وفي ﴿بَكَّة﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بكة المسجد , ومكة: الحرم كله , وهذا قول ابن شهاب , وضمرة بن ربيعة. والثاني: أن بكة هي مكة , وهو قول أبي عبيدة. والثالث: أن بكة موضع البيت , ومكة غيره في الموضع يريد القرية , وروي ذلك عن مالك. وفي المأخوذ منه بكة قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الزحمة , يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضاً إذا ازدحموا , فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. والقول الثاني: أنها سميت بكة , لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة , إذ ألحدواْ فيها بظلم لم يمهلواْ.
стр. 567
وفي قوله: ﴿مُبَارَكاً﴾ تأويلان: أحدهما: أن بركته ما يستحق من ثواب القصد إليه. والثاني: أنه آمن لمن دخله حتى الوحش , فيجتمع فيه الصيد والكلب. ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف , وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه , وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه , وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ. وأما في الإسلام ففيه قولان: أحدهما: أنه من النار , وهذا قول يحيى بن جعدة. والثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه , وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. واختلفواْ في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان: أحدهما: تقام عليه , وهو مذهب الشافعي. والثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه , وهو مذهب أبي حنيفة. ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً﴾ وفي الاستطاعة ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها بالمال , وهي الزاد والراحلة , وهو قول الشافعي. والثاني: أنها بالبدن , وهو قول مالك. والثالث: أنها بالمال والبدن , وهو قول أبي حنيفة. ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني [من كفر] بفرض الحج فلم يره واجباً , وهو قول ابن عباس. والثاني: هو لا يرى حَجَّهُ براً ولا تركه مأثماً , وهو قول زيد بن أسلم.
стр. 568
والثالث: اليهود , لأنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ﴾ فقالواْ نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا , فأنزل الله هذه الآية.
стр. 569
﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون﴾ ﴿قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن صدهم عن سبيل ما كانوا عليه من الإغراء بين الأوس والخزرج حتى يتذكروا حروب الجاهلية فيتفرقوا , وذلك من فعل اليهود خاصة , وهو قول ابن زيد. والثاني: أنه تكذيبهم بالنبي ﷺ وإنكارهم ثبوت صفته في كتبهم , وذلك من فعل اليهود والنصارى , وهذا قول الحسن. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أي تطلبون العِوَجَ وهو بكسر العين العدول عن طرائق الحق , والعَوَج بالفتح ميلُ منتصب من حائط أو قناة. ﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني عقلاء , مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. والثاني: يعني شهوداً على ما كان من صَدّهم عن سبيل الله , وقيل من عنادهم وكذبهم.
стр. 570
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا﴾ يعني الأوس والخزرج.
стр. 571
﴿إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود في إغرائهم بينكم. ﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
стр. 572
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فيه أربع أقاويل: أحدها: هو أن يُطَاع فلا يُعْصى , ويُشْكَر فلا يكفر ويُذْكَر فلا يُنْسى , وهو قول ابن مسعود , والحسن , وقتادة. والثاني: هو اتقاء جميع المعاصي , وهو قول بعض المتصوفين. والثالث: هو أن يعترفواْ بالحق في الأمن والخوف. والرابع: هو أن يُطَاع , ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه. واختلفواْ في نسخها على قولين: أحدهما: هي محكمة , وهو قول ابن عباس , وطاووس. والثاني: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦] وهو قول قتادة , والربيع , والسدي , وابن زيد. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: الحبل: كتاب الله تعالى , وهو قول ابن مسعود , وقتادة , والسدي , روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: (كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ).
стр. 573
والثاني: أنه دين الله وهو الإسلام , وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنه عهد الله , وهو قول عطاء. والرابع: هو الإخلاص لله والتوحيد , وهو قول أبي العالية. والخامس: هو الجماعة , وهو مروي عن ابن مسعود. وسُمَّي ذلك حبلاً لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها. ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة , وهذا قول ابن مسعود , وقتادة. والثاني: عن رسول الله ﷺ . ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ﴾ وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل , وهذا قول الحسن. والثاني: أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد , وهذا قول ابن إسحاق.
стр. 574
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
стр. 575
وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور﴾ ﴿يَومَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني به يوم القيامة , لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور , ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكْفُرُونَ﴾ وفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أربعة أقاويل: الأول: أنهم الذين كفرواْ بعد إظهار الإيمان بالنفاق , وهو قول الحسن. والثاني: أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم , وهو قول مجاهد. والثالث: هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي ﷺ بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه , وهو قول الزجاج. والرابع: هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم ﴿أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهو قول أبي بن كعب.
стр. 576
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين
стр. 577
ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فإن قيل: فَلِمَ قال كنتم خير أمة ولم يقل أنتم خير أمة؟ ففيه أربعة أجوبة: أحدها: أن الله تعالى قد كان قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة , فقال: ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني إلى ما تقدم في البشارة , وهذا قول الحسن البصري. وقد روي عن النبي ﷺ قال: (أَنتُم تُتِمَّونَ سَبْعِن أُمةً أَنْتُم خَيرُها وأَكْرمُها عَلَى اللهِ). والثاني: أن ذلك لتأكيد الأمر لأن المتقدم مستصحب وليس الآنف متقدماً , وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾. والثالث: معناه خلقهم خير أمّة. والرابع: كنتم خير أمّة في اللوح المحفوظ.
стр. 578
﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف
стр. 579
وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون﴾ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً , مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَآئِمَةٌ﴾ روي عن ابن عباس أن سبب نزولها أنه أسلم عبد الله ابن سلام وجماعة معه , فقالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلاّ شرارنا , فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿أمةٌ قَائِمَةٌ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: عادلة , وهو قول الحسن , وابن جريج. والثاني: قائمة بطاعة الله , وهو قول السدي. والثالث: يعني ثابتة على أمر الله تعالى , وهو قول ابن عباس , وقتادة , والربيع. ﴿يَتْلُونَءَايَاتِ اللهِءَانآءَ اللَّيْلِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ساعات الليل , وهو قول الحسن , والربيع. والثاني: جوف الليل , وهو قول السدي. واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين: أحدهما: صلاة العَتْمَة , وهو قول عبد الله بن مسعود. والثاني: صلاة المغرب والعشاء , وهو قول الثوري.
стр. 580
﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني سجود الصلاة. والثاني: يريد الصلاة لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع , وهذا قول الزجاج , والفراء. والثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون. ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ اختلفواْ في سبب نزولها على قولين: أحدهما: أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله ﷺ . والثاني: أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق. وفي الصّرِّ تأويلان: أحدهما: هو البرد الشديد , وهو قول ابن عباس , والحسن , وقتادة , والسدي. والثاني: أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح , وهو قول الزجاج , وأصل الصّر صوت من الصرير. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه أن ظلمهم اقتضى هلاك زرعهم. والثاني: يعني أنهم ظلموا أنفسهم بأن زرعواْ في غير موضع الزرع وفي غير وقته فجاءت ريح فأهلكته فضرب الله تعالى هذا مثلاً لهلاك نفقتهم.
стр. 581
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم
стр. 582
وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ قيل إنها نزلت في قوم من المسلمين صافوا بعض المشركين من اليهود والمنافقين المودة لمصاحبة في الجاهلية فَنُهُوا عن ذلك. والبطانة هم خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره , والأصل البطن , ومنه بطانة الثوب لأنها تلي البطن. ﴿لَا يِأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يقصرون في أمركم. والخبال: النَّكال , وأصله الفساد ومنه الخبل الجنون. ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ودوا إضلالكم عن دينكم , وهو قول السدي. والثاني: ودوا أن تعنتوا في دينكم أي تحملون على المشقة فيه , وهو قول ابن جريج , وأصل العنت المشقة. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي بدا منها ما يدل عليها. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أَكْبَرُ﴾ مما بدا.
стр. 583
﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ واختلفوا في أي مكان كان على قولين:
стр. 584
أحدهما: أنه كان يوم أُحد , وهو قول ابن عباس , والربيع , وقتادة , والسدي , وابن اسحاق. والثاني: أنه كان يوم الأحزاب , وهو قول الحسن , ومجاهد. ﴿تُبَوِّىءُ﴾ أي تتخد منزلاً تبوىء فيه المؤمنين. ومعنى الآية: أنك ترتب المؤمنين في مواضعهم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سميع بما يقوله المنافقون , عليم بما يضمرونه من التهديد. والثاني: سميع لما يقوله المشيرون عليك , عليم بما يضمرون من نصيح الرأي وغش القلوب. والثالث: سميع لما يقوله المؤمنون عليم بما يضمرون من خلوص النية. ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ اختلف فيها على قولين: أحدهما: أنهم بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار , وهو قول ابن عباس , وجابر بن عبد الله , الحسن , وقتادة. والثاني: أنهم قوم من المهاجرين والأنصار. وفي سبب همّهم بالفشل قولان: أحدهما: أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع عن لقاء المشركين يوم أحد , فهمّا به ولم يفعلا , وهذا قول السدي وابن جريج. والثاني: أنهم اختلفوا في الخروج في الغدو والمقام حتى همّا بالفشل , والفشل الجبن. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلّةٌ﴾ وبدر ماءٌ نزلوا عليه كان لرجل يسمى بدر , قال الزبير بن بكار هو بدر بن النضر بن كنانة فسمي باسم صاحبه , وهذا قول الشعبي , وقال غيره بل هو اسم له من غير إضافة إلى اسم صاحب. ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ قولان: أحدهما: الضعف عن مقاومة العدو.
стр. 585
والثاني: قلة العدد وضعف الحال. قال ابن عباس: كان المهاجرين يوم بدر سبعة وسبعين رجلاً , والأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلاً , وكان المشركون ما بين تسعمائة وألف.
стр. 586
﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم﴾ ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني يوم بدر. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَن يُمدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِءَالآفٍ مِنَ الْمَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ والكفاية مقدار سد الخلة , والاكتفاء الاقتصار عليه , والإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال , والأصل في الإمداد هو الزيادة ومنه مد الماء وهو زيادته. ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيِأْتُوكُم مِّن فَورِهِم هَذَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني من وجههم هذا , وهو قول ابن عباس , والحسن , وقتادة. والثاني: من غضبهم هذا , وهو قول مجاهد والضحاك وأبي صالح , وأصل الفور فور القِدْر , وهو غليانها عند شدة الحمى , ومنه فَوْرُ الغضب لأنه كَفَوْرِ القِدْر. ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسِةِ ءالآفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ قرأ بكسر الواو ابن كثير , وعاصم , وأبو عمرو , ومعناها: أنهم سوّموا خليهم بعلامة , وقرأ الباقون بفتح الواو , ومعناها: أنها سائمة وهي المرسلة في المرعى.
стр. 587
واختلفوا في التسويم على قولين: أحدهما: أنه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها , وهو قول ابن عباس , والحسن , وقتادة , ومجاهد , والضحاك. الثاني: أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر , وهو قول هشام بن عروة. واختلفواْ في عددهم فقال الحسن: كانواْ خمسة آلاف , وقال غيره كانواْ ثمانية آلاف. قال ابن عباس لم يقاتل الملائكة إلا يوم بدر. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه كان يوم بدر بقتل صناديدهم وقادتهم إلى الكفر , وهذا قول الحسن وقتادة. والثاني: أنه كان يوم أحد , كان الذي قتل منهم ثمانية عشر رجلاً , وهذا قول السدي. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ ولم يقل وسطاً لأن الطرف أقرب للمؤمنين من الوسط , فاختص القطع بما هو إليهم أقرب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ﴿أَوْ يَكْبِتَهُم فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ﴾ , وفي ﴿يَكْبِتَهُم﴾ قولان: أحدهما: يحزنهم , وهو قول قتادة , والربيع. والثاني: الكبت: الصرع على الوجه , وهو قول الخليل. والفرق بين الخائب والآيس أن الخيبة لا تكون إلا بعد أمل , واليأس قد يكون قبل أمل. ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليس لك من الأمر شيء في عقابهم واستصلاحهم , وإنما ذلك إلى الله تعالى في أن يتوب عليهم أو يعذبهم. والثاني: ليس لك من الأمر شيء فيما تريده وتفعله في أصحابك وفيهم ,
стр. 588
وإنما ذلك إلى الله تعالى فيما يفعله من اللطف بهم في التوبة والاستصلاح أو في العذاب والانتقام. والثالث: أنزلت على سبب لما كسرت رباعيته ﷺ . واختلفوا في السبب فيه على قولين: أحدهما: أن قوماً قالوا بعد كسر رباعيته: كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم , وهو حريص على هدايتهم فنزلت هذه الآية , وهذا قول ابن عباس , وأنس بن مالك , والحسن وقتادة , والربيع. والثاني: أن النبي ﷺ هَمَّ بعد ذلك بالدعاء فأستأذن فيه , فنزلت هذه الآية فكف وإنما لم يؤذن فيه لما في المعلوم من توبة بعضهم.
стр. 589
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ يريد بالأكل الأخذ , والربا زيادة القدر مقابلة لزيادة الأجل , وهو ربا الجاهلية المتعارف بينهم بالنساء. ﴿أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ وهو أن يقول له بعد حلول الأجل: إما أن تَقْضِيَ وإمَّا
стр. 590
أَنْ تُرْبِيَ , فإن لم يفعله ضاعف ذلك عليه ثم يفعل كذلك عند حلوله من بعد حتى تصير أضعافاً مضاعفة. ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ﴾ فدل أن الربا من الكبائر التي يستحق عليها الوعيد بالنار. واختلفوا في نار آكل الربا على قولين: أحدهما: أنها كنار الكافرين من غير فرق تمسكاً بالظاهر. والثاني: أنها ونار الفجار أخف من نار الكفار , لما بينهما من تفاوت المعاصي. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُم﴾ أما الفاحشة ها هنا ففيها قولان: أحدهما: الكبائر من المعاصي. والثاني: الربا وهو قول جابر والسدي. ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُم﴾ قيل المراد به الصغائر من المعاصي. ﴿ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِم﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم ذكروه بقلوبهم فلم ينسوه , ليعينهم ذكره على التوبة والاستغفار. والثاني: ذكروا الله قولاً بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا , فإن الله قد سهل على هذه الأمة ما شدد على بني إسرائيل , إذ كانوا إذا أذنب الواحد منهم أصبح مكتوباً على بابه من كفارة ذنبه: إجدع أنفك , إجدع أذنك ونحو ذلك , فجعل الاستغفار , وهذا قول ابن مسعود وعطاء بن أبي رباح. ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الإصرار على المعاصي , وهو قول قتادة. والثاني: أنه مواقعة المعصية إذا هم بها , وهو قول الحسن. والثالث: السكوت على المعصية وترك الاستغفار منها , وهو قول السدي.
стр. 591
والرابع: أنه الذنب من غير توبة. ﴿وَهُم يَعْلَمُونَ﴾ أنهم قد أتوا معصية ولا ينسونها , وقيل: معناه وهم يعلمون الجهة في أنها معصية.
стр. 592
﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾ ﴿قَد خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه سنن من الله في الأمم السالفة أهلكهم بها. والثاني: يعني أنهم أهل سنن كانوا عليها في الخير والشر , وهو قول الزجاج , وأصل السنة الطريقة المتبعة في الخير والشر , ومنه سنة النبي ﷺ , قال لبيد بن ربيعة:
(من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سُنَّةٌ وإمامها)
وقال سليمان بن فيد:
(فإن الألى بالطف من آل هاشمٍ ... تآسَواْ فسنوا للكرام التآسيا)
стр. 593
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن , وهذا قول الحسن , وقتادة. والثاني: أنه ما تقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ الآية , وهذا قول ابن إسحاق. ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ نور وأدب. ﴿إِن يَمْسَسْكُم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ يعني أن يصيبكم قرح , قرأ أبو بكر عن عاصم , وحمزة , والكسائي بضم القاف , وقرأ الباقون بفتحها , وفيها قولان: أحدهما: أنها لغتان ومعناهما واحد. والثاني: أن القرح بالفتح: الجراح , وبالضم ألم الجراح , وهو قول الأكثرين. وأما الفرق بيت المس واللمس فهو أن اللمس مباشرة بإحساس , والمس مباشرة بغير إحساس , وهذا ما ذكره الله تعالى للمؤمنين تسلية لهم فإن أصابهم يوم أحد قرح فقد أصاب المشركين يوم بدر مثله. ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاسِ﴾ قال الحسن , وقتادة: أي تكون مرة لفرقة , ومرة عليها والدولة: الكرة , يقال أدال الله فلاناً من فلان بأن جعل الكرة له عليه. ﴿وَليُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَءَآمَنُوا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: معناه ليبتلي , وهذا قول ابن عباس. والثاني: يعني بالتمحيص تخليصه من الذنوب , وهو قول أبي العباس والزجاج , أصل التمحيص عندهما التخليص. والثالث: معناه وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا , وهو قول الفراء ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس: ينقصهم.
стр. 594
﴿وَلَقَدْ كُنتُم تَمنَّونَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ﴾ قيل تمنى الموت بالجهاد من لم يحضر بدراً , فلما كان أحد أعراض كثير منهم فعاتبهم الله تعالى على ذلك , هكذا قال الحسن وقتادة ومجاهد. ﴿فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنتُم تَنظُرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني فقد علمتموه. والثاني: فقد رأيتم أسبابه.
стр. 595
﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ﴾. سبب نزولها أنه لما أشيع يوم أحد أن النبي ﷺ قد قتل , قال أناس: لو كان نبياً ما قتل , وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به. ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ يعني رجعتم كفاراً بعد إيمانكم. ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْدُّنيا نُؤْتِهِ مِنهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
стр. 596
أحدها: من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي ما يصيبه من الغنيمة , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة , وهذا قول ابن إسحاق. والثالث: من أراد ثواب الدنيا بالنهوض لها بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي عليها في الدنيا دون الآخرة. ﴿وَكَأّيِّن مِن نَّبِيٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قرأ بذلك ابن كثير , ونافع , وأبو عمرو , وقرأ الباقون ﴿قَاتَلَ﴾ , وفي ﴿رِبِّيُّونَ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ , وهو قول بعض نحْويي البصرة. الثاني: انهم الجماعات الكثيرة , وهو قول ابن مسعود وعكرمة ومجاهد. والثالث: انهم العلماء الكثيرون , وهو قول ابن عباس , والحسن. والرابع: أن (الربيون) الأتباع. والربانيون: الولاة , والربيون الرعية , وهو قول أبي زيد , قال الحسن: ما قُتِلَ نبي قط إِلَاّ في معركة. ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ الوهن: الانكسار بالخوف. الضعف نقصان القوة , الاستكانة الخضوع , ومعناه فلم يهنوا بالخوف , ولا ضعفوا بنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع. وقال ابن إسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانواْ لما أصابهم. ﴿فَآتَاهُم اللهُ ثَوَابَ الدُّنيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ في ثواب الدنيا قولان: أحدهما: النصر على عدوهم , وهو قول قتادة , والربيع. والثاني: الغنيمة , وهو قول ابن جريج ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ الجنة , في قول الجميع.
стр. 597
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على
стр. 598
أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونهم في قول الجميع , يقال حَسه حَسّاً إذا قتله , لنه أبطل بمعونته. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ والفرق بين الإِصعاد والصعود أن الإِصعاد في مستوى الأرض , والصعود في ارتفاع , وهذا قول الفراء , وأبي العباس , والزجاج , وروي عن ابن عباس أنهم صعدوا في جبل أُحُد فراراً. ﴿وَالرَّسُوْلُ يَدْعُوكُم فِي أُخْرَاكُم﴾ قيل إنه كان يقول: (يَا عِبَادَ اللهِ ارْجِعُواْ) ذكر ذلك عن ابن عباس , والسدي , والربيع. ﴿فَأَثَابَكُم غَماً بِغَمٍّ﴾ فيه قولان:
стр. 599
أحدهما: غماً على غم. والثاني: غمّاً مع غم. وفي الغم الأول والثاني تأويلان: أحدهما: أن الغم الأول القتل والجراح , والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي ﷺ , وهذا قول قتادة , والربيع. والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر , وهو قول الحسن.
стр. 600
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيكُم مِنْ بَعدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ , وطَآئِفَةً قَدْ أَهَمَّتُهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ وسبب ذلك أن المشركين يوم أُحد توعدوا المؤمنين بالرجوع , فكان من أخذته الأمَنَةُ من المؤمنين متأهبين للقتال , وهم أبو طلحة , وعبد الرحمن بن عوف , والزبير بن العوام , وغيرهم فنامواْ حتى أخذتهم الأمَنَةُ. ﴿وطآئِفَةٌ قَدْ أَهَم َّتْهُمْ أَنفسُهُمْ﴾ من الخوف وهم من المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول , ومعتب بن قشير , ومن معهما أخذهم الخوف فلم يناموا لسوء الظن. ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني في التكذيب بوعده. ﴿يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأَمرِ شَيءٌ ما قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ فيه قولان:
следующие страницы →