← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أحدها: من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي ما يصيبه من الغنيمة , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة , وهذا قول ابن إسحاق. والثالث: من أراد ثواب الدنيا بالنهوض لها بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي عليها في الدنيا دون الآخرة. ﴿وَكَأّيِّن مِن نَّبِيٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قرأ بذلك ابن كثير , ونافع , وأبو عمرو , وقرأ الباقون ﴿قَاتَلَ﴾ , وفي ﴿رِبِّيُّونَ﴾ أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ , وهو قول بعض نحْويي البصرة. الثاني: انهم الجماعات الكثيرة , وهو قول ابن مسعود وعكرمة ومجاهد. والثالث: انهم العلماء الكثيرون , وهو قول ابن عباس , والحسن. والرابع: أن (الربيون) الأتباع. والربانيون: الولاة , والربيون الرعية , وهو قول أبي زيد , قال الحسن: ما قُتِلَ نبي قط إِلَاّ في معركة. ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ الوهن: الانكسار بالخوف. الضعف نقصان القوة , الاستكانة الخضوع , ومعناه فلم يهنوا بالخوف , ولا ضعفوا بنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع. وقال ابن إسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانواْ لما أصابهم. ﴿فَآتَاهُم اللهُ ثَوَابَ الدُّنيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ في ثواب الدنيا قولان: أحدهما: النصر على عدوهم , وهو قول قتادة , والربيع. والثاني: الغنيمة , وهو قول ابن جريج ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ الجنة , في قول الجميع.

стр. 597

﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على

стр. 598

أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونهم في قول الجميع , يقال حَسه حَسّاً إذا قتله , لنه أبطل بمعونته. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ والفرق بين الإِصعاد والصعود أن الإِصعاد في مستوى الأرض , والصعود في ارتفاع , وهذا قول الفراء , وأبي العباس , والزجاج , وروي عن ابن عباس أنهم صعدوا في جبل أُحُد فراراً. ﴿وَالرَّسُوْلُ يَدْعُوكُم فِي أُخْرَاكُم﴾ قيل إنه كان يقول: (يَا عِبَادَ اللهِ ارْجِعُواْ) ذكر ذلك عن ابن عباس , والسدي , والربيع. ﴿فَأَثَابَكُم غَماً بِغَمٍّ﴾ فيه قولان:

стр. 599

أحدهما: غماً على غم. والثاني: غمّاً مع غم. وفي الغم الأول والثاني تأويلان: أحدهما: أن الغم الأول القتل والجراح , والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي ﷺ , وهذا قول قتادة , والربيع. والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر , وهو قول الحسن.

стр. 600

﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيكُم مِنْ بَعدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ , وطَآئِفَةً قَدْ أَهَمَّتُهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ وسبب ذلك أن المشركين يوم أُحد توعدوا المؤمنين بالرجوع , فكان من أخذته الأمَنَةُ من المؤمنين متأهبين للقتال , وهم أبو طلحة , وعبد الرحمن بن عوف , والزبير بن العوام , وغيرهم فنامواْ حتى أخذتهم الأمَنَةُ. ﴿وطآئِفَةٌ قَدْ أَهَم َّتْهُمْ أَنفسُهُمْ﴾ من الخوف وهم من المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول , ومعتب بن قشير , ومن معهما أخذهم الخوف فلم يناموا لسوء الظن. ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني في التكذيب بوعده. ﴿يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأَمرِ شَيءٌ ما قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ فيه قولان:

стр. 601

أحدهما: أناّ أخرجنا كرهاً ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا , وهذا قول الحسن. والثاني: أي ليس لنا من الظفر شيء , كما وعدنا , على جهة التكذيب لذلك. ﴿قُلْ لَّو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني لو تخلفتم لخرج منكم المؤمنون ولم يتخلفوا بتخلفكم. والثاني: لو تخلفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم , ولم ينجهم قعودهم. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُم﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر. والثاني: معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم فأضاف الابتلاء إليه تفخيماً لشأنه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّواْ مِنكُم يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فيهم تأويلان: أحدهما: هم كل من ولّى الدبر من المشركين بأحد وهذا قول عمر , وقتادة , والربيع. والثاني: أنهم من هرب إلى المدينة وقت الهزيمة , وهذا قول السدي. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه محبتهم للغنيمة وحرصهم على الحياة. والثاني: استذلَّهم بذكر خطايا سلفت لهم , وكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة منها والخروج من المظلمة فيها , وهذا قول الزجاج. ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنهُم﴾ فيه قولان: أحدهما: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة , وهذا قول ابن جريح وابن زيد. والثاني: غفر لهم الخطيئة ليدل على أنهم قد أخلصواْ التوبة.

стр. 602

وقيل: إن الذين بقوا مع النبي ﷺ لم ينهزموا ثلاثة عشر رجلاً , منهم خمسة من المهاجرين: أبو بكر , وعلي , وطلحة , وعبد الرحمن , وعبد الرحمن , وسعد بن أبي وقاص , والباقون من الأنصار.

стр. 603

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم﴾ يعني فبرحمة من الله , و ﴿مَا﴾ صلة دخلت لحسن النظم.

стр. 604

﴿وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الفظ: الجافي , والغليظ القلب: القاسي , وجمع بين الصفتين , وإن كان معناهما واحداً للتأكيد. ﴿فَاعْفُ عَنهُم وَاسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرْهُم فِي الأمْرِ﴾ وفي أمره بالمشاورة أربعة أقاويل: أحدها: أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيه , قال الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم. والثاني: أنه أمره بِمشاورتهم تأليفاً لهم وتطيباً لأنفسهم , وهذا قول قتادة , والربيع. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لِمَا علم فيها من الفضل , ولتتأسى أمته بذلك بعده ﷺ , وهذا قول الضحاك. والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنياً , وهذا قول سفيان. ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ قرأ ابن كثير , وعاصم , وأبو عمرو بفتح الياء وضم العين , وقرأ الباقون يغل بضم الياء وفتح الغين. ففي تأويل من قرأ بفتح الياء وضم الغين ثلاثة أقاويل: أحدها: أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر , فقال بعض الناس أخذها رسول الله ﷺ , فانزل الله تعالى هذه الآية , وهذا قول عكرمة , وسعيد بن جبير. والثاني: أنها نزلت في طلائع كان رسول الله ﷺ وجههم في وجه , ثم غنم الرسول فلم يقسم للطلائع فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ أي يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم , وهذا قول ابن عباس , والضحاك. والثالث: أن معناه وما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله إليهم لرهبة منه ولا رغبة فيهم , وهذا قول ابن إسحاق. وأما قراءة من قرأ يُغّل بضم الياء وفتح الغين ففيها قولان: أحدهما: يعني وما كان لنبي أن يتهمه أصحابه ويخوَّنوه.

стр. 605

والثاني: معناه وما كان لنبي أن يغل أصحابه ويخونهم , وهذا قول الحسن , وقتادة. وأصل الغلول الغلل وهو دخول الماء في خلال الشجر , فسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري في المال على خفاء كجري الماء , ومنه الغل الحقد لأنه العداوة تجري في النفس مجرى الغلل. ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِن أَنُفُسِهِمْ﴾ وفي وجه المنة بذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: ليكون ذلك شرفاً لهم. والثاني: ليسهل عليهم تعلم الحكمة منه لأنه بلسانهم. والثالث: ليظهر لهم علم أحواله من الصدق والأمانة والعفة والطهارة. ﴿يَتْلُو عَلَيهِمْءَآيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين. والثاني: أن يدعوهم إلى ما يكونون به أزكياء. والثالث: أنه يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها , وهو قول الفراء.

стр. 606

﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ ﴿أَوَ لَمّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ يعني بالمصيبة التي أصابتهم يوم أحد , وبالتي أصابوها يوم بدر.

стр. 607

﴿قُلْتُمْ: أَنَّى هَذَا , قُلْ: هُوَ مِن عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ في الذي هو من عند أنفسهم ثلاثة أقاويل: أحدها: خلافهم في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد , وقد كان النبي ﷺ أمرهم أن يتحصنواْ بها , وهذا قول قتادة , والربيع. والثاني: اختيارهم الفداء من السبعين يوم بدر على القتل , وقد قيل لهم إن فعلتم ذلك قُتِلَ منكم مثلُهم , وهذا قول علي , وعبيدة السلماني. والثالث: خلاف الرماة يوم أحد لأمر النبي ﷺ في ملازمة موضعهم. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبإِذْنِ اللهِ ولِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: ليرى المؤمنين. والثاني: ليُمَيَّزُوا من المنافقين. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ يعني عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني جاهدواْ. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني تكثير السواد وإن لم يقاتلواْ وهو قول السدي وابن جريج. والثاني: معناه رابطواْ على الخيل إن لم تقاتلواْ , وهو قول ابن عوف الأنصاري. ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لآَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ قيل إن عبد الله بن عمرو ابن حزام قال لهم: [اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم فقال له ابن أبي]: عَلَامَ نقتل أنفسنا؟ ارجعواْ بنا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَؤمَئِذٍ أَقْربُ مِنهُم لِلإِيمَانِ﴾ لأنهم بإظهار الإيمان لا يحكم عليهم بحكم الكفار , وقد كانوا قبل ذلك بإظهار الإيمان أقرب إلى الإيمان , ثم صارواْ بما فعلوه أقرب إلى الكفر من الإيمان. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما يظهرونه من الإسلام وليس في قلوبهم منه شيء.

стр. 608

وإنما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ وإن كان القول لا يكون إلا به لأمرين: أحدهما: التأكيد. والثاني: أنه ربما نسب القول إلى الساكت مجازاً إذ كان به راضياً. ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِم وَقَعَدُواْ: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ يعني عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه حين انخذلوا وقعدوا , وكانوا نحو ثلثمائة وتخلف عنهم من قُتل منهم (فقالواْ) لو أطاعونا وقعدواْ معنا ما قُتِلواْ. ﴿قُلْ فَادْرَؤُواْ عَن أَنفُسِكُم الْمَوتَ﴾ أي ادفعواْ عن أنفسكم الموت , ومنه قول الشاعر: (تقول وقد درأتُ لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني) ﴿إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني في خبركم أنهم لو أطاعواْ ما قُتِلواْ. والثاني: معناه إن كنتم محقين في تثبيطكم عن الجهاد فراراً من القتل.

стр. 609

﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾

стр. 610

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَآءٌ﴾ يعني أنهم في الحال وبعد القتل بهذه الصفة , فأما في الجنة فحالهم في ذلك معلومة عند كافة المؤمنين , وليس يمتنع إحياؤهم في الحكمة. وقد روى ابن مسعود وجابر وابن عباس أن النبي ﷺ قال: (لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُم بِأُحدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُم فِي حَوَاصِلِ طَيْر خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهارَ الجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِن ثِمَارِها). وفي ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ تأويلان: أحدهما: أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً إلا ربُّهُم. والثاني: انهم أحياء عند ربهم من حيث يعلم أنهم أحياء دون الناس. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا , وهو قول قتادة , وابن جريج. والثاني: أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه فيبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب في الدنيا بقدومه , وهذا قول السدي. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوهُم﴾ أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد لأنه تقدير الكلام جاء القول من قِبَل الناس , والذين قال لهم الناس هم المسلمون وفي الناس القائل قولان:

стр. 611

أحدهما: هو أعرابي جُعِل له على ذلك جُعْل , وهذا قول السدي. والثاني: هو نعيم بن مسعود الأشجعي , وهذا قول الواقدي. والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه. واختلفوا في الوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع لهم هذا الجمع على قولين: أحدهما: بعد رجوعه على أُحُد سنة ثلاث حتى أوقع الله في قلوب المشركين الرعب كفّوا , وهذا قول ابن عباس , وابن إسحاق , وقتادة. والثاني: أن ذلك في بدر الصغرى سنة أربع بعد أحد بسنه , وهذا قول مجاهد. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ التخويف من الشيطان والقول من الناس , وفي تخويف أولياءئه قولان: أحدهما: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , وقتادة. والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين , وهذا قول الحسن , والسدي.

стр. 612

﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله

стр. 613

ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير﴾ ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: هم المنافقون وهو قول مجاهد وابن إسحاق. والثاني: قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام. ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيئاً , يُرِيدُ اللهُ أَلَاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرةِ﴾ في إرادته لذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن يحكم بذلك. والثاني: معناه أنه سيريد في الآخرة أن يحرمهم ثوابهم لإحباط إيمانهم بكفرهم. والثالث: يريد أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من ذنوبهم , وهذا قول ابن إسحاق. ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الطيب المؤمنون , والخبيث فيه ها هنا قولان: أحدهما المنافق , وهو قول مجاهد. والثاني: الكافر , وهو قول قتادة , والسدي. واختلفوا في الذي وقع به التمييز على قولين: أحدهما: بتكليف الجهاد , وهذا قول من تأوّل الخبيث بالمنافق. والثاني: بالدلائل التي يستدل بها عليهم وهذا قول من تأوله للكافر. ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ قيل إن سبب نزول هذا أن قوماً من المشركين قالواْ: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن ومن لا يؤمن , فنزلت هذه الآية.

стр. 614

قال السدي: ما أطلع الله نبيه على الغيب , ولكنه اجتباه فجعله رسولاً. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَاءَآتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرُ لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُم﴾ فيه قولان. أحدهما: أنهم مانعو الزكاة , وهو قول السدي. والثاني: أنهم أهل الكتاب وبخلواْ أن يُبيِّنوا للناس ما في كتبهم من نبوة محمد ﷺ , وهو قول ابن عباس , قال ألم تسمع أنه قال: ﴿يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ , أي يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَومَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع , وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أنه طوق من النار , وهذا قول إبراهيم.

стр. 615

﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن

стр. 616

الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفِسُكُمْ وَلَتْسَمُعنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً﴾. وفي هذا الأذى ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي ﷺ والمؤمنين ويحرض عليهم المشركين حتى قتله محمد بن مسلمة , وهذا قول الزهري. والثاني: أن فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده , وهذا قول عكرمة. والثالث: أن الأذى ما كانوا يسمعونه من الشرك كقول اليهود: عزيز ابن الله , وكقول النصارى: المسيح ابن الله وهذا قول ابن جريج.

стр. 617

﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب﴾ الميثاق: اليمين. وفي الذين أتوا الكتاب هاهنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود خاصة , وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي.

стр. 618

والثاني: أنهم اليهود والنصارى. والثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: ليبين نبوة محمد ﷺ , وهذا قول سعيد بن جبير , والسدي. والثاني: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره , وهذا قول الحسن , وقتادة. قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على تكذيب النبي ﷺ وإخفاء أمره , وأحبواْ أن يحمدواْ بما ليس فيهم من أنهم أهل نسك وعلم , وهذا قول ابن عباس , والضحاك. والثاني: أنهم أهل النفاق فرحوا بقعودهم عن القتال وأحبواْ أن يحمدوا بما ليس فيهم من الإيمان بمحمد ﷺ , وهذا قول أبي سعيد الخدري , وابن زيد.

стр. 619

﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنءَامِنُوا ِبربِّكُمْ فَآمنّا﴾ في المنادي قولان: أحدهما: أنه القرآن وهو قول محمد بن كعب القرظي قال: ليس كل الناس سمع رسول الله ﷺ .

стр. 620

والثاني: انه النبي ﷺ , وهو قول ابن جريج وابن زيد. ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ أي إلى الإيمان , كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] بمعنى إلى هذا. ومنه قول الراجز: (أوحى لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثُّبّتِ) يعني أوحى إليها كما قال تعالى: ﴿بِأنَّ ربكَ أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ فإن قيل فقد علمواْ أن الله تعالى منجز وعده فما معنى هذا الدعاء والطلب , ففي ذلك أربعة أجوبة: أحدها: أن المقصود به , مع العلم بإنجاز وعده , الخضوع له بالدعاء والطلب. والثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح. والثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك. والرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك.

стр. 621

﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ حكى مجاهد , وعمرو بن دينار أن سبب نزول هذه الآية أم سلمة قالت: يا رسول الله ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء؟ فنزلت هذه الآية. ﴿بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ﴾ أي الإناث من الذكور , والذكور من الإناث.

стр. 622

﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾ قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلَادِ﴾ فإن قيل: فإن النبي ﷺ لا يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا , فعنه جوابان: أحدهما: أن الله إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً. والثاني: أنه خطاب لكل من سمعه , فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد. وفي تقلبهم قولان: أحدهما: يعني تقلبهم في نعيم البلاد. والثاني: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم.

стр. 623

﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ اختلفوا في سبب نزولها على قولين: أحدهما: أنها نزلت في النجاشي , روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (أُخْرُجُوا فَصَلُّواْ عَلَى أخٍ لَكُم فَصَلَّى بِنَا أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ , فَقَالَ هَذَا النَجَّاشِيُّ أصحمة) فَقَالَ المْنَافِقُونَ: انظرواْ إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط فأنزل الله تعالى هذه الآية , وهو قول قتادة.

стр. 624

والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وغيره من مُسلمة أهل الكتاب , وهذا قول مجاهد , وابن جريج. قوله تعالى: ﴿يَاَ أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُوا﴾ فيه أربعة تأويلات: - أحدها: اصبرواْ على طاعة الله , وصابرواْ أعداء الله , ورابطواْ في سبيل الله , وهو قول الحسن , وقتادة , وابن جريج , والضحاك. والثاني: اصبرواْ على دينكم , وصابرواْ الوعد الذي وعدكم , ورابطواْ عدوي وعدوكم , وهو قول محمد بن كعب. والثالث: اصبرواْ على الجهاد , وصابرواْ العدو , ورابطواْ بملازمة الثغر , وهو مأخوذ من ربط النفس , ومنه قولهم ربط الله على قلبه بالصبر , وهو معنى قول زيد بن أسلم. والرابع: رابطوا على الصلوات بانتظارها واحدة بعد واحدة: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلَا أَدُلَّكُم عَلَى مَا يَحِطُّ بِه اللهُ الخَطَايَا ويَرْفُعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُواْ بَلَى يَا رَسُولَ الله , قَالَ: إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ , وَكَثْرةُ الخُطَا إلىَ المَسَاجِدِ وَانتِظار الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ , فَذّلِكُمُ الرَّباط). انتهت سورة آل عمران

стр. 625

سورة النساء

стр. 626

﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُم الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم , وفي ذلك نعمة عليكم لأنه أقرب إلى التعاطف بينكم. ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواء , قال ابن عباس , ومجاهد , والحسن خلقت من ضلع آدم , وقيل الأيسر , ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثيراً وَنِسَاءً﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال عند نزولها عليه: (خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فَهَمَّهَا فِي الرَّجُلُ مِنَ التَّرابِ فَهَمُّهُ فِي التُّرابِ).

стр. 627

﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾ ومعنى قوله تساءلون به , هو قولهم أسألك بالله وبالرحم , وهذا قول مجاهد وإبراهيم , وقرأ حمزة والأرحام بالكسر على هذا المعنى. وفي الأرحام قولٌ آخر: أنه أراد صِلُوها ولا تقطعوها , وهو قول قتادة , والسدي , لأن الله تعالى قصد بأول السورة حين أخبرهم أنهم من نفس واحدة أن يتواصلواْ ويعلمواْ أنهم إخوة وإن بعدواْ. ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيباً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: حفيظاً , وهو قول مجاهد. والثاني: عليماً , وهو قول ابن زيد.

стр. 628

﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ اليَتَامَى أَمْوَالَهُم وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: الحرام بالحلال , وهو قول مجاهد. والثاني: هو أن يجعل الزائف بدل الجيد , والمهزول بدل السمين ويقول درهم بدرهم , وشاة بشاة , وهو ابن المسيب والزهري والضحاك والسدي. والثالث: هو استعجال أكل الحرام قبل إتيان الحلال , وهو معنى قول مجاهد. والرابع: أن أهل الجاهلية كانواْ لا يورثون الصغار والنساء ويأخذه الرجل

стр. 629

الأكبر , فكان يستبدل الخبيث بالطيب لأن نصيبه من الميراث طيب , وأخذه الكل خبيث , وهو قول ابن زيد. ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم , وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها. ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ والحُوب: الإثم , ومنه قولهم تحوّب فلانٌ من كذا , إذا توقى , قال الشاعر: (فإن مهاجرين تكنفاهُ ... غداة إذٍ لقد خطئنا وحَابَا) قال الحسن البصري: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل ماله عن ماله فشكواْ ذلك إلى النبي ﷺ , فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُم فَإِخْوَانُكُم﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي فخالطوهم واتقوا إثمه. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَآءِ﴾ فيه أربع تأويلات: أحدها: يعني إن خفتم ألا تعدلواْ في نكاح اليتامى , فانكحوا ما حَلَّ لكم من غيرهن من النساء , وهو قول عائشة ﵂. والثاني: أنهم كانواْ يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى , ولا يخافون أن لا يعدلواْ في النساء , فأنزل الله تعالى هذه الآية , يريد كما خفتم ألاّ تعدلواْ في أموال اليتامى , فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء , وهذا قول سعيد بن جبير , والسدي , وقتادة. والثالث: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى , فقال كما خفتم في أموال اليتامى , فخافواْ الزنى , وانحكوا ما طاب لكم من النساء , وهذا قول مجاهد. والرابع: إن سبب نزولها , أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور , فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته , وقَلَّ مالُه , مدّ يده إلى ما

стр. 630

عنده من أموال الأيتام , فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾ قولان: أحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول الفراء. والثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح وتقديره فانحكوا النساء نكاحاً طيباً. وهذا قول مجاهد. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ تقديراً لعددهن وحصراً لمن أبيح نكاحه منهن وهذا قول عكرمة. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ معدول به عن اثنين وثلاث وأربع , وكذلك أُحاد وموحد , وثناء ومثنى , وثلاث ومثلث , ورباع ومربع , وهو اسم للعدد معرفة , وقد جاء الشعر بمثل ذلك , قال تميم بن أبي مقبل: (ترى العثرات الزُّرْق تحت لَبَانِه ... أُحاد ومثْنى أضعفتها كواهِله) وقال آخر: (قتلنا به من بين مَثْنى وموحد ... بأربعة منكم وآخر خامس) قال أبو عبيدة: ولم يسمع من العرب صرف ما جاوز الرباع والمربع عن

стр. 631

جهته إلا في بيت للكميت , فإنه قال في العشرة عُشار وهو قوله: (فلم يَسْتَرِيَثُوكَ حتى رَمِدْ ... ت فوق الرجال خِصالاً عشاراً) وقال أبو حاتم: بل قد جاء في كلامهم من الواحد إلى العشرة , وأنشد قول الشاعر: (ضربت خماس ضربة عبشمي ... أدار سداس ألَاّ يستقيما) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا﴾ يعني في الأربع , ﴿فَوَاحِدَةً﴾ يعني من النساء. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني في الإماء. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أَلَاّ يكثر مَنْ تعولون , وهو قول الشافعي. والثاني: معناه ألاّ تضلواْ , وهو قول ابن إسحاق , ورواه عن مجاهد. والثالث: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا وهو قول ابن عباس , وقتادة , وعكرمة. وأصل العول الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة , وأنشد عكرمة بيتاً لأبي طالب: (بميزان قسط لا يَخيسُ شعيرةً ... ووازن صِدْقٍ وزنهُ غير عائل) أي غير مائل. وكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان قسطٍ لا أعول.

стр. 632

قوله تعالى: ﴿وءَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ... ﴾ اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على قولين: أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج , وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء , لأنهم كانواْ يتملكون في الجاهلية صداق المرأة , فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن , وهو قول أبي صالح. وأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل , وسمي الدين نِحْلَةَ , لنه عطية من الله , وفي تسميه النّحْل بذلك قولان: أحدهما: أنه سمي نحلاً لما يعطي من العسل. والثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده. وفي المراد بالنَّحلة في الصداق أربعة تأويلات: أحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة , وهو قول قتادة , وابن جريج. والثاني: أنه نحلة من الله لهن بعد أن كان ملكاً للأولياء , وهو قول أبي صالحٍ. والثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار , والنكاح بغير صداق , وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. والرابع: انه أراد أن يطيبوا نفساً بدفعه , كما يطيبون نفساً بالنحل والهبة , وهو قول بعض المتأخرين. ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ يعني الزوجات إن طبن نفساً عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطاباً للأزواج , ولأوليائهن في قول من جعله خطاباً للأولياء. ﴿فَكُلُوهُ هُنِيئاً مَّرِيئاً﴾ الهنيء ما أعقب نفعاً وشفاء , ومنه هنأ البعير للشفاء , قال الشاعر: (متبدلاً تَبْدُو مَحاسنه ... يَضَعُ الهناءَ مَواضِعَ النُّقبِ)

стр. 633

﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا﴾ قوله ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ اختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الصبيان , وهو قول سعيد بن جبير , والحسن. والثاني: أنهم النساء , وهو قول ابن عمر. والثالث: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالاً عليهم , وهو قول ابن عباس , وابن زيد وأبي مالك. والرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْراً , وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة , عن أبي موسى الأشعري أنه قال: ثلاثة يَدْعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها , ورجل أعطى مالاً سفيهاً وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ , ورجل له على رجل دين لم يُشْهِد عليه.

стр. 634

وأصل السفيه خفة الحِلْم فلذلك وصف به الناقص العقل. ووصف به المفسد لماله لنقصان تدبيره , ووصف به الفاسق لنقصانه عند أهل الدين , والعلم. ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني أموال الأولياء , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء , وهو قول سعيد بن جبير. ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ قرأ نافع وابن عُمر ﴿قِيَماً﴾ ومعناهما واحد , يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فيها وأكسوهم﴾ فيه قولان: أحدهما: أي أنفقوا أيها الأولياء على السفهاء من أموالهم. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الوعد بالجميل , وهو قول مجاهد. والثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك , وهو قول ابن زيد. ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ أي اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ يعني الحُلُم في قول الجميع. ﴿فَإِنْءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ فيه أربع تأويلات: أحدها: أن الرشد العقل , وهو قول مجاهد , والشعبي. والثاني: أنه العقل والصلاح في الدين , وهو قول السدي. والثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال , وهو قول ابن عباس , والحسن , والشافعي. والرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه , وهو قول ابن جريج. ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني التي تحت أيديكم أيها الأولياء عليهم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا﴾ يعني لا تأخذوها إسرافاً على غير ما أباح الله لكم , وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما ليس بمباح , فربما

стр. 635

كان في الإفراط , وربما كان في التقصير , غير أنه إذا كان في الإفراط فاللغة المستعملة فيه أن يقال أسرف إسرافاً , وإذا كان في التقصير قيل سرف يسرف. قوله تعالى: ﴿وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ قال ابن عباس: وهو أن تأكل مال اليتيم تبادر أن يكبر , فيحول بينك وبين ماله. ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني بماله عن مال اليتيم. ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد , وهو قول عمر , وابن عباس , وجمهور التابعين. والثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة , ويلبس ما يواري العورة , ولا قضاء , وهو قول الحسن , وإبراهيم , ومكحول , وقتادة. روى شعبة عن قتادة أن عم ثابت بن رفاعة _ وثابت يومئذ يتيم في حجره , أتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري , فما يحل لي من ماله؟ قال: (أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلَا تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْراً). والثالث: أن يأكل من ثمره , ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب , وهو قول أبي العالية , والشعبي. روى القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً , وإن لهم إبلاً , فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها , وتهنأ جرباءَها , وتلوط حوضها , وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا , فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل , ولا بأهل في الحلب. والرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجاً أجرةً معلومة على قدر خدمته , وهو قول عطاء. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: ليس
следующие страницы →