Полный текст (4 439 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
جهته إلا في بيت للكميت , فإنه قال في العشرة عُشار وهو قوله:
(فلم يَسْتَرِيَثُوكَ حتى رَمِدْ ... ت فوق الرجال خِصالاً عشاراً)
وقال أبو حاتم: بل قد جاء في كلامهم من الواحد إلى العشرة , وأنشد قول الشاعر:
(ضربت خماس ضربة عبشمي ... أدار سداس ألَاّ يستقيما)
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا﴾ يعني في الأربع , ﴿فَوَاحِدَةً﴾ يعني من النساء. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني في الإماء. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أَلَاّ يكثر مَنْ تعولون , وهو قول الشافعي. والثاني: معناه ألاّ تضلواْ , وهو قول ابن إسحاق , ورواه عن مجاهد. والثالث: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا وهو قول ابن عباس , وقتادة , وعكرمة. وأصل العول الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة , وأنشد عكرمة بيتاً لأبي طالب:
(بميزان قسط لا يَخيسُ شعيرةً ... ووازن صِدْقٍ وزنهُ غير عائل)
أي غير مائل. وكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان قسطٍ لا أعول.
стр. 632
قوله تعالى: ﴿وءَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ... ﴾ اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على قولين: أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج , وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء , لأنهم كانواْ يتملكون في الجاهلية صداق المرأة , فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن , وهو قول أبي صالح. وأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل , وسمي الدين نِحْلَةَ , لنه عطية من الله , وفي تسميه النّحْل بذلك قولان: أحدهما: أنه سمي نحلاً لما يعطي من العسل. والثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده. وفي المراد بالنَّحلة في الصداق أربعة تأويلات: أحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة , وهو قول قتادة , وابن جريج. والثاني: أنه نحلة من الله لهن بعد أن كان ملكاً للأولياء , وهو قول أبي صالحٍ. والثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار , والنكاح بغير صداق , وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. والرابع: انه أراد أن يطيبوا نفساً بدفعه , كما يطيبون نفساً بالنحل والهبة , وهو قول بعض المتأخرين. ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ يعني الزوجات إن طبن نفساً عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطاباً للأزواج , ولأوليائهن في قول من جعله خطاباً للأولياء. ﴿فَكُلُوهُ هُنِيئاً مَّرِيئاً﴾ الهنيء ما أعقب نفعاً وشفاء , ومنه هنأ البعير للشفاء , قال الشاعر:
(متبدلاً تَبْدُو مَحاسنه ... يَضَعُ الهناءَ مَواضِعَ النُّقبِ)
стр. 633
﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا﴾ قوله ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ اختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الصبيان , وهو قول سعيد بن جبير , والحسن. والثاني: أنهم النساء , وهو قول ابن عمر. والثالث: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالاً عليهم , وهو قول ابن عباس , وابن زيد وأبي مالك. والرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْراً , وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة , عن أبي موسى الأشعري أنه قال: ثلاثة يَدْعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها , ورجل أعطى مالاً سفيهاً وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ , ورجل له على رجل دين لم يُشْهِد عليه.
стр. 634
وأصل السفيه خفة الحِلْم فلذلك وصف به الناقص العقل. ووصف به المفسد لماله لنقصان تدبيره , ووصف به الفاسق لنقصانه عند أهل الدين , والعلم. ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني أموال الأولياء , وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء , وهو قول سعيد بن جبير. ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ قرأ نافع وابن عُمر ﴿قِيَماً﴾ ومعناهما واحد , يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فيها وأكسوهم﴾ فيه قولان: أحدهما: أي أنفقوا أيها الأولياء على السفهاء من أموالهم. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه الوعد بالجميل , وهو قول مجاهد. والثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك , وهو قول ابن زيد. ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ أي اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ يعني الحُلُم في قول الجميع. ﴿فَإِنْءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ فيه أربع تأويلات: أحدها: أن الرشد العقل , وهو قول مجاهد , والشعبي. والثاني: أنه العقل والصلاح في الدين , وهو قول السدي. والثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال , وهو قول ابن عباس , والحسن , والشافعي. والرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه , وهو قول ابن جريج. ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني التي تحت أيديكم أيها الأولياء عليهم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا﴾ يعني لا تأخذوها إسرافاً على غير ما أباح الله لكم , وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما ليس بمباح , فربما
стр. 635
كان في الإفراط , وربما كان في التقصير , غير أنه إذا كان في الإفراط فاللغة المستعملة فيه أن يقال أسرف إسرافاً , وإذا كان في التقصير قيل سرف يسرف. قوله تعالى: ﴿وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ قال ابن عباس: وهو أن تأكل مال اليتيم تبادر أن يكبر , فيحول بينك وبين ماله. ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني بماله عن مال اليتيم. ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد , وهو قول عمر , وابن عباس , وجمهور التابعين. والثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة , ويلبس ما يواري العورة , ولا قضاء , وهو قول الحسن , وإبراهيم , ومكحول , وقتادة. روى شعبة عن قتادة أن عم ثابت بن رفاعة _ وثابت يومئذ يتيم في حجره , أتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري , فما يحل لي من ماله؟ قال: (أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلَا تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْراً). والثالث: أن يأكل من ثمره , ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب , وهو قول أبي العالية , والشعبي. روى القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً , وإن لهم إبلاً , فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها , وتهنأ جرباءَها , وتلوط حوضها , وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا , فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل , ولا بأهل في الحلب. والرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجاً أجرةً معلومة على قدر خدمته , وهو قول عطاء. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: ليس
стр. 636
لي مال ولي يتيم , فقال: (كُلْ مِنْ مَالِ يَتيمِكَ غَيرَ مُسْرِفٍ وَلَا وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ). ﴿فَإِذَا دَفَعْتُم إِلَيْهِم أَمْوَالَهُم فَأَشْهِدُواْ عَلَيهِم﴾ ليكون بيِّنةَ في دفع أموالهم إليهم. ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني شهيداً. والثاني: كافياً من الشهود.
стр. 637
﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ قوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَاِلدَانِ والأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ﴾ وسبب نزول هذه الآية , في الجاهلية كانواْ يُوَرِّثُونَ الذكور دون الإناث , فروى ابن جريج عن عكرمة قال: نزلت في لأم كُجَّة وبناتها وثعلبة وأوس بن سويد وهم من الأنصار , وكان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها , فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وبنيه ولم نُورَّث , فقال عم ولدها: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاُّ , ولا ينكأ عدواً يكسب عليها ولا تكسب , فنزلت هذه الآية.
стр. 638
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمُ مِّنْهُ﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ثابتة الحكم. قال سعيد بن جبير: هما وليان , أحدهما يرث وهو الذي أمر أن يرزقهم أي يعطيهم , والآخر لا يرث وهو الذي أُمر أن يقول لهم قولاً معروفاً , وبإثبات حكمها قال ابن عباس , ومجاهد , والشعبي , والحسن , والزهري. ورُوْي عن عبيدة أنه وَليَ وصية فأمر بشاة فذبحت , وصنع طعاماً لأجل هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. والقول الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث , وهذا قول قتادة , وسعيد بن المسيب , وأبي مالك , والفقهاء. والثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصَّى بها أن تفرق فِيْمَنْ ذُكِرَ وفِيمَنْ حَضَرَ , وهو قول عائشة. فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول. واختلف مَنْ قال: بثبوت حكمها على الوجه الأول في الوارث إذا كان صغيراً هل يجب على وليَّه إخراجها من سهمه على قولين: أحدهما: يجب , وهو قول ابن عباس , وسعيد , ويقول الولي لهم قولاً معروفاً. والثاني: أنه حق واجب في أموال الصغار على الأولياء , وهو قول عبيدة , والحسن. ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للورثة وأوليائهم أن يقولوا لمن حضر من أولي القربى , واليتامى , والمساكين قولاً معروفاً عند إعطائهم المال , وهذا قول ابن عباس , وسعيد بن جبير. والثاني: خطاب للآخرين أن يقولوا للدافعين من الورثة قولاً معروفاً , وهو الدعاء لهم بالرزق والغنى.
стр. 639
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن معناه وليحذر الذين يحضرون مَّيتاً يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده , كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقة ماله لولده , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , والسدي. والثاني: أن معناه وليحذر الذين يحضرون الميت وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه , وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده , وهم لو كانوا من أقرباء الموصى لآثروا أن يوصي لهم , وهو قول مقسم , وسليمان بن المعتمر. والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لِوُلَاةِ الأيتام , أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم , كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم لو ماتوا وترمواْ أولادهم يتامى صغاراً , وهو مروي عن ابن عباس. والرابع: أن من خشي على ذريته من بعده , وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته , فليتقوا الله وليقولا قولاً سديداً , وهو قول أبي بشر بن الديلمي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ عبر عن الأخذ بالأكل لأنه مقصود الأخذ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني انهم يصيرون به إلى النار. والثاني: أنه تمتلىء بها بطونهم عقاباً يوجب النار. ﴿وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً﴾ الصلاء لزوم النار , والسعير إسعار النار , ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢].
стр. 640
﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه
стр. 641
فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ روى السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان , لا يورثون الرجل من ولده إلاّ من أطاق القتال , فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كُجّة , وترك خمس أخوات , فجاءت الورثة فأخذوا ماله , فشكت أم كجة ذلك للنبي ﷺ , فأنزل الله تعالى هذه الآية. ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ففرض للثلاث من البنات , إذا انفردت عن ذَكَرٍ , الثلثين , وفَرْضُ الواحدة إذا انفردت النصف , واختلف في الثنتين , فقال ابن عباس النصف , من أجل قوله تعالى: ﴿فَوقَ اثْنَتَيْنِ﴾ وذهب الجماعة إلى أن فرضهما الثلثان كالثلاث فصاعداً اعتباراً بالأخوات. ثم قال تعالى ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ قال ابن عباس: كان المال للولد , وكانت الوصية للوالدين والأقربين , فنسخ الله تعالى ذلك , فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين , وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس. ثم قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فسّوى بين كل واحد من الوالدين مع وجود الولد في أن لكل واحد منهما السدس , ثم فاضل بينهما مع عدم الولد مع أن جعل للأم الثلث والباقي للأب , وإنما كان هكذا لأن الأبوين مع الولد يرثان فرضاً بالولادة التي قد استويا فيها , فسوّى بين فرضهما , وإذا عَدِمَ الولد ورثت الأم فرضاً لعدم التعصب فيها , وورث الأب بالتعصيب , لأنه أقوى ميراثاً , وجعل فرضها شطر ما حازه الأب بتعصيبه , ليصير للذكر مثل حظ الأنثيين. ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فلا خلاف أن الثلاثة من الأخوة يحجبونها من الثلث الذي هو أعلى فرضها إلى السدس الذي هو أقله , ويكون الباقي بعد سدسها للأب.
стр. 642
وحُكِيَ عن طاووس أنه يعود على الإِخوة دون الأب ليكون ما حجبوها عنه عائداً عليهم لا على غيرهم. وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن الأب يُسقِط من أدلى به كالجد. والثاني: أن العصبة لا يتقدر لهم في الميراث فرض كالأبناء. فأما حجب الأم بالأخوين , فقد منع منه ابن عباس تمسكاً بظاهر الجمع في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ وخالفه سائر الصحابة مُحَجِّبُوا الأم بالأخوين فصاعداً , وإن لم تحجب بالأخ الواحد لأن لفظ الجمع لا يمنع أن يوضع موضع التثنية نحو قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] مع أن الاثنتين تقومان في الفرائض مقام الجمع الكامل , كالأخوات , وولد الأم. ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَينٍ﴾ فقدم الدين والوصية على الميراث , لأن الدين حق على الميت , والوصية حق له , وهما مقدمان على حق ورثته , ثم قدم الدين على الوصية وإن كان في التلاوة مؤخراً , لأن ما على الميت من حق أولى أن يكون مقدماً على ما له من حق. وقد روى ابن إسحاق عن الحارث الأعور عن علي ﵇ قال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَينٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية فإن قيل: فَلِمَ قدم ذكر الوصية على الدين إن كان في الحكم مؤخراً؟ قيل لأن ﴿أَوْ﴾ لا توجب الترتيب وإنما توجب إثبات أحد الشيئين مفرداً أو مصحوباً , فصار كأنه قال: من بعد أحدهما أو من بعدهما. ﴿ءَابآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ يعني في الدين أو الدنيا.
стр. 643
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين
стр. 644
بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ اختلفوا في الكلالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم من عدا الولد , وهو مروي عن ابن عباس , رواه طاووس عنه. والثاني: أنهم من عدا الوالد , وهو قول الحكم بن عيينة. والثالث: أنهم من عدا الولد والوالد , وهو قول أبي بكر , وعمر , والمشهور عن ابن عباس.
стр. 645
وقد روى الشعبي قال: قال أبو بكر: قد رأيت في الكلالة رأياً , فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له , وإن يك خطأ فمنِّي والله منه بريء , إن الكلالة ما خلا الوالد والولد. فلما اسْتُخْلِفَ عمر قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. ثم اختلفواْ في المُسَمَّى كلالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الكلالة الميت , وهو قول ابن عباس , والسدّي. والثاني: أنه الحي الوارث , وهو قول ابن عمر. والثالث: أنه الميت والحي , وهو قول ابن زيد. وأصل الكلالة الإِحاطة , ومنه الإكليل سمي بذلك لإِحاطته بالرأس فكذلك الكلالة لإِحاطتها بأصل النسب الذي هو الوالد والولد.
стр. 646
﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ قوله تعالى: ﴿تَلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ فيها خمسة أقاويل: أحدها: شروط الله , وهو قول السدي. والثاني: طاعة الله , وهو قول ابن عباس. والثالث: سُنّة الله وأمرُه. والرابع: فرائض الله التي حدها لعباده. والخامس: تفصيلات الله لفرائضه.
стр. 647
﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن
стр. 648
تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما﴾ قوله تعالى: ﴿وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ يعني بالفاحشة: الزنى. ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ يعني بيِّنة يجب بها عليهن الحد. ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ اختلفوا في إمساكهن في البيوت هل هو حد أو مُوعد بالحد على قولين: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ يعني بالسبيل الحد , وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (خُذُواْ عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ , وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ). واختلفوا في نسخ الجَلْدِ من حد الثيِّب على قولين: أحدهما: أنه منسوخ , وهو قول الجمهور من التابعين والفقهاء. والثاني: أنه ثابت الحكم , وبه قال قتادة , وداود بن علي , وهذه الآية عامة في البكر والثيب , واخْتُلِفَ في نسخها على حسب اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد بالحد , فمن قال: هي حد , جعلها منسوخة بآية النور , ومن قال: هي مُوعد بالحد , جعلها ثابتة. قوله : ﴿وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا منكُم فَئَاذُوهُمَا﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في الأبكار خاصة , وهذا قول السدي , وابن زيد. والثاني: أنها عامة في الأبكار والثيِّب , وهو قول الحسن , وعطاء. واختلف في المعنى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يِأْتِيَانِهَا مِنكُم﴾ على قولين:
стр. 649
أحدهما: الرجل والمرأة , وهو قول الحسن , وعطاء. والثاني: البكران من الرجال والنساء , وهو قول السدي , وابن زيد. وفي الأذى المأمور به ثلاثة أقاويل:
стр. 650
أحدها: التعيير والتوبيخ باللسان , وهو قول قتادة , والسدي , ومجاهد. والثاني: أنه التعيير باللسان , والضرب بالنعال. والثالث: أنه مجمل أخذ تفسيره في البكر من آية النور , وفي الثيِّب من السُّنّة. فإن قيل كيف جاء ترتيب الأذى بعد الحبس؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن هذه الآية نزلت قبل الأولى , ثم أمر أن توضع في التلاوة بعدها , فكان الأذى أولاً , ثم الحبس , ثم الجلد أو الرجم , وهذا قول الحسن. والثاني: أن الأذى في البكرين خاصة , والحبس في الثَّيِّبين , وهذا قول السدي. ثم اختلف في نسخها على حسب الاختلاف في إجمالها وتفسيرها. ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ يعني تابا من الفاحشة وأصلحا دينهما , فأعرضواْ عنهما بالصفح والكف عن الأذى.
стр. 651
﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ اختلف في المراد بالجهالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن كل ذنب أصابه الإِنسان فهو بجهالة , وكل عاص عصى فهو جاهل , وهو قول أبي العالية. والثاني: يريد يعملون ذلك عمداً , والجهالة العمد , وهو قول الضحاك , ومجاهد. والثالث: الجهالة عمل السوء في الدنيا , وهو قول عكرمة. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ثم يتوبون في صحتهم قبل موتهم , وقبل مرضهم , وهذا قول ابن عباس , والسدي. والثاني: قبل معاينة مَلَكِ الموت , وهو قول الضحاك , وأبي مجلز. والثالث: قبل الموت , قال عكرمة: الدنيا كلها قريب. وقد روى قتادة أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوبَةَ الْعَبْد ما لَمْ يُغَرْغِرْ). ﴿وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: وهو قول الجمهور أنها نزلت في عُصَاةِ المسلمين. والثاني: أنها نزلت في المنافقين , وهو قول الربيع.
стр. 652
فَسَوّى بين مَن لَمْ يتب حتى مات , وبين من تاب عند حضور الموت وهي [حالة] يعرفها مَنْ حَضَرها. ويحتمل أن يكون عند المعاينة في حال يعلم بها وإن منع من الإِخبار بها.
стр. 653
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً﴾. وسبب ذلك أن أهل المدينة في الجاهلية كانوا إذا مات أحدهم عن زوجة , كان ابنه وقريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها , فإن شاء نكحها كأبيه بالصداق الأول , وإن شاء زوجها وملك صداقها , وإن شاء عضلها عن النكاح حتى تموت فيرثها أو تَفْتَدِي منه نفسها بصداقها , إلى أَنْ تُوفِّيَ أبو قيس بن الأسلت عن زوجته كبيشة بنت معن بن عاصم فأراد ابنه أن يتزوجها فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت
стр. 654
يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي , ولا أنا تُرِكْتُ فأُنْكَح , فنزلت هذه الآية. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه خطاب لورثة الأزواج أن [لا] يمنعوهن من التزويج كما ذكرنا , وهذا قول ابن عباس , والحسن , وعكرمة. والثاني: أنه خطاب للأزواج أن [لا] يعضلوا نساءهم بعد الطلاق , كما كانت قريش تفعل في الجاهلية وهو قول ابن زيد. والثالث: أنه خطاب للأزواج أن [لا] يحبسواْ النساء كرهاً ليفتدين نفوسهن أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج , وهذا قول قتادة , والشعبي , والضحاك. والرابع: أنه خطاب للأولياء وهذا قول مجاهد. ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِّينَةٍ﴾ فيها ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الزنى , وهو قول الحسن , وأبي قلابة والسدي. والثاني: أنها النشوز , وهو قول ابن عباس , وعائشة. والثالث: أنها البذاء والأذى. وقد روي عن مقسم في قراءة ابن مسعود (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَاءَاتَيتُمُوهُنَّ إِلَاّ أَن يُفْحِشْنَ). ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً﴾ قال ابن عباس: يعني الولد الصالح. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيئاً﴾ يعني أنهن قد ملكن الصداق , وليس مِلْكُهُنَّ للصداق موقوفاً على التمسك بهن , بل ذلك لهن مع إمساكهن , وفراقهن. ﴿أَتَأْخُذُونُه بُهْتَاناً﴾ فيه قولان: أحدهما: ظلماً بالبهتان.
стр. 655
والثاني: أن يبهتها أن جعل ذلك ليسترجعه منها. وإنما منع من ذلك مع الاستبدال بهن وإن كان ممنوعاً منه وإن لم يستبدل بهن أيضاً لِئَلا يتوهم متوهم أنه يجور مع استبدال غيرها بها أن يأخذ ما دفعه إليها ليدفعه إلى من استبدل بها منه وإن كان ذلك عموماً. قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (الإفضاء) الجماع , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , والسدي. والثاني: أنه الخلوة , وهو قول أبي حنيفة. ﴿وَأَخَذْنَ مِنكم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عقد النكاح الذي استحل به الفرج , وهو قول مجاهد. والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان , وهو قول الضحاك , والسدي , والحسن , وابن سيرين , وقتادة. والثالث: أنه ما رواه موسى بن عبيدة , صعدة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النِّسَاءَ عِندَكُم عَوانٌ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ فَلَكُم عَلَيهِنَّ حَقٌ وَلَهُنَّ عَلَيكُم حَقٌ , وَمِنْ حَقِّكُم عَلَيهِنَّ أَلَاّ يُوطِئْنَ فَرشَكُم أَحدَاً وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ , فَإنْ فَعَلْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). واختلف في ثبوت حكمها أو نسخه على قولين: أحدهما: أنها محكمة , لا يجوز له أن يْأخذ منها شيئاً مما أعطاها سواء
стр. 656
كانت هي المريدة للطلاق أو هو , وهو قول بكر بن عبد الله المزني. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّاءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ , وهذا قول ابن زيد. وقال أبو جعفر الطبري وغيره: حكمها ثابت عند عن خوف النشوز فيجوز أن يفاديها. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم كانوا يَحْلُفْون الآباء على نسائهم , فجاء الإسلام بتحريم ذلك وعفا عما كان منهم في الجاهلية أن يؤاخذواْ به إذا اجتنبوه في الإسلام , وهذا قول ابن عباس , وقتادة وعطاء , وعكرمة. والثاني: يعني لا تنكحواْ كنكاح آبائكم في الجاهلية على الوجه الفاسد , إلا ما سلف منكم في جاهليتكم فإنه معفو عنه إذا كان مما يجوز الإقرار عليه , وهذا قول بعض التابعين. والثالث: معناه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز , إلا ما قد سلف منهم بالزنى والسفاح , فإن نكاحهن حلال لكم , لأنهن لم يَكُنَّ حلالاً , وإنما كان نكاحهن فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً , وهذا قول ابن زيد. والرابع: إلا ما قد سلف فدعوه فإنكم تؤاخذون به , قالوه وهذا من الاستثناء المنقطع , ومنهم من جعله بمعنى لكن. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ والمقت شدة البغض لقبح مرتكبه , ومنه قولهم قد مقته الناس إذا أبغضوه , ورجل مقيت , وكان يقال لولد الرجل من امرأة أبيه المقتي. ﴿وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ يعني طريقاً.
стр. 657
﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم
стр. 658
وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما﴾ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: والمحصنات من النساء يعني ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي , وهذا قول علي , وابن عباس , وأبي قلابة , والزهري , ومكحول , وابن زيد. وقد روى عثمان البَتّي عن أبي خليل عن أبي سعيد الخدري قال: لما سبى رسول الله ﷺ أهل أوطاس , قلنا: يا نبي الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. والثاني: أن المحصنات ذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن إلا ما
стр. 659
ملكت أيمانكم من الإِماء , إذا اشتراها مشترٍ بطل نكاحها وحلت لمشتريها ويكون بيعها طلاقها , وهذا قول ابن مسعود , وأُبي بن كعب , وجابر بن عبد الله , وأنسٍ ابن مالك , وابن عباس في رواية عكرمة عنه وسعيد بن المسيب , والحسن , قال الحسن: طلاق الأَمة يثبت نسبها , وبيعها , وعتقها , وهبتها , وميراثها , وطلاق زوجها. الثالث: أن المحصنات من النساء العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بعقد النكاح , أو ملك اليمين , وهذا قول عمر , وسعيد بن جبير , وأبي العالية , وعبيدة السلماني , وعطاء , والسدي. والرابع: أن هذه الآية نزلت في نساءٍ كُنَّ هَاجَرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج , فتزوجهن المسلمون , ثم قدم أزواجهن مهاجرين , فنهي المسلمون عن نكاحهن , وهذا قول أبي سعيد الخدري. وأصل الإِحصان المنع , ومنه حصن البلد , لأنه يمنع من العدو , ودرع حصينة أي منيعة , وفرس حَصان , لأن صاحبه يمتنع به من الهلكة , وامرأة حصان , وهي العفيفة لأنها تمتنع من الفاحشة , ومنه ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]. ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه: حرم ذلك عليكم كتاباً من الله. والثاني: معناه ألزموا كتاب الله. والثالث: أن كتاب الله قيم عليكم فيما تستحلِّونه وتحرمونه. ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معناه ما دون الخمس , وهو قول السدي. والثاني: ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم , وهو قول عطاء. والثالث: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم , وهو قول قتادة. ﴿أّن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ يعني أن تلتمسوا بأموالكم إما شراء بثمن , أو نكاحاً بصداق.
стр. 660
﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ يعني متناكحين غير زانين , وأصل السفاح صب الماء , ومنه سَفَح الدمع إذا صبَّه , وسَفْح الجبل أسفله لأنه مصب الماء فيه , وسِفَاح الزنى لصب مائه حراماً. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي آتوهن صدقاتهن معلومة , وهذا قول مجاهد , والحسن , وأحد قولي ابن عباس. والقول الثاني: أنها المتعة إلى أجل مسمى من غير نكاح , قال ابن عباس كان في قراءة أُبيّ: ﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى﴾ , وكان ابن عباس كذلك يقرأ , وسعيد بن جبير , وهذا قول السدي , وقال الحكم: قال عليّ: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي , وهذا لا يثبت , والمحكي عن ابن عباس خلافه , وأنه تاب من المتعة وربا النقد. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لِنِسَائكم مهراً عن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم , وهذا قول سليمان بن المعتمر. والثاني: لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضتيم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى , إذا انقضى الأجل بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن , وهذا قول السدي. والثالث: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به ودفعتموه أن يعود إليكم عن تراض , وهذا قول ابن عباس. ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كان عليماً بالأشياء قبل خلقها , حكيماً في تقديره وتدبيره لها , وهذا قول الحسن. والثاني: أن القوم شاهدواْ عِلماً وحكمة فقيل لهم إن كان كذلك لم يزل , وهذا قول سيبويه. والثالث: أن الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل وهذا مذهب الكوفيين.
стр. 661
﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتَ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الطوْل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغنى والسعة الموصل إلى نكاح الحرّة , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , ومجاهد , وسعيد بن جبير , والسدي , وابن زيد , والشافعي , ومالك. والقول الثاني: هو أن تكون تحته حرة , وهو قول أبي حنيفة.
стр. 662
والقول الثالث: هو الهوى وهو أن يهوى أَمَةً فيجوز أن يتزوجها , إن كان ذا يسار وكان تحته حرة , وهذا قول جابر , وابن مسعود , والشعبي , وربيعة , وعطاء. وأصل الطَوْل الفضل والسعة , لأن المعنى كالطول في أنه ينال به معالي الأمور , ومنه قولهم ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد , فكان هو الأصح من تأويلاته. واختلف في إيمان الأمَةِ هل هو شرط في نكاحها عند عدم الطَوْل على قولين: أحدهما: أنه شرط لا يجوز نكاح الأَمَةِ نكاح الأَمَةِ إلا به , وهو قول الشافعي. والثاني: أنه ندب وليس بشرط , فإن تزوج غير المؤمنة جاز , وهو قول أبي حنيفة. قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ يعني بالمسافحة: المعلنة بالزنى. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ هو أن تتخذ المرأة خدناً وصديقاً ولا تزني بغيره , وقد كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى , ويستحلون ما بطن , فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرأ بفتح الألف حمزة , والكسائي , وأبو بكر عن عاصم , ومعنى ذلك أسلمن , فيكون إحصانها ها هنا إسلامها , وهذا قول ابن مسعود , والشعبي , وروى الزهري قال: جَلَدَ عمر ولائد أبكاراً من ولائد الإمارة في الزنى. وقرأ الباقون بضم الألف , ومعنى ذلك تزوجن , فيكون إحصانها ها هنا تزويجها , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد , والحسن. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يعني بها ها هنا الزنى. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعني نصف حد الحرة. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: الزنى , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , وسعيد بن جبير , والضحاك , وابن زيد , وبه قال الشافعي. والثاني: أن العنت الإثم. والثالث: أنه الحد الذي يصيبه. والرابع: هو الضرر الشديد في دين أو دنيا. وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرُ لَّكُمْ﴾ يعني الصبر عن نكاح الأمَةِ لئلا يكون ولده عبداً.
стр. 663
﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد
стр. 664
الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الزناة , وهو قول الضحاك. والثاني: أنهم اليهود والنصارى , وهو قول السدي. والثالث: كل متبع شهوة غير مباحة , وهو قول ابن زيد. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ يخفف عنكم في نكاح الإماء , وخُلِقَ الإنسان ضعيفاً عن احتمال الصبر عن جماع النساء.
стр. 665
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تِأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى , والقمار , والبخس , والظلم , وهو قول السدي. والثاني: العقود الفاسدة , وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه نهى أن يأكل الرجل طعام قِرى وأَمَر أن يأكله شِرى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى قوله: ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ وهو قول الحسن , وعكرمة.
стр. 666
﴿إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار , وهو قول مالك , وأبي حنيفة. والثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق , وهو قول شريح , وابن سيرين , والشعبي. وقد روى القاسم بن سليمان الحنفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ : (البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ وَالخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلمٍ أَنْ يَغِشَّ مٌسْلِماً). ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني لا يقتل بعضكم بعضاً , وهذا قول عطاء , والسدي , وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة , ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. والثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ فيما توجه إليه هذا الوعيد بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أكل المال بالباطل , وقتل النفس بغير حق. والثاني: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء. والثالث: أنه متوجه إلى قوله تعالى: ﴿لَا َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩]. ﴿عُدْوَاناً وَظُلْماً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني تعدياً واستحلالاً. والثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيداً.
стр. 667
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ في الكبائر سبعة أقاويل: أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها , وهذا قول ابن مسعود في رواية مسروق , وعلقمة , وإبراهيم. والثاني: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله , وقتل النفس التي حرم الله , وقذف المحصنة , وأكل مال اليتيم , وأكل الربا , والفرار من الزحف , والتعرب بعد الهجرة , وهذا قول عليّ , وعمرو بن عبيد. والثالث: أنها تسع: الإشراك بالله , وقذف المحصنة , وقتل النفس المؤمنة , والفرار من الزحف , والسحر , وأكل مال اليتيم , وعقوق الوالدين المسلمين , وأكل الربا , وإلحاد بالبيت الحرام , وهذا قول ابن عمر. والرابع: أنها أربع: الإشراك بالله , والقنوط من رحمة الله , واليأس من رَوْح الله , والأمن من مكر الله , وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه. والخامس: أنها كل ما أوعد الله عليه النار , وهذا قول سعيد بن جبير , والحسن , ومجاهد , والضحاك. والسادس: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها الزنى , والعقوق , والسرقة , وسب أبي بكر وعمر. والسابع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال , وهذا قول زيد بن أسلم. ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر , فأما مع ارتكاب الكبائر , فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر.
стр. 668
﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما﴾ (إسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وإِنَّ أَفْضَلَ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ). ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أنه قسَّم الأرزاق على ما علم وشاء فينبغي أن ترضوا بما قسم وتسألوه من فضله غير متأسفين لغيركم في عطية. والنهي تحريم عند أكثر العلماء , لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي , وإنما يقول ليت مثله
стр. 669
لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب، وقال غيره هو تحريم. والقول الثاني: وهو الأشهر - أنها نزلت في نساء تمنين كالرجال في فضلهم ومالهم، فروى عكرمة أنها نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾. ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة. والثاني: أن معنى ذلك للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس. ﴿وسألوا الله من فضله﴾ فيه قولان:
стр. 670
أحدهما: إن احتجتم إلى مال غيركم فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله ولا تتمنوا مال غيركم. والثاني: العبادة التي تكتسب الثواب في الآخرة، قال رسول الله ﷺ : " إسألوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج ". ﴿إن الله كان بكل شيء عليماً﴾ أنه قسم الأرزاق على ما علم وشاء فينبغي أن ترضوا بما قسم وتسألوه من فضله غير متأسفين لغيركم في عطية. والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان مالي، وإنما يقول ليت مثله لي.
следующие страницы →