Полный текст (4 439 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
﴿إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار , وهو قول مالك , وأبي حنيفة. والثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق , وهو قول شريح , وابن سيرين , والشعبي. وقد روى القاسم بن سليمان الحنفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ : (البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ وَالخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلمٍ أَنْ يَغِشَّ مٌسْلِماً). ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني لا يقتل بعضكم بعضاً , وهذا قول عطاء , والسدي , وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة , ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. والثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ فيما توجه إليه هذا الوعيد بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أكل المال بالباطل , وقتل النفس بغير حق. والثاني: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء. والثالث: أنه متوجه إلى قوله تعالى: ﴿لَا َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩]. ﴿عُدْوَاناً وَظُلْماً﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني تعدياً واستحلالاً. والثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيداً.
стр. 667
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ في الكبائر سبعة أقاويل: أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها , وهذا قول ابن مسعود في رواية مسروق , وعلقمة , وإبراهيم. والثاني: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله , وقتل النفس التي حرم الله , وقذف المحصنة , وأكل مال اليتيم , وأكل الربا , والفرار من الزحف , والتعرب بعد الهجرة , وهذا قول عليّ , وعمرو بن عبيد. والثالث: أنها تسع: الإشراك بالله , وقذف المحصنة , وقتل النفس المؤمنة , والفرار من الزحف , والسحر , وأكل مال اليتيم , وعقوق الوالدين المسلمين , وأكل الربا , وإلحاد بالبيت الحرام , وهذا قول ابن عمر. والرابع: أنها أربع: الإشراك بالله , والقنوط من رحمة الله , واليأس من رَوْح الله , والأمن من مكر الله , وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه. والخامس: أنها كل ما أوعد الله عليه النار , وهذا قول سعيد بن جبير , والحسن , ومجاهد , والضحاك. والسادس: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها الزنى , والعقوق , والسرقة , وسب أبي بكر وعمر. والسابع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال , وهذا قول زيد بن أسلم. ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر , فأما مع ارتكاب الكبائر , فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر.
стр. 668
﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما﴾ (إسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وإِنَّ أَفْضَلَ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ). ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أنه قسَّم الأرزاق على ما علم وشاء فينبغي أن ترضوا بما قسم وتسألوه من فضله غير متأسفين لغيركم في عطية. والنهي تحريم عند أكثر العلماء , لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي , وإنما يقول ليت مثله
стр. 669
لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب، وقال غيره هو تحريم. والقول الثاني: وهو الأشهر - أنها نزلت في نساء تمنين كالرجال في فضلهم ومالهم، فروى عكرمة أنها نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾. ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة. والثاني: أن معنى ذلك للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس. ﴿وسألوا الله من فضله﴾ فيه قولان:
стр. 670
أحدهما: إن احتجتم إلى مال غيركم فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله ولا تتمنوا مال غيركم. والثاني: العبادة التي تكتسب الثواب في الآخرة، قال رسول الله ﷺ : " إسألوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج ". ﴿إن الله كان بكل شيء عليماً﴾ أنه قسم الأرزاق على ما علم وشاء فينبغي أن ترضوا بما قسم وتسألوه من فضله غير متأسفين لغيركم في عطية. والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان مالي، وإنما يقول ليت مثله لي.
стр. 671
﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ وفي الموالي قولان: أحدهما: أنهم العصبة , وهو قول ابن عباس , وقتادة , ومجاهد , وابن زيد. والثاني: هم الورثة , وهو قول السدي , وهو أشبه بقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ قال الفضل بن عباس:
(مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنشبواْ بيننا ما كان مَدْفوناً)
﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هي مفاعلة من عقد الحلف , ومعناه: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم , فآتوهم نصيبهم. وفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل: أحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وهذا قول ابن عباس , وعكرمة , وقتادة. والثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي ﷺ , من المهاجرين والأنصار , فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة بهذه الآية , ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانَ والأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] , وهذا قول سعيد بن جبير , عن ابن عباس , وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في أهل العقد بالحلف ولكنهم أُمِرُوا أن يؤتوا بعضهم
стр. 672
بعضاً من النصرة والنصيحة والمشورة والوصية دون الميت , وهذا قول مجاهد , وعطاء , والسدي. وقال رسول الله ﷺ وقد سأله قيس بن عاصم عن الحِلف فقال: (لَا حِلْفَ في الإْسلَامِ , وَمَا كَانَ مِنْ حِلفِ الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يُزِدْهُ الإِسْلَامُ الإَِّ شِدَّةً). والرابع: أنها نزلت في الذين يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية , فَأُمِرُوا في الإِسلام أن يوصوا لهم عند الموت بوصية , وهذا قول سعيد بن المسيب. والخامس: أنها نزلت في قوم جعل لهم نصيب من الوصية , ثم هلكوا فذهب نصيبهم بهلاكهم , فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم , وهذا قول الحسن البصري.
стр. 673
﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾ قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النَّسَآءِ﴾ يعني أهل قيام على نساءهم , في تأديبهن , والأخذ على أيديهن , فيما أوجب الله لهم عليهن. ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني في العقل والرأي. ﴿وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أِمْوَالِهِمْ﴾ يعني به الصداق والقيام بالكفاية. وقد روى
стр. 674
جرير بن حازم عن الحسن أن سبب ذلك أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص , فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص فنزلت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَي إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] ونزلت ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ , وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس. ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ يعني المستقيمات الدين العاملات بالخير , والقانتات يعني المطيعات لله ولأزواجهن. ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ يعني حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن , ولما أوجبه الله من حقه عليهن. ﴿بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني يحفظ الله لهن إذ صيّرهن كذلك , وهو قول عطاء. والثاني: بما أوجبه الله على أزواجهن من مهورهن ونفقتهن حتى صرن بها محفوظات , وهذا قول الزجاج. وقد روى ابن المبارك , سعيد بن أبي سعيد أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (خَيْرُ النَّساءِ امْرَأَةً إِذا نَظَرْتَ إِلَيهَا سَرَّتْكَ , وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ , وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مالِهَا ونَفْسِهَا) قال ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ إلى آخر الآية. ﴿وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ في ﴿تَخَافُونَ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه العلم , فعبر عنه بالخوف , كما قال الشاعر:
(ولا تدفنيني بالفلاة فإنني ... أخافُ إذا ما مِتُّ أن لا اذُوقَها)
يعني فإنني أعْلَمُ
стр. 675
والتأويل الثاني: أنه الظن , كما قال الشاعر.
(أتاني عن نصر كلام يقوله ... وما خفت يا سلامُ أنك عائبي)
وهو أن يستر على نشوزها بما تبديه من سوء فعلها. والنشوز: هو معصية الزوج والامتناع من طاعته بغضاً وكراهة - وأصل النشوز: الارتفاع , ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نُشز , فسميت الممتنعة عن زوجها ناشزاً لبعدها منه وارتفاعها عنه. ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أما وعظها فهو أن يأمرها بتقوى الله وطاعته , ويخوفها استحقاق الوعيد في معصيته وما أباحه الله تعالى من ضربها عند مخالفته , وفي المراد بقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ خمسة أقاويل: أحدها: ألا يجامعها , وهو قول ابن عباس , وسعيد بن جبير. والثاني: أن لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع , وهو قول الضحاك , والسدي. والثالث: أن يهجر فراشها ومضاجعتها وهو قول الضحاك , والسدي. والرابع: يعني وقولوا لهن في المضاجع هُجراً , وهو الإغلاظ في القول , وهذا قول عكرمة , والحسن. والخامس: هو أن يربطها بالهجار وهو حبل يربط به البعير ليقرها على الجماع , وهو قول أبي جعفر الطبري. واستدل براوية ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:
стр. 676
قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (حَرثَكَ فَأْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ غَيرَ أَلَاّ تَضْرِبَ آلْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ إلَاّ في البًيْتِ , وأطْعِمْ إِذا طَعِمْتَ وَاكْسِ إِذّا اكْتَسَيْتَ , كَيْفَ وَقْدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) وليس في هذا الخبر دليل على تأويله دون غيره. وأصل الهجر: الترك على قلى , والهُجر: القبيح من القول لأنه مهجور. ﴿وَآضْرِبُوهُنَّ﴾ فجعل الله تعالى معاقبتها على النشوز ثلاثة أشياء: وَعْظُها وهَجْرُها وضَرْبُها. وفي ترتبيها إذا نشزت قولان: أحدهما: أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها , فإن أقامت عليه ضربها. والثاني: أنه إذا خاف نشوزها وعظها , فإذا أبدت المشوز هجرها , فإن أقامت عليه ضربها , وهو الأظهر من قول الشافعي. والذي أبيح له من الضرب ما كان تأديباً يزجرها به عن النشوز غير مبرح ولا منهك , روى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : (اضْرِبُوهُنَّ إِذَا عَصَينَكُمْ فِي المَعْرُوفِ ضَرْباً غير مُبَرِّحٍ). ﴿فَإِن أَطَعْنَكُم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ يعني أطعنكم في المضجع والمباشرة. ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا تطلبواْ لهن الأذى. والثاني: هو أن يقول لها لست تحبينني وأنت تعصيني , فيصيّرها على ذلك وإن كانت مطيعة: قال سفيان: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه لأن قلبها ليس في يدها.
стр. 677
﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا﴾ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِمَا﴾ يعني مشاقة كل واحد منهما من صاحبه , وهو إتيان ما يشق عليه من أمور أما من المرأة فنشوزها عنه وترك ما لزمها من حقه , وأما
стр. 678
من الزوج فعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان , والشقاق مصدر من قول القائل شاق فلان فلاناً إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه بما يشق عليه , وقيل لأنه قد صار في شق بالعداوة والمباعدة. ﴿فَابْعَثْواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ وفي المأمور بإيفاد الحكمين ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السلطان إذا تراجع إليه الزوجان , وهو قول سعيد بن جبير , والضحاك. والثاني: الزوجان , وهو قول السدي. والثالث: أحد الزوجين وإن لم يجتمعا. ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً﴾ يعني الحَكَمَين. ﴿يُوَفِقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يوفق الله بين الحكمين في الصلاح بين الزوجين. والثاني: يوفق الله بينهما بين الزوجين بإصلاح الحَكَمَين , والحكمين للإصلاح. وفي الفُرْقَةِ إذا رأياها صلاحاً من غير إذن الزوجين قولان: أحدهما: ليس ذلك إليها لأن الطلاق إلى الزوج. والثاني: لهما ذلك لأن الحَكَم مشتق من الحُكم فصار كالحاكم بما يراه صلاحاً.
стр. 679
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾
стр. 680
﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ معناه واستوصوا بالوالدين إحساناً. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ هم قرابة النسب من ذوي الأرحام. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم وهو من مات أبوه لم يبلغ الحلم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة فيتمسكن لذلك. ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ فيه قولان: أحدهما: بمعنى ذي القرابة والرحم وهم الذين بينك وبينهم قرابة نسب , وهذا قول ابن عباس , ومجاهد. والثاني: يعني الجار ذي القربى بالإسلام. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ فيه قولان: أحدهما: الجار البعيد في نسبه الذي ليس بينك وبينه قرابة , وهو قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنه المشرك البعيد في دينه. والجنب في كلام العرب هو البعيد , ومنه سُمي الجنب لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل , قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة:
(أتيت حُريثاً زائراً عن جنابةٍ ... فكان حريث في عطائي جامداً)
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرفيق في السفر , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , وقتادة. والثاني: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه , وهو قول ابن مسعود. والثالث: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك , وهو قول ابن زيد. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كُلُّ صَاحبٍ يَصْحَبُ صَاحِباً مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعةً مِن نَّهَارٍ).
стр. 681
وروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (خَيرُ الأَصْحَابِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِصَاحِبِهِ , وَخَيرُ الجيرانِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِجَارِهِ). ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المسافر المجتاز مَارّاً , وهذا قول مجاهد , وقتادة , والربيع. والثاني: هو الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة , وهذا قول الشافعي. والثالث: أنه الضعيف , وهو قول الضحاك. والسبيل الطريق , ثم قيل لصاحب الطريق ابن السبيل , كما قيل لطير الماء ابن ماء. قال الشاعر:
(وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ مُلحقُ)
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المملوكين , فأضاف الملك إلى اليمين لاختصاصها بالتصرف كما يقال تكلم فُوك , ومشت رجلُك. ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ المختال: من كان ذا خيلاء , مفتعل من قولك: خالَ الرجل يَخُول خُيلاء , وخالاً , قال العجاج:
(والخال ثوب من ثياب الجهال
(والدهْرُ فيه غَفْلةٌ للغفال))
والفخور: المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه وبسط عليه من رزقه.
стр. 682
﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله وكان الله بهم عليما﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنها نزلت في اليهود , بخلوا بما عندهم من التوراة من نبوة محمد ﷺ وكتموه وأمرواْ الناس بكتمه. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني نبوة محمد ﷺ , وهذا قول مجاهد , وقتادة , والسدي. والثاني: يبخلون بالإنفاق في طاعة الله ويأمرون الناس بذلك , وهو قول طاووس , والبخل أن يبخل بما في يديه , والشح أن يشح على ما في أيدي الناس يحب أن يكون له. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود , وهو قول مجاهد. والثاني: هم المنافقون , وهو قول الزجاج. ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قَرِيناً﴾ القرين هو الصاحب الموافق , كما قال عدي بن زيد:
(عن المرءِ لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مُقتدي)
وأصل القرين من الأقران , والقِرن بالكسر المماثل لأقرانه في الصفة , والقَرْن بالفتح: أهل العصر لاقترانهم في الزمان , ومنه قَرْن البهيمة لاقترانه بمثله. وفي المراد يكون قريناً للشيطان قولان:
стр. 683
أحدهما: أنه مصاحبِهُ في أفعاله. والثاني: أن الشيطان يقترن به في النار.
стр. 684
﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أصل المثقال الثقل , والمثقال مقدار الشيء في الثقل. والذرة: قال ابن عباس هي دودة حمراء , قال يزيد بن هارون: زعمواْ أن هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن. قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ وشهيد كل أمة نبيُّها , وفي المراد بشهادته عليها قولان: أحدهما: أن يشهد على كل أمّته بأنه بلغها ما تقوم به الحجة عليها , وهو قول ابن مسعود وابن جريج , والسدي. والثاني: أن يشهد عليها بعملها , وهو قول بعض البصريين. ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ يعني رسول الله ﷺ في الشهادة على أُمته , روى ابن مسعود أنه قرأ على رسول الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ ففاضت عيناه ﷺ . قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الذين تمنوه من تسوية الأرض بهم , أن يجعلهم مثلها , كما
стр. 685
قال تعالى في موضع أخر ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. والثاني: أنهم تمنواْ لو انفتحت لهم الأرض فصاروا في بطنها.
стр. 686
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: سكارى من الخمر , وهو قول ابن عباس , وقتادة , وقد روى عطاء ابن السائب عن عبد الله بن حبيب: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً ودعا نفراً من أصحاب النبي ﷺ فأكلوا وشربوا حتى ثملوا , ثم قدّموا عمر فصلى بهم المغرب فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَأَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُد وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ لَكُمْ دِينُكُم وَلِيَ دِينٌ﴾ فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿لَا تَقْربُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾. والقول الثاني: وأنتم سكارى من النوم , وهو قول الضحاك , وأصل السُكر: السَكْر , وهو سد مجرى الماء , فالسُّكر من الشراب يسد طريق المعرفة. فإن قيل فكيف يجوز نهي السكران , ففيه جوابان: أحدهما: أنه قد يكون سكران من غير أن يخرج إلى حد لا يحتمل معه الأمر. والثاني: أنه نهي عن التعرض للسكر وعليه صلاة. ﴿وَلَا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ فيه قولان:
стр. 687
أحدهما: أراد سبيل المسافر إذا كان جنباً لا يصلي حتى يتيمم , وهذا قول ابن عباس في رواية أبي مجلز عنه , ومجاهد , والحكم , وابن زيد. والثاني: لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارّاً مجتازاً , وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك , وابن يسار عنه , وهو قول جابر , والحسن , والزهري , والنخعي. ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ , وهذا قول داود بن علي. الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر , وهذا قول مالك , وأحد قولي الشافعي. والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ , وهو القول الثاني من قولي الشافعي. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير , وهو قول داود. والثاني: مسافة يوم وليلة فصاعداً , وهو قول مالك , والشافعي رحمهما الله. والثالث: مسافة ثلاثة أيام , وهو مذهب أبي حنيفة. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغآئِطِ﴾ هو الموضع المطمئن من الأرض كان الإنسان يأتيه لحاجته , فكنى به عن الخارج مجازاً , ثم كثر استعماله حتى صار كالحقيقة , والدليل على أن الغائط حقيقة في اسم المكان دون الخارج , قول الشاعر:
(أما أتاك عني الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث)
٨٩ (وصِحت في الغائط يا خبيث﴾ ٩
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ فيه قراءتان: إحداهما: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ بغير ألف , قرأ بها حمزة والكسائي.
стр. 688
والأخرى: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ , وهي قراءة الباقين. وفي هذه الملامسة قولان: أحدهما: الجماع , وهو قول عليّ , وابن عباس , والحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد , وهو قول ابن مسعود , وابن عمر , وعبيدة , والنخعي , والشعبي , وعطاء , وابن سيرين , وبه قال الشافعي. وفي اختلاف القراءتين في ﴿لَمَسْتُمْ﴾ أو ﴿لَامَسْتُمُ﴾ قولان: أحدهما: أن ﴿لَامَسْتُمُ﴾ أبلغ من ﴿لَمِسْتُمُ﴾. والثاني: أن ﴿لَامَسْتُمُ﴾ يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس. ﴿وَلَمَسْتُمُ﴾ يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس. ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه التعبد والتحري , وهو قول سفيان. والثاني: أنه القصد , وذكر أنها في قراءة ابن مسعود: فأتوا صعيداً طيباً. وفي الصعيد أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس , وهو قول قتادة. والثاني: أنها الأرض المستوية , وهو قول ابن زيد. والثالث: هو التراب , وهو قول عليّ , وابن مسعود , والشافعي. والرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار , ومنه قول ذي الرُّمة:
(كأنه بالضحى ترمي الصعيدَ به ... دَبّابةٌ في عظام الرأس خُرْطوم)
وفي قوله تعالى: ﴿طَيِّباً﴾ أربعة أقاويل: أحدها: حلالاً , وهو قول سفيان. والثاني: طاهراً , وهو قول أبي جعفر الطبري. والثالث: تراب الحرث , وهو قول ابن عباس.
стр. 689
والرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ , وهو قول ابن جريج. ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. فالوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في غسل الوضوء. فأما مسح اليدين ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الكفان إلى الزندين دون الذراعين , وهو قول عمار بن ياسر , ومكحول , وبه قال مالك في أحد قوليه , والشافعي في القديم. والثاني: الذراعان مع المرفقين , وهو قول ابن عمر , والحسن , والشعبي , وسالم بن عبد الله , والشافعي في الجديد. والثالث: إلى المنكبين والإبطين , وهو قول الزهري , وحكي نحوه عن أبي بكر. واختلفوا في جواز التيمم في الجنابة على قولين: أحدهما: يجوز , وهو قول الجمهور. والثاني: لا يجوز وهو قول عمر , وابن مسعود , والنخعي. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: نزلت في قوم من الصحابة أصابتهم جراح , وهذا قول النخعي. والثاني: أنها نزلت في إعواز الماء في السفر , وهو قول عائشة ﵂.
стр. 690
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾
стр. 691
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم قد صاروا لجحودهم صفة رسول الله ﷺ كمشتري الضلالة بالهدى. والثاني: أنهم كانوا يعطون أحبارهم أموالهم على ما كانواْ يصنعونه من التكذيب بالرسول ﷺ . والثالث: أنهم كانوا يأخذون الرشا , وقد روى ثابت البناني عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ لعن الراشي , والمرتشي , والرائش , وهو المتوسط بينهما. قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعَ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ فيه قولان: إحداهما: معناه: اسمع لا سمعت , وهو قول ابن عباس , وابن زيد. والثاني: أنه غير مقبول منك , وهو قول الحسن , ومجاهد. ﴿وَرَاعِنَا لَيَّاً بِأَلْسِنَتِهِم﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذه الكلمة كانت سَبّاً في لغتهم , فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها. والثاني: أنها كانت تجري مجرى الهُزْءِ. والثالث: إنها كانت تخرج مخرج الكِبْر.
стр. 692
﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن
стр. 693
نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى. ﴿ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا﴾ يعني القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ يعني كتبكم. ﴿مِّن قَبْلِ أَن نِّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهآ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى , وهو قول ابن عباس , وقتادة. والثاني: أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها , أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً , وهذا قول الحسن , والضحاك , ومجاهد , وابن أبي نجيح , والسدي. ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ أي نمسخهم قردة , وهو قول الحسن , وقتادة , والسدي.
стр. 694
﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم , بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ يعني اليهود في تزكيتهم أنفسهم أربعة أقاويل: أحدها: قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه , وهذا قول قتادة , والحسن.
стр. 695
والثاني: تقديمهم أطفالهم لإمامتهم زعماً منهم أنه لا ذنوب لهم , وهذا قول مجاهد , وعكرمة. والثالث: هو قولهم إن أبناءنا يستغفرون لنا ويزكوننا , وهذا قول ابن عباس. والرابع: هو تزكية بعضهم لبعض لينالوا به شيئاً من الدنيا , وهذا قول ابن مسعود. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة , وهو قول عطاء , وقتادة , ومجاهد , والحسن , وأحد قولي ابن عباس. قال الحسن: الفتيل ما في بطن النواة , والنقير ما في ظهرها , والقطمير قشرها. والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ , وهذا قول السدي , وأحد قولي ابن عباس. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما , وهذا قول عكرمة. والثاني: أن الجبت: الأصنام , والطاغوت: تراجمة الأصنام , وهذا قول ابن عباس. والثالث: أن الجبت السحر , والطاغوت: الشيطان , وهذا قول عمر , ومجاهد. والرابع: أن الجبت الساحر , والطاغوت الكاهن , وهذا قول سعيد بن جبير. والخامس: أن الجبت حُيي بن أخطب , والطاغوت كعب بن الأشرف , وهو قول الضحاك.
стр. 696
﴿أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا﴾ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبُ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَاّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ وفي النقير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة , وهذا قول ابن عباس , وعطاء , والضحاك. والثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة , وهو قول مجاهد. والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه , وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَاءاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني اليهود. وفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم العرب , وهو قول قتادة. والثاني: أنه محمد ﷺ خاصة , وهو قول ابن عباس , ومجاهد , والضحاك , والسدي , وعكرمة. والثالث: أنهم النبي ﷺ وأصحابه , وهو قول بعض المتأخرين. وفي الفضل المحسود عليه قولان: أحدهما: النبوة , حسدواْ العرب على أن كانت فيهم , وهو قول الحسن , وقتادة. والثاني: أنه إباحته للنبي ﷺ نكاح من شاء من النساء من غير عدد , وهو قول ابن عباس , والضحاك , والسدي.
стр. 697
﴿فَقَدْءَاتَيْنَاءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً﴾ في الملك العظيم أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك سليمان بن داود , وهو قول ابن عباس. والثاني: النبوة , وهو قول مجاهد. والثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود , وهو قول همام بن الحارث. والرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد , حتى نكح داود تسعاً وتسعين امرأة , ونكح سليمان مائة امرأة , وهذا قول السدي.
стр. 698
﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بئَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِم نَاراً﴾ إلى قوله: ﴿لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ فإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلواْ جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلواْ أجساماً , وأرواحاً , غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا , ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار. وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم , وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب , فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ. والجواب الثاني: أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة [غير] محترقة.
стр. 699
والجواب الثالث: أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم من قبل أن جعلت لهم لباساً , فسماها الله جلوداً , وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة , لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها , وفي فنائها راحتها , وقد أخبر الله تعالى: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب.
стр. 700
﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ في المعني بذلك أربعة أقاويل: أحدها: أنه عَنَى وُلَاةَ أمور المسلمين , وهذا قول شهر بن حَوْشَبٍ , ومكحول , وزيد بن أسلم. والثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء , وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنه خُوْطِبَ بذلك النبي ﷺ في عثمان بن أبي طلحة , أن يرد عليه مفاتيح الكعبة , وهذا قول ابن جريج. والرابع: أنه في كل مَؤْتَمنٍ على شيء , وهذا قول أُبَيّ بن كعب , والحسن , وقتادة. وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي ﷺ قال: (أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك).
стр. 701
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الْرَّسُولَ وِأُولي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ يعني أطيعوا الله في أوامره ونواهيه , وأطيعوا الرسول. روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَطَاَعنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَا اللهَ , وَمَنْ عَصَا أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي). وفي طاعة الرسول قولان: أحدهما: اتباع سنته , وهو قال عطاء. والثاني: وأطيعوا الرسول إن كان حياً , وهو قول ابن زيد. وفي أولي الأمر أربعة أقاويل: أحدها: هم الأمراء , وهو قول ابن عباس , وأبي هريرة , والسدي , وابن زيد. وقد روى هشام عن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سَيَلِيكُم بَعْدِي وُلَاةٌ , فَيَلِيكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ , وَبَلِيكُمُ الفَاجِرُ بِفجُورِهِ , فَاسْمَعُوا لَهُم وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الحَقَّ , وَصَلُّوا وَرَاءَهُم , فإِن أَحْسَنٌواْ فَلَكُم وَلَهُم , وإنْ أَساءُوا فَلَكُم وَعَليهُم).
стр. 702
واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء , فقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية. وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر , وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله ﷺ في سرية. والقول الثاني: هم العلماء والفقهاء , وهو قول جابر بن عبد الله , والحسن , وعطاء , وأبي العالية. والثالث: هم أصحاب رسول الله ﷺ , وهو قول مجاهد. والرابع: هم أبو بكر وعمر , وهو قول عكرمة. وطاعة وَلَاةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته , وهي طاعة يجوز أن تزول , لجواز معصيتهم , ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله ﷺ , لامتناع معصيته. وقد روى نافع عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (عَلَى المرَءِ المُسْلِمِ الطَّاعةُ فِيمَا أَحبَّ أو كَرِهَ إلَاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ فَلَا طَاعَةَ). قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد , وقتادة: يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله. ﴿إِن كُنتُم تُؤُمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أَحْمَدُ عَاقِبَةً , وهذا قول قتادة , والسدي , وابن زيد.
стр. 703
والثاني: أَظَهَرُ حَقاً وأَبْيَنُ صَواباً , وهو معنى قول مجاهد. والثالث: أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق , وهذا قول الزجاج.
стр. 704
﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوآ أَن يَكْفُرواْ بِهِ﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما خصومة , فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك لأني أعلم أنهم لا يقبلون الرشوة , وقال المنافق: أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف , لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة , فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة , فأنزل الله فيهما هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الكاهن , وهذا قول الشعبي ومجاهد. والثاني: أنها نزلت في رجلين من بني النضير وبني قريظة , وكانت بنو
стр. 705
قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني النضير أقادوا من القاتل , وكانت بنو النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني قريظة لم تَقُد من القاتل وأعطوا ديته ستين وَسْقاً من تمر , فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير , قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكمواْ إلى النبي ﷺ , فقال النَّضِيِرِيُّ لرسول الله: إنا كنَّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين وَسَقاً من تمر , فنحن نعطيهم اليوم ذلك , وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإسلام , فأنزل الله تعالى يعيِّرهم بما فعلواْ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] , ثم ذكر قول بني النضير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ثم أَخَذَ النَّضِيرِيَّ فقتله بالقرظي , فتفاخرت النضير وقريظة ودخلواْ المدينة , فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن , فأنزل الله في ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ [النساء: ٦٠] يعني في الحال , ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهوداً. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن , وهذا قول السدي. قوله تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ. .﴾ الآية في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله ﷺ , فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه , وحلفواْ بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء , وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذرواْ إلى رسول الله ﷺ في محاكمتهم إلى غيره بان قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق , فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم﴾ يعني من النفاق الذي يضمرونه. ﴿فَأَعْرِضْ عَنهُم وَعِظْهُم﴾ وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم. والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.
следующие страницы →