← Тафсир

Тафсир · id 8346

تفسير الماوردي = النكت والعيون

الماوردي

Полный текст (4 439 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الْرَّسُولَ وِأُولي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ يعني أطيعوا الله في أوامره ونواهيه , وأطيعوا الرسول. روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَطَاَعنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَا اللهَ , وَمَنْ عَصَا أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي). وفي طاعة الرسول قولان: أحدهما: اتباع سنته , وهو قال عطاء. والثاني: وأطيعوا الرسول إن كان حياً , وهو قول ابن زيد. وفي أولي الأمر أربعة أقاويل: أحدها: هم الأمراء , وهو قول ابن عباس , وأبي هريرة , والسدي , وابن زيد. وقد روى هشام عن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سَيَلِيكُم بَعْدِي وُلَاةٌ , فَيَلِيكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ , وَبَلِيكُمُ الفَاجِرُ بِفجُورِهِ , فَاسْمَعُوا لَهُم وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الحَقَّ , وَصَلُّوا وَرَاءَهُم , فإِن أَحْسَنٌواْ فَلَكُم وَلَهُم , وإنْ أَساءُوا فَلَكُم وَعَليهُم).

стр. 702

واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء , فقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية. وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر , وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله ﷺ في سرية. والقول الثاني: هم العلماء والفقهاء , وهو قول جابر بن عبد الله , والحسن , وعطاء , وأبي العالية. والثالث: هم أصحاب رسول الله ﷺ , وهو قول مجاهد. والرابع: هم أبو بكر وعمر , وهو قول عكرمة. وطاعة وَلَاةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته , وهي طاعة يجوز أن تزول , لجواز معصيتهم , ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله ﷺ , لامتناع معصيته. وقد روى نافع عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (عَلَى المرَءِ المُسْلِمِ الطَّاعةُ فِيمَا أَحبَّ أو كَرِهَ إلَاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ فَلَا طَاعَةَ). قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد , وقتادة: يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله. ﴿إِن كُنتُم تُؤُمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أَحْمَدُ عَاقِبَةً , وهذا قول قتادة , والسدي , وابن زيد.

стр. 703

والثاني: أَظَهَرُ حَقاً وأَبْيَنُ صَواباً , وهو معنى قول مجاهد. والثالث: أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق , وهذا قول الزجاج.

стр. 704

﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوآ أَن يَكْفُرواْ بِهِ﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما خصومة , فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك لأني أعلم أنهم لا يقبلون الرشوة , وقال المنافق: أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف , لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة , فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة , فأنزل الله فيهما هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الكاهن , وهذا قول الشعبي ومجاهد. والثاني: أنها نزلت في رجلين من بني النضير وبني قريظة , وكانت بنو

стр. 705

قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني النضير أقادوا من القاتل , وكانت بنو النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني قريظة لم تَقُد من القاتل وأعطوا ديته ستين وَسْقاً من تمر , فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير , قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكمواْ إلى النبي ﷺ , فقال النَّضِيِرِيُّ لرسول الله: إنا كنَّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين وَسَقاً من تمر , فنحن نعطيهم اليوم ذلك , وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإسلام , فأنزل الله تعالى يعيِّرهم بما فعلواْ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] , ثم ذكر قول بني النضير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ثم أَخَذَ النَّضِيرِيَّ فقتله بالقرظي , فتفاخرت النضير وقريظة ودخلواْ المدينة , فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن , فأنزل الله في ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ [النساء: ٦٠] يعني في الحال , ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهوداً. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن , وهذا قول السدي. قوله تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ. .﴾ الآية في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله ﷺ , فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه , وحلفواْ بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء , وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذرواْ إلى رسول الله ﷺ في محاكمتهم إلى غيره بان قالواْ ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق , فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم﴾ يعني من النفاق الذي يضمرونه. ﴿فَأَعْرِضْ عَنهُم وَعِظْهُم﴾ وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم. والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.

стр. 706

والثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم. ﴿وَقُل لَّهُم فِي أَنْفُسِهِم قَوْلاً بَلِيغاً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم , فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ , وهذا قول الحسن. والثاني: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر.

стр. 707

﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ومعنى ﴿شَجَرَ بَينَهُم﴾ أي وقع بينهم من المشاجرة وهي المنازعة والاختلاف , سُمِّيَ ذلك مشاجرة , لتداخل بعض الكلام كتداخل الشجر بالتفافها. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ﴾ وفي الحرج تأويلان: أحدهما: يعني شكّاً وهو قول مجاهد. والثاني: يعني إثماً , وهو قول الضحاك. واختلف في سبب نزولها على قولين. أحدهما: أنها نزلت في المنافق واليهودي اللَّذين احتكما إلى الطاغوت , وهذا قول مجاهد , والشعبي. والثاني: أنها نزلت في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدراً , تخاصما إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرّة كانا يسقيان به نخلاً , فقال رسول الله ﷺ (اسْقِ يا زُبَيرُ ثُمَّ أَرسِل المَاءَ إلَى جَارِكَ) فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله آن كان ابن عمتك , فَتَلَوِّنَ وجه رسول الله ﷺ حتى عرف أن قد ساءه , ثم قال يا

стр. 708

زبير: (احْبسِ المَاءَ إلَى الجُدُرِ أو الكَعْبَينِ ثَمَّ خَلِّ سَبِيلَ المَاءِ) فنزلت هذه الآية , وهذا قول عبد الله بن الزبير , وعروة , وأم سلمة.

стр. 709

﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اولَئِكَ رَفِيقاً﴾ أما الصديقون فهو جمع صديق , وهم أتباع الأنبياء. وفي تسمية الصديق قولان: أحدهما: أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ. والثاني: أنه فِعّيل من الصَدَقَة. وأما الشهداء فجمع شهيد , وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى. وفي تسمية الشهيد قولان: أحدهما: لقيامه بشهادة الحق , حتى قتل في سبيل الله.

стр. 710

والثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى. في الآخرة. ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله. وأما الصالحون فجمع صالح وفيه قولان: أحدهما: أنه كل من صلح عمله. والثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته. وأما الرفيق ففيه قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل. والثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير. وسبب نزول هذه الآية على ما حكاه الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والسدي أنَّ ناساً توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين , وحزنوا وسألوا النبي ﷺ فنزلت هذه الآية.

стр. 711

﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُم﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني احذرواْ عَدُوَّكم. والثاني: معناه خذواْ سلاحكم فسماه حذراً لأنه به يتقي الحذر. ﴿فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرو جَمِيعاً﴾ والثُّبات: جمع ثُبة , والثُبةُ العُصْبة , ومنه قول زهير: (لقد أغدو على ثُبةٍ كرام ... نشاوَى واجدين لما نشاء)

стр. 712

فيكون معنى لآية فانفروا عُصَباً وفِرقاً أو جميعاً. قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الْدُّنْيَا بِالأَخِرةِ﴾ يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة , فعبر عن البيع بالشراء. ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ فإن قيل فالوعد من الله تعالى على القتال فكيف جعل على القتل أو الغلبة؟ قيل لأن القتال يفضي غالباً إلى القتل فصار الوعد على القتال وعداً على من يفضي إليه , والقتال على ما يستحقه من الوعد إذا أفضى إلى القتل والغلبة أعظم , وهكذا أخبر.

стр. 713

﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ قوله تعالى: ﴿رَبَّنآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة في قول جميع المفسرين , لما كانواْ عليه , كما أخبر الله به عنهم , من استضعاف الرجال والنساء والولدان وإفتانهم عن دينهم بالعذاب والأذى.

стр. 714

﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا

стр. 715

هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيَل لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ فيمن نزلت هذه الآية فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي ﷺ بمكة في قتال المشركين فلم يأذن لهم , فلما كُتِبَ عليهم القتال وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم , وهذا قول ابن عباس , وعكرمة , وقتادة , والسدي. والثاني: أنها نزلت في المنافقين , وهو قول بعض البصريين.

стр. 716

والثالث: أنها نزلت في اليهود. والرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة , وهذا قول الحسن. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ في البروج ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها القصور , وهو قول مجاهد , وابن جريج. والثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم , وهو قول السدي , والربيع. والثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين.

стр. 717

وأصل البروج الظهور , ومنه تبرج المرأة إذا أظهرت نفسها. وفي المُشّيَّدَةِ ثلاثة أقاويل: أحدها: المجصصة , والشيد الجص , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع , يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه , ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه , وهذا قول الزجاج. والثالث: أن المُشّيَّد , بالتشديد: المُطَّول , وبالتخفيف: المجصَّص. قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ في القائلين ذلك قولان: أحدهما: أنهم المنافقون , وهو قول الحسن. والثاني: اليهود , وهو قول الزجاج. وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: البؤس والرخاء. والثاني: الخصب والجدب , وهو قول ابن عباس , وقتادة. والثالث: النصر والهزيمة , وهو قول الحسن , وابن زيد. وفي قوله: ﴿مِنْ عِندِكَ﴾ تأويلان: أحدهما: أي بسوء تدبيرك , وهو قول ابن زيد. والثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به , وهذا قول الزجاج , ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك﴾ اختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل. أحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي ﷺ وهو المراد به. والثاني: أنه متوجه إلى النبي ﷺ والمراد به غيره , وهو قول الزجاج. والثالث: أنه متوجه إلى الإنسان , وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله , وهذا قول قتادة. وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا , والسيئة المصيبة في الدين والدنيا , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر , والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته , وهو قول ابن عباس , والحسن. والثالث: أن الحسنة الطاعة , والسيئة المعصية , وهذا قول أبي العالية. قوله تعالى: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ قولان: أحدهما: يعني فبذنبك. والثاني: فبفعلك.

стр. 718

﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾ قوله تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ وإنما كانت طاعة لله لأنها موافقة لأمر الله تعالى. ﴿وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم. والثاني: حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف ألاّ تقوم بها , فإن الله تعالى هو المجازي عليها. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين , أي أمرنا طاعة. ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً , قال عبيد بن همام: (أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانواْ أتوْني بأمرٍ نُكُر) (لأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ منذراً ... وهل يُنْكِحُ الْعَبْدُ حُرٌّ لحُرْ؟)

стр. 719

وفي تسمية العمل بالليل بياتاً قولان: أحدهما: لأن الليل وقت المبيت. والثاني: لأنه وقت البيوت. وفي المراد بقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قولان: أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , والسدي. والثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب , وهذا قول الحسن. ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه. والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب , وهذا قول الزجاج.

стр. 720

﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرءَآنَ﴾ أصل التدبر الدبور , لأنه النظر في عواقب الأمور. ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾ في الاختلاف ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: تناقض من جهة حق وباطل , وهذا قول قتادة , وابن زيد.

стр. 721

والثاني: من جهة بليغ ومرذول , وهو قول بعض البصريين. والثالث: يعني اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُّونَ , وهذا قول الزجاج. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ في المعني بهذا قولان: أحدهما: المنافقون , وهو قول ابن زيد والضحاك. والثاني: أنهم ضعفة المسلمين , وهو قول الحسن , والزجاج. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الأمراء , وهذا قول ابن زيد , والسدي. والثاني: هم أمراء السرايا. والثالث: هم أهل العلم والفقه , وهذا قول الحسن , وقتادة , وابن جريج , وابن نجيح , والزجاج. ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم أولو الأمر. والثاني: أنهم المنافقون أو ضعفة المسلمين المقصودون بأول الآية , ومعنى يستنبطونه: أي يستخرجونه , مأخوذ من استنباط الماء , ومنه سُمِّي النبط لاستنباطهم العيون. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ في فضل الله ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني النبي ﷺ . والثاني: القرآن. والثالث: اللطف والتوفيق. وفي قوله تعالى: ﴿لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ أربعة أقاويل: أحدها: يعني لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم فإنه لم يكن يتبع الشيطان. والثاني: لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم وهذا قول الحسن وقتادة.

стр. 722

والثالث: أذاعوا به إلا قليلاً , وهذا قول ابن عباس , وابن زيد. والرابع: لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً مع الاتباع.

стр. 723

﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا﴾ قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ في الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة قولان: أحدهما: أنه مسألة الإنسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته أو شر بمسألته , وهذا قول الحسن , ومجاهد , وابن زيد. والثاني: أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين , والشفاعة السيئة الدعاء عليهم , لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه. وفي الكِفْلِ تأويلان: أحدها: أنه الوِزر والإثم , وهو قول الحسن , وقتادة. والثاني: أنه النصيب , كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وهو قول السدي , والربيع , وابن زيد. ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مقتدراً , وهو قول السدي , وابن زيد. والثاني: حفيظاً , وهو قول ابن عباس , والزجاج.

стр. 724

والثالث: شهيداً , وهو قول مجاهد. والرابع: حسيباً , وهو قول ابن الحجاج , ويحكى عن مجاهد أيضاً. والخامس: مجازياً , وأصل المقيت القوت , فَسُمِّي به المقتدر لأنه قادر على إعطاء القوت , ثم صار اسماً في كل مقتدر على كل شيءٍ من قوت غيره , كما قال الزبير ابن عبد المطلب: (وذي ضَغَنٍ كَففْتُ النَّفْسَ عنه ... وكنتُ على مَسَاءَتِهِ مُقِيتاً) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَا﴾ في المراد بالتحية ها هنا قولان: أحدهما: أنه الدعاء بطول الحياة. والثاني: السلام تطوع مستحب , ورده فرض , وفيه قولان: أحدهما: أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر , وهذا قول ابن عباس , وقتادة , وابن زيد. والثاني: أنه خاص في المسلمين دون الكافر , وهذا قول عطاء. وقوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ يعني الزيادة في الدعاء. ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعني بمثلها , وروى الحسن أن رجلاً سلَّم على رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم فقال رسول الله ﷺ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله , فقال النبي ﷺ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وًبَرَكاَتُهُ) ثم جاء آخر فقال: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي ﷺ :) وَعَلَيْكُم (فقيل: يا رسول الله رددت على الأول والثاني وقلت للثالث وعليكم , فقال:) إِنَّ الأَوَّلَ سَلّمَ وَأَبْقَى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيئاً , فَرَدَدْتُ عَلَيهِ بِأَحْسَنَ مِمَّا جَاءَ بِهِ , كَذَلِكَ الثَّانِي , وإنَّ الثَّالِثَ جَاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّهَا , فَرَدَدْتُ عَلَيهِ مِثْلَ ذَلِكَ (.

стр. 725

وقد قال ابن عباس: ترد بأحسن منها على أهل الإِسلام , أو مثلها على أهل الكفر , وروي عن النبي ﷺ أنه قال:) لا تَبْدَأُواْ اليَهُودُ بِالسَّلَامِ فَإِنْ بَدَأُوكُم فَقُولُواْ: عَلَيكُم (. ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حفيظاً , وهو قول مجاهد. والثاني: محاسباً على العمل للجزاء عليه , وهو قول بعض المتكلمين. والثالث: كافياً , وهو قول البلخي. قوله تعالى: ﴿الله لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ﴾ وفي تسمية القيامة قولان: أحدهما: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم. والثاني: لأنهم يقومون فيه للحساب.

стр. 726

﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية بسببه على خمسة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله ﷺ يوم أحد , وقالواْ: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم , وهذا قول زيد بن ثابت. والثاني: أنها نزلت في قوم قَدِمُواْ المدينة فأظهروا الإسلام , ثم رجعواْ إلى مكة فأظهروا الشرك , وهذا قول الحسن , ومجاهد. والثالث: أنها نزلت في قوم أظهرواْ الإِسلام بمكة وكانواْ يعينون المشركين على المسلمين , وهذا قول ابن عباس , وقتادة. والرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً , وهذا قول السدي. والخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك , وهذا قول ابن زيد. وفي قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ خمسة تأويلات: أحدها: معناه ردهم , وهذا قول ابن عباس. والثاني: أوقعهم , وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أهلكهم , وهذا قول قتادة. والرابع: أَضَلَّهم , وهذا قول السدي. والخامس: نكسهم , وهذا قول الزجاج. ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم. والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم. ﴿ ... . إِلَاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ أي يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لكم. قال عكرمة: نزلت في الهلال بن عويمر الأسلمي , وسراقة بن مالك بن جُعْثَم , وخزيمة بن عامر بن عبد مناف. قال الحسن: هؤلاء بنو مُدْلِج كان بينهم وبين قريش عهد , وبين رسول الله ﷺ [وقريش] عهد , فحرم الله من بني مُدْلِجِ ما حرّم من قريش. ﴿أَوْ جَآؤُكُمْ حَصِرتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ معنى حصرت أي ضاقت , ومنه حُصِرَ العدو وهو الضيق , ومنه حصر العداة لأنهم قد ضاقت عليهم مذاهبهم. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ. والثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم , وهذا قول أبي العباس. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ وفي تسليطهم قولان: أحدهما: بتقوية قلوبهم. والثاني: بالإذن في القتال ليدافعواْ عن أنفسهم. ﴿فَإِن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ فيه قولان: أحدهما: الصلح , وهو قول الربيع. والثاني: الإِسلام , وهو قول الحسن. ﴿فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ قال الحسن , وقتادة , وعكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ هم قوم يُظْهِرُونَ لقومهم الموافقة ليأمنوهم , وللمسلمين الإسلام ليأمنوهم , وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل مكة , وهذا قول مجاهد. والثاني: أنهم من أهل تهامة , وهذا قول قتادة. والثالث: قوم من المنافقين , وهذا قول الحسن. والرابع: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي , وهذا قول السدي. ﴿كُلَّ مَا ردُوُّاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا﴾ أي كلما رُدُّوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعواْ فيه.

стр. 727

ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل

стр. 728

ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية بسببه على خمسة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهذا قول زيد بن ثابت. والثاني: أنها نزلت في قوم قدموا المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن، ومجاهد. والثالث: أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً، وهذا قول السدي. والخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن زيد. وفي قوله تعالى: ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ خمسة تأويلات: أحدها: معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أهلكهم، وهذا قول قتادة. والرابع: أضلهم، وهذا قول الزجاج. ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم. والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أضلهم بذمهم.

стр. 729

﴿ ... . إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لكم﴾ أي يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان منه مثل ما لكم. قال عكرمة: نزلت في الهلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعثم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف. قال الحسن: هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد، وبين رسول الله ﷺ [قريش] عهد، فحرم الله من بين مدلج ما حرم من قريش. ﴿أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ معنى حصرت أي ضاقت، ومنه حصر العدو وهو الضيقن ومنه حصر العداة لأنهم قد ضاقت عليهم مذاهبهم. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حصرت. والثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تحصر صدورهم، وهذا قول أبي العباس. ﴿ولقد شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ وفي تسليطهم قولان: أحدهما: بتقوية قلوبهم. والثاني: بالإذن في القتال ليدفعوا عن أنفسهم. ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم﴾ فيه قولان: أحدهما: الصلح، وهو قول الربيع. والثاني: الإسلام، وهو قول الحسن. ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ قال الحسن، وقتادةن وعكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. قوله تعالى: ﴿ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم﴾ هم

стр. 730

قوم يظهرون لقومهم الموافقة ليأمنوهم، وللمسلمين الإسلام ليأمنوهم، وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل مكة، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنهم من أهل تهامة، وهذا قول قتادة. والثالث: قوم من المنافقين، وهذا قول الحسن. والرابع: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي. وهذا قول السدي. ﴿كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾ أي كلما ردوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعوا فيه.

стр. 731

﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَأً﴾ اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي , لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل واختلف أين قتله , فقال عكرمة ومجاهد: قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه , وقال السدي: قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه.

стр. 732

والقول الثاني: أنها نزلت في أبي الدرداء حين قتل رجلاً بالشعب فحمل عليه بالسيف , فقال: لا إله إلا الله , فبدر فضربه ثم وجد في نفسه فأتى رسول الله ﷺ فذكر له , فقال رسول الله ﷺ : (أّلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ) وهذا قول ابن زيد. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَأً﴾ يعني وما أّذِنَ الله لمؤمن أن يقتل مؤمناً. ثم قال: ﴿إلَاّ خَطَأ﴾ يعني أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له , وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع , ومنه قول جرير: (من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ ... على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ) يعني ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض. ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ وفيها قولان: أحدهما: أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت , وهذا قول ابن عباس , والشعبي , والحسن , وقتادة , وإبراهيم. والقول الثاني: أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء في الكفارة , وهذا قول عطاء , والشافعي. ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ في الدية وجهان: أحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله ﷺ . والثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته. ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ , وهو قول ابن عباس , والحسن , وقتادة , وابن زيد. قال ابن زيد: لا تؤدى إليهم لأنهم يَتَقوُّونَ بها.

стр. 733

والثاني: معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو كافراً وهذا قول الشافعي , ويكون معنى قوله: ﴿من قوم إلى قوم﴾ , وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنةٍ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: هم أهل الذمة من أهل الكتاب , وهو قول ابن عباس , يجب في قتلهم الدية والكفارة. والثاني: هم أهل عهد رسول الله ﷺ من العرب خاصة , وهذا قول الحسن. والثالث: هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة , وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية , وهذا قول الجمهور. والثاني: أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها , وهذا قول مسروقٍ. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ قال ابن جريج: نزلت في مقيس بن صبابة , وقد كان رجل من بني فهر قتل أخاه , فأعطاه النبي ﷺ الدية وضربها علي بني النجار , فقبلها , ثم بعث رسول الله ﷺ مقيس بن صبابة ومعه الفهري في حاجة فاحتمل مقيس الفهريَّ وكان أَيِّدا فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين ثم ألقى يغني: (قتلت به فِهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع)

стр. 734

) فقال رسول الله ﷺ : (أَظُنُّهُ أَحْدَثَ حَدَثاً , أَمَا وَاللَّهِ لَئِن كَانَ فَعَلَ لَا أُؤَمِّنْهُ فِي حِلٍ وَلَا حَرمٍ فَقُتِلَ عَامَ الفَتْحِ). وروى سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : (وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِناً مُّتَعمِدّاً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ) الآية , فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحاً. قال وأنَّى له التوبة. قال زيد بن ثابت. فنزلت الشديدة بعد الهدنة بستة أشهر , يعني قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاًءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهَ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].

стр. 735

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾. الآية. قيل إنها نزلت في رجل كانت معه غُنَيْمَاتُ لقيته سريَّة لرسول الله صلى الله عليهم وسلم , فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله , فبدر إليه بعضهم فقتله , فلما أتى رسول الله ﷺ قال له: (لِمَ قَتَلْتَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ) قال إنما قالها تعوذاً , قال: (هَلَاّ شَقَقْتَ عَن قَلْبِهِ) ثم حمل رسول الله ﷺ ديته إلى أهله وردّ عليهم غنمه.

стр. 736

واختلف في قاتله على خمسة أقاويل: أحدها: أنه أسامة بن زيد , وهو قول السدي. والثاني: أنه المقداد , وهو قول سعيد ابن جبير. والثالث: أبو الدرداء , وهو قول ابن زيد. والرابع: عامر بن الأضبط الأشجعي , وهو قول ابن عمر. والخامس: هو محلِّم بن جثامة الليثي. ويقال إن القاتل لفظته الأرض ثلاث مرات , فقال رسول الله ﷺ : (إنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِّنهُ وَلَكنَّ اللَّهَ جَعَلهُ لَكُم عِبْرَةً , ثُمَّ أَمَرَ بِأَن تُلْقْى عَلَيهِ الحِجَاَرةُ). ﴿كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ﴾ أي كفاراً مثلهم. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بالإسلام.

стр. 737

﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما﴾

стр. 738

قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾. في المراغم خمسة تأويلات: أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض , وهذا قول ابن عباس والضحاك. ومنه قول نابغة بني جعدة: (كطْودٍ يُلاذ بأركانه ... ... عزيز المراغم والمطلب) والثاني: مطلب المعيشة , وهو قول السدي , ومنه قول الشاعر: (إلى بلدٍ غير داني المحل ... ... بَعيد المُراغم والمطلب) والثالث: أن المراغم المهاجر , وهو قول ابن زيد: والرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره. والخامس: أن يجد ما يرغمهم به , لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم , وهذا قول بعض البصريين. وأصل ذلك الرغم وهو الذل. والرّغام: التراب لأنه ذليل , والرُّغام بضم الراء ما يسيل من الأنف. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: سعة في الرزق وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى , وهو قول قتادة. والثالث: سعة في إظهار الدين.

стр. 739

﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الأَرْضِ﴾ أي سرتم , لأنه يضرب الأرض

стр. 740

برجله في سيره كضربه بيده , ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً. ﴿فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين: أحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف , مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً , وهي مثل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين , فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر , وهذا قول سعد بن أبي وقاص , وداود بن علي. والثاني: أنه قَصْران , فقصر الأمَنْ , من الأربع إلى ركعتين , وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة , وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن. وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين , وفي الخوف ركعة. والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير. روي عن أبي أيوب عن علي ﵇ قال: سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي , فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر , فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أُخرى مثلها في أثرها , فأنزل الله تعالى بين الصلاتين ﴿إِن خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُم الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوّاً مُبِيْناً﴾ إلى قوله: ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فنزلت صلاة الخوف.
следующие страницы →