Полный текст (4 439 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
واختلف في قاتله على خمسة أقاويل: أحدها: أنه أسامة بن زيد , وهو قول السدي. والثاني: أنه المقداد , وهو قول سعيد ابن جبير. والثالث: أبو الدرداء , وهو قول ابن زيد. والرابع: عامر بن الأضبط الأشجعي , وهو قول ابن عمر. والخامس: هو محلِّم بن جثامة الليثي. ويقال إن القاتل لفظته الأرض ثلاث مرات , فقال رسول الله ﷺ : (إنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِّنهُ وَلَكنَّ اللَّهَ جَعَلهُ لَكُم عِبْرَةً , ثُمَّ أَمَرَ بِأَن تُلْقْى عَلَيهِ الحِجَاَرةُ). ﴿كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ﴾ أي كفاراً مثلهم. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بالإسلام.
стр. 737
﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما﴾
стр. 738
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾. في المراغم خمسة تأويلات: أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض , وهذا قول ابن عباس والضحاك. ومنه قول نابغة بني جعدة:
(كطْودٍ يُلاذ بأركانه ... ... عزيز المراغم والمطلب)
والثاني: مطلب المعيشة , وهو قول السدي , ومنه قول الشاعر:
(إلى بلدٍ غير داني المحل ... ... بَعيد المُراغم والمطلب)
والثالث: أن المراغم المهاجر , وهو قول ابن زيد: والرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره. والخامس: أن يجد ما يرغمهم به , لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم , وهذا قول بعض البصريين. وأصل ذلك الرغم وهو الذل. والرّغام: التراب لأنه ذليل , والرُّغام بضم الراء ما يسيل من الأنف. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ ثلاث تأويلات: أحدها: سعة في الرزق وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى , وهو قول قتادة. والثالث: سعة في إظهار الدين.
стр. 739
﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الأَرْضِ﴾ أي سرتم , لأنه يضرب الأرض
стр. 740
برجله في سيره كضربه بيده , ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً. ﴿فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين: أحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف , مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً , وهي مثل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها , وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين , فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر , وهذا قول سعد بن أبي وقاص , وداود بن علي. والثاني: أنه قَصْران , فقصر الأمَنْ , من الأربع إلى ركعتين , وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة , وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن. وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين , وفي الخوف ركعة. والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير. روي عن أبي أيوب عن علي ﵇ قال: سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي , فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر , فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أُخرى مثلها في أثرها , فأنزل الله تعالى بين الصلاتين ﴿إِن خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُم الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوّاً مُبِيْناً﴾ إلى قوله: ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فنزلت صلاة الخوف.
стр. 741
﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ وهذا خطاب للنبي ﷺ أن يصلي في الخوف بأصحابه. واختلف أهل العلم فيه هل خص به النبي ﷺ ؟ على قولين: أحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته , لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم , فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم , فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد , فلذلك صار هذا خاصاً للنبي ﷺ , وهذا القول محكي عن أبي يوسف. والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي ﷺ ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه , لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا وهو قول الجمهور. وقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ يعني مع النبي ﷺ في الصلاة , وطائفة بإزاء العدو. ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله ﷺ , وهذا قول الشافعي. والثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون , وهذا قول ابن عباس.
стр. 742
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ يعني فإذا سجدت الطائفة التي معك في الصلاة. ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ يعني بإزاء العدو. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿مِن وَرَآئِكُمْ﴾ هل ذلك بعد فراغهم من الصلاة وتمامها بالركعة التي أدركوها معه؟ على قولين: أحدهما: قد تمت بالركعة حتى يصلوا معها بعد فراغ الإمام ركعة أخرى , وهذا قول من أوجب عليه الخوف ركعتين. ومن قال بهذا اختلفوا هل يتمون الركعة الباقية عليهم قبل وقوفهم بإزاء العدو أو بعده؟ على قولين: أحدهما: قبل وقوفهم بإزاء العدو , وهو قول الشافعي. والثاني: بعده وهو قول أبي حنيفة. ثم قال تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَك﴾ يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله ﷺ الركعة التي بقيت عليه , وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو. وإذا صلت مع النبي ﷺ الركعة الباقية عليه ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك فرضها وتسلم بسلامه , وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعة. والقول الثاني: أن عليها ركعة أخرى , وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعتين كالأمن , فعلى هذا متى تفارقه؟ فعلى قولين: أحدهما: قبل تشهده. والثاني: بعده , وقد روى القولين معاً سهل بن أبي حَثمة عن النبي ﷺ .
стр. 743
وهل تتم ركعتها الباقية وقوفها بإزاء العدو؟ على قولين: أحدهما: تتمها قبل الوقوف بإزائه , وهو قول الشافعي. والثاني: تقف بإزائه قبل إتمامها حتى إذا أتمت الطائفة الأولى ركعتها عادت فوقفت بإزاء العدو , ثم خرجت هذه فأتمت ركعتها , وهذا قول أبي حنيفة. وهذه الصلاة هي نحو صلاة النبي ﷺ بذات الرقاع.
стр. 744
﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما﴾ قوله تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيتُمُ الصَلَاّةَ فَاذْكُرُواْ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ يعني ذكر الله بالتعظيم والتسبيح والتقديس بعد صلاته في خوفٍ وغيره: قال ابن عباس: لم يعذر أحد في تركه إلا مغلوباً على عقله. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر , وهذا قول الحسن , وقتادة , ومجاهد. والثاني: معناه فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي , وهذا قول السدي. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أي فرضاً واجباً , وهو قول ابن عباس , والحسن. والثاني: يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها , كلما مضى نجم جاء نجم , وهو قول ابن مسعود , وزيد بن أسلم. ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَومِ﴾ أي لا تضعفواْ في طلبهم لحربهم.
стр. 745
﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم. ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم. وفي هذا الرجاء اثنان من التأويلات: أحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون. والثاني: تخافون من الله لا يخافون , ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ٣١] أي لا تخافون لله عظمة. ومنه قول الشاعر:
(لا ترتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعةً لاقت معاً أم واحداً)
стр. 746
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة
стр. 747
منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الكتاب حق. والثاني: أن فيه ذكر الحق. والثالث: أنك به أحق. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بما أعلمك الله أنه حق. والثاني: بما يؤديك اجتهادك إليه أنه حق. ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خصيماً﴾ أي مخاصماً عنهم , وهذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق , واختلف في سبب نزولها فيه , فقال السدي: كان قد أودع درعاً وطعاماً فجحده ولم تقم عليه بينه , فهم رسول الله ﷺ بالدفع عنه , فبين الله تعالى أمره. وقال الحسن: إنه كان سرق درعاً وطعاماً فأنكره واتهم غيره وألقاه في منزله , وأعانه قوم من الأنصار , وخاصم النبي ﷺ عنه أو هَمّ بذلك , فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ يعني الذي اتهمه السارق وألقى عليه السرقة. وقيل: إنه كان رجلاً من اليهود يقال له يزيد بن السمق.
стр. 748
وقيل: بل كان رجلاً من الأنصار يُقال له لبيد بن سهل. وقيل: طعمة بن أبيرق فارتد فنزلت فيه هذه الآية. ولحق بمشركي أهل مكة فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥].
стр. 749
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا﴾ قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة , وهو قول السدي وابن زيد وأبي مالك. والثاني: أنها الأوثان , وكان في مصحف عائشة: ﴿إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً﴾. والثالث: الملائكة , لأنهم كانواْ يزعمون أنهم بنات الله , وهذا قول الضحاك.
стр. 750
والرابع: الموات الذي لا روح فيه , لأن إناث كل شيء أرذله , وهو قول ابن عباس , وقتادة. قوله تعالى: ﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يعني الإيمان. ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّءَاذَانَ الأَنْعَامِ﴾ أي لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ فيه ثلاث تأويلات. أحدها: يعني دين الله , وهذا قول الحسن , وقتادة , ومجاهد , وإبراهيم. والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم , وهذا قول ابن عباس , وأنس , وعكرمة. والثالث: أنه الوشم , وهو قول ابن مسعود , والحسن. قال ابن مسعود: (لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ والمتنمِّصَاتِ والمُتَفَلِّجَاتِ للحسُنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ).
стр. 751
﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا﴾ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ في الكلام مضمر
стр. 752
محذوف وتقديره ليس الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب , على قولين: أحدهما: أنهم عبدة الأوثان , وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم أهل الإسلام , وهو قول مسروق , والسدي. ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ السوء ما يسوء من القبائح , وفيه ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشرك بالله تعالى , وهو قول ابن عباس. الثاني: أنه الكبائر , وهذا قول أُبَيِّ بن كعب. والثالث: أنه ما يلقاه الإنسان في الدنيا من الأحزان والمصائب جزاءً عن سيئاته كما روى محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْرَ بِهِ﴾ شقت على المسلمين وبلغت بهم ما شاء الله أن تبلغ فَشَكو ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: (قَارِبُوا وَسدِّدُواْ فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبةُ يُنْكَبُهَا أو الشَّوْكِةُ يُشَاكُهاَ). وروى الأعمش عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشَدَّ هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْرَ بِهِ﴾ فقال: (يَا أَبَا بَكْر إِنَّ المُصِيْبَةَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ).
стр. 753
﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية. اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: هو أن سبب نزولها أنهم في الجاهلية كانواْ لا يورثون النساء ولا
стр. 754
الأطفال , فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس , فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿اللَاّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فيه قولان. أحدهما: يعني المواريث , وهذا قول ابن عباس بن جبير وقتادة مجاهد وابن زيد. والثاني: أنهم كانواْ لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن , فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ سألوا رسول الله ﷺ , فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿اللَاّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني ما فرض لهن من الصداق وهو قول عائشة. ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ترغبون عن نكاهن لقبحهن. والثاني: تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن , وهو قول عائشة.
стр. 755
﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً﴾ الآية اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين:
стр. 756
أحدهما: أنها نزلت في رسول الله ﷺ حين هم بطلاق سودة بنت زمعة فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها , فنزلت هذه الآية فيها. وهذا قول السدي. والقول الثاني: أنها عامة في كل امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً. والنشوز: الترفع عنها لبغضها , والإعراض: أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ إمَّا من تَرْكِ مهرٍ أو إسقاط قَسَم. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني خيراً من النشوز والإعراض , وهو قول بعض البصريين. والثاني: خير من الفرقة , وهو قول الزجاج. ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن , وهذا قول ابن عباس , وسعيد بن جبير. والثاني: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه , وهو قول الحسن. قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ﴾ يعني بقلوبكم ومحبتكم. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة , وهو قول مجاهد. والثاني: ولو حرصتم في الجماع , وهو قول ابن عباس. ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي فلا تميلواْ بأفعالكم فتُتْبِعُوهَا أهواءَكم. ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني لا أيِّماً ولا ذات زوْج. قوله تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ يعني الزوجين إن تفرقا بالطلاق.
стр. 757
﴿يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه , ومعنى قوله: ﴿من سعته﴾ أي من رحمته , لأنه واسع الرحمة. والثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه , ومعنى قوله: ﴿من سعته﴾ أي من قدرته لأنه واسع القدرة. والثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه. ومعنى قوله: ﴿من سعته﴾ أي من غناه لأنه واسع الغنى.
стр. 758
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا﴾ قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بأَخَرِينَ﴾ روى سهل بن أبي صالح عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه لما نزلت ضرب بيده على ظهر سلمان وقال: (هُمْ قَوْمُ هّذا) يعني عجم الفرس. قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ﴾ ثواب الدنيا النعمة , وثواب الآخرة الجنة.
стр. 759
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم
стр. 760
أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني بالعدل ﴿شُهَدَآءَ للهِ﴾ يعني بالحق. ﴿وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه. ﴿أَوِ الْوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ أن يشهد عليهم لا لهم. ﴿إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾ قال السدي: نزلت في النبي ﷺ وقد اختصم إليه رجلان: غني وفقير , فكان ميله مع الفقير , يرى أن الفقير لا يظلم الغني , فأمره الله أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال: ﴿إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾. وقال ابن عباس: نزلت في الشهادة لهم وعليهم. ﴿وَإِن تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ قرأ ابن عباس وحمزة بواو واحدة , وهي من الولاية أي تلوا أمور الناس أو تتركواْ , وهذا للولاة والحكام. وقرأ الباقون: ﴿تَلْوُواْ﴾ بواوين. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو أن يلوي الإنسان لسانه بالشهادة كما يلوي الرجل ديْن الرجل إذا مطله , ومنه قول النبي ﷺ (ولَيُّ الْوَاجِدِ يُبِيْحُ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) وقال الأعشى:
(يلوونني ديني النهار وأقتضى ... ديني إذا وقذ النعاس الرُّقدا)
وتكون على هذه القراءة والتأويل هذا خطاب الشهود.
стр. 761
﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإن قيل فكيف قيل لهم ﴿ءَامِنُواْ﴾ وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى. الثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم , وتكون خطاباً للمنافقين. والثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم , ويكون هذا خطاباً للمؤمنين , وهذا قول الحسن.
стр. 762
﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم آمنواْ بموسى ثم كفرواْ بعبادة العجل , ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفرواْ بعيسى , ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم , وهذا قول قتادة.
стр. 763
والثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدواْ , ثم آمنوا ثم ارتدواْ , ثم ماتواْ على كفرهم , وهذا قول مجاهد. والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدواْ تشكيك المؤمنين فكانواْ يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادواْ كفراً بثبوتهم عليه , وهذا قول الحسن. واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين: أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية , فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة , وهذا قول علي. والثاني: يستتاب كلما ارتد , وهو قول الشافعي والجمهور.
стр. 764
﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يعني المنافقين. ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ أي فأعطونا من الغنيمة. ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: معناه ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم. والثاني: معناه ألم نبين لكم أننا على دينكم , وهذا قول ابن جريج. والثالث: معناه ألم نغلب عليكم , وهو قول السدي. وأصل الاستحواذ الغلبة , ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ يعني غلب عليهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيْلاً﴾ فيه قولان:
стр. 765
أحدهما: يعني حُجّة , وهذا قول السدي. والثاني: سبيلاً في الآخرة , وهذا قول عليّ , وابن عباس.
стр. 766
﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾ قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ معنى ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ أي يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر , فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله . ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعني الله تعالى , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يعاقبهم على خداعهم , فسمى الجزاء على الفعل باسمه. والثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. والثالث: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين , فإذا جاؤواْ إلى الصراط طفىء نورهم , فتلك خديعة الله إياهم. ﴿وَإِذَا قَاموا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ يحتمل قولين: أحدهما: متثاقلين. والثاني: مقصَّرين. ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ﴾ يعني أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى. ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ فيه قولان: أحدهما: الرياء , لأنه لا يكون إلا ذِكراً حقيراً , وهو قول قتادة.
стр. 767
والثاني: يسيراً لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح , وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم. قال الحسن: لأنه كان لغير الله تعالى.
стр. 768
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾ قوله : ﴿لَاّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَن ظُلِمَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه , وهذا قول ابن عباس.
стр. 769
والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه , وهذا قول مجاهد. والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه , وهذا قول الحسن , والسدي. والرابع: إلا أن يكون ضيفاً , فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته , فلا بأس أن يجهر بذمه , وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. ثم قال بعد أن أباح بالسوء من القول لمن كان مظلوماً: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ﴾ يعني خيراً بدلاً من السوء , أو تخفوا السوء , وإن لم تبدوا خيراً اعفوا عن السوء , كان أولى وأزكى , وإن كان غير العفو مباحاً.
стр. 770
﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنْ السَّمَاءِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن اليهود سألوا محمداً ﷺ , أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً , كما نزل على موسى الألواح , والتوراة مكتوبة من السماء , وهذا قول السدي , ومحمد بن كعب. والثاني: أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة , تحكماً في طلب الآيات , وهذا قول الحسن , وقتادة. والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه , وهذا قول ابن جريج. ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما
стр. 771
أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة , ثم كفروا بعبادة العجل. والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم , كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم. ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة , أي معاينة. والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول أّرِنا الله , فيكون على التقديم والتأخير , وهذا قول ابن عباس. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: بظلمهم لأنفسهم. والثاني: بظلمهم في سؤالهم. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم﴾ يعني: بالعهد الذي أخذ عليهم بعد تصديقهم بالتوراة ان يعملوا بما فيها , فخالفوا بعبادة العجل ونقضوه , فرفع الله عليهم الطور , ليتوبوا , وإلَاّ سقط عليهم فتابوا حينئذ. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه باب الموضع الذي عبدوا فيه العجل , وهو من أبواب بيت المقدس , وهذا قول قتادة. والثاني: باب حِطَّة فأمروا بدخوله ساجدين لله . ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ قرأ ورش عن نافع ﴿تَعَدُّوا﴾ بفتح العين وتشديد الدال , من الاعتداء , وقرأ الباقون بالتخفيف من عَدَوت. وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه , فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية - ترك واجباته. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ وهو ميثاق آخر بعد رفع الطور عليهم , غير الميثاق الأول. وفي قوله تعالى: ﴿غَلِيظاً﴾ قولان: أحدهما: أنه العهد بعد اليمين. والثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.
стр. 772
﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ قوله تعالى: ﴿ ... وَقَولِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها محجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق , كالمحجوب في غلافة , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: يعني أنها أوعية للعلم وهي لا تفهم احتجاجك ولا تعرف إعجازك , وهذا قول الزجاج , فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً , وعلى التأويل الثاني إبطالاً. ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع , وهو قول بعض البصريين. الثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً , وهذا قول الزجاج. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ فيه تأويلان:
стр. 773
أحدهما: أن القليل منهم يؤمن بالله. الثاني: لا يؤمنون إلا بقليل , وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم. قوله : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ , أما قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فهو من قول اليهود , أخبر الله به عنهم. أما ﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود بمعنى رسول الله في زعمه. والثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم , وتقديره: الذي هو رسولي. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم كانوا يعرفونه فألقى شبهه على غيره , فظنوه المسيح فقتلوه , وهذا قول الحسن , وقتادة , ومجاهد , ووهب , والسدي. والثاني: أنهم ما كانوا يعرفونه بعينه , وإن كان مشهوراً فيهم بالذكر , فارتشى منهم يهودي ثلاثين درهماً , ودلهم على غيره مُوهِماً لهم أنه المسيح , فشُبِّهَ عليهم. والثالث: أنهم كانوا يعرفونه , فخاف رؤساؤهم فتنة عوامِّهم , فإن الله منعهم عنه , فعمدوا إلى غيره , فقتلوه وصلبوه , ومَوَّهُوا على العامة أنه المسيح , ليزول افتتانهم به. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم اختلفوا فيه قبل قتله , فقال بعضهم: هو إله , وقال بعضهم: هو ولد , وقال بعضهم: هو ساحر , فشكوا ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاَع الظَّنِّ﴾ الشك الذي حدث فيهم بالاختلاف. والثاني: ما لهم بحاله من علم - هل كان رسولاً أو غير رسول؟ - إلا اتباع الظن. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقْيناً﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
стр. 774
أحدها: وما قتلوا ظنَّهم يقيناً كقول القائل: ما قتلته علماً , وهذا قول ابن عباس , وجويبر. والثاني: وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره , وهذا قول السدي. والثالث: وما قتلوه حقاً , وهو قول الحسن. ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد , فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه , وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أنه رفعه إلى السماء , وهو قول الحسن. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح , إذا نزل من السماء , وهذا قول ابن عباس , وأبي مالك , وقتادة , وابن زيد. والثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة , فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم , وهذا قول الحسن , ومجاهد , والضحاك , وابن سيرين , وجويبر. والثالث: إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي , وهذا قول عكرمة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ يعني المسيح , وفيه قولان: أحدهما: أنه يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره. والثاني: يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه , وأقر بالعبودية على نفسه , وهذا قول قتادة , وابن جريج.
стр. 775
﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا
следующие страницы →